ضوء جمال عمران على قصيدة/هسهسة خاطر/جهاد بدران

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جهاد بدران
    رئيس ملتقى فرعي
    • 04-04-2014
    • 624

    ضوء جمال عمران على قصيدة/هسهسة خاطر/جهاد بدران

    النص : هسهسة خاطر
    الناص : جهاد بدران
    القراءة: جمال عمران


    النّص :



    ألا ليْتَ نفسي لا تنوءُ بخاطري
    ولا تُنْكِر الإحساسَ في عيْنِ شاعرِ

    ويا ليْتَ فجْري يبْعثُ النّورَ جذوةً
    فيُحْيي بنبْضِ القلبِ فجرَ مشاعرِي

    إذا أوجعَ الوجْدانَ دهْرَ مناوئٍ
    سرى في دُجى صدري كطيرٍ مهاجرِ

    فلا الرّوح يجثو ضوؤها بين أضلعي
    ولا الجفن يخفي بالدّموع سرائري

    فما بال شِعري لا يناجي قصيدَهُ
    فيعصي لصوتِ البيتِ طيفَ مؤازرِ

    فتبْدو الأماني ثغرُها في سَحابةٍ
    وقدْ نَزّها قلبي شُواظًا لناظِري

    لأغفو بلا ماضٍ كأنّي شريدةً
    وعينُ زماني في مهبِّ الدّياجرِ

    فما الّليلُ يُجْلي عن عيوني ظلامَهُ
    ولا الشّمسُ تُغري الّليلَ كشْفَ السّتائرِ

    أُنقّبُ عنّي بيْن أُهزوجةِ الجَوى
    وظِلّي مرايا قيدهِ كيد غابرِ

    تراءى لأَجْفانِ الّليالي أنينها
    ولا ضوءَ إلّا نارَها في الضّمائِرِ

    ألوكُ النّدى بالفجرِ ظمآنةً بهِ
    ونيسان يُخفي كلّ زهرٍ وطائرِ

    وأوراق بُلداني يئنُّ اخضرارها
    ويبكي حمامُ الشّامِ نزْفًا لِناضرِ

    وأغصان عمري قدْ تهاوتْ مرارةً
    فأخشى اِحْتضاري بين حينٍ وآخرِ

    فكم وخزةٍ قدْ قدّتِ الثّوبَ بالأسى
    وكم زَفْرةٍ عاثتْ بروحِ البشائرِ

    وكمْ مِنْ نزيفٍ أرهقَ النَّفسَ حَسْرةً
    وكم ليل ظُلمٍ مُسْتخِفِّ البصائِرِ

    أيا ماضيَ المخلوع كُرهًا لحاضرٍ
    تخطّى الليالي دونَ قصْمِ المنابرِ

    خَنى الدّهرِ يسري في دمائي معاوِلًا
    يُجاري الدُّجى يأْبى خُنوعًا لِثائِرِ

    كفاكَ مِراءً بالهُدى ليس في الهُدى
    ركابٍ لباغٍ أو سبيلٍ لغادرِ

    بحر الطويل



    القراءة :


    الصنايعى،أو (الأسطى) الشاطر هو ذلك الماهر الذى يتقن صنعته،،، وعندما نريد صنع ثوب لابد من وجود القماشة،، وصناعة القماشة تمر بمراحل كثيرة،، الغزل، التجهيز، السداء، النسيج، والصباغة والغسيل والتجفيف والفحص واللف والتغليف،،، ولكل مرحلة من تلك المراحل (أسطواتها المتخصصون)......... ومادمنا أوضحنا أن لكل مرحلة (أسطى) متخصص فانه من العجيب والغريب والفريد،، بل والنادر أن تجد (أسطى) واحداً يجيد كل هذه المراحل وهكذا نحن فى حضرة (أسطى صنايعى) متعدد الصنعة والموهبة....،، وعندما يوضع بين يديك بمائة قماشة،، وتستطيع وأنت مغمض العينين تمييز إحداها ومعرفة صانعها من الألف إلى الياء.... فأنت فى حضرة (جهاد بدران). ...........(هسهسة خاطر) ......... عنوان عميق لو رجعنا إلى معنى الهسهسة فهى كلمة ذات معان كثيرة ومختلفة،، لكن يقيناً، جهاد بدران تقصد الأعمق وهو خفوت الخاطر وأنينه ورتمه الحزين، ووقعه الأليم.... والعنوان يحيلنا إلى دخيلة الكاتبة،، ويطلعنا على تفاعلات ذاتها وأنات ضميرها وما يضطرب داخل نفسها ويتفجر فى صدرها من أوجاع ناءت بحملها..،، وأماني ظلت سرابا..

    ꧁꧂ألا ليت نفسى تنوء بخاطري
    ولا تنكر الاحساس فى عين شاعر꧁꧂

    ترجو الكاتبة نفسها،،تتوسل إلى ذاتها،،مداركها،ألا تضيق وترهق مما تحمله الكاتبة من هموم وأوجاع،،من خواطر شتى، وكأن هذه الخواطر تحمل من الألم ما لا تطيقه النفس وما يهد الكيان ويهزم الروح،،،، ولا تنكري الاحساس فى عين شاعر...رجاء وتوسل لاحتواء الكلمة والشعور وعدم إهمالها وخاصة عندما تكون المتكلمة ممن يعبرون أحياناً بالشعر عما يتعبهم ويؤلمهم... وهو رجاء يعبر عن الفاصل بين ما هو كائن وما تتمنى أن يكون....

    ꧁ويا ليت فجرى يبعث النور جذوة
    فيحيي بنبض القلب فجر مشاعري꧂ ..

    يسير ركب الأمانى وتحلم الكاتبة بقرب فجر جديد وسطوع شمس تبعث نور المشاعر وتأخذ بهما بعيداً عن ظلام النفس وعتمة الروح ومكنون الصدر لتستطيع أن تبوح بما تعانى وتحيى بهذا البوح نبض قلب أوجعه كتمان مافيه ومايحمله....

    ꧁اذا أوجع الوجدان دهر مناوئ
    سرى فى دجى صدري كطير مهاجر꧂

    ها هو الوجد وها هي الحيرة والوجع،،، تسري فى ظلام الصدر مثل طير مهاجر للامكان ولا مرفأ ولا نافذة للخروج،،وكأنه مهاجر داخل قمقم، وهكذا معاناة الكاتبة تحلق فى سماء صدر مغلق على ما فيه..

    ꧂فلا الروح يجثو ضوؤها بين أضلعي
    ولا الجفن يخفي بالدموع سرائري꧂

    الروح ثائرة، متمردة، هائمة لا تستقر بين الضلوع والدموع تخفي مايحمل الصدر،،،لكنها تأبى النزول،،،وتستعصي الدموع عن التعبير عما يجيش فى النفس، تستجدي الكاتبة الدموع،،علها تعبر عنها وتخفف، لكن لا مجال حتى للدموع أن تبوح،، وتظل الكاتبة تحمل عبء أوجاعها دون بوح،، وبلا تعبير، وإن كانت علة وجعها ظاهرة فى ملامحها ويستطيع الراءى أن يطلع على حجم الألم فى سريرتها. بينما قد يراه فى عينيها ويقرأه فى دموع تأبى النزول.

    ꧁فما بال شعرى لا يناجي قصيدة
    فيعصى لصوت البيت طيف مؤازر꧂

    تتساءل الكاتبة ما لهذا الشعر المضطرب داخل صدري لا يعبر عن نفسه بقصيدة؟ وكأنه قلم استعصى على الكتابة،،،حتى العصيان بدا وكأنه سيد الموقف،،،وهكذا تعبر الكاتبة عن اجتماع كل المباح ضدها وضد رغبتها فى التعبير عما يوشك تمزيق صدرها. فلا دموع تعبر،، ولا قصيدة.

    ꧁فتبدو الأماني ثغرها فى سحابة
    وقد نزّها قلبي شواظاً لناظري ꧂

    تكمل الكاتبة نزيف الوجع والتساؤلات.. تقول عن تكثيف وتثبيط،، وصلب وخنق المشاعر،، حتى الأمانى مثل سحابة تهطل شواظاً،، يا له من تشبيه مرعب لما تعانيه الكاتبة من حسرات ووجع وأنين،، كان من نتيجة كل هذا قولها فيما يلي:

    ꧁لأغفو بلا ماض كأني شريدة
    وعين زمانى فى مهب الدياجر꧂

    تقول إنه نتيجة ما سبق تعيش معاناة وكأنها شريدة فى عالم خانق وسجينة فى قبو صدر ضيق.. وكأنها تعيش ظلاماً فى ظلام،، ظلام الحياة والقدر،، وظلام الطريق والسكن،، وظلام الدرب وظلام العين، وظلام اليأس..
    ꧁فما الليل يجلي عن عيوني ظلامه
    ولا الشمس تُغري الليلَ كشف الستائر꧂

    تمضى الكاتبة فى تأكيد المعاناة،،، فالليل يأبى أن يبارح العيون التى تسبح فى ظلامه،، ولا الشمس ترضى بالسطوع لتمحو الظلام وكأن الآيتين اتحدتا على الكاتبة لتظل رهينة المحابس جميعا....(فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) الآية..... لكن الكاتبة تقول أن ما تقاسيه وتكابده لم يكن وحده السد دون انفجار مشاعرها،،، بل اتحدت عليها الطبيعة وكأن عقارب القدر تسير بها عكس الاتجاه،، وكأن الليل والنهار يتعاقبان على حياة الناس عداها.... وهنا صورة للقسوة والآلام عندما ترى ا
    أن كل شئ ضدك... بل ضد أبسط مايجب أن يكون وهو التعبير عن الوجع.

    ꧁أنقّب عني بين أهزوجة الجوى
    وظلى مرايا قيده كيدِ غابر꧂

    تؤكد الكاتبة على ما قالت وتضيف أنها روح جريح ونفس ضائعه،، فهى تبحث عن نفسها بين ظلمات كثيفة وفى أهزوجة،، أية أهزوجة؟؟ أهزوجة الجوى..الحزن والشجن .. وتبحث لها حتى عن ظل فى مرايا،، لكنها تعود خائبة بخفي حنين، وقد تراءت لها أهزوجة الجوى مزيدا من عالم الضياع..

    ꧂تراءى لأجفان الليالى أنينها
    ولا ضوء إلّا نارها في الضمائر꧂

    تعود بنا الكاتبة إلى مجمل الهسهسة... فلا نور، ولاضوء، وأجفان الليل تئنّ ولا نور مرتقب،، وها هى (إلا) تحيلنا إلى الأسوأ، إلا نارها فى الضمائر،، وكأن الجوى والحزن، والحسرة والخيبات داخل جوف مظلم وصدر معتم ولا سبيل لترى المشاعر النور..ولا مجرى لدمع العيون.

    ꧁ألوك الندى بالفجر ظمآنة به
    ونيسان يخفى كلّ زهر وطائر꧂

    تضيف الكانبة بُعدًا آخر لليأس والقنوط،، ورؤية مظلمة أخرى،، وتعبير يزيح العقل عن فلكه،، فهى تلوك الندى... والندى قد نشربه،، ولا نلوكه،، لكن التعبير هنا مجازي عن صعوبة إدراك الأشياء وبعدها عن حقيقتها، فالندى كان الظمأ ذاته، وجفاف الريق ولم يكن بللًا حتى للشفاه... وهذا تعبير عن المفقود وكأنه (كذب الابل) فنيسان ذبلت فيه الزهور،، وكمنت الطيور،، تعبيرا عن البيات القهري والقصري والعجز عن الحركة والتطور وفقدان الحرية،،، وربما تقصد الكاتبة أن كل شئ حولها سراب وكذب،، لذلك كانت الإشارة إلى شهر إبريل نيسان. وقد نسأل أنفسنا،،، وماذا بعد هذه الهسهسة؟ وما المقصود فى نهاية المطاف؟

    ꧁وأوراق بُلداني يئنُّ اخضرارها
    ويبكي حمامُ الشّامِ نزْفًا لِناضرِ꧂

    الله.. الله.. الله... هاهى الاجابة قد جاءت... وفى حرفية تربط الكاتبة هسهسة خاطر.. بالوطن، كما الحال فى معظم كتابات القديرة جهاد بدران لا تنفصل أبدًا عن قضايا الوطن.
    وها هى تقفز بنا من مشاعرها وأوجاعها الخاصة لتربطها بالوطن فى تناغم بدا عن الوطن بعيدًا لكنه سرعان ما التحم به التحامًا وثيقًا.. وأوراق بلدانى يئن اخضرارها.. وهى تصف البلدان بغصن دبت فيه الصفرة فهو إلى ذبول،،، وبكى حمام الشام نزفا لناضر... وكأن نزيف الدم فى بلادها قد توحد وطال كل مكان،، ومن المحتمل أن تكون إشارة الكاتبة إلى اصفرار الغصن،، وبكاء الحمام كمعنى عميق لقتل رموز السلام.

    ꧂وأغصان عمري قدْ تهاوتْ مرارةً
    فأخشى اِحْتضاري بين حينٍ وآخرِ ꧂

    تقول الكاتبة أنها وبلدها كغصن واحد وقد دبّ الاصفرار فى غصن الوطن،، فتأثرت به مثله أغصان عمرها وتهاوت من الوجع للوطن والحزن له،، فتهاوت وتخاف الموت لأنها والوطن روح واحدة وقدر واحد لا يتجزأ مشاعرًا ونبضًا ووجعًاوحياة وموتا.

    ꧁فكم وخزةٍ قدْ قدّتِ الثّوبَ بالأسى
    وكم زَفْرةٍ عاثتْ بروحِ البشائرِ ꧂

    ها هو ثوب جديد موشى بالأسى ووخز الوجع والضمير والإحساس بمعاناة الوطن،، وكم شهق الصدر بما ضاق من وجع وموات بشائر وإن بدت بعيدة،

    ꧁وكمْ مِنْ نزيفٍ أرهقَ النَّفسَ حَسْرةً
    وكم ليل ظُلمٍ مُسْتخِفِّ البصائِرِ꧁


    وكم من نزيف أرهق النفس حسرة
    وكم من ليل مظلم ظالم مستخف بالبصائر والبشائر،، التحمت الكاتبة بقضايا الوطن وصارت والوطن واحدا، فالنزيف يرهق النفس ويؤلم الروح ويجعلها فى حسرة وخيبة لدى الكاتبة ولدى الوطن على حد سواء،، فهو نزيف الوطن والمواطن وكم طالت ليالى الظلام على الكاتبة وعلى الوطن والليل المظلم الظالم يستخفّ بهما بصرًا وبصيرة وبصائرًا وبشائرًا،، فهو ليل بهيم وطويل، و.. وكفى..

    ꧁أيا ماضيَ المخلوع كُرهًا لحاضرٍ
    تخطّى الليالي دونَ قصْمِ المنابرِ ꧂

    تخاطب الكاتبة الماضى الذى لم يزل فى صورة الحاضر، فهذا الماضي الذى ولّى رغم مرارته يكره الحاضر مقارنةً،، وكأن الأيام فى دورتها تتشابه فى السئ،، وتتجه إلى الأسوأ فى سباق،، وكأن الكاتبة تقول أن الماضي والحاضر أيام يكره بعضها بعضًا ويتباهى بعضها بشروره على بعض،، فالماضي والحاضر يبقيان الوجع على ماهو عليه... وتقول الكاتبة للماضى دع لى منبرًا، شعاعًا، فرجة أمل أطل منها على خير متوقع،، لكن لا شئ من هذا،، فالماضي والحاضر وجهان لعمله واحدة هى وجع ومعاناة الوطن والكاتبة.. ثم بعد هسهسة الخاطر وسريانها الرفيق رغم الحزن والألم تقول الكاتبة فيما يشبه الانقلاب والتحدي.

    ꧁خَنى الدّهرِ يسري في دمائي معاوِلًا
    يُجاري الدُّجى يأْبى خُنوعًا لِثائِرِ

    كفاكَ مِراءً بالهُدى ليس في الهُدى
    ركابٍ لباغٍ أو سبيلٍ لغادرِ ꧂

    تلقى الكاتبة القفاز فى وجه الدهر والعمر، والليل والظلم، والقهر والظلام، واليأس والخيبات والوجع والملمات،، وتقول لكل ما حولها،، ، للإنسان، للنبات، للعالم كله،، كفاكم لعبًا بمشاعرى وعبثًا بأحلامي، كفاكم ظلمًا وتلاعبًا لا طائل منه،، أن هسهسة خاطري أصبحت صرخة ثائرة أُسْمعها للكون كله ليفهم ويعي أن للصبر حدودًا، وللوجع نهاية، وللجواد كبوة،، وغدًا أثور ياوطني،، وأعود لك وتعود.. كانت هسهسة خاطر عميقة ومتينة البنيان وقوية القماشة،،، أثبتت بها الكاتبة القديرة جهاد بدران وبعيدًا عن أكاديميات النّص أنها هذا (الأسطى الصنايعى) متعدد المواهب...
    الأستاذة جهاد بدران.كنتُ قارئًا متذوقًا،،، فلست ناقدًا بحال.. مودتي
    .
    .
    .
    جمال عمران
يعمل...
X