إرحموا
أنقطع شسع نعلي فوضعته في كيس وركبت سيارتي وذهبت به الى الاسكافي لإصلاحهالاسكافي لم يكن صديقي ولكن دائماً ما كنا نتحدث أنا وهو في أمور الحياة عند الذهاب اليه لإصلاح حقيبة مدرسيه او إصلاح سحابه قد إنقطعت من الحقيبه، وهي أحاديث مجرد ثرثرة أما دينيه أو اجتماعيه وبالأساس السياسية، وحتى أمور السوق، غلت أسعارالمواد نزلت المواد وهذه الثرثرة لاتقدم ولاتؤخر ولكنها عادة إعتادها العراقيون للتنفيس عما يجول في خاطرهم وعقولهم، فالعراقي عندما ينتقد هذه الحاله أو تلك يشعر بالراحه النفسيه ويشعر إنه قد قام بحل جميع المشاكل بل حتى إننا العراقيون نعطي خطط لتحرير فلسطين، بالكلام فقط
وصلت إليه وسلمت عليه وأعطيته النعل لإصلاحه ، وقد قام بفحصه ومعرفة ما فيه من ضرر وكيفية خياطته وأن يجعله يطاول لدي فتره أكثر
بدئنا بالكلام وكان أول حديثنا عن الفقراء والمعوزين وكيف يركضون ليل نهار وراء لقمة العيش في سبيل تحصيلها، وقد يحصلون عليها وقد لايحصلون وكما يقال بالعراقي ( يتغدى ما يتعشى)
بعد أن تعمقنا بالحديث وكلٌ أدلى بدلوه، وقد إنظم الينا شخص ثالث أثناء الحديث وبدء بإعطاء الحلول ، فصرنا برلمانيين وأعطينا خطط استراتيجية، بل وصلنا إلى رئاسة الوزراء في العراق، لإنها أصبحت متاحه لكل من هب ودب وهي ليست صعبة المنال ولاتتطلب ثقافه ولا شهاده، بمجرد ان تكون عظواً في حزب وتحصل على أكبر عدد من الأصوات المؤيده ، يرشحك الاغلبيه بعد إعطائهم الوعود وبعد أخذ المواثيق عليك كي لاتعمل عكس ما يريدون يعني بالعراقي(ما تلعب بذيلك)،بعدها تنال المقبوليه من دول الجوار والدول الصديقه والعظمى فتكون بذلك رئيس وزراء.
أثناء الحديث تذكرت احد الأشخاص الذين كانوا يعملون معه وسألته عليه، أين دارت به الدنيا ولماذا هو غير موجود معه، فأجابني لقد ترك العمل وأشترى ستوته (الستوته تشبه الدراجه الناريه ولكنها مربوطٌ بإخرها عربه تستخدم لنقل البضائع والأشخاص من مكان الى اخرمقابل أجره بسيطة يستخدمونها في العراق) بعد ذلك فاجأني بكلمة هزت كياني كله، نضر في وجهي وقال لقد مات
أحسست أن صاعقة من السماء نزلت على رأسي وهشمته،توقفت الحياة عندي لدقائق فتذكرت إن هذه الحياة كم هي قصيرة رغم طول زمنها، لأن الخبر كان مفاجئاً وكذلك انا اعرف عن هذا الشخص إنه يعاني من شضف العيش فهو يركض هنا وهناك من اجل ان يعيش وكل فتره يقوم بتبديل عمله والذهاب الى عمل اخر لتحسين حالته المعاشيه.
تمالكت نفسي بعد أن جلست قليلاً وسألته ثانية ، وكيف مات
- لديه جلطه قديمه وقد أصيب بكورونا وهو لايملك ثمن الدواء فأنتكست حالته الصحيه ومات
نزلت دموعي وحقدت على الحكومه والرؤساء والاغنياء بل على جميع البشر، الاإنني لاأخفيكم سراً شعرت براحه في صدري بعد أن بكيت وسالت دموعي، فسألته هل لديه عائله؟
-بنتان واحدة مريضه وعمرها تسع سنوات ولاتستطيع المشي والأخرى ست سنوات ولكن حالتها الصحيه جيده
بادرته بالسؤال مباشرةً ومن الذي يصرف عليهم أكلهم شربهم ملابسهم؟
فأجابني أهل الرحم يتصدقون عليهم بما يزيد لديهم من طعام او ملبس قديم
فقلت له أليس لديهم أهل؟ سواء اهل الزوجة او اهل والد البنات
فقال كل شخص يريد أن يوفر لقمة العيش لأهله وعائلته(كلمن حاير بنفسه)
سكتنا قليلا وأنا قلبي يعتصر من الألم ، ثم سألته، ألم تذهب زوجته الى الناس الذين يقومون بتوزيع الصدقات للمعوزين ويصرفون رواتب شهريه للفقراء
-ذهبت وقصت حالتها من البدايه الى النهايه، وأخذت التقارير الطبية لإبنتها المريضه ...
فأجابوها إنهم لايعطون مساعدات لأي فقير، بل لفقراء الساده فقط(الساده من نسل محمد ص)
فتحت عيناي من التعجب وقلت ، هل الساده أحسن من الناس الباقين! (على راسهم ريشه)
قال لي هذا هو جوابهم حتى أنهم لم يعطوها ما يطيب خاطرها ورجعّتْ والدموع في عينيها
سرحت افكاري إلى عالم أخر فيه دولة العدل والمساواة التي لاتفرق بين الغني والفقير، كلٌ لديها سواسيه فكلنا بشر، وقد صار فلان غني وفلان فقيرحسب الضرف الذي واجهه والتواضع سمة الأكابر والدهر يومان........
في غمرة هذه الأفكار سمعت صوتاً يناديني، احمد احمد ، فانتبهت على المتكلم وإذا به الاسكافي يكلمني ويقول، لقد أصلحت النعل لك
أخذته منه وشكرته وذهبت وانا أردد،لاحول ولا قوة الا بالله.
إرحموا من في الارض يرحمكم من في السماء
أحمد عيسى نور
العراق
تعليق