جلست منهكة في رواق شقتها الصغير، متهالكة ، مسندة ظهرها على الحائط ، رافعة رأسها إلى السقف بعينين دامعتين ،متوسلتين ، بين تثبط و قلق ، خيبة و قنوط ، بقيت على هذه الحالة طوال فترة ما بعد المساء مُذ عودتها من عيادة الطبيب ، بالكاد وصلت إلى عنوان بيتها ، كان الطريق أمامها يبدو غيمة سوداء ، مكفهر ،. مقفر رغم امتلائه بالمارة ، لا تدري أين تضع قدميها ولا كيف تحملانها ،لم تتحرك من مكانها لساعات ، لم ترد على هاتفها الذي لم يتوقف عن الرنين ،وكأن صوته يخرج من عمق الأرض لعدم مبالاتها به ،كانت كلمات الطبيب الأخيرة تتردد في مسامعها وتدق أذنيها كأنها الدبابيس ,أو مسامير في اللوح الصلب . عيناها لم تقع على شيء في شقتها الجديدة ،ولم يجلب انتباهها المطبخ أمامها كعادتها في كل مرة تدخل بيتها فترمقه بنظرة اعجاب و زهو ، المطبخ الذي جهزته حديثا بأجمل الخزائن وأفخر الأثاث،، لم تعد تكترث لشيء.لا شيء .
آه ثم أولادها أحبائها ، يا إلهي أولادها ! ، لقد حان الوقت لتذهب و تحضرهم من المدرسة كعادتها ، لكنها اليوم لا تقوى حتى على النهوض من هذا المكان الذي تقبع فيه منذ ساعات ، لم يساندها جسدها الملقى على النهوض ، ولم تجرؤ على المحاولة .
أيقظها من ذهولها هاتفها الذي رن من جديد ، كان زوجها ، ردت عليه بصوت أجش تطلب منه جلب الأولاد و أغلقت الخط وعادت لتتخبط في الوجع و الفجع من جديد.
أذكر جيدا حين أسرّت لي بهذا الخبر كيف انهارت قواي و خارت ، و وضعفت همّتي حتى أني خجلت من نفسي ، وخجلت من أختي , فعوض مواساتها و تصبيرها على مصابها ، كانت الصدمة أشد عليّ منها هي , ابنة تسع و عشرين سنة .
فحين أخبرتني عبر الهاتف عن نتيجة الفحوصات الطبية بكلمات ثابتة ، رزينة ، مؤمنة بقدر الله وقضائه , لم أتمالك نفسي فأغلقت خط الهاتف عن غير قصد ، ودخلت الحمام لا ألوي على شيء ولا أدري ما سأفعل داخله ، لملمت شتاتي قليلا أمام المرآة ومسحت دموعي المنهمرة من عيني بغزارة و وقفت شاردة ، فما شعرت به يومها لا يُحسّ ولا يوصف .
زارتني أول مرة قبل بدء فترة العلاج ، كانت متفائلة بشوشة ، أحضرت المقص و قصت جدائل شعرها الأشقر الطويل ، وهي تقول " سأتمتع بشعر قصير قبل أن يتساقط ويصبح رأسي أملط !" وأطلقت ضحكة مشوبة بالقلق والسكينة . بينما حشرجت الدموعُ تنازع حدقةَ عيني .
مرت الأيام سريعة رغم كل شيء وبدأت حصص العلاج الكيميائي كنت بجانبها في الحصة الأولى ، كانت تبتسم بقوة و دلال ،تطلق قصصها العذبة المرحة ، بروح رقيقة دمثة ، وهي تكتشف عالمها الجديد مبدية رغبة الإطلاع ، ناسية بل متناسية ما تضمره وتدسّه الأيام المقبلة .
لكن بعد ثلاثة أشهر فقط ، أصبحت حائرة متوجسة ، لا تنام ليلتين قبل موعد هذه الحقنة الملعونة ، لما تسببه من تهوع وآلام لا يمكن لأي أحد إدراكها و تصور ما تلحقه من وجع ونصب إلا من عايشه واختبره .
وانتهت فترة علاج الكيميائي بعد ثمانية أشهر كانت طويلة ثقيلة جدا ، خاصة الأخيرة منها ، حان موعد العملية و استئصال الورم ،. "سرطان الثدي" ، كم كان هذا مؤثرا و صعبا للغاية بالنسبة لنا نحن النساء ،فمجرد الحديث عنه تقشعر له الأبدان !
بالنسبة لإمرأة استئصال عضو كهذا يمس أولا من أنوثتها و كبريائها ، و تحوم حولها كل أعين الشفقة و الرثاء . والإحساس بالعاهة والعوز .
لكن هي كانت قوية رغم صغر سنها وتجاوزت الفترة العصيبة بنجاح ، وانتصرت رغم الصعاب .
تماثلت للشفاء ، زاد أملها ورجاؤها في الحياة ، و أمضت عطلة الصيف في أحسن الأحوال .
بعد شهرين قامت بفحوصات مراقبة ، وهنا كانت الصدمة الثانية ، عاودها المرض من جديد ، هذه المرة احتفظت بسرها الثقيل ، فضلت العلاج في كنف الكتمان ، لم ترد اخباري لأنها تعلم مدى ما أقاسيه عند سماعي مثل هذا الخبر و خوفي عليها ،
ولكن إلى متى تستطيع اخفاء الأمر ؟
لقد ظهرت علامات الكيميائي الترياق الذي لا بد منه على وجهها الشاحب ، وشفتيها المنفطرة ، فسألتها على استحياء و وجل عن صحتها ، أجابت بحزن واستياء موقنة أن الأمر قد كُشف ولا جدوى من انكاره .
"لقد عاودني المرض ، و هذه المرة في الكبد ،
تغيرت ملامح وجهي ووقع عليّ الخبر وقوع الصاعقة ، شعرتْ بذلك فتداركت وأردفت بهدوء
" لا تخافي هو في مرحلة أولى وليس بالخطورة التي تعتقدين ، ثم أرجوك لا لتخبري أهلي ،لا تقولي لهم شيئا ، سيكون وقع ذلك صعبا جدا عليهم ، ولا أريد تعذيبهم بالقلق والتوتر عليّ ، فيصبح ليلهم سهادا وأرقا ونهارهم حيرة وانشغالا ".
و عدتها على مضض ، ولكن سريعا ما تدهورت حالتها ولزمت الفراش بعد بضعة أسابيع , وفيت بوعدي ولم أقل شيئا للعائلة، خيّرت الصمت ، وارتأيت أن ذلك أفضل للجميع .
مكثت في المشفى قرابة ثلاثة أشهر ،كانت صامدة قوية ،حين تُسأل عن حالها كانت إجابتها " الحمد لله رب العالمين " لا تشتكي ، ولا تتذمر ،
لكن كل تفاصيل وملامح وجهها كانت تصرخ ألما و تقطر وجعا و سقما .
نستطيع القول بأن حالتها تحسنت نوعا ما ، رجعت إلى البيت وذاك الأمل الذي لا يفارقها وكأنه هو من يدفعها إلى الأمام ، إلى الحياة من جديد ، كانت تقوم بكل أعمالها وواجباتها كأم دون ملل ولا كلل فتكلف نفسها أكثر مما تحتمل ، في نفس الوقت كانت حصص العلاج الكيميائي مستمرة ، في كل مرة يجثم على صدرها ، ينهك قواها ، و يجهد طاقتها لكنه لا يضعف عزمها و إرادتها .
أذكر جيدا ذاك الصباح ، وهي تنظر إلى كفها الممتلئ بأقراص المورفين ومائدة الإفطار بيننا تزخر بما لذ وطاب ، تتأملها بلا حول ولا قوة غير مستسيغة ولا مشتهية طعامها ، هي من كانت تتفنن في تحضير أروع الموائد و تطبخ ألذ الوصفات.
هاهي تكتفي بالنظر إليه وحين ألح عليها لتأكل ،تعاني من المغص ثم تستفرغ .
لشد ما كان يؤلمني رؤية هذا....
أذكر يوم افتقدت زميلة كانت تلتقيها دائماً،كانت مثلها تتلقى العلاج الكيميائي في نفس الموعد ، فذهبت وسألتْ عنها مسؤول الإستقبال ،فأجابها بكل بساطة أنها قد ماتت ، دون مراعاة إلى إحساس هذه المريضة التي أمامه ، ولا اكتراث لما قد يسببه هذا الخبر لإنسان في مثل حالها ، و مدى وقعه عليها ، تأسفتْ كثيرا من أجل صديقتها و هي تحكي لي حكايتها مع هذا المرض ،لكنها أبدت نوعا من الصمود والثبات فهي لا تحب أن يراها أحد في موقف ضعف واهتزاز .
قررت أن ترسل لأختها الأصغر منها استضافة لمساعدتها في البيت والأولاد والإعتناء بها قليلا ، إذ أن فترة العلاج مازالت تطول ، أيدنا الفكرة أنا وزوجها ،ورأينا أن وجود أختها معها في هذا الظرف مهم جدا لها، حيث أن صحتها ضعفت من جديد جراء حصص الكيميائي المتواصلة بلا انقطاع ولا هوادة ، مسببة لها نقص المناعة و الحمى ، وآخر مرة وضع لها الطبيب التنفس الاصطناعي (الأوكسيجان) عبر أنفها ، كانت تتنقل به في البيت ، مع كل هذا كنت أعتقد أنها وعكة ككل مرة و ستشفى منها ، كم كنت ساذجة !.
لم تتحسن ، بل تدهورت حالتها إلى الأسوأ .
كانت تنظر إلى أولادها بقلق وإلى زوجها بحنان وعين مشفقة .
أوقف الطبيب المباشر لحالتها العلاج نهائيا وأضاف لها جرعة المورفين ، لزمت الفراش بسرعة لم نكن نتوقعها
ورغم كل هذا ،لا نلمس اليأس في نبرة صوتها ولا في فحوى حديثها ،كانت تبرز الثقة بالله والرجاء في الشفاء فأوهمتنا أن ذلك الشبح المخيف قد ارتد وتلافى وصار بعيدا . حتى كان ذلك اليوم .
ذلك اليوم الذي نقلت فيه إلى المستشفى ، واتصل زوجها ليزف لي أن حالتها حرجة ، و عليّ ترك كل شيئ وأن أحضر على جناح السرعة . تزاحمت الأفكار في رأسي مستعجلة الأحداث وما تحمله الساعات الآتية ، فكرت في عائلتي .... كيف سأخبرهم أن ابنتهم الحبيبة المدللة تحتضر ؟ كيف سأقول لأخي أن ابنته البكر تموت ؟وهي روحه الثانية ؟...ماذا عساني أن أفعل في هذه البلاد البعيدة عن الأهل والأخوة ؟ لست أدري لماذا راودني شعور بالمسؤولية و ثقلها على كاهلي الضعيف ، وكأنني مُدانة بما يحدث هنا وبما هم عليه من قلق وحيرة وهم بعيدون لا يدرون عن شيء . وفي كل مرة يسألونني عن حالها كنت أشعر أنني لم أكن صريحة معهم كما يجب ، كنت دائما أطمئنهم عليها ذلك لأنني أحسست أنه من واجبي أن لا أروعهم و لا أكدر صفو راحتهم ،ولأنني لم أكن أملك الشجاعة الكافية لإعلامهم بأن حالتها تسوء ، لكن اليوم لا بد من قول شيء ،لا بد من تمهيد وتسهيل سرد الخبر لهم ،لأنها ربما تكون النهاية .
اتصلت بهم ولست أدري كيف سقت لهم الأمر. أغلقت خط الهاتف وانقطع صوت البكاء ،كفكفت دموعي وخرجت وحملت مصحفي معي ، دقائق فقط تبعد عن المستشفى الذي ترقد فيه لكنها بدت كساعات ، ساعات طويلة ثقيلة و كأن عجلة السيارة تسير بي إلى الخلف .
وصلتُ أخيرا وقلبي يخفق ، والحيرة تمزقه ، صعدت الى الطابق الذي نقلت إليه ، لفت انتباهي لافتة كتب عليها بالفرنسية ( soins palliatifs ) تجمدت أوصالي وأحسست ببرودة أطرافي ، وأيقنت بأنها المرحلة الأخيرة، ،هل هذا ممكن ؟ هل ستغادرنا الى الأبد حقا ؟
لشد ما يؤلمني مجرد التفكير في فراقها .فكيف به حقيقة أعيشها الآن .
دخلت غرفتها كانت ممددة على ظهرها ،سلمت عليها أجابتني بجهد ،سألتها عن حالها فتمتمت بشفتيها (الحمد لله) جلست بجوارها ، نطقت باسمي هرعت إليها
غمغمت بكلام بلسان ثقيل بالكاد يُفهم ،طمأنها زوجها على أولادها ، فنظرت إليه دون إجابة،
أسندتُ رأسها على السرير أغمضت عينيها ولم تفتحهما من جديد. ولم أعد أسمع إلا صوت أنفاسها يتردد في أذني
زارها كثير من الأهل والأصدقاء يسلمون ويخرجون ، كنت كأنني في كابوس أو في شبه غيبوبة ، هاتفي يرن لا أسمعه ، نسيت كل شيء ، يمر الأشخاص من أمامي وكأنهم صور في مشهد سينمائى ، فاستوعب ذهني بعضها وغفل عن أكثرها .
كم كانت رؤيتها مؤثرة وحزينة .
حل الظلام وحل معه الخوف من القادم ،تمنيت الهروب إذ هذه أول مرة أقف فيها أمام شخص يحتضر ، فلم استطع تركها في لحظاتها الأخيرة وهي الحبيبة الغالية لمن اتركها ؟فأنا كل أهلها هنا .
لم يدم الأمر طويلا ،كما تمنت ذلك ورددته في دعائها ، وسرعان ما صعدت روحها الطاهرة إلى ربها بين تكبير ،وقراءة القرآن الكريم ،كنت ممسكة بيدها البيضاء الرقيقة قبلتها ،ودعتها وأغمضت لها عينيها في هدوء وخشوع .قدمت الممرضة وغطتها برداء أبيض، عندها فقط أيقنت أنها رحلت و غادرتنا إلى دار الخلد والبقاء ،
هي خاتمة قصة إمرأة مؤمنة بقضاء الله وقدره ،حتى آخر ايامها ، ذلك الحين تذكرت أولادها الذين اصبحوا يتامى منذ قليل ،فبلغ مني الحزن ذروته ،بل امتلأت شجنا حتى النخاع .
،فتهالكت على كرسي أمامي ، و الألم يسكنني و كل الأحداث تتوالى في مخيلتي ،لم أكن أتصور أنني أمتلك الشجاعة لأقف يوما أمام إنسان يحتضر "،أنا التي تخاف ظلها "، وليس أمام أي انسان هي قريبتي الغالية ، و أنيستي في غربتي .
لكن هذه هي الدنيا ،حياة وموت ، وهذا قدر الله الذي لابد منه .
هذا اليوم أحسست و تجرعت حقا مرارة الفقد مرتين فكنت بين سندان الغربة ومطرقة الموت .
في الطائرة ونحن عائدون لدفن جثمانها في أرض الوطن
هتفت أختها بصوت أجش ، مرتبك
«لقد أوصتني برعاية أولادها !»
نظرت إليها في ذهول وسألتها " وهل وعدتها ؟ "
قالت "نعم "
قلت "إذا ، أوفي بما وعدت ".
أسكنك الله فييح جناته
و لروحك الطاهره رحمات من الله تعالى
ذكرى وفاة قريبتي رحمها الله،اعتذر لطول النص
آه ثم أولادها أحبائها ، يا إلهي أولادها ! ، لقد حان الوقت لتذهب و تحضرهم من المدرسة كعادتها ، لكنها اليوم لا تقوى حتى على النهوض من هذا المكان الذي تقبع فيه منذ ساعات ، لم يساندها جسدها الملقى على النهوض ، ولم تجرؤ على المحاولة .
أيقظها من ذهولها هاتفها الذي رن من جديد ، كان زوجها ، ردت عليه بصوت أجش تطلب منه جلب الأولاد و أغلقت الخط وعادت لتتخبط في الوجع و الفجع من جديد.
أذكر جيدا حين أسرّت لي بهذا الخبر كيف انهارت قواي و خارت ، و وضعفت همّتي حتى أني خجلت من نفسي ، وخجلت من أختي , فعوض مواساتها و تصبيرها على مصابها ، كانت الصدمة أشد عليّ منها هي , ابنة تسع و عشرين سنة .
فحين أخبرتني عبر الهاتف عن نتيجة الفحوصات الطبية بكلمات ثابتة ، رزينة ، مؤمنة بقدر الله وقضائه , لم أتمالك نفسي فأغلقت خط الهاتف عن غير قصد ، ودخلت الحمام لا ألوي على شيء ولا أدري ما سأفعل داخله ، لملمت شتاتي قليلا أمام المرآة ومسحت دموعي المنهمرة من عيني بغزارة و وقفت شاردة ، فما شعرت به يومها لا يُحسّ ولا يوصف .
زارتني أول مرة قبل بدء فترة العلاج ، كانت متفائلة بشوشة ، أحضرت المقص و قصت جدائل شعرها الأشقر الطويل ، وهي تقول " سأتمتع بشعر قصير قبل أن يتساقط ويصبح رأسي أملط !" وأطلقت ضحكة مشوبة بالقلق والسكينة . بينما حشرجت الدموعُ تنازع حدقةَ عيني .
مرت الأيام سريعة رغم كل شيء وبدأت حصص العلاج الكيميائي كنت بجانبها في الحصة الأولى ، كانت تبتسم بقوة و دلال ،تطلق قصصها العذبة المرحة ، بروح رقيقة دمثة ، وهي تكتشف عالمها الجديد مبدية رغبة الإطلاع ، ناسية بل متناسية ما تضمره وتدسّه الأيام المقبلة .
لكن بعد ثلاثة أشهر فقط ، أصبحت حائرة متوجسة ، لا تنام ليلتين قبل موعد هذه الحقنة الملعونة ، لما تسببه من تهوع وآلام لا يمكن لأي أحد إدراكها و تصور ما تلحقه من وجع ونصب إلا من عايشه واختبره .
وانتهت فترة علاج الكيميائي بعد ثمانية أشهر كانت طويلة ثقيلة جدا ، خاصة الأخيرة منها ، حان موعد العملية و استئصال الورم ،. "سرطان الثدي" ، كم كان هذا مؤثرا و صعبا للغاية بالنسبة لنا نحن النساء ،فمجرد الحديث عنه تقشعر له الأبدان !
بالنسبة لإمرأة استئصال عضو كهذا يمس أولا من أنوثتها و كبريائها ، و تحوم حولها كل أعين الشفقة و الرثاء . والإحساس بالعاهة والعوز .
لكن هي كانت قوية رغم صغر سنها وتجاوزت الفترة العصيبة بنجاح ، وانتصرت رغم الصعاب .
تماثلت للشفاء ، زاد أملها ورجاؤها في الحياة ، و أمضت عطلة الصيف في أحسن الأحوال .
بعد شهرين قامت بفحوصات مراقبة ، وهنا كانت الصدمة الثانية ، عاودها المرض من جديد ، هذه المرة احتفظت بسرها الثقيل ، فضلت العلاج في كنف الكتمان ، لم ترد اخباري لأنها تعلم مدى ما أقاسيه عند سماعي مثل هذا الخبر و خوفي عليها ،
ولكن إلى متى تستطيع اخفاء الأمر ؟
لقد ظهرت علامات الكيميائي الترياق الذي لا بد منه على وجهها الشاحب ، وشفتيها المنفطرة ، فسألتها على استحياء و وجل عن صحتها ، أجابت بحزن واستياء موقنة أن الأمر قد كُشف ولا جدوى من انكاره .
"لقد عاودني المرض ، و هذه المرة في الكبد ،
تغيرت ملامح وجهي ووقع عليّ الخبر وقوع الصاعقة ، شعرتْ بذلك فتداركت وأردفت بهدوء
" لا تخافي هو في مرحلة أولى وليس بالخطورة التي تعتقدين ، ثم أرجوك لا لتخبري أهلي ،لا تقولي لهم شيئا ، سيكون وقع ذلك صعبا جدا عليهم ، ولا أريد تعذيبهم بالقلق والتوتر عليّ ، فيصبح ليلهم سهادا وأرقا ونهارهم حيرة وانشغالا ".
و عدتها على مضض ، ولكن سريعا ما تدهورت حالتها ولزمت الفراش بعد بضعة أسابيع , وفيت بوعدي ولم أقل شيئا للعائلة، خيّرت الصمت ، وارتأيت أن ذلك أفضل للجميع .
مكثت في المشفى قرابة ثلاثة أشهر ،كانت صامدة قوية ،حين تُسأل عن حالها كانت إجابتها " الحمد لله رب العالمين " لا تشتكي ، ولا تتذمر ،
لكن كل تفاصيل وملامح وجهها كانت تصرخ ألما و تقطر وجعا و سقما .
نستطيع القول بأن حالتها تحسنت نوعا ما ، رجعت إلى البيت وذاك الأمل الذي لا يفارقها وكأنه هو من يدفعها إلى الأمام ، إلى الحياة من جديد ، كانت تقوم بكل أعمالها وواجباتها كأم دون ملل ولا كلل فتكلف نفسها أكثر مما تحتمل ، في نفس الوقت كانت حصص العلاج الكيميائي مستمرة ، في كل مرة يجثم على صدرها ، ينهك قواها ، و يجهد طاقتها لكنه لا يضعف عزمها و إرادتها .
أذكر جيدا ذاك الصباح ، وهي تنظر إلى كفها الممتلئ بأقراص المورفين ومائدة الإفطار بيننا تزخر بما لذ وطاب ، تتأملها بلا حول ولا قوة غير مستسيغة ولا مشتهية طعامها ، هي من كانت تتفنن في تحضير أروع الموائد و تطبخ ألذ الوصفات.
هاهي تكتفي بالنظر إليه وحين ألح عليها لتأكل ،تعاني من المغص ثم تستفرغ .
لشد ما كان يؤلمني رؤية هذا....
أذكر يوم افتقدت زميلة كانت تلتقيها دائماً،كانت مثلها تتلقى العلاج الكيميائي في نفس الموعد ، فذهبت وسألتْ عنها مسؤول الإستقبال ،فأجابها بكل بساطة أنها قد ماتت ، دون مراعاة إلى إحساس هذه المريضة التي أمامه ، ولا اكتراث لما قد يسببه هذا الخبر لإنسان في مثل حالها ، و مدى وقعه عليها ، تأسفتْ كثيرا من أجل صديقتها و هي تحكي لي حكايتها مع هذا المرض ،لكنها أبدت نوعا من الصمود والثبات فهي لا تحب أن يراها أحد في موقف ضعف واهتزاز .
قررت أن ترسل لأختها الأصغر منها استضافة لمساعدتها في البيت والأولاد والإعتناء بها قليلا ، إذ أن فترة العلاج مازالت تطول ، أيدنا الفكرة أنا وزوجها ،ورأينا أن وجود أختها معها في هذا الظرف مهم جدا لها، حيث أن صحتها ضعفت من جديد جراء حصص الكيميائي المتواصلة بلا انقطاع ولا هوادة ، مسببة لها نقص المناعة و الحمى ، وآخر مرة وضع لها الطبيب التنفس الاصطناعي (الأوكسيجان) عبر أنفها ، كانت تتنقل به في البيت ، مع كل هذا كنت أعتقد أنها وعكة ككل مرة و ستشفى منها ، كم كنت ساذجة !.
لم تتحسن ، بل تدهورت حالتها إلى الأسوأ .
كانت تنظر إلى أولادها بقلق وإلى زوجها بحنان وعين مشفقة .
أوقف الطبيب المباشر لحالتها العلاج نهائيا وأضاف لها جرعة المورفين ، لزمت الفراش بسرعة لم نكن نتوقعها
ورغم كل هذا ،لا نلمس اليأس في نبرة صوتها ولا في فحوى حديثها ،كانت تبرز الثقة بالله والرجاء في الشفاء فأوهمتنا أن ذلك الشبح المخيف قد ارتد وتلافى وصار بعيدا . حتى كان ذلك اليوم .
ذلك اليوم الذي نقلت فيه إلى المستشفى ، واتصل زوجها ليزف لي أن حالتها حرجة ، و عليّ ترك كل شيئ وأن أحضر على جناح السرعة . تزاحمت الأفكار في رأسي مستعجلة الأحداث وما تحمله الساعات الآتية ، فكرت في عائلتي .... كيف سأخبرهم أن ابنتهم الحبيبة المدللة تحتضر ؟ كيف سأقول لأخي أن ابنته البكر تموت ؟وهي روحه الثانية ؟...ماذا عساني أن أفعل في هذه البلاد البعيدة عن الأهل والأخوة ؟ لست أدري لماذا راودني شعور بالمسؤولية و ثقلها على كاهلي الضعيف ، وكأنني مُدانة بما يحدث هنا وبما هم عليه من قلق وحيرة وهم بعيدون لا يدرون عن شيء . وفي كل مرة يسألونني عن حالها كنت أشعر أنني لم أكن صريحة معهم كما يجب ، كنت دائما أطمئنهم عليها ذلك لأنني أحسست أنه من واجبي أن لا أروعهم و لا أكدر صفو راحتهم ،ولأنني لم أكن أملك الشجاعة الكافية لإعلامهم بأن حالتها تسوء ، لكن اليوم لا بد من قول شيء ،لا بد من تمهيد وتسهيل سرد الخبر لهم ،لأنها ربما تكون النهاية .
اتصلت بهم ولست أدري كيف سقت لهم الأمر. أغلقت خط الهاتف وانقطع صوت البكاء ،كفكفت دموعي وخرجت وحملت مصحفي معي ، دقائق فقط تبعد عن المستشفى الذي ترقد فيه لكنها بدت كساعات ، ساعات طويلة ثقيلة و كأن عجلة السيارة تسير بي إلى الخلف .
وصلتُ أخيرا وقلبي يخفق ، والحيرة تمزقه ، صعدت الى الطابق الذي نقلت إليه ، لفت انتباهي لافتة كتب عليها بالفرنسية ( soins palliatifs ) تجمدت أوصالي وأحسست ببرودة أطرافي ، وأيقنت بأنها المرحلة الأخيرة، ،هل هذا ممكن ؟ هل ستغادرنا الى الأبد حقا ؟
لشد ما يؤلمني مجرد التفكير في فراقها .فكيف به حقيقة أعيشها الآن .
دخلت غرفتها كانت ممددة على ظهرها ،سلمت عليها أجابتني بجهد ،سألتها عن حالها فتمتمت بشفتيها (الحمد لله) جلست بجوارها ، نطقت باسمي هرعت إليها
غمغمت بكلام بلسان ثقيل بالكاد يُفهم ،طمأنها زوجها على أولادها ، فنظرت إليه دون إجابة،
أسندتُ رأسها على السرير أغمضت عينيها ولم تفتحهما من جديد. ولم أعد أسمع إلا صوت أنفاسها يتردد في أذني
زارها كثير من الأهل والأصدقاء يسلمون ويخرجون ، كنت كأنني في كابوس أو في شبه غيبوبة ، هاتفي يرن لا أسمعه ، نسيت كل شيء ، يمر الأشخاص من أمامي وكأنهم صور في مشهد سينمائى ، فاستوعب ذهني بعضها وغفل عن أكثرها .
كم كانت رؤيتها مؤثرة وحزينة .
حل الظلام وحل معه الخوف من القادم ،تمنيت الهروب إذ هذه أول مرة أقف فيها أمام شخص يحتضر ، فلم استطع تركها في لحظاتها الأخيرة وهي الحبيبة الغالية لمن اتركها ؟فأنا كل أهلها هنا .
لم يدم الأمر طويلا ،كما تمنت ذلك ورددته في دعائها ، وسرعان ما صعدت روحها الطاهرة إلى ربها بين تكبير ،وقراءة القرآن الكريم ،كنت ممسكة بيدها البيضاء الرقيقة قبلتها ،ودعتها وأغمضت لها عينيها في هدوء وخشوع .قدمت الممرضة وغطتها برداء أبيض، عندها فقط أيقنت أنها رحلت و غادرتنا إلى دار الخلد والبقاء ،
هي خاتمة قصة إمرأة مؤمنة بقضاء الله وقدره ،حتى آخر ايامها ، ذلك الحين تذكرت أولادها الذين اصبحوا يتامى منذ قليل ،فبلغ مني الحزن ذروته ،بل امتلأت شجنا حتى النخاع .
،فتهالكت على كرسي أمامي ، و الألم يسكنني و كل الأحداث تتوالى في مخيلتي ،لم أكن أتصور أنني أمتلك الشجاعة لأقف يوما أمام إنسان يحتضر "،أنا التي تخاف ظلها "، وليس أمام أي انسان هي قريبتي الغالية ، و أنيستي في غربتي .
لكن هذه هي الدنيا ،حياة وموت ، وهذا قدر الله الذي لابد منه .
هذا اليوم أحسست و تجرعت حقا مرارة الفقد مرتين فكنت بين سندان الغربة ومطرقة الموت .
في الطائرة ونحن عائدون لدفن جثمانها في أرض الوطن
هتفت أختها بصوت أجش ، مرتبك
«لقد أوصتني برعاية أولادها !»
نظرت إليها في ذهول وسألتها " وهل وعدتها ؟ "
قالت "نعم "
قلت "إذا ، أوفي بما وعدت ".
أسكنك الله فييح جناته
و لروحك الطاهره رحمات من الله تعالى
ذكرى وفاة قريبتي رحمها الله،اعتذر لطول النص
تعليق