بانتغرويل
لم أكن أعلم أن رائحة الطعام قد تحيي الموتى إلا من خلال هذا الكائن العجيب المتمدد على الفراش أغلب الأوقات وكأنه في سفرته الأخيرة، فحين يشم الرائحة يستوي جالسا ينتظر بشغف المحبين قدوم الأطباق وقد حاصر المائدة بجسده الطويل والعريض وخنقها ببطنه العظيمة، يستقبل الصحون بشهية مفتوحة غير عابئ بغسل اليدين، رغم أن أصابعه قد تحركت في مختلف بقاع جسده المتضور جوعا باستمرار. ينظر إلى الأطباق نظرة النهم، ويبدأ في تحسس الطعام، يبحث عن الأكثر سمنة والأكثر نفوذا لأنفه الذي يستشعر حلاوة الطعام قبل تذوقه، يسحبه لنفسه، ثم يقوم بعملية الالتهام غير عابئ بمن هو غائب، المهم، أن يشبع جوعه ولا يهمه التأني في الاكل، والمضغ ببطء، يلتهم كل الأنواع الشهية بسرعة غريبة، حتى لتظنه عاش جوعا تاريخيا لا يمكن إشباعه ولو ملئت المائدة بكل خيرات الأرض. والحق أنه عاش حرمانا سبب له جوعا خرافيا يستحيل إشباعه؛ يلتهم كل الطعام، ضاربا عرض الحائط بنصائح الأطباء غير المجدية يتجشأ عليها بصوت صارخ ومنفر، يأكل الثمر ويشرب الحريرة ويتذوق الفطائر بكل أنواعها، ويشرب عصير البرتقال وعصير الأفوكادو، وعصير الرمان، ثم يتبعها بأكل "الزميتة" ويشرب القهوة وبعدها مباشرة الشاي، معدته مهيأة لكل المتناقضات، والتحاليل التي يجريها تثبت أنه في صحة جيدة، وأن آلات طحنه الخارجية ومواعينه الداخلية سليمة هو الذي تجاوز الستين بسنوات.
يحب اللحم المطبوخ والنيء معا حبا جما، يلتهمهما بيسر ودفعة واحدة، يأكل ما توفره الأطباق، ويأكل لحم الناس؛ فلا أحد بمنجاة من غيبته، وحتى إن بدا لك أنه يذم السلطة، ويعبر عن رفضه لسياساتها المتبعة، فلا تصدقه؛ فالأفعال معدن الرجال، أما الأقوال، فالكل يتفوق في جعل نفسه زعيما أو قديسا.
الحق أن الرجل يمتلك قدرات على التهام الطعام لا تضاهى، لا يجاريه فيها سوى شوبنهاور، لكن الاختلاف أن شوبنهاور يأكل بشراهة ليضفي على العالم معنى، في حين إن الرجل يلتهم الطعام ليملأ شقوق نفسه، ويبعد شبح اللامعنى الذي يرتاع في حقول ذاته الفارغة من أي معنى. سرعان ما يشعر بهذا الفراغ حين يفرغ ما بأحشائه ليعود إلى التهام الطعام من جديد في دروة جهنمية لا تنتهي، لم يقف مليا أمام سؤال اللاجدوي، وغياب المعنى عن حياته، باحثا مستقصيا؛ فالسؤال منغص، ما يهمه هو الأجوبة الجاهزة كما الطعام الجاهز واللباس الجاهز، والأفكار المطروحة في الطريق، إذ يتعمد إظهار نفسه وهو في المقهى أنه مهتم بما يجري حوله، فتراه منكبا على الجرائد يلتهمها، لكنه يعرض عن الصفحات الثقافية التي توجع رأسه، يصب اهتمامه على حوادث الإجرام والفضائح ليملأ بها جوفه حتى إذا جمعه مجلس أظهر معرفة بالوقائع لكنه لا يعمل سوى على تقيؤ ما قرأه ببعض الزيادات هي بمثابة بهارات خاصة تبعده عن التكرار أقصد: إخفاء مراجعه، فلديه مخيلة على اختلاق الزيادات رهيبة. كثيرا ما نفرني من قراءة الصحف بحضرته، يتعمد سرد ما قرأه علي حتى يظهر لي تمكنه، وأنا أدرك أنه لا يغربل الأحداث، ولا تستوقفه مجريات السياسة والأبعاد الثقافة في حياة الإنسان؛ أدرك مخاصمته للكتاب كما عداوته للسؤال. آه لو أدرك مغزى قول شوبنهاور: لولا الكتب في هذه الدنيا لوقعت منذ زمن طويل فريسة لليأس. وأنى له ذلك وهو يمج الفكر، ويعادي المكتبات، يراها بنايات فارغة لا تصلح لشيء بل تفسد الناس وتصرفهم عن شؤونهم الخاصة.. يفتخر بكونه هدم بعض المكتبات وبنى على أنقاضها مقاه، وأنه في فترة التشريعية ساهم في إلاق كثير من دور الشباب، وعرقل ميزانية المسارح، وأضعف مساهمة الدولة في ترويج الكتاب...
يبهرك حين تراه، بجثته الضخمة، ولباسه الأنيق، لكن حين تعاشره ستدرك، وبسرعة خواءه، هو نموذج حي "لأعجاز نخل خاوية". فشهوته للطعام لا تسمح له بتنظيف يديه، يلعق الإدام السائل من هما، وبكم جلبابه الإدام السائل من فمه.. رؤيته لمحتويات الأطباق تجعله في مصاف النسور التي ترى جيدا أين مكمن الجيد فيمد يده إليه غير عابئ بنصيحة كل مما يليك. ما بالصحون ملكه. إذا دعوته أكل كمن ينتقم، وإذا حدث ودعاك، رشقك بنظراته وهمهماته حتى يفرمل أكلك، ويحثك على النهوض بسرعة وفي بطنك كثير من الجوع، يصدق فيه قول شوبنهاور: أقصى أهداف الحاسد زوال نعمة المحسود. وفعلا، حاجباه المقرونان يعبران عن هذا السلوك، وعليك لحماية نفسك من سهامهما أن تقرأ المعوذتين، وتبسمل، وتطلب اللطيف خفية، ثم تغمس خبزك في مرقه..
بعد الأكل يعود إلى استلقائه الوثير، يغط، وبسرعة عجيبة، في نوم عميق، فيتعالى شخيره، ويقوى ضراطه.
لقد تمت عملية الشحن، وتم ملء نفسه التي تشعر بفراغ مهول، وبتفاهتها الوجودية، تأتي الأحلام الجميلة، فبعكس المعروف، لا تحضره الكوابيس بتاتا، ينعم في بحر وردي، لا يستيقظ إلا لطعام أو مرحاض. انحصرت دائرة حياته في أثافي ثلاث، غرفة الطعام، والمطبخ والمرحاض، وحياته مقيدة بالملء والإفراغ.
لم أكن أعلم أن رائحة الطعام قد تحيي الموتى إلا من خلال هذا الكائن العجيب المتمدد على الفراش أغلب الأوقات وكأنه في سفرته الأخيرة، فحين يشم الرائحة يستوي جالسا ينتظر بشغف المحبين قدوم الأطباق وقد حاصر المائدة بجسده الطويل والعريض وخنقها ببطنه العظيمة، يستقبل الصحون بشهية مفتوحة غير عابئ بغسل اليدين، رغم أن أصابعه قد تحركت في مختلف بقاع جسده المتضور جوعا باستمرار. ينظر إلى الأطباق نظرة النهم، ويبدأ في تحسس الطعام، يبحث عن الأكثر سمنة والأكثر نفوذا لأنفه الذي يستشعر حلاوة الطعام قبل تذوقه، يسحبه لنفسه، ثم يقوم بعملية الالتهام غير عابئ بمن هو غائب، المهم، أن يشبع جوعه ولا يهمه التأني في الاكل، والمضغ ببطء، يلتهم كل الأنواع الشهية بسرعة غريبة، حتى لتظنه عاش جوعا تاريخيا لا يمكن إشباعه ولو ملئت المائدة بكل خيرات الأرض. والحق أنه عاش حرمانا سبب له جوعا خرافيا يستحيل إشباعه؛ يلتهم كل الطعام، ضاربا عرض الحائط بنصائح الأطباء غير المجدية يتجشأ عليها بصوت صارخ ومنفر، يأكل الثمر ويشرب الحريرة ويتذوق الفطائر بكل أنواعها، ويشرب عصير البرتقال وعصير الأفوكادو، وعصير الرمان، ثم يتبعها بأكل "الزميتة" ويشرب القهوة وبعدها مباشرة الشاي، معدته مهيأة لكل المتناقضات، والتحاليل التي يجريها تثبت أنه في صحة جيدة، وأن آلات طحنه الخارجية ومواعينه الداخلية سليمة هو الذي تجاوز الستين بسنوات.
يحب اللحم المطبوخ والنيء معا حبا جما، يلتهمهما بيسر ودفعة واحدة، يأكل ما توفره الأطباق، ويأكل لحم الناس؛ فلا أحد بمنجاة من غيبته، وحتى إن بدا لك أنه يذم السلطة، ويعبر عن رفضه لسياساتها المتبعة، فلا تصدقه؛ فالأفعال معدن الرجال، أما الأقوال، فالكل يتفوق في جعل نفسه زعيما أو قديسا.
الحق أن الرجل يمتلك قدرات على التهام الطعام لا تضاهى، لا يجاريه فيها سوى شوبنهاور، لكن الاختلاف أن شوبنهاور يأكل بشراهة ليضفي على العالم معنى، في حين إن الرجل يلتهم الطعام ليملأ شقوق نفسه، ويبعد شبح اللامعنى الذي يرتاع في حقول ذاته الفارغة من أي معنى. سرعان ما يشعر بهذا الفراغ حين يفرغ ما بأحشائه ليعود إلى التهام الطعام من جديد في دروة جهنمية لا تنتهي، لم يقف مليا أمام سؤال اللاجدوي، وغياب المعنى عن حياته، باحثا مستقصيا؛ فالسؤال منغص، ما يهمه هو الأجوبة الجاهزة كما الطعام الجاهز واللباس الجاهز، والأفكار المطروحة في الطريق، إذ يتعمد إظهار نفسه وهو في المقهى أنه مهتم بما يجري حوله، فتراه منكبا على الجرائد يلتهمها، لكنه يعرض عن الصفحات الثقافية التي توجع رأسه، يصب اهتمامه على حوادث الإجرام والفضائح ليملأ بها جوفه حتى إذا جمعه مجلس أظهر معرفة بالوقائع لكنه لا يعمل سوى على تقيؤ ما قرأه ببعض الزيادات هي بمثابة بهارات خاصة تبعده عن التكرار أقصد: إخفاء مراجعه، فلديه مخيلة على اختلاق الزيادات رهيبة. كثيرا ما نفرني من قراءة الصحف بحضرته، يتعمد سرد ما قرأه علي حتى يظهر لي تمكنه، وأنا أدرك أنه لا يغربل الأحداث، ولا تستوقفه مجريات السياسة والأبعاد الثقافة في حياة الإنسان؛ أدرك مخاصمته للكتاب كما عداوته للسؤال. آه لو أدرك مغزى قول شوبنهاور: لولا الكتب في هذه الدنيا لوقعت منذ زمن طويل فريسة لليأس. وأنى له ذلك وهو يمج الفكر، ويعادي المكتبات، يراها بنايات فارغة لا تصلح لشيء بل تفسد الناس وتصرفهم عن شؤونهم الخاصة.. يفتخر بكونه هدم بعض المكتبات وبنى على أنقاضها مقاه، وأنه في فترة التشريعية ساهم في إلاق كثير من دور الشباب، وعرقل ميزانية المسارح، وأضعف مساهمة الدولة في ترويج الكتاب...
يبهرك حين تراه، بجثته الضخمة، ولباسه الأنيق، لكن حين تعاشره ستدرك، وبسرعة خواءه، هو نموذج حي "لأعجاز نخل خاوية". فشهوته للطعام لا تسمح له بتنظيف يديه، يلعق الإدام السائل من هما، وبكم جلبابه الإدام السائل من فمه.. رؤيته لمحتويات الأطباق تجعله في مصاف النسور التي ترى جيدا أين مكمن الجيد فيمد يده إليه غير عابئ بنصيحة كل مما يليك. ما بالصحون ملكه. إذا دعوته أكل كمن ينتقم، وإذا حدث ودعاك، رشقك بنظراته وهمهماته حتى يفرمل أكلك، ويحثك على النهوض بسرعة وفي بطنك كثير من الجوع، يصدق فيه قول شوبنهاور: أقصى أهداف الحاسد زوال نعمة المحسود. وفعلا، حاجباه المقرونان يعبران عن هذا السلوك، وعليك لحماية نفسك من سهامهما أن تقرأ المعوذتين، وتبسمل، وتطلب اللطيف خفية، ثم تغمس خبزك في مرقه..
بعد الأكل يعود إلى استلقائه الوثير، يغط، وبسرعة عجيبة، في نوم عميق، فيتعالى شخيره، ويقوى ضراطه.
لقد تمت عملية الشحن، وتم ملء نفسه التي تشعر بفراغ مهول، وبتفاهتها الوجودية، تأتي الأحلام الجميلة، فبعكس المعروف، لا تحضره الكوابيس بتاتا، ينعم في بحر وردي، لا يستيقظ إلا لطعام أو مرحاض. انحصرت دائرة حياته في أثافي ثلاث، غرفة الطعام، والمطبخ والمرحاض، وحياته مقيدة بالملء والإفراغ.
تعليق