مرض السيد الرئيس …

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • المحقق كونان
    أديب وكاتب
    • 17-11-2015
    • 46

    مرض السيد الرئيس …

    في إحدى ليالي المخيم شديدة البرودة.
    جائني استدعاء من جهاز المخابرات؛ بأن السيد الرئيس مريض؛
    وأبلغوني بالحضور فوراً.
    لبيتُ النداء الوطني.
    لبستُ المريول الطبي، والسماعة، وحقيبة العلاجات.
    وخرجت، والدموع تملأ عيناي..

    قبل أن نصل للقصر الرئاسي..
    أبلغت السائق بأنني لا أمتلك أُجرة الطريق.
    فالسيد الرئيس مريض.

    بكى السائق كثيراً..
    وقال: وأنا أيضاً مريض، وما أخرجني للعمل في هذا البرد القارص إلا جوع أطفالي.
    ولكن وطنية هذا السائق..
    جَعلتهُ يسامح في الأجرة بنية شفاء السيد الرئيس..

    نزلت على باب القصر..وجدت الحراس منهارين من البكاء..
    سألتهم: أرحل إلى الرفيق الأعلى؟
    قالوا: لا ولكنه مازال يتلوع من شدة المرض.
    دخلتُ إلى القصر.. البكاء سيد الموقف..الجميع يبكي هنا..
    بدأت نوبة البكاء تنتابني قبل رؤية الرئيس..
    في طريقي إلى غرفة الرئيس..
    بدأت أسير في ذلك الممر الطويل .. الذي أرى من نوافذه مخيمنا.
    لمحت مخيمنا كان شديد الظلام، حزيناً على مرض السيد الرئيس..
    في منتصف الممر..
    رأيت السيد رئيس الوزراء " يجوح " وكأنه فقد فلذة كبده..
    أعطيته حقنة مهدأ، ولم يهدأ.
    طلبت منه قبل أن أدخل على مولانا الملك.
    أن يعطيني حقنة مهدأ.

    ************************

    دخلت على السيد الرئيس..
    أخذت أبكي.. وأواسيه.. وأبكيه..
    سيدي الرئيس… يا أيوب الوطن..
    أيها الثابت على الثوابت..
    يا مفجر الثورة.. يا بطل الحرب والسلام..
    أرجوك..
    حاصر مرضك لا مفر.
    فنحن بأمس حاجة إليك..
    سيدي الرئيس..
    شبيك لبيك أنا خدام إيديك..
    قال: أشعور بحرقة بالأسفل.
    بدأت الأفكار تنزلق إلى لساني.. ( أهذه جهنم يا سيدي الرئيس؟! ).
    ولكني لم أنطقها، لأنني جبان، لا أمتلك الجرأة إلا بقول واحد:
    أين الحرقان يا سيدي؟
    أبلغني: هنا، وأشار بإصبعه المقطوع على مؤخرته.
    تتوالى الأفكار بالإنزلاق.. ( مُلهمة أفكارك مريضة يا سيدي الرئيس؟! ).
    ولكني لم أنطقها، لأنني جبان، لا أمتلك الجرأة إلا بقول واحد:
    بعد إذنك يا مولاي..

    إستلقي على بطنك..
    بدأت بالفحص الجسدي..
    وإذ بي أرى قُرحة صغيرة جداً -لا تكاد تُرى بالعين المجردة- في مؤخرة السيد الرئيس..
    أحضرت الضمادات والمنظفات والمعقمات وأخذت أنظف في القرحة وأضع الغيارات اللازمة..
    كان يتألم كثيراً… ويصرخ بقوة..
    مع أنني غيرتُ لكثيرين ممن بُترت أقدامهم في ساحات النضال، وكانوا أكثر صلابة من مؤخرة السيد الرئيس..
    لا بأس فالرئيس معروف برقة قلبه.

    بعدما انتهيت.
    سألني السيد الرئيس.. ما الخطب؟
    أبلغته أن هذه القرحة تكونت نتيجة ضعف في الدورة الدموية للجسد من كثرة الجلوس.
    أبلغته بأن العلاج الحركة والتدليك الدائم لهذه المنطقة لوصول إمدادات الدماء.. لتغذية الأنسجة وبقاؤها أكثر حيوية..
    حزن الرئيس كثيراً على مؤخرته.. وطمأنته.. لا داعي للحزن مولاي..
    فمؤخرات الشعب كلها، فداك يا مولاي.

    ************************

    خرجت ..
    وبدأت الصحافة تتسابق لسؤالي.. عن صحة السيد الرئيس..
    أجبتهم حتى جائني السؤال اللا متوقع..
    ما هو علاج السيد الرئيس؟

    - متى سأمتلك الشجاعة التي تؤهلني إلى قول العلاج الحقيقي لسيد الرئيس؟!

    أبلغتهم أن علاج السيد الرئيس الرعاية التامة.

    -كنت جباناً بشكل كبير..
    حتى غادرت..

    بدأت أسير في الشارع الممتدد نحو المخيم..
    خطوات قليلة تفصلني عن جدارية حنظلة القريبة من منزلني..
    كعادته لم يستدر بعد.

    جلست عنده قليلاً.
    أشعلت سيجارتي، وبدأت أتأمل طبيعة فلسطين.

    سألني حنظلة: ما بال الرئيس؟
    أخبرته: مريض.

    سألني: أعالجته؟
    نعم..
    ردد: لا بارك الله فيك..

    ثم أتبع.. وما علاج سيدك الرئيس؟
    أخبرته بكل غضب..

    أن يغادر كرسي الرئاسة ،..

    كهكهة حنظلة المشاغب..
    وأبلغني، مصير قضيتنا والأجيال والأطفال والأسرى والمسرى..
    تحت رهن مؤخرة الرئيس..

    وتعاتبني في كل مرة .. لماذا أعطيك ظهري وقت الحديث..

    ماذا أرى فيكم؟!
    أو ماذا تبقى لأراه فيكم؟

    أطفأت سيجارتي في ظهر حنظلة،
    وعدت إلى أطفالي الذين لم أنجبهم بعد.

    وبقيَّ حنظلة يرتجف من شدّة البرد..
    وبقيَّ الرئيس يتلوع من شدّة الألم..
    وبقيت أنا أبكي..

    كلما تسألني أمي.. لما تبكي؟
    أخبرها: أبكي مؤخرة الرئيس.

    ولا أحد يعرف..
    بأنني أبكي فلسطين وحدها.
    التعديل الأخير تم بواسطة المحقق كونان; الساعة 12-12-2020, 18:20.
  • فوزي سليم بيترو
    مستشار أدبي
    • 03-06-2009
    • 10949

    #2
    ونحن في السجن كان السجان يمنحنا ساعة للتريّض
    حتى تتنشط الدورة الدموية ، ويفارقنا القمل والسيبان .
    لكن في الحبس الإنفرادي كان الواحد منا يجلس على مؤخرته
    إلى أن تنتهي المدة فيعاني من البواسير شفانا وشفاكم منها .
    يبدو أن المدة كانت تتجدد بقبول الطرفين . ومرض السيد الرئيس بات مزمنا .
    نسأل الله أن لا يكون مرض رئيسنا معديا !
    تحياتي للمحقق كونان البربري

    تعليق

    • ناريمان الشريف
      مشرف قسم أدب الفنون
      • 11-12-2008
      • 3454

      #3
      ضحكتُ ألماً
      وبكيتُ فرحاً
      أن بعثك الله لي يا سيد كونان في هذه الساعة المتأخرة من الليل
      وأنا في حالة أحتاج فيها لهذا النص التهكمي اللاذع ..
      دعني أسألك : كيف حال الرئيس ؟
      أما زال يتألم على حالنا البائس من مؤخرته ؟
      أشفقت عليه ،، ولشدة إشفاقي عليه سأدعو عليه
      وأرسل له بطاقة مكتوب فيها ما قاله أحمد مطر
      أيُّهـا الحُكـامُ باللهِ عليكُـمْ
      أقرِضـوا اللهَ لوجـهِ اللهِ
      قرضـاً حسَناً
      وانقَرِضـوا
      احمدمطر
      كنت هنا ،، وقبل أن أغادر
      لا بد من أن أقول : أنت رهيب يا رجل !!
      تحية ... ناريمان
      sigpic

      الشـــهد في عنــب الخليــــل


      الحجر المتدحرج لا تنمو عليه الطحالب !!

      تعليق

      يعمل...
      X