قراءة تحليلية لقصة "اعتراف" للمبدعة، عائدة محمد نادر/ العراق

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الفرحان بوعزة
    أديب وكاتب
    • 01-10-2010
    • 409

    قراءة تحليلية لقصة "اعتراف" للمبدعة، عائدة محمد نادر/ العراق

    30 ـــ اعتراف/عائدة محمد نادر/العراق
    قراءة تحليلية لقصة "اعتراف" للمبدعة، عائدة محمد نادر/ العراق
    تحت عنوان: جمالية عبور التأويل من المعنى التصريحي إلى المعنى الإيحائي المتعدد
    القصة
    أمسك يدها بحنان ظاهر، وسحب نفسا طويلا من سيجارته:
    - تدرين أني أحبك، ولن أتخلى عنك حتى آخر العمر، ولأني عاهدتك أن أكون صادقا معك، فضلت أن تعرفي الخبر مني، وليس من الأهل والأقرباء..
    لقد تزوجت عليك
    .
    تغضنت ملامحها وسرحت في اللاشيء برهة وانبرت تسأل:
    - أهي أجمل وأصغر مني.؟!

    1 ــــ دلالة العنوان/ اعتراف
    يعتبر العنوان "اعتراف" علامة لسانية تضيء النص، وتكشف عن روح مضمونه، وهو كعتبة لا يمكن للقارئ أن يتخطاها، فيكون العنوان مفتاحا الذي يسمح للقارئ بالدخول إلى عالم النص. "اعتراف" هو عنوان يتكون من كلمة واحدة، يختصر الطريق إلى النص. فما دلالة كلمة "اعتراف" لغويا؟ فقد يتعدد معنى "اعتراف" حسب سياقه واستعماله في الجملة؟ فالعنوان جاء نكرة، لفظة تحمل المعنى الموجود في الفعل والمجرد دون تحديد حدث زمانه. والاعتراف هو الإقرار، وإظهار الحقيقة بدل إخفائها. فكيف تم هذا الاعتراف؟ أهو اعتراف شفوي،أم اعتراف كتابي؟ هل هو اعتراف تحت الضغط، أم تم عن طواعية؟ هل هو اعتراف خطير، أم اعتراف عادي؟ لمن تم هذا الاعتراف؟ للناس، للمحامي، للمحكمة للقاضي .. للأهل؟ أسئلة تبقى دون جواب، ولكنها تفتح شهية القارئ ليتجول بين دهاليز النص، وتفتيش ما يخبئه النص من أسرار. فللعنوان له أهميته لأنه يسم النص ويصفه، ويشهد على مضمون النص، وقد تقاسم النقاد تعريفات للعنوان ووظيفته في العمل الأدبي، ونختصر الكلام فيما قاله "ليو هوك" في كتابه "سمة العنوان" قائلا: " العنوان مجموعة العلامات اللسانیة (كلمة، جملة، نص) التي یمكن أن تدرج على رأس نص لتحدده، وتدل على محتواه العام وتُعرف الجمهور بقراءاته"(1)
    فالعنوان "اعتراف" بتعبير لوي بورخيس" هو المدخل الذي يجعل المتلقي يمسك بالخيوط الأولية والأساسية للعمل المعروض، وهو أيضا البهو لذي منه ندلف إلى دهاليز نتحاور فيها مع المؤلف الحقيقي والمتخيل، داخل فضاء تكون إضاءته خافتة."
    2 ـــ تحليل خطاب النص
    اـــ أمسك يدها بحنان ظاهر، وسحب نفسا طويلا من سيجارته:/ أخبرت الساردة عن بطل يبقى مجهولا للقارئ، بإمساك " يدها". لقطة تثير فضول القارئ ليتساءل من يكون هذا الشخص الذي قام بالفعل، فالساردة لم تقدم ملامحه الخارجية، لقطة تغري القارئ لطرح عدة تأويلات قبل أن يتابع القراءة. أهو زوجها؟ أهو خطيبها المرتقب؟ أهي ابنته؟ أهو عشيقها؟ أهي أمه؟ أهي زوجته؟ فرضيات وتوقعات قد يتخلى القارئ عن بعضها، أو يترك منها ما ينسجم مع مضمون النص حين يتقدم في القراءة.
    فالجملة السردية / بحنان ظاهر،/ تبين أن البطل استعان بالحنان وصفته الساردة ب "الظاهر"، معنى ذلك أن قضية الحنان الظاهر فيه إشكالية، تثير الشك والارتياب، وقد يتجه الفعل نحو رمزية التقارب والعلاقة الجيدة بين البطلين. فهل هو حنان حقيقي؟ أم هو حنان ولدته اللحظة؟ أم هو حنان له هدف معين؟
    هناك زمن قصير فاصل بين إمساك اليد، وسحب النفس الطويل من السيجارة، صورة تبين أن البطل في ورطة، وأن قضية ما تشغل باله، فهو حائر ومتردد. فالساردة لم تحدد المكان الذي يجري فيه الحدث، فعل قد يتم في أي مكان، في المنزل، في الشارع، في الحديقة كصورة حميمية، ترمز للجو الخارجي للحدث، وهي صورة تنتمي إلى المرئيات التي تساعد القارئ على فهم المناخ النفسي للبطلين. إما أن يتقبله كحدث عادي وطبيعي، أو كحدث إنساني يجمع بين شخصيتين.
    ب ـــ - تدرين أني أحبك، ولن أتخلى عنك حتى آخر العمر، ولأني عاهدتك أن أكون صادقا معك، فضلت أن تعرفي الخبر مني، وليس من الأهل والأقرباء.. لقد تزوجت عليك./
    أعطت الكاتبة الكلمة للبطل، فمن خلال تعبيره وبوْحه بما في نفسه، يستطيع القارئ أن يتخيل هذه الشخصية، ويرسمها في ذهنه، ليحدد صفاتها العقلية المميزة لها، والكشف عن عواطفها وموقفها من الحياة، فالحدث تطور على ما حدث به زوجته، فهو عمل على تبيان مسلك الحدث حتى نهايته الطبيعية.
    ج ـــ تدرين أني أحبك،/ لقد كشف البطل عن موقفه الذي يتجلى في اعترافه أنه يحب البطلة، ولن يتخلى عنها حتى آخر عمرها، فالقارئ لما سمع الشخصية تتحدث، وهي تتكلم بوضوح وحيوية دون حرج، يدرك أن هذه الشخصية تتسم بالصدق والجرأة في كشف جزء من اعترافه.
    فالكاتبة استطاعت أن تخلق شخصية متزنة تتكلم بهدوء، مركزة على قيم إنسانية،/الحب/ العشرة الدائمة/ الصدق/ قيم نبيلة تحفز القارئ على الاهتمام بهذه الشخصية، ومتابعة أفعالها وقوة حرارة صدقها في التعبير، مما يحدث تأثيرا كبيرا في نفسية القارئ ، فيعمل على تصنيفها والبحث عن من يشبهها في الحياة.
    ابتعدت الكاتبة عن التخييل، وصورت واقعا بطريقة فنية، بدل نقله كما هو. وهي فنية يلجأ لها الكاتب لجعل الواقع يتمثل للقارئ برؤية خاصة، قد تعارض موقفه وتوقعاته السابقة.
    د ـــ ولن أتخلى عنك حتى آخر العمر،/ تأكيد على استمرار الحب بينهما، جملة سردية فيها إيحاء وتلميح على الثبات في المعاملة الحسنة، فالوضعية لن تتبدل، وستبقى ثابتة مهما استجدت الظروف. كلام يؤسس لحياة جديدة،
    ه ـــ ولأني عاهدتك أن أكون صادقا معك،/ جملة سردية تذكر البطلة بأنه عاهدها على الصدق والوفاء، ولم يكذب عليها في الماضي والحاضر. فمن خلال قول البطل الذي يهدف منه طمأنة البطلة، وإبعاد غضبها المرتقب، لجأ السارد/البطل إلى هذه المقدمة كتوطئة للفعل، مقدمة تعتبر استباقية، قبل أن يأتيها الخبر من باب آخر، من الأهل والناس بقوله" فضلت أن تعرفي الخبر مني، وليس من الأهل والأقرباء../ فالبطل يحاول حصر الحدث داخل منزله، وجعل الخبر بين اثنين قبل أن يتفشى على ألسنة الناس من أهل وأقرباء، وقد تشتعل النار، وتكبر القضية. وتتعكر الحياة بينهما.
    اعتمدت الكاتبة على عنصر التشويق والإثارة، فقبل الوصول إلى الهدف المعلوم للبطل والمجهول للبطلة، استعانت الكاتبة بعناصر تشويقية تحفز البطلة والقارئ معا أن يحسا بالانفعال والتوتر والترقب والانتظار المبطن بالخوف والدهشة والاستغراب، فتـتولد صراعات خفية، وتوقعات متعددة، وأسئلة دافعة للحيرة؟ ماذا يريد أن يقول البطل؟ ما الهدف من تذكير البطلة بالحب والصدق والوفاء؟ وما دخل الأهل والأقرباء في الموضوع؟ كلام البطل خلق صراعا داخليا للبطلة يمس حياتها الزوجية.
    فقبل أن يزف البطل خبر زواجه بامرأة أخرى، هناك كلام مطمور عملت الساردة أن ترمز إليه بنقطتين(..) نقطتان تدل على اتساع الكلام، فراغ حصل فيه الإيجاز والاختصار، فخلق مسافة تغري القارئ بالتأويل، وتحفزه على تكملة النقص وملء الثغرات، وتنير خيال المتلقي وتقدح ملكاته النفسية والمعرفية.
    يقول الدكتور أحمد فرشوخ" ومن هنا يلعب "الحذف" بما هو شكل فراغي، يلعب دورا رئيسيا في تخليق الإيحاء ونحت الثغرات، والحفر في العمق النصي: الشيء الذي يجعل عالم الكتابة يتسع من الداخل، فتغزر معانيه، ويتقوى إشعاعه."(2)
    فما هو شعور البطلة وهي تسمع، وكلما استرسل في كلامه، تتطلع إلى وجهه، تنتظر النهاية، تترقب النتيجة. فالبطل لم يترك الفرصة للبطلة أن تسأل، أو تقاطعه...فلم تكن فاعلة في الحدث، ولم تعمل على تطويره، خاصة لما يكون الخبر يتعلق بالمشاعر العاطفية والأحاسيس الإنسانية.
    وـــ لقد تزوجت عليك/ تقبلت البطلة الخبر ببرودة، فشخصية البطل هي المهيمنة في القصة، فقد يتخيله القارئ هو الأقوى، فالقارئ كان ينتظر ردة فعل البطلة، بوسائل تعبيرية تتجلى في الانفعال والتوتر، والصراخ في وجه زوجها، وسحب يدها من يده، والابتعاد عنه. ولكن البطلة اكتفت بالصمت، والبرودة التامة، كأنها كانت تعلم بالخبر مسبقا، لذلك لم تدافع عن نفسها، ولم تطعن في الخبر. وهي حالة تدفع القارئ أن يتساءل من جديد: لماذا لم تصرخ في وجه زوجها؟ لماذا لم تكذبه؟ لماذا لم تتهمه بالخيانة؟ هل كانت الزوجة تعاني من مرض معين؟ هل كانت عاقرا؟ هل فقدت جمالها ونضارتها؟ هل برز عيب فيها بعد الزواج؟ هل فقدت حيويتها الزوجية؟ كل هذه الأسئلة تجعل القارئ يخرج من النص ليبحث عن ما ينسجم مع الوضعية، ثم يعود للنص ليغربل الإشارات اللغوية، والقرائن المحفزة على التأويل، ثم يعمل على الملء والترميم للمعاني والدلالات الغائبة. وقد شبه أحد النقاد القارئ بقوله:" بحيث يغدو القارئ شبيها بعالم آثار يعيد تركيب قصور فارغة."
    4 ـــ هل هناك حوار في القصة؟
    قد نتخيل أن حوارا جرى بين الزوج وزوجته، فالحوار يقوم في القصة بوظائف متعددة وأهمها:
    تطوير موضوع القصة للوصول بها إلى النهاية المنشودة. والتخفيف من رتابة السرد، مما يريح القارئ من متابعة السرد ويبعد عنه الشعور بالملل. كما أنه يساعد في رسم شخصيات القصة، فالشخصية لا يمكن أن تبدو كاملة الوضوح والحيوية إلا إذا سمعها القارئ وهي تتحدث. فمن حيث مضمون القصة نجد أن هناك حوارا دار بين الزوج والزوجة، إلا أنه يتسم بعدم التكافؤ في الكلام، فالزوج هو المهيمن في الكلام، شرع يفسر تصرفه السلوكي طيلة الزواج بزوجته، وفي نفس الوقت يريد اكتشاف الانفعالات الوجدانية الخاصة بالزوجة، فهل تؤيد زواجه أم ترفضه؟ وقد اختارت الساردة أسلوبا فنيا للحوار مرتكزة على تهييئ أرضية يقام عليها حوار هادئ، كأن البطل كان يراهن على صراع واشتباك بينه وبين زوجته، فاقتصر على تقديم خبر زواجه، كمخطط تم ضبطه وإنجازه في غيابها. والهدف ليس هو محاورتها، وانتظار جوابها، هل هي موافقة أم معارضة؟ فسواء عارضت أو أيدته، فإن الزواج قد تم وأنجز في غيابها، مما يدفعها للقبول به مهما كانت الظروف.
    ز ــ لقد تزوجت عليك/ لقد اختلف هذا الخطاب عن المحادثة اليومية العادية التي تحدث بين الزوج وزوجته، فالفعل، وإنجاز حدث الزواج ألجم فم الزوجة، فردت بأبسط انفعال وتوتر صامت، وسمته بتغضن ملامحها، وتاهت في اللانهائي. لحظة صعبة على البطلة، وصدمة تلقتها وكأنها فقدت وعيها. وقد يتساءل القارئ عن سلوك الزوجة البارد والفاتر. لماذا لم تبد الزوجة اعتراضا؟ كيف استوعبت تصرفات زوجها؟ هل تعاطفت معه لإحساسها أنها مقصرة في حقه؟ هل ارتأت أن تحافظ على حبها لزوجها؟ هل توقعت أن زوجها سوف يعاملها معاملة حسنة مع وجود امرأة أخرى في قلب زوجها؟ ألم تشعر الزوجة أنها لم تعد مرغوبة؟ ألم تطلب الطلاق على الفور؟ ألم تتصور أن عوامل كثيرة سوف تهدم حياتها الزوجية؟ /الغيرة/ المرض النفسي/ الصراخ/ البكاء/ التشنج/ إلحاق الأذى بالنفس/ انهيار عصبي/...
    ماذا وقع؟
    ن/ تغضنت ملامحها وسرحت في اللاشيء برهة وانبرت تسأل:/ من البدهى أن كل امرأة لا تقبل الزواج عنها، لكن بطلة القصة هزها الخبر، فاشتد عليها. كان المتوقع أن تثور في وجهه، وتمطره بوابل من الشتائم، لكنها اكتفت بانكماش وجهها، وتغير ملامحها، ثم أخذتها اللحظة نحو منتهى التفكير، وبسرعة قالت ببرودة/ - أهي أجمل وأصغر مني.؟!/ بقي الجواب معلقا، والسؤال يتضمن الاستفهام الذي يتطلب ( "نعم" أو "لا".) فالسؤال جاء مختوما بعلامة التعجب، التي يطلق عليها حالة الانفعال والتوتر الصامت.
    يمكن أن نتلمس مفارقة غريبة لتصرف هذه الزوجة، فبدل الثورة والدفاع عن نفسها، بدت كأنها مستسلمة، مما يدفع بالقارئ أن يسأل بدوره: أكان خبر الزواج عليها معلوما لديها، ولكنها لم تكن متأكدة؟ لماذا لم تقاوم؟ لماذا جاء سؤالها مخصصا على صفتين هما: الجمال وصغر السن؟ أبها عيب يجبرها على قبول الزواج عليها؟ كل هذه الأسئلة سوف نبحت عنها من خلال تركيب النص ومحاولة بنائه من جديد.
    هناك زمن فاصل بين وصول الخبر للزوجة، وسؤالها/ - أهي أجمل وأصغر مني.؟!عبرت عنه الساردة بكلمة "برهة"، وهي تعني بها فترة، أي مدة قصيرة. فرغم أن كلمة "برهة" تعني الزمن الطويل، وهناك من قال:"إن البرهة الزمان، وأما البرهة فبعض، البرهة مدّة من الزمان. أي مدّة طويلة منه. "(3).
    ولكن الكاتبة استعملت الكلمة انزياحا في كلمة "برهة" لتبين المدة الزمنية التي استغرقتها البطلة في التفكير والتخيل. وهي مدة زمنية طويلة قطعتها في زمن قصير، بعدما هجمت عليها الأحزان، وفقدان الأمل في متابعة الحياة مع زوجها. فقبل أن تسأل، رجتها عدة تصورات وتوقعات من بينها طلب الطلاق، ولكنها انحرفت عن هذا المطلب. فقد ساد صمت كبير بين الزوج والزوجة. وقد يتخيل القارئ هذه اللقطة وهي متوقفة لا تدب فيها أي حركة، لكن سرعان ما نجد البطلة "انبرت" أي تعرضت له تناقشه، فوقفت في وجهه كمنافس محتمل، لكن هذا الانبراء كان محدودا في السؤال التالي/- أهي أجمل وأصغر مني.؟! /
    عندما يتأمل القارئ الوضعية يتساءل: ما هي الحالة الاجتماعية والمادية للزوج؟ هل له أولاد مع زوجته الأولى؟ ما هو سنه؟ ما هو سن زوجته؟ كم مضى من السنوات على زواجهما ؟ هل يحق للزوج أن يتزوج امرأة أخرى دون أن يطلق زوجته الأولى؟ هناك إشارات لغوية ودلالية كثغرات سكتت عنها الساردة، تمنح القارئ مساحة للبحث عن حقائق توجد في عالم الفعل الإنساني وطبيعته.
    ح ـــ - أهي أجمل وأصغر مني.؟!/ قد يتخيل القارئ أن نهاية القصة قد انتهت بسؤال الزوجة، فالزوجة تبحث عن حقيقة معينة، يتم فيها التصديق، ولا يكون الرد إلا بنعم أو لا. سؤال يتضمن استفسارا لمعرفة حالة الزوجة الأخرى من حيث صفتين، حددتهما في الجمال، وصغر السنكما قلت سابقا. وقد يبدو سؤالها غريبا، يدعو للعجب والإدهاش. فمن الصعوبة أن يجيب الزوج على هذا السؤال المحرج. اللهم إن لجأ للمجاملة والمداراة، ومحاولة تشكيل الجواب بطريقة ما، لا تجرح نفسية الزوجة.
    فالسؤال يبقى دون جواب، وقد يؤجله الزوج إلى حين، قد لا يجيب ب "نعم" فيكون متناقضا ما قاله في بداية القصة. والجواب ب"لا" قد يحفز الزوجة أن تطرح السؤال التالي: فلماذا اخترتها لتتزوج بها؟ جواب ملغوم، بقي كفراغ نصي، يقدح خيال القارئ وينشط ذخيرته المعرفية، الشيء الذي يحفزه على إنجاز نص آخر مواز لهذا السؤال، من خلال التأويل والتصورات لما بعد الزواج. تأويل يوضح اللامرئي، ويزحزح وضعية حياة الزوجين قبل الزواج بالمرأة الثانية، ويبحث عن ما يغيب في السؤال الذي يكتنفه غموض كخدعة مقصودة. فعلى القارئ أن يحركه عبر تصوره، وعبر خلق نسق جديد لإنشاء حياة جديدة تجمع بين الثلاثة: / الزوج /الزوجة الأولى، والزوجة الثانية../لاستنباط العواقب والتحولات التي سوف تطرأ على الحالة النفسية للزوجة الأولى، كما أن الزوجة الثانية ليست بعيدة عن العيش في صراع كبير، ونار سوف تشتعل يوميا، فتصبح غير قابلة للإخماد. كيف يستطيع الزوج أن يكون عادلا بينهما؟ هل يعتبر الزوج خائنا للعشرة؟ هل اقترف جريمة؟ هل ضحكت عليه تلك المرأة اللعوب؟ هل تتعرض الزوجة الأولى للطرد؟ على من يقع الطرد؟ هل تزوجته الثانية لمصلحة ما؟ هل تعتبر الزوجة الثانية شريكة في الجريمة؟ هل هي مجرد نزوة عابرة في حياة الرجل؟ هل يندم يوما ما ويعود إلى عشه الأول؟ هل من أجل رجل واحد تقام حرب بين امرأتين؟ حرب يتم فيها حرق المال والأولاد والمكانة الاجتماعية. هل تعدد الزوجات يعتبر خطيئة؟
    نعود لنهاية القصة/ أهي أجمل وأصغر مني.؟!/ سؤال يهدف إلى تحديد نمط المرأة التي سوف تتعامل معها، ويحفز القارئ على بناء فرضيات وتوقعات، فإذا كانت صغيرة السن، ربما تعتبرها كابنتها بحكم عدم تجربتها في الحياة الزوجية، وإن كانت قرينتها في السن سوف تتخذها كصديقة لها. فصمت الزوجة الأولى دليل على محاولاتها على احتواء القضية، إما أن تكون مسالمة، تفضل الانسحاب وتتخلى عن المواجهة، وإما أن ترد على الخيانة بطلب الطلاق من زوجها، وإما أن تكون منتقمة، فتخفي انتقامها إلى وقت من الزمن.
    ومن هنا يستخلص القارئ أن تركيز الزوجة على الجمال وصغر السن، له أبعاد لما سيحدث في المستقبل القريب، فالسؤال له رمزية في بعده التأويلي، وما التركيز على الجمال وصغر السن إلا جسرا للوصول إلى المعاني والدلالات البعيدة. فعلى القارئ أن ينطلق من رمزية السؤال الخفية، فهي ليست محصورة في الجمال وصغر السن، رمزية تدعو استغلال كل الاحتمالات الممكنة الناتجة عن الزواج الثاني.
    يقول الدكتور أحمد فرشوخ" إن الرمزية في بعدها التأويلي، تعتبر المعنى الحرفي معبرا نحو المعنى الرمزي: الشيء الذي يحفظ للمعنى الأول حياته وقيمته، إذ لولاه لما تشكل المعنى الثاني، وفضلا عن هذا، فإن التأويل لا يتجه إلى تحطيم الرمز بل إلى تنميته وتوسيعه واستثمار مجموع احتمالاته دونما إغلاق.(4)
    البناء الفني للقصة
    بداية القصة جاءت سردية، تتميز بالحركة،/ الإمساك باليد/ سحب نفس من السيجارة/ تكلم البطل/ إنصات البطلة/ يمكن أن نتساءل: هل هناك حوار في القصة؟ فالحوار يساعد على رسم شخصيات القصة، فالشخصية لا يمكن أن تبدو كاملة الوضوح والحيوية إلا إذا سمعها القارئ وهي تتحدث. وعندما تتحدث الشخصية تكشف عن نفسها وتقرب القارئ من الواقع.
    فمن يدقق في هذا الشريط السردي، يجده يتكون من ست جمل، تتفاوت في الإثبات والنفي، إثبات الحب، العهد والصدق، ونفي التخلي عنها، ونفي الخبر أن يأتي من الأهل، وهي صيغة تتضمن التوكيد، وإبعاد الشك، والتذكير بالحقيقة، من أجل الإقناع وتقبل الخبر./- تدرين أني أحبك، ولن أتخلى عنك حتى آخر العمر، ولأني عاهدتك أن أكون صادقا معك، فضلت أن تعرفي الخبر مني، وليس من الأهل والأقرباء.. لقد تزوجت عليك."/ بهذا الخطاب خرج البطل من نفسه وفكره، يتكلم، يوجه كلامه للبطلة، كأنه يقرأ سيرة ذاتية مشتركة بينهما. فعبارات الخطاب جاءت واضحة جدا، فيها تلميح لصفات الرجل المستقيم والمخلص، والمحافظ على العلاقة الحسنة التي تربطه بزوجته، مشيرا أن المعاملة لن تتغير.
    إن البطل لا يحاور، بل يقدم خبرا. فاستغل الفرصة لتبرير موقفه وسلوكه بالتوسع في الكلام، من أجل التأثير على البطلة، وتليين موقفها، والتخفيف من حدة التوتر والانفعال. فكانت العبارات تتدفق على لسانه مسترسلة عبر شريط سردي مطول. ارتكز على ثلاث دعامات أساسية في نظره/الحب/ العشرة الطيبة/الصدق/ البقاء على العهد/.
    هناك تدفق للكلام، فالعهد والصدق، وعدم التفريط في الشريكة، كلها صفات يمكن أن نجمعها تحت ظل الجملة التالية: تدرين أني أحبك، فضلت أن تعرفي الخبر مني، لقد تزوجت عليك." ولكن البطل يوجد في وضعية حرجة، كأنه يوجد تحت تأثير الخوف والرعب والترقب، وانتظار مواجهة عنيفة بينه وبين أهل الزوجة. لذلك مدد الكلام، وقال: "وليس من الأهل والأقرباء.."درءا لتدخل الأهل في قضية زواجه. فمن الممكن أن تستقي البطلة الخبر من الجيران، ومن صديقاتها في الشارع والحمام، والسوق....لكن البطل كان يتسابق مع الزمن، يمارس عملية استباق حتى يضمن إنجاز الزواج بالطريقة التي يريدها.
    تقول الدكتورة سعاد مسكين: "فالعمل القصصي يجب أن يترك للقارئ امتدادات له غير بعيدة عن وعيه ونفسيته، مما يثير لديه فضول الكتابة عند المبدع من جهة، والرغبة في مشاركته عوالمه التخييلية من جهة ثانية"(5)
    فالتركيز والتكثيف يمكنان من القبض على لحظة حياتية عابرة، ولا يسمحان بتسريب الجزئيات والتفاصيل. حدث عابر، قضية اجتماعية، أزمة نفسية، لحظة تولدت من الحياة،...مواقف كثيرة قد تجري في زمن ضيق وغير معين لا تحتاج إلى التفاصيل والزوائد اللغوية. فحدث الإخبار بالزواج قد يجري في أي زمان ومكان، لكن الساردة جعلته زمنا سيكولوجيا ونفسيا، والذي سمح للقاصة أن تنقل موقف البطل الجريء عن طريق تقديمه الذي جاء على شكل خطابة. ربما من أجل دغدغة نفسية البطلة وجعلها مقتنعة بموقفه، فالإمساك يبد البطلة ما هو إلا توطئة لزرع السكينة والطمأنينة، في محاولة لردع الغضب والثورة. لذلك عبرت عن هذا السلوك بجملة "بحنان ظاهر". في نفس الوقت نجد الساردة جعلت مسألة القبول والاعتراض، وقوة الانفعالات النائمة، والأحاسيس الغائبة، والمصير المحتمل، كلها مجتمعة تحت سقف السؤال المحدد /- أهي أجمل وأصغر مني.؟!/ فالساردة تركت للقارئ فسحة من التأمل، والاستجابة، والإثارة مع الفضول لمعرفة ماذا وقع؟ وماذا سيقع؟ هل ستستمر عربة الحياة في السير؟ أم هل ستقف على أشفاء حفر كثيرة؟...
    تركيب وبناء
    النص يتطرق إلى مشكلة تتكرر بطرق مختلفة، وكأن الزواج على المرأة مسرحية دائمة غالبا ما تشخص في الخفاء على خشبة الواقع على يد شخوص متعددة عبر الزمان والمكان. الشيء الملفت في النص هو ذاك الاعتراف الذي سبق انتشار الحدث. اعتراف سبقه تمهيد طويل، قبل أن يفصح الزوج عن المراد الذي أسس له بفنية تتأرجح بين مواصفات ترتبط بالإنسان حسب طبيعته وسلوكه وتفكيره ورغباته. فقد جمع هذا الزوج بين: الحكيم / اللبيب/ الصريح / الصادق / العطوف / الحنون/ المحب / الوفي /.... في مقابل ذلك نجد فيه / المتحايل / الخائن/ الكاذب / المراوغ/ الجارح / الخائف/ الخبير بنفسية زوجته /.... والسؤال: لماذا اعترف الزوج لزوجته بأنه تزوج عليها؟ مع أن أغلب الرجال يخفون ذلك حتى تفضحهم الأيام. ولماذا كان رد زوجته باردا فارغا من كل انفعال وتوتر؟
    أعود للجملة السردية :/- هل هي أجمل وأصغر مني.؟!/ لأنها تشكل مفارقة غريبة وفريدة في عرف النساء اللواتي سقطن في هذه الحالة. فجواب الزوجة يتطلب تأويلات عديدة، قد تتداخل فيه عوامل كثيرة تتعلق بنفسية زوجته، مع أن الكثيرات من الزوجات لا يقبلن هذه الوضعية بكل بساطة، إلا لظروف قاهرة تمنع الزوجة من التحرك والمقاومة:/حبها لزوجها/ المحافظة على الاستقرار/ عدم قدرتها على المعارضة/ الرضا بالوضعية / قابلة للتعايش مع امرأة أخرى/ الضعف الجسمي/ عدم القدرة على تلبية حاجات الزوج المتعددة/ المرض المزمن/ العقم/ التفريط في الذات/ عدم الاهتمام بأناقتها/ التقدم في السن/... كلها فرضيات يمكن أن تفتح النص وتجعله جديرا بالمناقشة والمتابعة.. فرغم ما تقدم، لم نصل إلى جواب مقنع لسؤال الزوجة، فقد ركزت على الجمال، وطراوة الجسد، فكأن همها الوحيد هو أن تكون متفوقة على الأخريات بجمالها وصغر سنها خاصة التي تزوج بها زوجها حديثا، كأنها لا تعترف بفناء الجمال، وتآكل الجسد مع الزمن.. وأعتقد أن جوابها فيه دلالات خفية قد تبرز مع الأيام منها: اشتعال الغيرة، والجري وراء الانتقام. كأنها تعطي للزوج أمانا لتطيح به يوما ما ..
    عمدت الكاتبة على تطويل الكلام كمقدمة للإقناع وركوب مطية الوفاء والحب والصراحة بعيدا عن الخيانة الزوجية، كأن الزوج يؤكد لنفسه الحق فيما هو مباح له. وفي نظري، إنها مقدمة شدت من عضد النص وجعلته قويا في المعنى والرسالة المراد توصيلها للزوجة، رغم أن النقاد يؤكدون على التكثيف والابتعاد عن ما يثقل النسيج القصصي، إلا أن بعض النقاد يؤكدون على أن التكثيف الذي يدخل في الغموض والرمزية الملتوية قد يعيق تحليل النص، وما زالت شروط القصة القصيرة جدا محل خلاف بين النقاد.أهي شروط لا بد أن يتقيد بها المبدع؟ أم هي قبصة ملح صغيرة يتذوقها كل قارئ، فيحكم على نوع الملح المستعمل في الإبداع.
    يقول الأستاذ مخلوف عامر/ يحتم على الكاتب أن يستغني عن كل ما يمكنه الاستغناء عنه من الألفاظ والعبارات. وكل ما من شأنه أن يثقل النسيج القصصي ويبدو حشوا ويرهل النص ويضعف أثره الجمالي./(6)
    فنهاية القصة بقيت مفتوحة، لكنه جاءت مليئة بالدلالات والمعاني المغيبة، والتي تستوجب طرح عدة أسئلة تمس في عمقها منظومة تعدد الزوجات، ومدونة الأسرة في بعض البلدان، والتي جاءت لتكبل الزواج المتعدد بدعوى خدمة المرأة.
    ..................................
    1 ــــ بقلم:أ.عامر رضا/دلالة العنوان في القصة/ دنيا الرأي/ بتاريخ 25/11/2010/ عن:
    La marque de titre, P17 Léo Hock
    2 ـــ الدكتور أحمد فرشوخ/ تأويل النص الروائي /السرد بين الثقافة والنسق/دار الكتاب الوطني/ ص:85
    3 ـــ المحكم والمحيط الأعظم (4 /358، 383) و(6 /122 .
    4 ــ المصدر السابق/ ص:91
    5 ـــ الدكتورة سعاد مسكين /القصة القصيرة جدا في المغرب /تصورات ومقاربات/دراسة ص:101
    6 ـــ عامر مخلوف /مظاهر التجديد في القصة القصيرة جدا بالجزائر/منشورات اتحاد الكتاب العرب /طبعة:1998/ص:29
  • منيره الفهري
    مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
    • 21-12-2010
    • 9870

    #2
    قراءة قيمة و ثرية لنص جميل للأستاذة القديرة عايدة محمد نادر
    أهلا و سهلا بك من جديد الأستاذ الفاضل
    الفرحان بوعزة. نورت الملتقي

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      كيف فاتني أن أعرف ان هناك قراءة تحليلية لاحد نصوصي؟!
      والله شعرت بالخجل الشديد لأني لم انتبه مطلقا فهذه قراءة وتفكيك ومجهود كبير بذل في سبيل انارة النص ومع ذلك لم انتبه
      خجلي جعلني اسعل بشده والانفلاونزا تفعل افاعيلها بجسمي الذي انهكته الحرارة المرتفعة والربو لم تعد بخاخات العالم كله تقدر ان توقف استفحاله بصدري.
      حقيقة
      اليوم من المرات القليلة التي جعلني خجلي فيها مفحمة لتقصير مني بالرغم من عدم معرفتي لكني فعلا تملؤني هالة من الخجل الشديد
      الفرحان بو عزه
      ارجوك اعذرني صديقي ارجوك فقد تعبت وقرأت وصرفت من وقتك وجهدك الكثير فأرجو ان تتقبل مني
      سأعود للقراءة مرة اخرى
      محبتي وغابات احترام لك
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • الفرحان بوعزة
        أديب وكاتب
        • 01-10-2010
        • 409

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة
        قراءة قيمة و ثرية لنص جميل للأستاذة القديرة عايدة محمد نادر
        أهلا و سهلا بك من جديد الأستاذ الفاضل
        الفرحان بوعزة. نورت الملتقي
        -------
        شكرا لك أختي المبدعة منيرة على كلمتك الطيبة ،
        كلمة أعتزبها .مودتي وتقديري

        تعليق

        • الفرحان بوعزة
          أديب وكاتب
          • 01-10-2010
          • 409

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          كيف فاتني أن أعرف ان هناك قراءة تحليلية لاحد نصوصي؟!
          والله شعرت بالخجل الشديد لأني لم انتبه مطلقا فهذه قراءة وتفكيك ومجهود كبير بذل في سبيل انارة النص ومع ذلك لم انتبه
          خجلي جعلني اسعل بشده والانفلاونزا تفعل افاعيلها بجسمي الذي انهكته الحرارة المرتفعة والربو لم تعد بخاخات العالم كله تقدر ان توقف استفحاله بصدري.
          حقيقة
          اليوم من المرات القليلة التي جعلني خجلي فيها مفحمة لتقصير مني بالرغم من عدم معرفتي لكني فعلا تملؤني هالة من الخجل الشديد
          الفرحان بو عزه
          ارجوك اعذرني صديقي ارجوك فقد تعبت وقرأت وصرفت من وقتك وجهدك الكثير فأرجو ان تتقبل مني
          سأعود للقراءة مرة اخرى
          محبتي وغابات احترام لك
          ------
          المبدعة المتألقة عائدة ،سلاماله عليكم.
          حقيقة ،أعجبني هذا النص القصصي، نظرا لجودة بنائه ولغته البسيطة والممتلئة بمعاني والدللات التي تحفز على قراءة النص مرارا وتَكرارا ،
          والتجوال بين دهاليز النص وفجواته ، والتمكن من استخراج معنى الكلمة داخل سياقها التي جاءت فيه.حاولت قدر المستطاع
          أن احيط بجوانب النص الخفية،
          وقد أدركت جيدا أن قراءة هذا النص ليست نهائية،وإنما تحفز على قراءات أخرى أفضل.
          وستكون هذه الدراسة التحليلية المتواضعة منشورة ضمن كتابي النقدي المقبل إن شاء الله.
          والذي يضم أربعين قصة قصيرة جدا منتقاة كلها لمبدعين من الوطن العربي.
          دمت مبدعة متألقة ،مودتي وتقديري

          تعليق

          يعمل...
          X