سذاجة بعيد عنك!

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • د/ أحمد الليثي
    مستشار أدبي
    • 23-05-2007
    • 3878

    سذاجة بعيد عنك!

    قال عبد الله السالك -نجاه الله وإياكم من المهالك:-
    مرة من ييجي 30 سنة، واحد بريطاني أرسل لي بالبريد (مشبك) للكرافتة هدية. وأحضر ساعي البريد ورقة وقال لي: لازم تروح بنفسك تستلم الطرد من مكتب البريد لأن حسب المستند اللي معاه الطرد فيه مشبك ذهب.
    قلت: يا فرج الله، ذهب، ياقوت، مرجان، أحمدك يارب.
    المهم رحت، قالوا لي: عليك رسوم جمرك لاستيراد ذهب.
    استيراد؟ استيراد أيه؟ ده واحد باعت لي هدية!
    قالوا: مالناش دعوة. لو ما دفعتش الرسوم هنرجعه خلال يومين.

    قلت في نفسي: يكونش باعت لي منجم السُّكَّري في طرد؟!
    تو ميك أَ لونغ ستوري شورت، قلت لهم: كم الرسوم يا جماعة؟
    قالوا: 33 جنيه.
    قلت: مش مهم. كله في سبيل الذهب يهون، خاصة إن مدير المكتب جه بنفسه، وكان بسم الله ما شاء الله طول بعرض، يسد باب زويلة، وبارم شنب تجلس عليه جوارح الصقور، وتخجل منه العذارى في الخدور، وفتح خزنة ولا كأنه محمد الفاتح داخل القسطنطينية، وقعد يقول لي بكل الجدية والتفاني المعهوديْن في الموظف العمومي عند أداء الواجب المقدس بمكتب البريد: أصل دي مسئولية كبيرة يا سعادة الباشا. وحسيت ساعتها بالعظمة الداخلية عندي بترتفع لأن كنت عمري ما اتبشبشت قبل كده.
    المهم عملها شغلانة؛ طلَّع الناس من المكتب ما عدا الموظفين، وشد الباب الجرار من فوق لتحت قفل نص المدخل، ووقَّف اتنين سيكيورتي على الباب حتى لا يتجرأ مَن تسوِّل له نفسه منهم على اقتحام مباغت، وجاب لي كم استمارة من أيام تحتمس الثالث عشر، عبِّـي دي، ووقَّع هنا وهنا، وفوق وتحت، وعلى وش دي، وقفا دي، وابصم على ديكهيا، وجاب اتنين موظفين لا يقل مرتبهم عن 6 جنيه يشهدوا، وأقسموا اليمين الدستورية على صحة المستندات الرسمية، وبعد ما خلَّص مراسم التحنيط أقصد التوقيع، قام -وبكل مشاعر الفخر والوطنية والانتماء لتراب الوطن الخالد- ختم الورق من أصل و30 صورة بختم النسر المجنَّح قبل قصقصة ريشه وافتتاح وزارة المقاطف وتصنيع الحلل الألمونيا. وسلِّمني المدير بنفسه -ويداه ترتعشان- قلادة النيل، أقصد الطرد المبعوث من عاصمة الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، بمحتواه الثمين.
    قلت: بس، دي سبيكة دهب عيار 3 مليون. باضت لك في القفص يا ليثي!
    ودفعت الرسوم زي الباشا، 35 جنيه، ووقفت مستني الباقي، قام قال لي وبراءة الأطفال في عينيه: حلاوة الدهب يا باشا.
    أخدت بعضي ورجعت البيت،
    وقلبي يتراقص على موسيقى فرقة حسب الله السابع عشر. ومش عايز أقول لكم عن الإجراءات الاحترازية اللي اتخذتها حتى لا ألفت أنظار الناس في الشارع إلى كنز الذهب اللي معايا، لكن لو كان جيمس بوند بنفسه موجود كان أصابه الذهول من براعة التخطيط والتنفيذ، وعمليات التخفِّي والكاميوفلاج. ما اطولّش عليكم، وصلت البيت وفتحت الطرد -وقد ملأتْ أُذُنيَّ موسيقى تصويرية ومارشات عسكرية- وفعلًا مشبك ذهب. رشيق، لطيف، أصفر فاقع لونه يسُّر الناظرين ، مشرَّب بحُمرة في الخدين، لَمِّيع، يبرق في قلبي فتنكسف الشمس من بهائه. كان بصراحة آخر شياكة. وما كدِّبتش خبر، أخذت جنابه –تحملني الرياح على أجنحتها- ورحت أتمِّنه عند الصائغ، وأنا أحلم ببناء القصور، وناطحات السحاب، وشراء أسهم في شركة أبل ومايكروسوفت، وأسطول رولز رويس، ووجبة كنتاكي.
    فقال لي: ده عيار 8.
    قلت له: مش مشكلة، عيار 18، حلو برضه.
    قال لي: باقول لك عيار 8.
    وراح ساحب شاكوش صغير كده جنبه، وقبل أن يرتدَّ إليَّ طرفي، راح رازع المشبك الذهب بالشاكوش حتة خبطة، ارتعدت منها الفرائص، وجفلت منها الخيل، وانتفضت منها قبائل عبس وذبيان، وقال لي: ده يدوس عليه جمل ولا يحصل له حاجة لأنه 90% نحاس.
    قلت له (وأنا متشبِّث بتلابيب الأمل، والدمعة هتفرّ من عيني): طيب، شوية الدهب اللي فيه بكام؟
    ومش مهم ناطحات سحاب، ياللا، عشة فراخ حتى.
    قال لي: بالكتير 2 جنيه، وده علشان خاطرك بس.
    ورأيت ساعتها أحلام وجبة الكنتاكي تتبخر. رجعت أجر أذيال الحسرة وخيبة الأمل، وكان طعم مرارة التجربة في حلقي، والألم يعتصرني كما تعصر جارتنا أم فتكات غسيلها على غسيل البت نواعم علشان تزهَّقْها في عيشتها وتطردها من السكن بعد ما ضبطت جوزها بسلامته يرمقها بعينيْن ناعستيْن.
    ومن يومها تأكدت إن الانجليز ما يجيش من وراهم خير أبدًا.
    لو كان الانجليزي المتعوس ده بعت لي سندوتش فول مسوِّس، أو حتى برنجان مخلل، كان أحسن، لكن ضيع وقتي وفلوسي، وحطم أحلامي فسقطت تتهاوى في غيابة الجب كجلمود صخر حطَّهُ السيلُ من علِ، وعملها جْمِيلة ابن بائعة الفش أند تشيبس.
    قال هدية من انجليزي قال! سذاجة بعيد عنك.

    د. أحمد الليثي
    رئيس الجمعية الدولية لمترجمي العربية
    ATI
    www.atinternational.org

    تلك الدَّارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يُريدون عُلُوًّا فى الأَرضِ ولا فَسادا والعاقبةُ للمتقين.
    *****
    فعِش للخيرِ ، إنَّ الخيرَ أبقى ... و ذكرُ اللهِ أَدْعَى بانشغالِـي.
  • رياض القيسي
    محظور
    • 03-05-2020
    • 1472

    #2
    سلمت يداك دكتور.. رواية رائعة
    رمضان مبارك

    تعليق

    • فوزي سليم بيترو
      مستشار أدبي
      • 03-06-2009
      • 10949

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة د/ أحمد الليثي مشاهدة المشاركة
      قال عبد الله السالك- نجاه الله وإياكم من المهالك-:
      مرة من ييجي 30 سنة، واحد بريطاني أرسل لي بالبريد (مشبك) للكرافتة هدية. وأحضر ساعي البريد ورقة وقال لي: لازم تروح بنفسك تستلم الطرد من مكتب البريد لأن حسب المستند اللي معاه الطرد فيه مشبك ذهب.
      قلت: يا فرج الله، ذهب، ياقوت، مرجان، أحمدك يارب.
      المهم رحت، قالوا لي: عليك رسوم جمرك لاستيراد ذهب.
      استيراد؟ استيراد أيه؟ ده واحد باعت لي هدية!
      قالوا: مالناش دعوة. لو ما دفعتش الرسوم هنرجعة خلال يومين.

      قلت في نفسي: يكونش باعت لي منجم السكري في طرد؟!
      تو ميك أَ لونغ ستوري شورت، قلت لهم: كم الرسوم يا جماعة؟
      قالوا: 33 جنيه.
      قلت: مش مهم. كله في سبيل الذهب يهون، خاصة إن مدير المكتب جه بنفسه، وكان بسم الله ماشاء الله طول بعرض، يسد باب زويلة، وبارم شنب تجلس عليه الصقور، وفتح خزنة ولا كأنه محمد الفاتح داخل القسطنطينية، وقعد يقول لي: أصل دي مسئولية كبيرة، وجاب لي كم استمارة من أيام تحتمس الثالث عشر، عبّي دي ووقَّع هنا وهنا وفوق وتحت، وعلى وش دي، وقفا دي، وابصم على ديكهيا، وجاب اتنين موظفين لا يقل مرتبهم عن 6 جنيه يشهدوا، وشغلانة.
      قلت: بس، دي سبيكة دهب عيار 3 مليون.
      ودفعت الرسوم زي الباشا، 35 جنيه، ووقفت مستني الباقي، قام قال لي وابتسامة الأطفال في عينيه: حلاوة الدهب يا باشا.
      أخدت بعضي ورجعت البيت، وفتحت الطرد، وفعلًا مشبك ذهب. رحت أتمِّنه عند الصائغ، وأنا أحلم ببناء القصور، وناطحات السحاب، وشراء أسهم في شركة أبل ومايكروسوفت، وأسطول رولز رويس، ووجبة كنتاكي
      .
      فقال لي: ده عيار 8.
      قلت له : مش مشكلة، عيار 18، حلو برضه.
      قال لي: باقول لك عيار 8.
      وراح ساحب شاكوش صغير كده جنبه، وقبل أن يرتدَّ إليَّ طرفي، راح رازع المشبك الذهب بالشاكوش حتة خبطة، ارتعدت منها الفرائص، وجفلت منها الخيل، وانتفضت منها قبائل عبس وذبيان، وقال لي: ده يدوس عليه جمل ولا يحصل له حاجة لأنه 90% نحاس.
      قلت له (وأنا متمسك بتلالبيب الأمل، والدمعة هتفرّ من عيني): طيب، شوبة الدهب اللي فيه بكام؟
      ومش مهم ناطحات سحاب، ياللا، عشة فراخ حتى.
      قال لي: بالكتير 2 جنيه، وده علشان خاطرك بس.
      ورأيت ساعتها أحلام وجبة الكنتاكي تتبخر. رجعت أجر أذيال الحسرة وخيبة الأمل، ومن يومها تأكدت إن الانجليز ما يجيش من وراهم خير أبدًا.
      لو كان الانجليزي المتعوس ده بعت لي سندوتش فول مسوِّس، أو حتى برنجان مخلل، كان أحسن، لكن ضيع وقتي وفلوسي، وحطم أعلامي فسقطت تتهاوى في غياهب الجب كجلمود صخر حطَّهُ السيلُ من علِ، وعملها جميلة ابن بائعة الفش أند تشيبس.
      قال هدية من انجليزي قال! سذاجة بعيد عنك.
      هدية ومن انجليزي،؟!
      ربما مفتاح انجليزي أو ملح انجليزي
      لو فيه خير كان ما رماه الطير
      النص بديع ودمه خفيف استمتعت بجد
      تحياتي استاذنا الليثي
      فوزي بيترو

      تعليق

      • د/ أحمد الليثي
        مستشار أدبي
        • 23-05-2007
        • 3878

        #4
        شكر الله مرورك وتعليقك أستاذ رياض القيسي.
        وتقبل الله منا ومنكم صالح الأعمال.
        دمت بخير.
        المشاركة الأصلية بواسطة رياض القيسي مشاهدة المشاركة
        سلمت يداك دكتور.. رواية رائعة
        رمضان مبارك
        د. أحمد الليثي
        رئيس الجمعية الدولية لمترجمي العربية
        ATI
        www.atinternational.org

        تلك الدَّارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يُريدون عُلُوًّا فى الأَرضِ ولا فَسادا والعاقبةُ للمتقين.
        *****
        فعِش للخيرِ ، إنَّ الخيرَ أبقى ... و ذكرُ اللهِ أَدْعَى بانشغالِـي.

        تعليق

        • د/ أحمد الليثي
          مستشار أدبي
          • 23-05-2007
          • 3878

          #5
          السذاجة تعمل أكثر من كده أستاذنا فوزي بيترو
          صحيح الحداية ما ترميش كتاكيت
          مشكور مرورك وتعليقك .. واستمتاعك بنصي المتواضع.

          المشاركة الأصلية بواسطة فوزي سليم بيترو مشاهدة المشاركة
          هدية ومن انجليزي،؟!
          ربما مفتاح انجليزي أو ملح انجليزي
          لو فيه خير كان ما رماه الطير
          النص بديع ودمه خفيف استمتعت بجد
          تحياتي استاذنا الليثي
          فوزي بيترو
          د. أحمد الليثي
          رئيس الجمعية الدولية لمترجمي العربية
          ATI
          www.atinternational.org

          تلك الدَّارُ الآخرةُ نجعلُها للذين لا يُريدون عُلُوًّا فى الأَرضِ ولا فَسادا والعاقبةُ للمتقين.
          *****
          فعِش للخيرِ ، إنَّ الخيرَ أبقى ... و ذكرُ اللهِ أَدْعَى بانشغالِـي.

          تعليق

          يعمل...
          X