سحر ..!
أمام المرآة انتصبت تطالع وجهًا فتَّانا ، وتداعب بعض خصلات شعرها الحريري المنسدل فوق منكبيها ،
حدقت قليلاً في جمال عينيها وحسن ملامحها , وتفوهت لنفسها في دلال : كم أنت جذابة ،
آسِرة وفاتنة يا سحر ..! ثم ما لبثت أن انغمست في خضم عميق من أفكارها ..
: خالد .. !
لست أعلم متى وكيف تعلقت بك بكل خلاياي ؟ مذ باكورة حديثك معي تسللت لقلبي ، سرقت وجداني ، أسرت روحي ، وتوغلت في دمي ..
أينما تخطو تتفتح زهور عمري ويتنفس ربيعي فقط من تحت قدميك .. حينما أكون في حضرة روحك أشعر بالسكينة وتغمرني شلالات سعادة لم أكن أعلم معناها من قبل ،
لم أتذوق طعم الحياة إلا في أحضان حنانك . قبل أن أرى عينيك الساحرتين ، كنت لا شيء سوى أنفاس باردة ،في عداد الأموات كنت أنا قبل أن أعرفك ، حتى أشعل دفء قلبك فتيل حياتي .. لست أدري ما سر ضعفي وتجاهلي لكبريائي أمام صوتك العذب ووجهك الحالم ..! تسافر بي في لحظات لشطآن بحر من لؤلؤ ، وجزر يتلألأ ترابها ببريق الذهب ، وتطير بي إلى مدن من خيال يرسمها لي وهج عينيك ، وها أنا أمشط واحاتك الغناءة بحثا عن روحي التي هاجرت إليك ..! ثم أطرقت قليلا في وجل وحزن عميق .
: أنت ما زلت حديث التخرج من الجامعة ، ولم تزل في بداية مشوار حياتك العملية .. أعلم أن أمامك مستقبل باهر ومتميز ولكنك من أسرة بسيطة ،وأنا ابنة رجل أعمال مرموق ويحتل مكانة كبيرة في المجتمع ..
غمغمَتْ في ألم : أيوافق أبي على ارتباطنا ..؟ تمثل لها طيفه في المرآة قائلاً لها : حبيبتي ..! فقط دعيني على الأقل أحاول ! تنهدت في أسى وبؤس كبيرين : نعم ، حاول .. !
على الحافة الأخرى ، اتكأ هو على وسادته مغمض العينين ، ولكنه يراها أمامه بكل سِحْرها ، رقتها ، قلبها الطيب ،نهر حنانها المتدفق وجمالها ، استرجع كلامها كلمة كلمةً ، لقد غاص في بحر العشق من أول وهلة رآها فيها ، ذاب في بحر مقلتيها ، تمنتها جوارحه ،ويدرك كم هي ظروفه معقدة ، يؤرقه مقدار الفجوة الواسعة بين الطبقتين ، والذي يقتل براعم الأمل في فؤاده رويداً رويدا ،راحت أمواج هواجسه تلطمه في صخور الحيرة تارة ،وتلقيه على شواطئ اليأس العميق تارة أخرى ترى ماذا سيكون رد الفعل.. ؟ هل يعقل أن يُقْبل قرانهما !؟ أيسمح والدها بأن تنتقل ابنته الوحيدة من القصر ، الخدم والحشم إلى حيث شقته المتواضعة ..! كل حساباته ، توقعاته ، وحدسه يفضي إلى نتيجة واحدة ، فراق، حرمان ومعاناة.
زفر في قوة وغم : رباه.. ! لا أريد من الحياة شيئا إلا هي ، امنحني توفيقك ورحمتك . ! إلى أن اعتزم أن يتقدم لخطبتها مهما كلفه الأمر من مشقة وإحراج ، في مغامرة شبه انتحارية لإرضاء وجدانه ، قلبه ، ضميره وروحه ..
في توتر وبطء شديدين ضغط زِر جرس باب الفيلا ..
في بهو الاستقبال ، بعد أن رمقه بنظرة فاحصة غامضة ،هب الأب فزعا ، كأنما سيختطفه طير جارح ، صاح منفجراً في وجهه : أتريد أن تتزوج ابنتي ، التي تستلم مصروفا شهريا لا يكفي مجموع راتبك طوال عام كامل لسداده !
اخرج من بيتي أيها المجنون..! احتقن وجهه واسودت الدنيا في عينيه ، خرج بينما يجهش بالبكاء ، لا يدري إلى أين يسير .. ضاع حلم عمره الذي كان يحيا من أجله ،ولطالما منى نفسه بالعيش مع من يهوى ويعشق ،
بينما ذرفت هي دموعها أنهاراً ، فقد اندق أملها الوحيد في الدنيا ، وغاضت رغبتها في الحياة ، وتم سحل مشاعرها بقسوة وعنف ..
قبيل فجر اليوم التالي كان عنقها المعلق في حبل مشنقة يزين سقف حجرتها ..!
أيقظها من سباتها العميق ، وكابوسها المخيف صوت أمها ، تقول :
استيقظي يا سحر .. !
بشراك ..!
لقد رضي أبوك عن زواجك من خالد..
لأنه أدرك حجم حبك له ، إخلاصه ومستقبله المشرق .
تعليق