العملاء لا يكتبون القصائد
دورية العراق
علي الصراف
10/6/2007
عبدالرزاق عبدالواحد شاعرٌ يزن جيشا بأكمله، ويمثل شعبا بأكمله، ويجسد تاريخا بأكمله. ولو بقيت في العراق نخلة واحدة مثل نخلته، فانه سيعيش وينجو ويعود ليزدهر.
لماذا لم يظهر في ( ......... ) شاعرٌ كبيرٌ تحتفي به لغته، وتجوب بأصدائه الآفاق، وتتغنى به أمته، مثل محمد مهدي الجواهري أو عمر أبو ريشة أو جبران خليل جبران أو أبو القاسم الشابي أو حافظ ابراهيم...؟
الجواب ببساطة: لانها برميل نفط وليست كيانا. وبراميل النفط لا تُلهم من الشعراء إلا أزفتهم.
وليس كل نظام يمكنه ان يكون مصدرا للإلهام. ولئن كان هناك "نظّامون" لكل نظام ينتظرون الحصول على حفنة دراهم، فان شعرهم يولد ميتا، فلا يجوب أفقا، ولا تتردد له أصداء، ولا يتحول الى نشيد عفوي على كل لسان، ولا يحفر لنفسه مكانا في القلوب، ولا يحرك الضمائر أو يهزها من أعمق الأعماق.
وفي المقابل، فان شعر الإلهام والضمير الحي لا يُنظم، وهو لا ينطق عن الهوى، ولا يهطل جزافا. حتى لكأنه وحي يوحى. لا يعادله ثمن. ولا يباع ولا يشترى.
ولو باعت دويلة كـ ( ............... ) كل ما لديها من براميل ثمنا لقصيدة كهذه فانها لن تعثر عليها، لا لشيء إلا لان وجودها كله يفتقر الى المعنى، ويبدو خاليا من الروح، وعاجزا عن ان يكون مصدرا لذلك الدفق الحار الذي يجعل المشاعر تغلي، والقلوب تخفق، والصدور تهدأ وتستثار.
ففي بلد الطوز والغبار، لا شيء يعلو فوق الجيوب، والضمائر، اذا وجدت، فانها حيثما مالت البراميلُ تميلُ.
وكذلك الانظمة. فمنها ما يُلهم بالفخر ورفعة الكرامة، ومنها ما يبدو ككابوس موت يستوجب الرثاء.
الكيانات التي تلهم الشعراء، انما تفعل لأنها مزيجٌ فيّاضٌ، من تاريخٍ وأفقٍ ومعنى، يغمر الروح فيجعلها طيرا يسبح في فضاء الوجود، او عنقاء تخرج من خلال الرماد لتمنح الأسطورة هديرها الأخّاذ.
والوطن لا يكون وطنا من دون أسطورة. من دون ذلك الشيء نعثر عليه ولا نراه. نبحث عنه تحت اكداس من الزمان بينما هو موجود هناك، يرفرفُ فوق هامة كل إنسان. ومن هنا يأتي الشعر؛ من المسافة غير المرئية بين الوجود والاسطورة؛ العابر والخالد؛ ومن العلاقة بين الإنسان والحجر؛ الأرض (وما تحتها) والسماء (وما فوقها)، وهو لا يُلهم ولا يحلق إلا في هذا الفضاء. وهذا (الفضاء) مما لا يمكن "نظمه"، ومما لا يشتريه مال.
لهذا السبب، لا تصنع الكيانات المزيفة شعرا.
ولهذا السبب لا تُلهم كل الأنظمة شعرا يجوب الآفاق.
ولهذا السبب لا يكتب العملاء القصائد.
***
لقد قيل في نظام الرئيس الشهيد صدام حسين الكثير. ولكنه كان نظام شعر وشعراء لم يشهد له التاريخ العربي الحديث برمته مثيلاً.
في نحو ثلاثين سنة، انتج هذا النظام، وحلّق في رحابه، من الشعراء ما لم يكن له، في العدد والقيمة وعمق الإبداع، نظيرٌ قط.
أسماء وأسماء وأسماء حتى لتكفي لأن تكون موسوعة قائمة بذاتها. والكثير منهم قامةٌ شاهقة، ودوحة غناء.
فيضُ شعر وأهازيج وأغانٍ، من كل حقل ومن كل وصف، جعل من العراق أسطورة إبداع لا يضاهيها بلدٌ ولا يتفوق عليها نظام.
ولو أمكن حصر تلك الأعمال الابداعية في مجلد، فلعمري (وهذا مشروع لمن يرغب، وقد ارتكبه بنفسي) فانها ستجعل الكثير من موسوعات الشعر والأغاني مزحة من مزح الزمان.
وكم كان من الأولى بالثقافة ان تلتفت الى المعنى المدهش، بل المذهل، الذي كان ينطوي عليه ذلك الحال. فهو مُحركٌ لأسئلة ملفتة، ومثيرٌ لمعانٍ لم تُستجل بموضوعية وحياد، كما يستوجب الاستجلاء.
وفي تلك البيئة، صار الشهيد نفسه أديبا، روائيا وشاعرا (بـ"منثوره المقفى" كما كان يسميه تحاشيا لضوابط العَروض).
ولم يكن مؤيدو هذا النظام هم وحدهم المبدعون الذين يسلبون، بعبقرياتهم، الألباب. حتى معارضوه أبدعوا وسارت بأعمالهم الركبان.
وهم فعلوا، مؤيدين ومعارضين، أولا، لان العراق عراق إلهام واسطورة سبعة آلاف عام. وثانيا، لأن المجرى الذي يسير فيه النظام، كان ملهما وأخّاذا ومثيرا للجدل في آن. كما كان يستجلب، بطبيعة برنامجه الوطني، الكثير من تناقضات الرأي، ويدفع بها الى أقصى المواجهات.
وكان الشعر موجودا هناك لينهل من طِباق الأضداد ما يشاء.
وكان عبد الرزاق عبد الواحد، واحداً من أعظمهم. انه شاعرٌ أورثه الجواهري العظيم بنفسه عرش الشعر، ولقب شاعر العرب الأكبر.
وفي حين كان الجواهري معارضا، كان عبد الواحد "شاعر النظام". انما نظام المجد والرفعة الوطنية والبطولة الجماعية والشهامة والإباء. نظام العراق الذي لا يفوقه إلا عراق الروح والمعنى والآفاق.
وكانا، الجواهري وعبد الواحد، على تفاوتهما، هما العراق.
الوجود والأسطورة، الواقع والخيال، الوهم والحقيقة، كانا يتعايشان، يتداخلان ويتصادمان كما لا تفعل ثنائية أخرى.
وفي النظر الى الشهيد نفسه، فقد كان من الصعب ان يكون صدام ما كان عليه من دون ان يكون حمورابي ونبوخذنصر وآشور بانيبال. احدهما يجسد الآخر ويعيد بناءه ويضفي على وجوده معنى.
فكيف حال الشعر في العراق الآن؟
احد الأسباب التي تجعل الاحتلال وعملاءه ينهزمون هو انهم لا يستطيعون أن يأتوا من الشعر ما يمكن ان يصل الى شسع نعال النظام السابق.
كان الشهيد يخوض حربا ويجند الملايين اذا هتف وأهزج.
وهو لم يردد، على سبيل المثال، "ثلثين الطق لأهل ديالى"، حتى صار القول رمزا لوطنيتهم وبسالتهم، وحتى ظلوا يوجهون "الطق" (صوت اطلاق النار) على جنود الإحتلال وعملائه الى يومنا هذا. وسيظلون يفعلون الى يوم الدين إذا بقي وبقوا.
لماذا لم يتمكن عملاء الإحتلال ان يجسدوا شيئا من تلك الشخصية المُلهمة.
الجواب ببساطة: لأنهم إمعات، وهذا مما ليس بأيديهم، ولا هم، بما نهبوه من أموال، بقادرين على تغييره او تحويله الى مصدر إلهام، حتى ولو دفعوا كل ما ملكوا من المال الحرام.
***
ولكن العراق سيظل العراق. وسيعود صوته ليجوب أفق الروح كما كان، بل بأفضل وأعمق وأرقى مما كان.
يقول الشاعر العظيم عبد الرزاق عبد الواحد في آخر قصائده (وحدك الصوت):
كلُّ قولٍ بلا رضاك نفاقُ
ليس قولا ما لم تقل يا عراقُ
ليس قولا ما لم تقف شعفات النخلِ
صفاً وتنهضُ الأعذاقُ
نافرات الشعور حتى ليغدو
فوقها التمرُ حنظلا لا يذاقُ
ليس قولا إلا وماء الفراتين
له عدل موجه أحداقُ
جاحظات، وللشواطئ آذانٌ
وللحقِ صيحةٌ لا تعاقُ
ليس قولا إن كان لا قول إلا
ما يقول الأوغادُ والفسّاقُ
عدد النجم سوف تهوي الضحايا
وبحوراً دماك سوف تراقُ
سيسيل النهران سيل البراكين
وتهمي بالنار سبعٌ طباقُ
وسيمشي النخيلُ جيشاً رهيباً
يسفع الريح جذعُه العملاقُ
وتضج الاهوار غاباً من الموج
يدوي حتى يضيقُ الخناقُ
عندها ينطق العراق فيغدو
من صداه لكل صوتٍ نطاقُ
كل قولٍ بلا رضاك نفاقُ
وحدك الصوت والصدى يا عراقُ
وحدك الصوت للمظاليم طُرّا
فيك عرس الدماء ومنك الصَداقُ
والشعوب التي استفزت جميعا
أنت أزكى دم عليها يراقُ
إن تقصر فكل طفل على ارضي
يتيمٌ وكل عرسٍ طلاقُ
لتقف كل نجمة في مداها
وحدك الآن كوكبٌ برّاقُ
وحدك الآن تملأ الكون رعباً
والمنايا لها عليك انطباقُ
همرات الجحيم والسرف الهوج
وقتلاك والوجوه الصفاقُ
واشتعال النيران في جثث الأ
طفال والخاطفون والسراقُ
وعويل النساء والذبح حتى
تقشعر النصالُ والأرياقُ
سوف تغدو جميعها ذات يوم
أي موج لأي موت يساقُ
يا كرامات كل شعبي التي ديست
ويا كل ما أثار الشقاقُ
بين أهلي فحكّموا الموت فيهم
فالمنايا لها إليهم فتاقُ
لن تقري فإن في دم أهلي
فزعة كبرياؤها لا تطاقُ
الرؤوس الملقاة في كل فجٍ
سوف تبقى تسعى لها الأعناقُ
وسيأتي اليوم الذي فيه يلقى
كل رأس أكتافه يا عراقُ
والنفوس التي تشظت ستشفى
ويعود الحنين والإشفاقُ
يومها كل فلقةٍ من رصاصٍ
سوف يجرى لكعبها استنطاقُ
يومها كل قطرة من دمانا
سوف تغدو عينا لها حملاقُ
سيخطُّ التاريخ بالدم حتى
تقشعر الأقلام والأوراقُ.
... وهكذا. نحن لدينا عبد الرزاق عبد الواحد. وهو شاعرٌ يزن جيشا بأكمله، ويمثل شعبا بأكمله، ويجسد تاريخا بأكمله.
انه ابن وطن – أسطورة. ولو بقيت في العراق نخلة واحدة مثل نخلته، فانه سيعيش وينجو ويعود ليزدهر.
alialsarraf@hotmail.com
المصدر: ميدل ايست اونلاين
..............
دورية العراق
علي الصراف
10/6/2007
عبدالرزاق عبدالواحد شاعرٌ يزن جيشا بأكمله، ويمثل شعبا بأكمله، ويجسد تاريخا بأكمله. ولو بقيت في العراق نخلة واحدة مثل نخلته، فانه سيعيش وينجو ويعود ليزدهر.
لماذا لم يظهر في ( ......... ) شاعرٌ كبيرٌ تحتفي به لغته، وتجوب بأصدائه الآفاق، وتتغنى به أمته، مثل محمد مهدي الجواهري أو عمر أبو ريشة أو جبران خليل جبران أو أبو القاسم الشابي أو حافظ ابراهيم...؟
الجواب ببساطة: لانها برميل نفط وليست كيانا. وبراميل النفط لا تُلهم من الشعراء إلا أزفتهم.
وليس كل نظام يمكنه ان يكون مصدرا للإلهام. ولئن كان هناك "نظّامون" لكل نظام ينتظرون الحصول على حفنة دراهم، فان شعرهم يولد ميتا، فلا يجوب أفقا، ولا تتردد له أصداء، ولا يتحول الى نشيد عفوي على كل لسان، ولا يحفر لنفسه مكانا في القلوب، ولا يحرك الضمائر أو يهزها من أعمق الأعماق.
وفي المقابل، فان شعر الإلهام والضمير الحي لا يُنظم، وهو لا ينطق عن الهوى، ولا يهطل جزافا. حتى لكأنه وحي يوحى. لا يعادله ثمن. ولا يباع ولا يشترى.
ولو باعت دويلة كـ ( ............... ) كل ما لديها من براميل ثمنا لقصيدة كهذه فانها لن تعثر عليها، لا لشيء إلا لان وجودها كله يفتقر الى المعنى، ويبدو خاليا من الروح، وعاجزا عن ان يكون مصدرا لذلك الدفق الحار الذي يجعل المشاعر تغلي، والقلوب تخفق، والصدور تهدأ وتستثار.
ففي بلد الطوز والغبار، لا شيء يعلو فوق الجيوب، والضمائر، اذا وجدت، فانها حيثما مالت البراميلُ تميلُ.
وكذلك الانظمة. فمنها ما يُلهم بالفخر ورفعة الكرامة، ومنها ما يبدو ككابوس موت يستوجب الرثاء.
الكيانات التي تلهم الشعراء، انما تفعل لأنها مزيجٌ فيّاضٌ، من تاريخٍ وأفقٍ ومعنى، يغمر الروح فيجعلها طيرا يسبح في فضاء الوجود، او عنقاء تخرج من خلال الرماد لتمنح الأسطورة هديرها الأخّاذ.
والوطن لا يكون وطنا من دون أسطورة. من دون ذلك الشيء نعثر عليه ولا نراه. نبحث عنه تحت اكداس من الزمان بينما هو موجود هناك، يرفرفُ فوق هامة كل إنسان. ومن هنا يأتي الشعر؛ من المسافة غير المرئية بين الوجود والاسطورة؛ العابر والخالد؛ ومن العلاقة بين الإنسان والحجر؛ الأرض (وما تحتها) والسماء (وما فوقها)، وهو لا يُلهم ولا يحلق إلا في هذا الفضاء. وهذا (الفضاء) مما لا يمكن "نظمه"، ومما لا يشتريه مال.
لهذا السبب، لا تصنع الكيانات المزيفة شعرا.
ولهذا السبب لا تُلهم كل الأنظمة شعرا يجوب الآفاق.
ولهذا السبب لا يكتب العملاء القصائد.
***
لقد قيل في نظام الرئيس الشهيد صدام حسين الكثير. ولكنه كان نظام شعر وشعراء لم يشهد له التاريخ العربي الحديث برمته مثيلاً.
في نحو ثلاثين سنة، انتج هذا النظام، وحلّق في رحابه، من الشعراء ما لم يكن له، في العدد والقيمة وعمق الإبداع، نظيرٌ قط.
أسماء وأسماء وأسماء حتى لتكفي لأن تكون موسوعة قائمة بذاتها. والكثير منهم قامةٌ شاهقة، ودوحة غناء.
فيضُ شعر وأهازيج وأغانٍ، من كل حقل ومن كل وصف، جعل من العراق أسطورة إبداع لا يضاهيها بلدٌ ولا يتفوق عليها نظام.
ولو أمكن حصر تلك الأعمال الابداعية في مجلد، فلعمري (وهذا مشروع لمن يرغب، وقد ارتكبه بنفسي) فانها ستجعل الكثير من موسوعات الشعر والأغاني مزحة من مزح الزمان.
وكم كان من الأولى بالثقافة ان تلتفت الى المعنى المدهش، بل المذهل، الذي كان ينطوي عليه ذلك الحال. فهو مُحركٌ لأسئلة ملفتة، ومثيرٌ لمعانٍ لم تُستجل بموضوعية وحياد، كما يستوجب الاستجلاء.
وفي تلك البيئة، صار الشهيد نفسه أديبا، روائيا وشاعرا (بـ"منثوره المقفى" كما كان يسميه تحاشيا لضوابط العَروض).
ولم يكن مؤيدو هذا النظام هم وحدهم المبدعون الذين يسلبون، بعبقرياتهم، الألباب. حتى معارضوه أبدعوا وسارت بأعمالهم الركبان.
وهم فعلوا، مؤيدين ومعارضين، أولا، لان العراق عراق إلهام واسطورة سبعة آلاف عام. وثانيا، لأن المجرى الذي يسير فيه النظام، كان ملهما وأخّاذا ومثيرا للجدل في آن. كما كان يستجلب، بطبيعة برنامجه الوطني، الكثير من تناقضات الرأي، ويدفع بها الى أقصى المواجهات.
وكان الشعر موجودا هناك لينهل من طِباق الأضداد ما يشاء.
وكان عبد الرزاق عبد الواحد، واحداً من أعظمهم. انه شاعرٌ أورثه الجواهري العظيم بنفسه عرش الشعر، ولقب شاعر العرب الأكبر.
وفي حين كان الجواهري معارضا، كان عبد الواحد "شاعر النظام". انما نظام المجد والرفعة الوطنية والبطولة الجماعية والشهامة والإباء. نظام العراق الذي لا يفوقه إلا عراق الروح والمعنى والآفاق.
وكانا، الجواهري وعبد الواحد، على تفاوتهما، هما العراق.
الوجود والأسطورة، الواقع والخيال، الوهم والحقيقة، كانا يتعايشان، يتداخلان ويتصادمان كما لا تفعل ثنائية أخرى.
وفي النظر الى الشهيد نفسه، فقد كان من الصعب ان يكون صدام ما كان عليه من دون ان يكون حمورابي ونبوخذنصر وآشور بانيبال. احدهما يجسد الآخر ويعيد بناءه ويضفي على وجوده معنى.
فكيف حال الشعر في العراق الآن؟
احد الأسباب التي تجعل الاحتلال وعملاءه ينهزمون هو انهم لا يستطيعون أن يأتوا من الشعر ما يمكن ان يصل الى شسع نعال النظام السابق.
كان الشهيد يخوض حربا ويجند الملايين اذا هتف وأهزج.
وهو لم يردد، على سبيل المثال، "ثلثين الطق لأهل ديالى"، حتى صار القول رمزا لوطنيتهم وبسالتهم، وحتى ظلوا يوجهون "الطق" (صوت اطلاق النار) على جنود الإحتلال وعملائه الى يومنا هذا. وسيظلون يفعلون الى يوم الدين إذا بقي وبقوا.
لماذا لم يتمكن عملاء الإحتلال ان يجسدوا شيئا من تلك الشخصية المُلهمة.
الجواب ببساطة: لأنهم إمعات، وهذا مما ليس بأيديهم، ولا هم، بما نهبوه من أموال، بقادرين على تغييره او تحويله الى مصدر إلهام، حتى ولو دفعوا كل ما ملكوا من المال الحرام.
***
ولكن العراق سيظل العراق. وسيعود صوته ليجوب أفق الروح كما كان، بل بأفضل وأعمق وأرقى مما كان.
يقول الشاعر العظيم عبد الرزاق عبد الواحد في آخر قصائده (وحدك الصوت):
كلُّ قولٍ بلا رضاك نفاقُ
ليس قولا ما لم تقل يا عراقُ
ليس قولا ما لم تقف شعفات النخلِ
صفاً وتنهضُ الأعذاقُ
نافرات الشعور حتى ليغدو
فوقها التمرُ حنظلا لا يذاقُ
ليس قولا إلا وماء الفراتين
له عدل موجه أحداقُ
جاحظات، وللشواطئ آذانٌ
وللحقِ صيحةٌ لا تعاقُ
ليس قولا إن كان لا قول إلا
ما يقول الأوغادُ والفسّاقُ
عدد النجم سوف تهوي الضحايا
وبحوراً دماك سوف تراقُ
سيسيل النهران سيل البراكين
وتهمي بالنار سبعٌ طباقُ
وسيمشي النخيلُ جيشاً رهيباً
يسفع الريح جذعُه العملاقُ
وتضج الاهوار غاباً من الموج
يدوي حتى يضيقُ الخناقُ
عندها ينطق العراق فيغدو
من صداه لكل صوتٍ نطاقُ
كل قولٍ بلا رضاك نفاقُ
وحدك الصوت والصدى يا عراقُ
وحدك الصوت للمظاليم طُرّا
فيك عرس الدماء ومنك الصَداقُ
والشعوب التي استفزت جميعا
أنت أزكى دم عليها يراقُ
إن تقصر فكل طفل على ارضي
يتيمٌ وكل عرسٍ طلاقُ
لتقف كل نجمة في مداها
وحدك الآن كوكبٌ برّاقُ
وحدك الآن تملأ الكون رعباً
والمنايا لها عليك انطباقُ
همرات الجحيم والسرف الهوج
وقتلاك والوجوه الصفاقُ
واشتعال النيران في جثث الأ
طفال والخاطفون والسراقُ
وعويل النساء والذبح حتى
تقشعر النصالُ والأرياقُ
سوف تغدو جميعها ذات يوم
أي موج لأي موت يساقُ
يا كرامات كل شعبي التي ديست
ويا كل ما أثار الشقاقُ
بين أهلي فحكّموا الموت فيهم
فالمنايا لها إليهم فتاقُ
لن تقري فإن في دم أهلي
فزعة كبرياؤها لا تطاقُ
الرؤوس الملقاة في كل فجٍ
سوف تبقى تسعى لها الأعناقُ
وسيأتي اليوم الذي فيه يلقى
كل رأس أكتافه يا عراقُ
والنفوس التي تشظت ستشفى
ويعود الحنين والإشفاقُ
يومها كل فلقةٍ من رصاصٍ
سوف يجرى لكعبها استنطاقُ
يومها كل قطرة من دمانا
سوف تغدو عينا لها حملاقُ
سيخطُّ التاريخ بالدم حتى
تقشعر الأقلام والأوراقُ.
... وهكذا. نحن لدينا عبد الرزاق عبد الواحد. وهو شاعرٌ يزن جيشا بأكمله، ويمثل شعبا بأكمله، ويجسد تاريخا بأكمله.
انه ابن وطن – أسطورة. ولو بقيت في العراق نخلة واحدة مثل نخلته، فانه سيعيش وينجو ويعود ليزدهر.
alialsarraf@hotmail.com
المصدر: ميدل ايست اونلاين
..............
تعليق