العملاء لا يكتبون القصائد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عادل العاني
    مستشار
    • 17-05-2007
    • 1465

    العملاء لا يكتبون القصائد

    العملاء لا يكتبون القصائد

    دورية العراق

    علي الصراف
    10/6/2007

    عبدالرزاق عبدالواحد شاعرٌ يزن جيشا بأكمله، ويمثل شعبا بأكمله، ويجسد تاريخا بأكمله. ولو بقيت في العراق نخلة واحدة مثل نخلته، فانه سيعيش وينجو ويعود ليزدهر.


    لماذا لم يظهر في ( ......... ) شاعرٌ كبيرٌ تحتفي به لغته، وتجوب بأصدائه الآفاق، وتتغنى به أمته، مثل محمد مهدي الجواهري أو عمر أبو ريشة أو جبران خليل جبران أو أبو القاسم الشابي أو حافظ ابراهيم...؟
    الجواب ببساطة: لانها برميل نفط وليست كيانا. وبراميل النفط لا تُلهم من الشعراء إلا أزفتهم.

    وليس كل نظام يمكنه ان يكون مصدرا للإلهام. ولئن كان هناك "نظّامون" لكل نظام ينتظرون الحصول على حفنة دراهم، فان شعرهم يولد ميتا، فلا يجوب أفقا، ولا تتردد له أصداء، ولا يتحول الى نشيد عفوي على كل لسان، ولا يحفر لنفسه مكانا في القلوب، ولا يحرك الضمائر أو يهزها من أعمق الأعماق.

    وفي المقابل، فان شعر الإلهام والضمير الحي لا يُنظم، وهو لا ينطق عن الهوى، ولا يهطل جزافا. حتى لكأنه وحي يوحى. لا يعادله ثمن. ولا يباع ولا يشترى.

    ولو باعت دويلة كـ ( ............... ) كل ما لديها من براميل ثمنا لقصيدة كهذه فانها لن تعثر عليها، لا لشيء إلا لان وجودها كله يفتقر الى المعنى، ويبدو خاليا من الروح، وعاجزا عن ان يكون مصدرا لذلك الدفق الحار الذي يجعل المشاعر تغلي، والقلوب تخفق، والصدور تهدأ وتستثار.

    ففي بلد الطوز والغبار، لا شيء يعلو فوق الجيوب، والضمائر، اذا وجدت، فانها حيثما مالت البراميلُ تميلُ.

    وكذلك الانظمة. فمنها ما يُلهم بالفخر ورفعة الكرامة، ومنها ما يبدو ككابوس موت يستوجب الرثاء.

    الكيانات التي تلهم الشعراء، انما تفعل لأنها مزيجٌ فيّاضٌ، من تاريخٍ وأفقٍ ومعنى، يغمر الروح فيجعلها طيرا يسبح في فضاء الوجود، او عنقاء تخرج من خلال الرماد لتمنح الأسطورة هديرها الأخّاذ.

    والوطن لا يكون وطنا من دون أسطورة. من دون ذلك الشيء نعثر عليه ولا نراه. نبحث عنه تحت اكداس من الزمان بينما هو موجود هناك، يرفرفُ فوق هامة كل إنسان. ومن هنا يأتي الشعر؛ من المسافة غير المرئية بين الوجود والاسطورة؛ العابر والخالد؛ ومن العلاقة بين الإنسان والحجر؛ الأرض (وما تحتها) والسماء (وما فوقها)، وهو لا يُلهم ولا يحلق إلا في هذا الفضاء. وهذا (الفضاء) مما لا يمكن "نظمه"، ومما لا يشتريه مال.

    لهذا السبب، لا تصنع الكيانات المزيفة شعرا.

    ولهذا السبب لا تُلهم كل الأنظمة شعرا يجوب الآفاق.

    ولهذا السبب لا يكتب العملاء القصائد.

    ***

    لقد قيل في نظام الرئيس الشهيد صدام حسين الكثير. ولكنه كان نظام شعر وشعراء لم يشهد له التاريخ العربي الحديث برمته مثيلاً.

    في نحو ثلاثين سنة، انتج هذا النظام، وحلّق في رحابه، من الشعراء ما لم يكن له، في العدد والقيمة وعمق الإبداع، نظيرٌ قط.

    أسماء وأسماء وأسماء حتى لتكفي لأن تكون موسوعة قائمة بذاتها. والكثير منهم قامةٌ شاهقة، ودوحة غناء.

    فيضُ شعر وأهازيج وأغانٍ، من كل حقل ومن كل وصف، جعل من العراق أسطورة إبداع لا يضاهيها بلدٌ ولا يتفوق عليها نظام.

    ولو أمكن حصر تلك الأعمال الابداعية في مجلد، فلعمري (وهذا مشروع لمن يرغب، وقد ارتكبه بنفسي) فانها ستجعل الكثير من موسوعات الشعر والأغاني مزحة من مزح الزمان.

    وكم كان من الأولى بالثقافة ان تلتفت الى المعنى المدهش، بل المذهل، الذي كان ينطوي عليه ذلك الحال. فهو مُحركٌ لأسئلة ملفتة، ومثيرٌ لمعانٍ لم تُستجل بموضوعية وحياد، كما يستوجب الاستجلاء.

    وفي تلك البيئة، صار الشهيد نفسه أديبا، روائيا وشاعرا (بـ"منثوره المقفى" كما كان يسميه تحاشيا لضوابط العَروض).

    ولم يكن مؤيدو هذا النظام هم وحدهم المبدعون الذين يسلبون، بعبقرياتهم، الألباب. حتى معارضوه أبدعوا وسارت بأعمالهم الركبان.

    وهم فعلوا، مؤيدين ومعارضين، أولا، لان العراق عراق إلهام واسطورة سبعة آلاف عام. وثانيا، لأن المجرى الذي يسير فيه النظام، كان ملهما وأخّاذا ومثيرا للجدل في آن. كما كان يستجلب، بطبيعة برنامجه الوطني، الكثير من تناقضات الرأي، ويدفع بها الى أقصى المواجهات.

    وكان الشعر موجودا هناك لينهل من طِباق الأضداد ما يشاء.

    وكان عبد الرزاق عبد الواحد، واحداً من أعظمهم. انه شاعرٌ أورثه الجواهري العظيم بنفسه عرش الشعر، ولقب شاعر العرب الأكبر.

    وفي حين كان الجواهري معارضا، كان عبد الواحد "شاعر النظام". انما نظام المجد والرفعة الوطنية والبطولة الجماعية والشهامة والإباء. نظام العراق الذي لا يفوقه إلا عراق الروح والمعنى والآفاق.

    وكانا، الجواهري وعبد الواحد، على تفاوتهما، هما العراق.

    الوجود والأسطورة، الواقع والخيال، الوهم والحقيقة، كانا يتعايشان، يتداخلان ويتصادمان كما لا تفعل ثنائية أخرى.

    وفي النظر الى الشهيد نفسه، فقد كان من الصعب ان يكون صدام ما كان عليه من دون ان يكون حمورابي ونبوخذنصر وآشور بانيبال. احدهما يجسد الآخر ويعيد بناءه ويضفي على وجوده معنى.

    فكيف حال الشعر في العراق الآن؟

    احد الأسباب التي تجعل الاحتلال وعملاءه ينهزمون هو انهم لا يستطيعون أن يأتوا من الشعر ما يمكن ان يصل الى شسع نعال النظام السابق.

    كان الشهيد يخوض حربا ويجند الملايين اذا هتف وأهزج.

    وهو لم يردد، على سبيل المثال، "ثلثين الطق لأهل ديالى"، حتى صار القول رمزا لوطنيتهم وبسالتهم، وحتى ظلوا يوجهون "الطق" (صوت اطلاق النار) على جنود الإحتلال وعملائه الى يومنا هذا. وسيظلون يفعلون الى يوم الدين إذا بقي وبقوا.

    لماذا لم يتمكن عملاء الإحتلال ان يجسدوا شيئا من تلك الشخصية المُلهمة.

    الجواب ببساطة: لأنهم إمعات، وهذا مما ليس بأيديهم، ولا هم، بما نهبوه من أموال، بقادرين على تغييره او تحويله الى مصدر إلهام، حتى ولو دفعوا كل ما ملكوا من المال الحرام.


    ***


    ولكن العراق سيظل العراق. وسيعود صوته ليجوب أفق الروح كما كان، بل بأفضل وأعمق وأرقى مما كان.

    يقول الشاعر العظيم عبد الرزاق عبد الواحد في آخر قصائده (وحدك الصوت):


    كلُّ قولٍ بلا رضاك نفاقُ

    ليس قولا ما لم تقل يا عراقُ

    ليس قولا ما لم تقف شعفات النخلِ

    صفاً وتنهضُ الأعذاقُ

    نافرات الشعور حتى ليغدو

    فوقها التمرُ حنظلا لا يذاقُ

    ليس قولا إلا وماء الفراتين

    له عدل موجه أحداقُ

    جاحظات، وللشواطئ آذانٌ

    وللحقِ صيحةٌ لا تعاقُ

    ليس قولا إن كان لا قول إلا

    ما يقول الأوغادُ والفسّاقُ

    عدد النجم سوف تهوي الضحايا

    وبحوراً دماك سوف تراقُ

    سيسيل النهران سيل البراكين

    وتهمي بالنار سبعٌ طباقُ

    وسيمشي النخيلُ جيشاً رهيباً

    يسفع الريح جذعُه العملاقُ

    وتضج الاهوار غاباً من الموج

    يدوي حتى يضيقُ الخناقُ

    عندها ينطق العراق فيغدو

    من صداه لكل صوتٍ نطاقُ

    كل قولٍ بلا رضاك نفاقُ

    وحدك الصوت والصدى يا عراقُ

    وحدك الصوت للمظاليم طُرّا

    فيك عرس الدماء ومنك الصَداقُ

    والشعوب التي استفزت جميعا

    أنت أزكى دم عليها يراقُ

    إن تقصر فكل طفل على ارضي

    يتيمٌ وكل عرسٍ طلاقُ

    لتقف كل نجمة في مداها

    وحدك الآن كوكبٌ برّاقُ

    وحدك الآن تملأ الكون رعباً

    والمنايا لها عليك انطباقُ

    همرات الجحيم والسرف الهوج

    وقتلاك والوجوه الصفاقُ

    واشتعال النيران في جثث الأ

    طفال والخاطفون والسراقُ

    وعويل النساء والذبح حتى

    تقشعر النصالُ والأرياقُ

    سوف تغدو جميعها ذات يوم

    أي موج لأي موت يساقُ

    يا كرامات كل شعبي التي ديست

    ويا كل ما أثار الشقاقُ

    بين أهلي فحكّموا الموت فيهم

    فالمنايا لها إليهم فتاقُ

    لن تقري فإن في دم أهلي

    فزعة كبرياؤها لا تطاقُ

    الرؤوس الملقاة في كل فجٍ

    سوف تبقى تسعى لها الأعناقُ

    وسيأتي اليوم الذي فيه يلقى

    كل رأس أكتافه يا عراقُ

    والنفوس التي تشظت ستشفى

    ويعود الحنين والإشفاقُ

    يومها كل فلقةٍ من رصاصٍ

    سوف يجرى لكعبها استنطاقُ

    يومها كل قطرة من دمانا

    سوف تغدو عينا لها حملاقُ

    سيخطُّ التاريخ بالدم حتى

    تقشعر الأقلام والأوراقُ.

    ... وهكذا. نحن لدينا عبد الرزاق عبد الواحد. وهو شاعرٌ يزن جيشا بأكمله، ويمثل شعبا بأكمله، ويجسد تاريخا بأكمله.

    انه ابن وطن – أسطورة. ولو بقيت في العراق نخلة واحدة مثل نخلته، فانه سيعيش وينجو ويعود ليزدهر.


    alialsarraf@hotmail.com


    المصدر: ميدل ايست اونلاين


    ..............
  • د. جمال مرسي
    شاعر و مؤسس قناديل الفكر و الأدب
    • 16-05-2007
    • 4938

    #2
    بارك الله فيك أخي الحبيب عادل العاني
    و حفظ الشاعر الكبير عبد الرازق عبد الواحد ابن العراق الأبي
    و ثق أخي ان هذه الأمة ولادة و أمة أنجبت أمثاله و أمثال الجواهري أمة لن تموت
    شكرا لك نقل هذا الموضوع مصحوباً بهذه القصيدة الأبية و بالفعل لا يمكن أن يكتب للعراق أو عنه إلا شاعر
    معجون بالوطنية و الأصالة
    شكرا لك
    و تقبل الود
    د. جمال
    sigpic

    تعليق

    • عبلة محمد زقزوق
      أديب وكاتب
      • 16-05-2007
      • 1819

      #3
      يا كرامات كل شعبي التي ديست

      ويا كل ما أثار الشقاقُ

      بين أهلي فحكّموا الموت فيهم

      فالمنايا لها إليهم فتاقُ

      لن تقري فإن في دم أهلي

      فزعة كبرياؤها لا تطاقُ

      الرؤوس الملقاة في كل فجٍ

      سوف تبقى تسعى لها الأعناقُ

      وسيأتي اليوم الذي فيه يلقى

      كل رأس أكتافه يا عراقُ

      والنفوس التي تشظت ستشفى

      ويعود الحنين والإشفاقُ

      يومها كل فلقةٍ من رصاصٍ

      سوف يجرى لكعبها استنطاقُ

      يومها كل قطرة من دمانا

      سوف تغدو عينا لها حملاقُ

      سيخطُّ التاريخ بالدم حتى

      تقشعر الأقلام والأوراقُ.

      الشاعر العراقي ـ عبد الرزاق عبد الواحد



      شاعرنا الرائع ـ عادل العاني
      لايأتي الثمين إلا بالثمين
      فشكرا على تلك الهدية والتي تحمل كلمات من نار... تشعل قلب الغافل، لينهض ويأخذ بالثأر لبلاده
      حقا إنه شاعر يكتب بمداد وفكر الشاعر العربي الحر المناضل.
      تقديري واحترامي لكل وطني مناضل بالكلمة والفعل المناهض للذل والعبودية تحت وطأة الإستعمار.

      تعليق

      • بنت الشهباء
        أديب وكاتب
        • 16-05-2007
        • 6341

        #4
        أخي الكريم ابن العراق الأبي
        عادل العاني

        الليل مهما طال فلابد أن يبزغ فجرًا جديدًا
        ما دام هناك رجال أشدّاء , مخلصين أوفياء
        يجاهدون لا يخافون لومة لائم
        ولا يخشون إلا الله ربهم
        فالعراق سيعود بالرغم من جراحاته وآلامه , وعذابه وهمومه ...
        سيعود لنا العراق الصامد الأبيّ
        وسيندحر كل منافق خبيث , وعدو لدود , وعميل سافل
        وفي التاريخ عبرة لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد

        ألف شكر وتقدير على نقلك لهذه القصيدة الحية الناطقة بقوة الحق , ونزاهة اللسان
        وجزاكَ الله خيرا

        أمينة أحمد خشفة

        تعليق

        • د.مصطفى عطية جمعة
          عضو الملتقى
          • 19-05-2007
          • 301

          #5
          الأخ الكريم ابن العراق البطولة ، والجرح
          الشاعر عبد الرازق جميل
          ولكن لا داعي لتجريح الآخرين من الدول والشعوب
          فهذا أبعد عن لغة الأدب ، والدراسة المنهجية
          نحتاج نحن العرب للتجمع ، على مستوى الأدباء على الاقل
          لك خالص شكري

          تعليق

          • حسام عبد الغفور
            عضو الملتقى
            • 03-06-2007
            • 346

            #6
            أخي الأديب الكبير عادل العاني..
            بورك العراق الشامخ الذي أنجب شاعر تسمو كلماته لتعانق القمم والأقمار وتردد صداها الأطيار الشاعر العرندس الذي لا يهاب في حرفه الخونة وأعوانهم
            الشاعر الغريد عبد الرزاق عبد الواحد..جزيل الشكرلما خطته أناملك..
            دمت بخير

            تعليق

            • عادل العاني
              مستشار
              • 17-05-2007
              • 1465

              #7
              الإخوة الأفاضل

              د . جمال

              الأخت عبلة

              الأخت بنت الشهباء

              الأخ د. مصطفى

              الأخ حسام

              أشكركم على المرور والتعقيب.


              ..........................

              أخي د. مصطفى

              أنا أتفق معك , ولهذا قمت بحذف اسم الدولة التي وردت في أصل المقال. لأن الصيغة التي أسعى إليها تختلف .


              لكن ألا ترى أيضا معي إننا بحاجة لوضع النقاط على الحروف ؟

              ألسنا بحاجة لتشخيص أمراض أمتنا العربية كي نقوم باستئصال الأوروام الخبيثة التي عاثت بمقدرات أمتنا وأوصلتها لما نحن فيه الآن ؟


              وتقبل فائق التحيات والتقدير

              تعليق

              • هــري عبدالرحيم
                أديب وكاتب
                • 17-05-2007
                • 509

                #8
                أخي العاني:
                بوركت من شهم، وبوركت من إنسان، والله إن بلد العراق لن ينهزم مادام فيه نشامى من أدباء ومبدعين،فهم الذين يبنون الإنسان ويبنون الحضارة.سلاح الكلمة هو أقوى سلاح،لذلك نرى الإستعمار يركز على ضرب المدارس والجامعات والأدباء والعباقرة.
                يتعود العراق لمجده ، وسيهزم وجه القوة بالكلمة الصادقة النبيلة الصاندة.
                تحيتي لك أيها المبدع الجميل.
                رابط أحسن المدونات:
                http://www.inanasite.com/bb/viewtopi...hlight=#122818

                تعليق

                يعمل...
                X