
كثير من الناس، المثقفين، يعرفون المثل القائل: "الاختلاف لا يفسد، في الود، قضيةً"، بهذه الصيغة أو بأخرى مشابهة وما يهمني غير هذه الصيغة المثبة وحدها فقط لأنها عندي أدل على المعنى المراد وأوفق له؛ والمثل يساق عادة عند الاختلاف بين شخصين، أو أكثر، فلا يفسد اختلافهم في قضية ما الود الموجود بينهم، أو بما أنهم متوادون فالاختلاف لا يفسد بينهم القضية التي هم فيها مختلفون؛ لكن متى تصير هذه المقولة صحيحة صادقة موافقة للواقع المعيش؟ الإجابة كامنة فيها نفسها وهي "في الود"، فمادام الود مصونا محافظا عليه فلا يهم بعد ذلك أن يحتدم الاختلاف أو يدوم فترة من الزمن، أما عند الاختلاف والغل، والحقد، والحسد، والضغينة، والإحنة، كامنة أو معلنة فإن الاختلاف سيفسد كل قضية وإن كانت في أصلها قضية شريفة، أو "نظيفة" أو طريفة، فكثير من الناس لا يبقون على "ودهم" الظاهر عند أول اختلاف وإن كان يسيرا طفيفا خفيفا لا يستدعي النفور ولا الشرور.
هذا وقد ألف كثير من الأدباء والعلماء رسائل في "أدب الاختلاف": كيف يدار الاختلاف إذا ما وقع؟ وكيف يتنازل بعضهم عن حقوقه الشخصية (الذاتية) حتى يتجنب الخصومة والشقاق؟ أما في مادة الاختلاف الموضوعية فلا تنازل ما دام المناقش يناقش بموضوعية وحيادية، غير أن ما نلاحظه هو تحويل "الحوار" (؟!) من مادة الموضوع المتناقش فيه إلى الأشخاص فيصير "الاختلاف" خلافا شخصيا حادا كأن النص هو الشخص نفسه ينافح عن نصه كأنه ينافح عن عرضه وما كانت النصوص البشرية يوما هي الشخوص (الأشخاص) وإننا لنرى هذا التحول الغريب يحدث كثيرا في المنتديات الأدبية العربية، والتي هي صور مصغرة عن المجتمعات العربية التي لم تتعلم، رغم المؤسسات التعليمية، والجامعات، والنوادي الثقافية، أدب الاختلاف.
ويأخذ "الاختلاف" معنى "الجدال" وقد نبه القرآن الكريم في آيات كثيرة كيفية الجدال بين أصحاب الحق وخصومهم، كما أن في السيرة النبوية الشريفة نماذج عملية عن الجدال الذي دار بين النبي، صلى الله عليه وسلم، والكفار من كل نوع: قريشا، اليهودَ، النصارى، المنافقين؛ وبين النبي، صلى الله عليه وسلم، والصحابة، رضي الله عنهم جميعا؛ غير أن المسلمين، وهم يدَّعون الإسلام، لم يأخذوا بهذه التعاليم القرآنية الربانية والتوجيهات النبوية العالية في اختلافاتهم الجادة أو غيرها؛ المهم أن يسعى "المجادل" إلى الظفر بالفوز على مجادله حتى على حساب الموضوع اللَّذين هما مختلفان فيه، وهذا لا يكون إلا في شخص لا يهمه الموضوع المقترح للحوار وإنما يهمه شخصه فقط.
من الصور الملفتة للنظر فعلا، قدرة بعض الناس على نقل الحوار من الموضوع إلى الحديث عن أنفسهم، كما سبقت الإشارة إليه آنفا، كأنهم هم "الموضوع"، وقد عبرت عن هذه الظاهرة الغريبة بـ"الهُمْهِيَّة" المنحوتة من "هم وهي"، وليس القضية التي يعرضونها للنقاش، وهذا، في الواقع، دليل على ضعف في شخصية صاحب الموضوع، فعندما يُلَظُّ إلى الجدار وتقام عليه الحجة لا يجد له مخرجا من الضيق والحرج إلا بنقل الكلام من الموضوع إلى نفسه وهنا يحتدم النقاش وتشتد الخصومة مع أن الحديث كان في الأصل في قضية ما معروضة للحوار، والمناقشة، والإثراء، و، و، و... حسب زعم الكاتب، ثم ندخل في دوامة الجدال العقيم، أو الجدال "البيزنطي"، غير المجدي فيضيع الموضوع، ويضيع الوقت، وتضيع الصداقة المزعومة أو تبرد أو تجمد إلى حين وقد لا تعود كما كانت ألبتة، وأنَّى يعود إناء من زجاج تهشم إلى حالته الأولى؟
نعم، يوجد ارتباط قوي بين الكاتب وما يكتب، هو رباط عاطفي بامتياز لأن الكاتب ينظر إلى منتوجه كأنه من صلبه، فهو من عقله والتشابه قريب جدا بين "ولد الصلب" و"ولد العقل"، ألا يقال "بنات الأفكار"؟ بلَى، لكن التماهي الكلي المطبق التام الشبيه بوحدة الوجود عند غلاة الصوفية بين الكاتب والمكتوب عيب كبير في الكاتب يعيقه عن استقبال النقد الصارم حتى وإن كان مبرهنا عليه فضلا عن تقبله والرضا به إلا أن يكون الكاتب منزها عن الهوى المشين لا يهمه إلا خدمة الموضوع الذي يعرضه ويريد الاستفادة من آراء القراء ونقدهم وملاحظاتهم، وهذا أمر قد يكون من المستحيل توفره عند كثير من الكُتَّاب، أو من أدعياء هذه الصفة الشريفة.
والسؤال الذي أعرضه هنا والآن هو: هل يعرف الكاتب بدقة لماذا يكتب؟ توجد إجابات كثيرة عن هذا السؤال وهي أن الكاتب يتغيَّا غايات كثيرة، أو أنه يستغرض أغراضا كثيرة في كتابته، ومن كتابته، وأقلها سوءا أن يكتب من أجل الكتابة فقط وليس ليتباهى أنه كاتب مقتدر حتى وإن أتى بالسخف والعبث والرداءة المُقَوْلَبَة في شكل مقالة، أو قصة، أو قصيدة، أو حتى تعليق بسيط؛ المهم أن يكتب فقط ولا يهمه بعد ذلك كيف تخرج كتابته سليمةً من حيث شكلُها، هادفةً من حيث مضمونها؛ الكتابة رسالة تؤدى إلى المتلقي وليست عبثا يطرحه المُلْقي على عواهنه لا يبالي إلى ماذا يؤدي ولا ماذا يحدث من "الفوضى"، والأخطر من هذا إن كان الكلام مما يسخط الله تعالى؛ وهنا مربط الخيل، أو كما يقال: "مربط الفرس"، والخيل بنواصيها الخير معقود.
الكاتب المسلم ليس كأحد من الكتّاب، فهو كاتب صاحب رسالة يؤديها إلى المتلقين يبتغي بها وجه الله تعالى ولذا نراه حريصا على سلامة كتابته شكلا ومضمونا وغاية، تتوفر في كتابته الهاءات الثلاث والتي تحدثت عنها مرارا بحيث تكون كتابته هادفة هادية هادئة وليس كاتبا عابثا يلهو بخربشاته ولا يلقي لها بالا، المهم أن يقال عنه "كاتب قدير"، أو "أديب كبير"، أو "مفكر عظيم"، أو "مثقف حكيم"؛ لا، ليست غاية الكاتب المسلم أن يقال عنه ذلك كله وإنما غايته إفادة المتلقين فمن استطاع أن ينفع أخاه، إخوته، فليفعل كما ورد في الأثر في موضوع آخر.
الاختلاف بيْن الناس سُنَّة ثابتة من سنن الله تعالى في البشر، ولها خلقهم، وليس عيبا أن يختلف الناس، فالقضية ليست قضية الاختلاف في حد ذاته ولكن القضية كلها في كيفية الاختلاف، والفرق بيِّن بَيْن أصل الاختلاف وبَيْن كيفية الاختلاف.
هذا، وللحديث، إن شاء الله تعالى، بقية إن كان في العمر بقية، والموضوع معروض للنقد شكلا ومضمونا وغاية لمن يجد في نفسه رغبة لذلك كله أو بعضه.
هذا وقد ألف كثير من الأدباء والعلماء رسائل في "أدب الاختلاف": كيف يدار الاختلاف إذا ما وقع؟ وكيف يتنازل بعضهم عن حقوقه الشخصية (الذاتية) حتى يتجنب الخصومة والشقاق؟ أما في مادة الاختلاف الموضوعية فلا تنازل ما دام المناقش يناقش بموضوعية وحيادية، غير أن ما نلاحظه هو تحويل "الحوار" (؟!) من مادة الموضوع المتناقش فيه إلى الأشخاص فيصير "الاختلاف" خلافا شخصيا حادا كأن النص هو الشخص نفسه ينافح عن نصه كأنه ينافح عن عرضه وما كانت النصوص البشرية يوما هي الشخوص (الأشخاص) وإننا لنرى هذا التحول الغريب يحدث كثيرا في المنتديات الأدبية العربية، والتي هي صور مصغرة عن المجتمعات العربية التي لم تتعلم، رغم المؤسسات التعليمية، والجامعات، والنوادي الثقافية، أدب الاختلاف.
ويأخذ "الاختلاف" معنى "الجدال" وقد نبه القرآن الكريم في آيات كثيرة كيفية الجدال بين أصحاب الحق وخصومهم، كما أن في السيرة النبوية الشريفة نماذج عملية عن الجدال الذي دار بين النبي، صلى الله عليه وسلم، والكفار من كل نوع: قريشا، اليهودَ، النصارى، المنافقين؛ وبين النبي، صلى الله عليه وسلم، والصحابة، رضي الله عنهم جميعا؛ غير أن المسلمين، وهم يدَّعون الإسلام، لم يأخذوا بهذه التعاليم القرآنية الربانية والتوجيهات النبوية العالية في اختلافاتهم الجادة أو غيرها؛ المهم أن يسعى "المجادل" إلى الظفر بالفوز على مجادله حتى على حساب الموضوع اللَّذين هما مختلفان فيه، وهذا لا يكون إلا في شخص لا يهمه الموضوع المقترح للحوار وإنما يهمه شخصه فقط.
من الصور الملفتة للنظر فعلا، قدرة بعض الناس على نقل الحوار من الموضوع إلى الحديث عن أنفسهم، كما سبقت الإشارة إليه آنفا، كأنهم هم "الموضوع"، وقد عبرت عن هذه الظاهرة الغريبة بـ"الهُمْهِيَّة" المنحوتة من "هم وهي"، وليس القضية التي يعرضونها للنقاش، وهذا، في الواقع، دليل على ضعف في شخصية صاحب الموضوع، فعندما يُلَظُّ إلى الجدار وتقام عليه الحجة لا يجد له مخرجا من الضيق والحرج إلا بنقل الكلام من الموضوع إلى نفسه وهنا يحتدم النقاش وتشتد الخصومة مع أن الحديث كان في الأصل في قضية ما معروضة للحوار، والمناقشة، والإثراء، و، و، و... حسب زعم الكاتب، ثم ندخل في دوامة الجدال العقيم، أو الجدال "البيزنطي"، غير المجدي فيضيع الموضوع، ويضيع الوقت، وتضيع الصداقة المزعومة أو تبرد أو تجمد إلى حين وقد لا تعود كما كانت ألبتة، وأنَّى يعود إناء من زجاج تهشم إلى حالته الأولى؟
نعم، يوجد ارتباط قوي بين الكاتب وما يكتب، هو رباط عاطفي بامتياز لأن الكاتب ينظر إلى منتوجه كأنه من صلبه، فهو من عقله والتشابه قريب جدا بين "ولد الصلب" و"ولد العقل"، ألا يقال "بنات الأفكار"؟ بلَى، لكن التماهي الكلي المطبق التام الشبيه بوحدة الوجود عند غلاة الصوفية بين الكاتب والمكتوب عيب كبير في الكاتب يعيقه عن استقبال النقد الصارم حتى وإن كان مبرهنا عليه فضلا عن تقبله والرضا به إلا أن يكون الكاتب منزها عن الهوى المشين لا يهمه إلا خدمة الموضوع الذي يعرضه ويريد الاستفادة من آراء القراء ونقدهم وملاحظاتهم، وهذا أمر قد يكون من المستحيل توفره عند كثير من الكُتَّاب، أو من أدعياء هذه الصفة الشريفة.
والسؤال الذي أعرضه هنا والآن هو: هل يعرف الكاتب بدقة لماذا يكتب؟ توجد إجابات كثيرة عن هذا السؤال وهي أن الكاتب يتغيَّا غايات كثيرة، أو أنه يستغرض أغراضا كثيرة في كتابته، ومن كتابته، وأقلها سوءا أن يكتب من أجل الكتابة فقط وليس ليتباهى أنه كاتب مقتدر حتى وإن أتى بالسخف والعبث والرداءة المُقَوْلَبَة في شكل مقالة، أو قصة، أو قصيدة، أو حتى تعليق بسيط؛ المهم أن يكتب فقط ولا يهمه بعد ذلك كيف تخرج كتابته سليمةً من حيث شكلُها، هادفةً من حيث مضمونها؛ الكتابة رسالة تؤدى إلى المتلقي وليست عبثا يطرحه المُلْقي على عواهنه لا يبالي إلى ماذا يؤدي ولا ماذا يحدث من "الفوضى"، والأخطر من هذا إن كان الكلام مما يسخط الله تعالى؛ وهنا مربط الخيل، أو كما يقال: "مربط الفرس"، والخيل بنواصيها الخير معقود.
الكاتب المسلم ليس كأحد من الكتّاب، فهو كاتب صاحب رسالة يؤديها إلى المتلقين يبتغي بها وجه الله تعالى ولذا نراه حريصا على سلامة كتابته شكلا ومضمونا وغاية، تتوفر في كتابته الهاءات الثلاث والتي تحدثت عنها مرارا بحيث تكون كتابته هادفة هادية هادئة وليس كاتبا عابثا يلهو بخربشاته ولا يلقي لها بالا، المهم أن يقال عنه "كاتب قدير"، أو "أديب كبير"، أو "مفكر عظيم"، أو "مثقف حكيم"؛ لا، ليست غاية الكاتب المسلم أن يقال عنه ذلك كله وإنما غايته إفادة المتلقين فمن استطاع أن ينفع أخاه، إخوته، فليفعل كما ورد في الأثر في موضوع آخر.
الاختلاف بيْن الناس سُنَّة ثابتة من سنن الله تعالى في البشر، ولها خلقهم، وليس عيبا أن يختلف الناس، فالقضية ليست قضية الاختلاف في حد ذاته ولكن القضية كلها في كيفية الاختلاف، والفرق بيِّن بَيْن أصل الاختلاف وبَيْن كيفية الاختلاف.
هذا، وللحديث، إن شاء الله تعالى، بقية إن كان في العمر بقية، والموضوع معروض للنقد شكلا ومضمونا وغاية لمن يجد في نفسه رغبة لذلك كله أو بعضه.
الْبُلَيْدَة، من بلاد الجزائر، عشية يوم الأحد 7 ربيع الأول 1442، الموافق 25 أكتوبر 2020.
تعليق