قراءة تحليلية في نص الكاتبة منيرة الفهري ( عشيري الغالي ).
منيرة الفهري في سطور
بدءا كتبت هذه السيرة كون الكاتبة ضنينة على القاريء ( تواضعا )
بالتعريف عن نفسها .. رغم حجم عطاءها الكبير ..
عضو في اتحاد الكتاب التونسيين من سنوات...
والدها أجميل الفهري (رحمه الله ) ,,
احد المناضلين الكبار الذين كان لهم شرف المساهمة في معركة بنزرت
والتي يطلق عليها في تونس (معركة الجلاء )
كاتبة متميزة ، مثقفة ، متعددة المواهب تحتل مكانا مرموقا في موقع ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
وظفت قلمها للاهتمام بالمواضيع الثقافية الاجتماعية والانسانية والسياسية ..
لها اسلوبها المتفرد في كتابة اكثر من جنس ادبي ..
كتبت الشعر الفصيح وسطرت قصائد بالعامية و لها مساهمات في قصيدة النثر
وإسهامات في كتابة الخاطرة والمقالة .
وابدعت في كتابة القصة القصيرة والقصيرة جدا
نشرت ورقيا روايتين بالفرنسية
Il était une fois, Rita
Frontières
خاضت تجربة الترجمة المرئية و ترجمت فلم
Le comte de Monte Cristo
ابحرت في فن الرواية فكان لها ثمان روايات مخطوطة لم تأخذ طريقها للنشر ..
تكتب في جميع أصناف الأدب. و خاصة الشعر الفرنسي و لها كتاب كامل فيه مايقارب مائة قصيدة جاهزة للنشر.
و عدة ت .رجمات من و ألي العربية و الفرنسية و الانجليزية لأدباء كبار مثل الشاعر الكبير ( ابو القاسم الشابي.)
مدخل .. إلى نص (عشيري الغالي )
عبر ارسطو عن الحب
( إن الحب الذي ينتهي لا يكون حبا حقيقيا وعبر عنه بأنه أسطورة من الأساطير التي تعجز البشرية عن استيعاب ماهيتها ، ولا يعبّر عنها إلّا من صدقها في معناها .. )
عنوان النص ..
العنوان عتبته النص الاولى وبوابة الدخول إليه، والذي
من خلاله يتسنى لنا معرفة مضمون العمل الأدبي و سماته الفنية ، إذا ما اختير بدقة ودراية
يأتي العنوان في ( قصة المبدعة منيرة الفهري) متساوقا مع موضوع النص ..أو هو جزء منه
فهناك علاقة إيحائية وقصدية ووظيفية تربط بينهما .
العشير له الكثير من المرادفات في اللغة فهو الأنيس ,وهو الصديق والحبيب والقرين والصاحب والخليل والنديم والعشيق ..
و العشير مشتق من العشرة ، لذا جاء العنوان ابلغ واعمق دلالة في مؤداه مما لو جاء بمسمى آخر
(.. حبيبي الغالي . أو زوجي الغالي .)
ربما إن كلمة ( عشير ) رغم فصاحتها .. قد استقتها القاصة من سياق دارج الكلام في ( اللهجة التونسية ) ..
وقد جاء العنوان مستلا من استهلال رسائل البطلة التي كانت تبعث بها إلى زوجها . إذ تبتدئها بهذه العبارة
( عشيري الغالي )
جملة تعبر عن عمق التعلق ، واللهفة ، ورفعة الشوق ، وعظمة الحنين ، الذي تكنه البطلة للزوج المغترب .
تناولت القاصة موضوعة اجتماعية معقدة (مسألة الهجرة )
الهجرة التي هي حلم الكثير من الشباب المتطلع لحياة افضل تخرجهم من واقعهم المرير والباحثين عن فرص عمل تغير شكل حياتهم ، تلك الهجرة التي لها آثارها السلبية و تترك الكثير من التداعيات النفسية و السلوكية للفرد و تنعكس على الترابط البنيوي للمجتمع ؛ (والتي غالبا ما يكون ضحيتها الزوجة والأولاد ) ..
بدأت القاصة النص بمونولوج داخلي ومناجاة للنفس ( للبطلة )
(حزينة حتى الموت )
جاءت تلك العبارة مكررة ثلاث مرات .. لتظهر حالة القهر و الإحباط والنكوص الذي اصابها .. السارد لم يكن البطلة وإنما جاء السرد من خلال الراوي العليم .الذي يستطيع ان يسبر أعماق الشخصية . ومكنوناتها النفسية . ويشعر بمعاناتها .. بل يسترجع وإياها ذكريات الأمس .. وقد جاء تقديم الشخصية بهذا الاسلوب ليعطي النص انسجاما أكثر بين الراوي والشخصية وتأثيرا أعمق في القارئ
النهاية هي البداية
عكست القاصة ( التتابع الزمني للحدث ) بتقنية الاسترجاع الفني وهو ما يعرف بالفلاش باك ) كسرت به رتابة ونمطية أسلوب القص التتابعي المعمول به في الكثير من الاعمال الادبية المقروءة ( رواية كانت أم قصص قصيرة ) البداية كانت مشوقة ، محركة للكثير من التساؤلات . و اعطت مساحة كبيرة لأثارة مواطن الفضول المعرفي الاستقصائي لدى المتلقي
وهنا تكمن حرفية القاصة في اختيار دقيق متسق لوظيفيتين مهمتين اساسيتين في النص هما
( العنوان والاستهلال ) ..
.. من سياق النص ومن خلال التقديم الإخباري للراوي نعرف أن البطلة متزوجة وكانت مغرمة بزوجها إلى حد الجنون .. فهو الأمل المنشود والوتين الذي يربطها بالحياة رغم انهما كانا من غير اولاد لكنها كانت سعيدة به راضية بالقليل ..
كانت تعيش مع زوجها في حالة فقر تام .. وبسبب الظروف الصعبة التي يعيشانها . يسافر الزوج كي يحسن وضعهما المعيشي..
(الرغبة ) بتغيير الحال من خلال الهجرة ، هو الهاجس الأكبر لدى الكثير من الشباب .. وهو بمثابة البحث عن الفردوس المفقود في ديار الغربة ..
كانت حلقة الوصل الوحيدة التي تربطهما هي الرسائل والهاتف فأي رسالة او مهاتفة تعطيها دفقا من القوة والعزم وتلهمها الجلد والصبر .. حتى وإن كانت تلك الرسالة خالية من أي مشاعر ..
ظلت البطلة تبرر الجحود وتختلق الاعذار لزوجها بمسوغات ترتضيها وترضى بها روحها المتلهفة ، و لتقر نفسها من هواجس قد تراودها ، ويطمئن قلبها بأن حبه باق وتسعد روحها بمعرفة اخباره ..
وتعيش الحلم والأمل لقادم الايام ..
((لم يكن يقول لها أبدا أنه يحبها و لكنها كانت تحس بحبه الكبير نحوها و تتفهم أنه كتوم ذو كبرياء. كان كل دنياها ))
وهكذا عاشت وتعايشت مع هذا الوهم ..
.تدور الايام والسنين وهي قابعة بذات المكان ..برتابة مملة
لم تخبرنا الكاتبة كم من السنين أمضاها الزوج هناك في الغربة لكن فحوى الرسالة الأخيرة التي وصلتها تقودنا لاستنتاج مفاده أن الزوج قضى أكثر من ست سنوات في الخارج ..
(و بالأمس جاءتها رسالة يقول فيها. لن أعود و سأعيش هنا. تزوجتُ و لي طفل في الخامسة من عمره )
تظهر حقيقة الزوج البراغماتية و الذي مارس معها عملية الخداع والكذب كل هذه السنين التي قضاها في الغربة .. أخفى عنها زواجه .. وأخفى أنه رزق بولد .. أكثر من ست سنوات وهو غير آبه لتلك العاطفة الملتهبة المتأججة وهذا الحب الذي كان يربو في داخلها وتعكسه من خلال رسائلها او في منطوق حديثها
لكن في لحظة واحدة لم تكن في الحسبان تحطمت كل صروح الأمل التي بنتها من رمال ظنونها ..
قراءة تحليلية لمضمون النص
النص قدم شخصية المرأة بشكلين مختلفين
أولهما إيجابي هو أنها كانت قوية بضعفها وبحبها الصادق ووفائها لذكراه وصبرها على كل الملمات وهناك بصيص أمل يغذي نفسها بعد كل هذا العذاب والانتظار ..
و آخر سلبي إذ اظهر ها ضعيفة مهيضة الجناح خاضعة لسطوة قسرية ل
( رجل احبته ) رغم البعد الذي بينه وبينها ,, .
لقد عاشت البطلة مهمشة نفسها منعزلة في عالمها الضيق
وكأن الحياة كلها منصهرة في بوتقة هذا الزوج الغائب ..فلا حياة دونه
تخليه عنها معناه الموت الأكيد لها وهو الشيء الذي لم يخطر لها على بال طيلة سني انتظاره ..
منطوق الرسالة القاسي كشف تلك الحقيقة فوقع مالم يكن في الحسبان ..
أسلمت البطلة نفسها إلى حالة من اليأس التام ، فلم تتحمل وقع البلوى فكان الجرح عميقا غائرا في النفس .. وهو ما نقرأ ما بين السطور هذا المنولوج محادثة نفسها ..
( ترى ابعد كل هذا الحب والعشق يقابلني بالجحود والنكران والخيانة ؟ )
لذا فمن غير الممكن أن تكون ردة الفعل تجاه هذا الحدث عادية فردة الفعل عادة تأتي بقدر حجم الفعل ..
(لم ترد على رسالته و لكنها رمت الهاتف في سلة مهملات الشارع القريب و أغلقت النوافذ و الأبواب و بقيت تنتظر الـــــــــــــــــ........................ )
.. ما انتظرته لم يكن انتظارا لتتجاوز الصدمة و تنسى ذلك الرجل الجاحد بحبها والذي عاش في وجدانها وعقلها .. وأنما كان انتظارا للموت ..
( الموت بنظرها هو المخلص الذي سينقذها من براثن انكسارها ومكابدتها (الحسرة والألم واللوم لذاتها )
( ولست بمنتقد لتلك الصورة التي رسمتها الكاتبة و بدت عليها البطلة بهذا الوهن والانكسار لأن القاص يجب أن ينقل الواقع ويرسم الشخصيات بتنوع اخلاقياتها واختلاف سلوكياتها ,, كما يراه من منظاره الفني والفكري والواقعي ، إن وظيفة الكاتب هو تحفيز منظومة الفكر وتحريك العواطف للتفاعل مع الشخصية ووضع اليد على الجرح .
اما الحلول والمعالجات فتبقى وظيفة اخرى قد يشترك فيها المتلقي أو يلمح لها الكاتب بشكل لا يخرجه من موقعه المحايد ..
قرأت النص أكثر من مرة ووجدته اشبه بوثيقة ادانه لكل من
1. الرجل الذين تغريه المغريات وتنسيه كل من يمت اليه بصلة
2. المجتمع الذي يسوق للشباب فكرة الهجرة و كأنها المنقذ والمخلص لهم ..ا
3. الاعراف والتقاليد التي تبرر للرجل معظم أفعاله وسلوكياته وتعطيه الحق في أمور كثيرة .. في حين انها تنكر على المرأة مثل ذلك الحق وإن كان مبررا ..
4. الأنظمة السياسية الحاكمة والتي لا توجه اقتصاديات البلد بالشكل الذي يمكن أن يوفر الحياة الكريمة والعيش الرغيد لكل ا بناء المجتمع دون استثناء فرغم الثروات الكبيرة التي تمتلكها تلك البلدان لكن تنعدم فرص العمل وتنعدم المساواة وتكثر البطالة ويثقل الغلاء كاهل الغالبية من المجتمع وتنتشر أدواء الجهل والمرض والفقر كما تنتشر النار في الهشيم ..
القاصة اثارت الكثير من التساؤلات المنطقية في نصها .. وجعلت الباب مفتوحا لقراءات أخر ..
النص الناجح هو ما يبقى تأثيره ملازما للقارئ لفترة زمنية غير محدودة حتى بعد الانتهاء من قراءته ..
وهذا ما أعطاني أياه هذا النص من تاثير بقي ملازما لي لفترة ليست بالقصيرة
ملاحظة
من الملاحظ أن القاصة لم تعط الكثير من التفاصيل في سردها لمعرفة المزيد عن حياة الزوج او الزوجة بل حصرت المعلومات بمضمون النص الاساسي ..حتى لا تشتت ذهن القارئ أو تعطي تفاصيل لا لزوم لها ..فكانت السهم الذي يصل بأسرع وقت ويصيب الهدف بدقة مثلما عبر عنه الأديب المصري الكبير يوسف أدريس
كما أن الأسلوب السردي المتمكن للقاصة اعطى للنص نكهته ،
و أوصل المعنى إلى القارئ باقتصاد لغوي وايجاز من غير تكلف أو اجهاد في اختيار المفردة أو العبارة التي هي بذرة إنتاج العمل الأدبي ..
تساؤلات خارج سياق النص ...
ترى لم أغلب النساء وفيات مخلصات لأزواجهن ؟ ونرى النقيض من ذلك عند غالبية الرجال ..
.. فكم من النساء اللواتي فقدن ازواجهن في الحروب او اعمال العنف او نتيجة الموت الطبيعي او بسبب هجرة .اضطرارية بدافع عمل او دراسة ؛ بقين محافظات على حبهن واخلاصهن لأزواجهن . بينما ما أن تتاح الفرصة للرجل حتى نجده ينسى كل تضحيات المرأة ومهما قدمت وبذلت لإسعاده وارضاءه تجده رهين لحظة ضعف حيث يتحين الفرصة المناسبة لا يجاد المبررات والمسوغات لامتلاك قلب امرأة اخرى ) ..
سالم الحميد
7/ 3 / 2021
منيرة الفهري في سطور
بدءا كتبت هذه السيرة كون الكاتبة ضنينة على القاريء ( تواضعا )
بالتعريف عن نفسها .. رغم حجم عطاءها الكبير ..
عضو في اتحاد الكتاب التونسيين من سنوات...
والدها أجميل الفهري (رحمه الله ) ,,
احد المناضلين الكبار الذين كان لهم شرف المساهمة في معركة بنزرت
والتي يطلق عليها في تونس (معركة الجلاء )
كاتبة متميزة ، مثقفة ، متعددة المواهب تحتل مكانا مرموقا في موقع ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
وظفت قلمها للاهتمام بالمواضيع الثقافية الاجتماعية والانسانية والسياسية ..
لها اسلوبها المتفرد في كتابة اكثر من جنس ادبي ..
كتبت الشعر الفصيح وسطرت قصائد بالعامية و لها مساهمات في قصيدة النثر
وإسهامات في كتابة الخاطرة والمقالة .
وابدعت في كتابة القصة القصيرة والقصيرة جدا
نشرت ورقيا روايتين بالفرنسية
Il était une fois, Rita
Frontières
خاضت تجربة الترجمة المرئية و ترجمت فلم
Le comte de Monte Cristo
ابحرت في فن الرواية فكان لها ثمان روايات مخطوطة لم تأخذ طريقها للنشر ..
تكتب في جميع أصناف الأدب. و خاصة الشعر الفرنسي و لها كتاب كامل فيه مايقارب مائة قصيدة جاهزة للنشر.
و عدة ت .رجمات من و ألي العربية و الفرنسية و الانجليزية لأدباء كبار مثل الشاعر الكبير ( ابو القاسم الشابي.)
مدخل .. إلى نص (عشيري الغالي )
عبر ارسطو عن الحب
( إن الحب الذي ينتهي لا يكون حبا حقيقيا وعبر عنه بأنه أسطورة من الأساطير التي تعجز البشرية عن استيعاب ماهيتها ، ولا يعبّر عنها إلّا من صدقها في معناها .. )
عنوان النص ..
العنوان عتبته النص الاولى وبوابة الدخول إليه، والذي
من خلاله يتسنى لنا معرفة مضمون العمل الأدبي و سماته الفنية ، إذا ما اختير بدقة ودراية
يأتي العنوان في ( قصة المبدعة منيرة الفهري) متساوقا مع موضوع النص ..أو هو جزء منه
فهناك علاقة إيحائية وقصدية ووظيفية تربط بينهما .
العشير له الكثير من المرادفات في اللغة فهو الأنيس ,وهو الصديق والحبيب والقرين والصاحب والخليل والنديم والعشيق ..
و العشير مشتق من العشرة ، لذا جاء العنوان ابلغ واعمق دلالة في مؤداه مما لو جاء بمسمى آخر
(.. حبيبي الغالي . أو زوجي الغالي .)
ربما إن كلمة ( عشير ) رغم فصاحتها .. قد استقتها القاصة من سياق دارج الكلام في ( اللهجة التونسية ) ..
وقد جاء العنوان مستلا من استهلال رسائل البطلة التي كانت تبعث بها إلى زوجها . إذ تبتدئها بهذه العبارة
( عشيري الغالي )
جملة تعبر عن عمق التعلق ، واللهفة ، ورفعة الشوق ، وعظمة الحنين ، الذي تكنه البطلة للزوج المغترب .
تناولت القاصة موضوعة اجتماعية معقدة (مسألة الهجرة )
الهجرة التي هي حلم الكثير من الشباب المتطلع لحياة افضل تخرجهم من واقعهم المرير والباحثين عن فرص عمل تغير شكل حياتهم ، تلك الهجرة التي لها آثارها السلبية و تترك الكثير من التداعيات النفسية و السلوكية للفرد و تنعكس على الترابط البنيوي للمجتمع ؛ (والتي غالبا ما يكون ضحيتها الزوجة والأولاد ) ..
بدأت القاصة النص بمونولوج داخلي ومناجاة للنفس ( للبطلة )
(حزينة حتى الموت )
جاءت تلك العبارة مكررة ثلاث مرات .. لتظهر حالة القهر و الإحباط والنكوص الذي اصابها .. السارد لم يكن البطلة وإنما جاء السرد من خلال الراوي العليم .الذي يستطيع ان يسبر أعماق الشخصية . ومكنوناتها النفسية . ويشعر بمعاناتها .. بل يسترجع وإياها ذكريات الأمس .. وقد جاء تقديم الشخصية بهذا الاسلوب ليعطي النص انسجاما أكثر بين الراوي والشخصية وتأثيرا أعمق في القارئ
النهاية هي البداية
عكست القاصة ( التتابع الزمني للحدث ) بتقنية الاسترجاع الفني وهو ما يعرف بالفلاش باك ) كسرت به رتابة ونمطية أسلوب القص التتابعي المعمول به في الكثير من الاعمال الادبية المقروءة ( رواية كانت أم قصص قصيرة ) البداية كانت مشوقة ، محركة للكثير من التساؤلات . و اعطت مساحة كبيرة لأثارة مواطن الفضول المعرفي الاستقصائي لدى المتلقي
وهنا تكمن حرفية القاصة في اختيار دقيق متسق لوظيفيتين مهمتين اساسيتين في النص هما
( العنوان والاستهلال ) ..
.. من سياق النص ومن خلال التقديم الإخباري للراوي نعرف أن البطلة متزوجة وكانت مغرمة بزوجها إلى حد الجنون .. فهو الأمل المنشود والوتين الذي يربطها بالحياة رغم انهما كانا من غير اولاد لكنها كانت سعيدة به راضية بالقليل ..
كانت تعيش مع زوجها في حالة فقر تام .. وبسبب الظروف الصعبة التي يعيشانها . يسافر الزوج كي يحسن وضعهما المعيشي..
(الرغبة ) بتغيير الحال من خلال الهجرة ، هو الهاجس الأكبر لدى الكثير من الشباب .. وهو بمثابة البحث عن الفردوس المفقود في ديار الغربة ..
كانت حلقة الوصل الوحيدة التي تربطهما هي الرسائل والهاتف فأي رسالة او مهاتفة تعطيها دفقا من القوة والعزم وتلهمها الجلد والصبر .. حتى وإن كانت تلك الرسالة خالية من أي مشاعر ..
ظلت البطلة تبرر الجحود وتختلق الاعذار لزوجها بمسوغات ترتضيها وترضى بها روحها المتلهفة ، و لتقر نفسها من هواجس قد تراودها ، ويطمئن قلبها بأن حبه باق وتسعد روحها بمعرفة اخباره ..
وتعيش الحلم والأمل لقادم الايام ..
((لم يكن يقول لها أبدا أنه يحبها و لكنها كانت تحس بحبه الكبير نحوها و تتفهم أنه كتوم ذو كبرياء. كان كل دنياها ))
وهكذا عاشت وتعايشت مع هذا الوهم ..
.تدور الايام والسنين وهي قابعة بذات المكان ..برتابة مملة
لم تخبرنا الكاتبة كم من السنين أمضاها الزوج هناك في الغربة لكن فحوى الرسالة الأخيرة التي وصلتها تقودنا لاستنتاج مفاده أن الزوج قضى أكثر من ست سنوات في الخارج ..
(و بالأمس جاءتها رسالة يقول فيها. لن أعود و سأعيش هنا. تزوجتُ و لي طفل في الخامسة من عمره )
تظهر حقيقة الزوج البراغماتية و الذي مارس معها عملية الخداع والكذب كل هذه السنين التي قضاها في الغربة .. أخفى عنها زواجه .. وأخفى أنه رزق بولد .. أكثر من ست سنوات وهو غير آبه لتلك العاطفة الملتهبة المتأججة وهذا الحب الذي كان يربو في داخلها وتعكسه من خلال رسائلها او في منطوق حديثها
لكن في لحظة واحدة لم تكن في الحسبان تحطمت كل صروح الأمل التي بنتها من رمال ظنونها ..
قراءة تحليلية لمضمون النص
النص قدم شخصية المرأة بشكلين مختلفين
أولهما إيجابي هو أنها كانت قوية بضعفها وبحبها الصادق ووفائها لذكراه وصبرها على كل الملمات وهناك بصيص أمل يغذي نفسها بعد كل هذا العذاب والانتظار ..
و آخر سلبي إذ اظهر ها ضعيفة مهيضة الجناح خاضعة لسطوة قسرية ل
( رجل احبته ) رغم البعد الذي بينه وبينها ,, .
لقد عاشت البطلة مهمشة نفسها منعزلة في عالمها الضيق
وكأن الحياة كلها منصهرة في بوتقة هذا الزوج الغائب ..فلا حياة دونه
تخليه عنها معناه الموت الأكيد لها وهو الشيء الذي لم يخطر لها على بال طيلة سني انتظاره ..
منطوق الرسالة القاسي كشف تلك الحقيقة فوقع مالم يكن في الحسبان ..
أسلمت البطلة نفسها إلى حالة من اليأس التام ، فلم تتحمل وقع البلوى فكان الجرح عميقا غائرا في النفس .. وهو ما نقرأ ما بين السطور هذا المنولوج محادثة نفسها ..
( ترى ابعد كل هذا الحب والعشق يقابلني بالجحود والنكران والخيانة ؟ )
لذا فمن غير الممكن أن تكون ردة الفعل تجاه هذا الحدث عادية فردة الفعل عادة تأتي بقدر حجم الفعل ..
(لم ترد على رسالته و لكنها رمت الهاتف في سلة مهملات الشارع القريب و أغلقت النوافذ و الأبواب و بقيت تنتظر الـــــــــــــــــ........................ )
.. ما انتظرته لم يكن انتظارا لتتجاوز الصدمة و تنسى ذلك الرجل الجاحد بحبها والذي عاش في وجدانها وعقلها .. وأنما كان انتظارا للموت ..
( الموت بنظرها هو المخلص الذي سينقذها من براثن انكسارها ومكابدتها (الحسرة والألم واللوم لذاتها )
( ولست بمنتقد لتلك الصورة التي رسمتها الكاتبة و بدت عليها البطلة بهذا الوهن والانكسار لأن القاص يجب أن ينقل الواقع ويرسم الشخصيات بتنوع اخلاقياتها واختلاف سلوكياتها ,, كما يراه من منظاره الفني والفكري والواقعي ، إن وظيفة الكاتب هو تحفيز منظومة الفكر وتحريك العواطف للتفاعل مع الشخصية ووضع اليد على الجرح .
اما الحلول والمعالجات فتبقى وظيفة اخرى قد يشترك فيها المتلقي أو يلمح لها الكاتب بشكل لا يخرجه من موقعه المحايد ..
قرأت النص أكثر من مرة ووجدته اشبه بوثيقة ادانه لكل من
1. الرجل الذين تغريه المغريات وتنسيه كل من يمت اليه بصلة
2. المجتمع الذي يسوق للشباب فكرة الهجرة و كأنها المنقذ والمخلص لهم ..ا
3. الاعراف والتقاليد التي تبرر للرجل معظم أفعاله وسلوكياته وتعطيه الحق في أمور كثيرة .. في حين انها تنكر على المرأة مثل ذلك الحق وإن كان مبررا ..
4. الأنظمة السياسية الحاكمة والتي لا توجه اقتصاديات البلد بالشكل الذي يمكن أن يوفر الحياة الكريمة والعيش الرغيد لكل ا بناء المجتمع دون استثناء فرغم الثروات الكبيرة التي تمتلكها تلك البلدان لكن تنعدم فرص العمل وتنعدم المساواة وتكثر البطالة ويثقل الغلاء كاهل الغالبية من المجتمع وتنتشر أدواء الجهل والمرض والفقر كما تنتشر النار في الهشيم ..
القاصة اثارت الكثير من التساؤلات المنطقية في نصها .. وجعلت الباب مفتوحا لقراءات أخر ..
النص الناجح هو ما يبقى تأثيره ملازما للقارئ لفترة زمنية غير محدودة حتى بعد الانتهاء من قراءته ..
وهذا ما أعطاني أياه هذا النص من تاثير بقي ملازما لي لفترة ليست بالقصيرة
ملاحظة
من الملاحظ أن القاصة لم تعط الكثير من التفاصيل في سردها لمعرفة المزيد عن حياة الزوج او الزوجة بل حصرت المعلومات بمضمون النص الاساسي ..حتى لا تشتت ذهن القارئ أو تعطي تفاصيل لا لزوم لها ..فكانت السهم الذي يصل بأسرع وقت ويصيب الهدف بدقة مثلما عبر عنه الأديب المصري الكبير يوسف أدريس
كما أن الأسلوب السردي المتمكن للقاصة اعطى للنص نكهته ،
و أوصل المعنى إلى القارئ باقتصاد لغوي وايجاز من غير تكلف أو اجهاد في اختيار المفردة أو العبارة التي هي بذرة إنتاج العمل الأدبي ..
تساؤلات خارج سياق النص ...
ترى لم أغلب النساء وفيات مخلصات لأزواجهن ؟ ونرى النقيض من ذلك عند غالبية الرجال ..
.. فكم من النساء اللواتي فقدن ازواجهن في الحروب او اعمال العنف او نتيجة الموت الطبيعي او بسبب هجرة .اضطرارية بدافع عمل او دراسة ؛ بقين محافظات على حبهن واخلاصهن لأزواجهن . بينما ما أن تتاح الفرصة للرجل حتى نجده ينسى كل تضحيات المرأة ومهما قدمت وبذلت لإسعاده وارضاءه تجده رهين لحظة ضعف حيث يتحين الفرصة المناسبة لا يجاد المبررات والمسوغات لامتلاك قلب امرأة اخرى ) ..
سالم الحميد
7/ 3 / 2021
تعليق