الزيارة
قصة قصيرة
رائد قاسم
ينفض اجتماع اهل القرية برئاسة العمدة ، تبدا الجرافات برصف الطريق الرئيسي الذي يربطها بالقرى المجاورة .. يباشر شباب القرية بوضع صور الأمير في كل مكان ، الزينة تغزو شوارعها ... أيام قليلة وتتحول القرية الى ساحة كرنفال مبهجة..
يسير في طرقات قريته وهو لا يدرك ما يحدث حوله، يرى صور الأمير الكبيرة ذات الالون الفاقعة تملا الانحاء..
يدخل على والدته التي كانت منشغلة كعادتها في التنظيف وطبخ الطعام...
تشعر بالخوف، تترك ما بيدها وتهرول نحوه، تتلفت يمينا وشمالا ثم تجيبه قائلة:
- لا تقل مثل هذا الكلام يا بني ، عليك ان تتكلم عنه باحترام حتى لا يتعرض والدك للمتاعب.
- فمن هو؟
- انه امير القرية والقرى التي حولنا.
يدنو منها ويسألها مستنكرا:
- ( بابتسامة) بالطبع يا بني مثلما لبيتنا هذا راعي وهو والدك.
- ومن الذي جعله اميرا علينا؟
-( بارتباك) لا اعرف؟ ربما ورث الامرة عن والده.
- وربما رجال القرية هم من جعلوه اميرا عليهم.
- ( بانكسار) كلا يا بني فرجال القرية لا يستطيعون فعل ذلك.
ينظر لها بتجهم ثم يستاذنها للحاق بالدرس .. تتباعه حتى يغيب عن ناظريها الا انها
لا تزال مندهشة من تسائلاته الثائرة.
ينطلق الى معلم القرية فدرسه سوف يبدا قرييا الا انه يشاهد والده واقفا مع مجموعة من الرجال بالقرب من منزل مزخرف ، عليه عدد من الحرس ، يتوجه له فورا .. ما ان يراه والد حتى يعرفهم به، يقف بقربه فيمسح بيده على راسه..
يستغل الفرصة فيطلب منه رؤية الأمير، يضحكون من طلبه...
الا ان والده يقول له:
يستانفون ضحكاتهم الهازئة الا انه ينادي على احد الحراس ويقول له بحزم:
يؤم له بالموافقة على طلبه.
يتطلع الى وجه والده مبتسما ثم يمضي عنه متوجها الى درسه ..
يدخل مسجد القرية متجها نحو معلمه الذي كان مشغولا بالقاء درسه على تلاميذه الجلوس ، يقف خلفهم بينما كان المعلم بلحيته السوداء المنسدلة واقفا يشرح لهم الدرس وملوحا بكلتا يديه بكل حيوية ونشاط..
يقف الفتى في وسط الحلقة ويدنو من معلمه ، يرفع راسه نحوه ويساله بتعجب مشوبا ببراءة الأطفال :
ينظر له بعينين مليئتين بالشرر ، يجيبه بصوت صاخب:
يندهش الفتى من اجابته ..
- وقبل ان يحكم عليه بالطرد سأله عن سبب عدم سجوده ، أي انه حاكمه محاكمة عادلة.
- وماذا أيضا؟
- الله لم يهدده بعذاب النار واكتفى بطره ، ولكن عندما قرر عزازيل ان يفسد في الأرض هدده بأن يكون عقابه الخلود في نار جهنم.
ومنذ ذلك اليوم تحول من عزازيل الى ابليس.
- احقا كان ذلك؟!
- هذا ما جاء في اسفار الاخبار منذ قديم الزمان.
يطلق رجله للريح وسط اندهاش المعلم وتلاميذه.
يتجه الى المنزل المزين الذي وصله الأمير وكان يعج بالحضور .. كان الأمير يتوسط المجلس مستقبلا رجال القرية، سرعان ما يجلس على اريكته ليجلس الجميع معه، ثم يسال الحضور عن احتياجاتهم ، يجيبونه بلسان واحد بأن كل شي على ما يرام وان العمدة يقوم بواجبه على اكمل وجه.
العمدة- ( في نفسه) الويل لكل من ينتهز الفرصة ويقول ما لا يجب ان يقال ، ساعاقبه عقابا شديدا حالما يغادر سموه!
يبدا الأمير بالتحدث حول اعماله وخططه ..
رجل قرية- (في سريرته ) يا للهول! انه يكرر ما قاله قبل ثلاث سنوات! الم يجد مستشارك كلاما جديدا لتلقينك إياه؟!
رجل اخر- لا نريد منك شيئا ، المهم ان لا يصينا منك او من رجالك أي مكروه.
رجل اخر- يا سيدي وأين صاحبي حسن!
يحاول الفتى الدخول الا ان الحرس يمنعونه .. يقف على الباب مصرا على حضور المجلس ، فجاة يأتي الحارس الذي طلب منه والده إدخاله ، فيأمرهم بافساح الطريق له ..يدخل الفتى القاعة .. يتقدم ببط من الأميرالذي كان منشغلا بالحديث .. يقف على مسافة منه ويقطع حديثه ..
يسكت الأمير عن الكلام ويسود الصمت انحاء القاعة، ينتبه والده له فيذهب له على عجل ، ويبتسم ابتسامة عريضة في وجه الأميرقائلا له:
-عذرا سموك انه ابني الصغير جاء ليسلم عليك.
الا ان وجه الفتى ونظراته كانت حادة بما يكفي لابقاء الأجواء متوترة... يبادر الفتى الى نفي ما قاله والده ليقول:
يتماسك الأمير وهو في قمة احراجه ، يقف فيقفون له ..
يقترب من الفتى..
يبتسم في وجهه فيبتسم الجميع معه..
- حسنا ما هو سؤالك؟.
- هل تعرف الشيطان؟
يصدم الجميع من سؤال الفتى بينما يرتبك الأمير..
يحاول والد الفتى تدارك الموقف قائلا:
-عذرا سموكم ان ابني يتسع خياله أحيانا.
الا ان الفتى يعود ويكرر سؤاله..
يزداد الأمير ارتباكا وتصيبه الحيرة الا انه يتمالك نفسه ويجيبه بكل ثقة:
تسود الانفراجة ارجاء المجلس ويشعر الجميع بارتياح لرد الأمير الا أن الفتى يباغته قائلا:
يتدخل والده فورا ويقول:
-عذرا أيها الأمير ان ابني هذا يحتاج الى الراحة ، كل اسبوع تنتابه نوبة جنون عارضة وهذه واحدة منها.
العمدة- كل اللوم على معلم القرية انه يحشو عقول الصغار بأفكار لا طائل من ورائها.
يحمله والده ليذهب به الى البيت الا ان الفتى كان يقاومه قائلا:
يضربه برفق عله يهدء الا انه يقول بصوت مرتفع :
-الشيطان يقول ما يشاء في حضرة الله فلما لا تكونوا مثله في حضرة الأمير؟!
الصمت المطبق يسود المجلس، الأمير واقفا لا يعرف ماذا يفعل وكيف يتصرف ..
الرجال ينظرون الى بعضهم البعض وقد غمرهم الشعور بالخجل والخزي...
يتجشع احدهم ويقترب من الأمير..
-استادنك أيها الأمير بالمغادرة.
الأمير واقفا بصمت وكأن على راسه الطير ، وقد بدا مذهولا شاردا ومتحيرا ..
يتقدم منه رجال القرية تباعا ليغادروا المجلس ، كل شخص منهم يؤدي له تحية الاحترام المفروضة ثم يغادر على عجل.
دقائق قليلة ويخلو المجلس من الناس الا من الأمير وعمدة القرية.. والد الفتى ما ان يضعه في عهدة والدته حتى يسارع الخطى للعودة الى المجلس الا انه لا يرى أحدا!.. يتطلع في الارجاء فيشاهد الأمير في سيارته وهو يهم بمغادرة القرية .. يذهب اليه مسرعا محاولا إيقافه قائلا:
ينظر له الأمير بحمق ويغادر القرية، يرى امامه العمدة..
يرد عليه بوجه غاضب مكفهر ويتركه ويرحل..
تغرب الشمس وتشرق من جديد لتعود الحياة للقرية الى سابق عهدها الا انه كلما ذكرت قصة الشيطان الحقت بها قصة الفتى والأمير لتتحول الى فاكهة مجالس القرية والقرى المجاورة لسنوات عديدة مقبلة.
قصة قصيرة
رائد قاسم
ينفض اجتماع اهل القرية برئاسة العمدة ، تبدا الجرافات برصف الطريق الرئيسي الذي يربطها بالقرى المجاورة .. يباشر شباب القرية بوضع صور الأمير في كل مكان ، الزينة تغزو شوارعها ... أيام قليلة وتتحول القرية الى ساحة كرنفال مبهجة..
يسير في طرقات قريته وهو لا يدرك ما يحدث حوله، يرى صور الأمير الكبيرة ذات الالون الفاقعة تملا الانحاء..
يدخل على والدته التي كانت منشغلة كعادتها في التنظيف وطبخ الطعام...
- امي من هذا الذي صوره تملا الازقة؟.
تشعر بالخوف، تترك ما بيدها وتهرول نحوه، تتلفت يمينا وشمالا ثم تجيبه قائلة:
- لا تقل مثل هذا الكلام يا بني ، عليك ان تتكلم عنه باحترام حتى لا يتعرض والدك للمتاعب.
- فمن هو؟
- انه امير القرية والقرى التي حولنا.
يدنو منها ويسألها مستنكرا:
- وهل يجب ان يكون لنا امير؟
- ( بابتسامة) بالطبع يا بني مثلما لبيتنا هذا راعي وهو والدك.
- ومن الذي جعله اميرا علينا؟
-( بارتباك) لا اعرف؟ ربما ورث الامرة عن والده.
- وربما رجال القرية هم من جعلوه اميرا عليهم.
- ( بانكسار) كلا يا بني فرجال القرية لا يستطيعون فعل ذلك.
ينظر لها بتجهم ثم يستاذنها للحاق بالدرس .. تتباعه حتى يغيب عن ناظريها الا انها
لا تزال مندهشة من تسائلاته الثائرة.
ينطلق الى معلم القرية فدرسه سوف يبدا قرييا الا انه يشاهد والده واقفا مع مجموعة من الرجال بالقرب من منزل مزخرف ، عليه عدد من الحرس ، يتوجه له فورا .. ما ان يراه والد حتى يعرفهم به، يقف بقربه فيمسح بيده على راسه..
يستغل الفرصة فيطلب منه رؤية الأمير، يضحكون من طلبه...
الا ان والده يقول له:
- طلبك مجاب يا بني سوف تراه رغما عن الجميع.
يستانفون ضحكاتهم الهازئة الا انه ينادي على احد الحراس ويقول له بحزم:
- هذا ولدي، عندما يأتي الى هنا ونحن مجتمعين بالامير ادخله الى المجلس.
يؤم له بالموافقة على طلبه.
يتطلع الى وجه والده مبتسما ثم يمضي عنه متوجها الى درسه ..
يدخل مسجد القرية متجها نحو معلمه الذي كان مشغولا بالقاء درسه على تلاميذه الجلوس ، يقف خلفهم بينما كان المعلم بلحيته السوداء المنسدلة واقفا يشرح لهم الدرس وملوحا بكلتا يديه بكل حيوية ونشاط..
- عزازيل يا أبنائي كان هناك في السماء كنجمة ماجدة في نيسان.. ولكن وفي لحظة عاتية من هذا الوجود كان عليه ان يختار بين ان يكون او لا يكون .
- امره الله بأن يسجد لادم فعصى امره، فسأله الرب لماذا لم تسجد لما خلقت بيدي ؟.فقال انا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين . فطرده الرب من عالم الملائكة فغذا مشردا طريدا حتى هوى الى الأرض كنجم جريح في ليلة صيف موحشة.
يقف الفتى في وسط الحلقة ويدنو من معلمه ، يرفع راسه نحوه ويساله بتعجب مشوبا ببراءة الأطفال :
- الم يامر به الله بأن يلقى في جهنم او ان تعذبه الملائكة؟.
ينظر له بعينين مليئتين بالشرر ، يجيبه بصوت صاخب:
- كلا لم يفعل به شيئا من ذلك، بل كافئه على عبادته له طوال تلك السنوات.
يندهش الفتى من اجابته ..
- وقبل ان يحكم عليه بالطرد سأله عن سبب عدم سجوده ، أي انه حاكمه محاكمة عادلة.
- وماذا أيضا؟
- الله لم يهدده بعذاب النار واكتفى بطره ، ولكن عندما قرر عزازيل ان يفسد في الأرض هدده بأن يكون عقابه الخلود في نار جهنم.
ومنذ ذلك اليوم تحول من عزازيل الى ابليس.
- احقا كان ذلك؟!
- هذا ما جاء في اسفار الاخبار منذ قديم الزمان.
يطلق رجله للريح وسط اندهاش المعلم وتلاميذه.
- انتظر لم ينتهي الدرس بعد . الى اين انت ذاهب؟.
يتجه الى المنزل المزين الذي وصله الأمير وكان يعج بالحضور .. كان الأمير يتوسط المجلس مستقبلا رجال القرية، سرعان ما يجلس على اريكته ليجلس الجميع معه، ثم يسال الحضور عن احتياجاتهم ، يجيبونه بلسان واحد بأن كل شي على ما يرام وان العمدة يقوم بواجبه على اكمل وجه.
العمدة- ( في نفسه) الويل لكل من ينتهز الفرصة ويقول ما لا يجب ان يقال ، ساعاقبه عقابا شديدا حالما يغادر سموه!
يبدا الأمير بالتحدث حول اعماله وخططه ..
رجل قرية- (في سريرته ) يا للهول! انه يكرر ما قاله قبل ثلاث سنوات! الم يجد مستشارك كلاما جديدا لتلقينك إياه؟!
رجل اخر- لا نريد منك شيئا ، المهم ان لا يصينا منك او من رجالك أي مكروه.
رجل اخر- يا سيدي وأين صاحبي حسن!
يحاول الفتى الدخول الا ان الحرس يمنعونه .. يقف على الباب مصرا على حضور المجلس ، فجاة يأتي الحارس الذي طلب منه والده إدخاله ، فيأمرهم بافساح الطريق له ..يدخل الفتى القاعة .. يتقدم ببط من الأميرالذي كان منشغلا بالحديث .. يقف على مسافة منه ويقطع حديثه ..
- أيها الأمير هل لي ان أسالك؟
يسكت الأمير عن الكلام ويسود الصمت انحاء القاعة، ينتبه والده له فيذهب له على عجل ، ويبتسم ابتسامة عريضة في وجه الأميرقائلا له:
-عذرا سموك انه ابني الصغير جاء ليسلم عليك.
الا ان وجه الفتى ونظراته كانت حادة بما يكفي لابقاء الأجواء متوترة... يبادر الفتى الى نفي ما قاله والده ليقول:
- بل جئت أساله.
يتماسك الأمير وهو في قمة احراجه ، يقف فيقفون له ..
يقترب من الفتى..
يبتسم في وجهه فيبتسم الجميع معه..
- حسنا ما هو سؤالك؟.
- هل تعرف الشيطان؟
يصدم الجميع من سؤال الفتى بينما يرتبك الأمير..
يحاول والد الفتى تدارك الموقف قائلا:
-عذرا سموكم ان ابني يتسع خياله أحيانا.
الا ان الفتى يعود ويكرر سؤاله..
يزداد الأمير ارتباكا وتصيبه الحيرة الا انه يتمالك نفسه ويجيبه بكل ثقة:
- نعم اعرفه ، انه ذلك المخلوق الذي يريد دائما ايداء البشر بشره.
تسود الانفراجة ارجاء المجلس ويشعر الجميع بارتياح لرد الأمير الا أن الفتى يباغته قائلا:
- لقد تحدث مع الله بكل حرية وقال كل ما في نفسه فلماذا لا تسمح لهؤلاء الناس بقول ما يشاءون؟
يتدخل والده فورا ويقول:
-عذرا أيها الأمير ان ابني هذا يحتاج الى الراحة ، كل اسبوع تنتابه نوبة جنون عارضة وهذه واحدة منها.
العمدة- كل اللوم على معلم القرية انه يحشو عقول الصغار بأفكار لا طائل من ورائها.
يحمله والده ليذهب به الى البيت الا ان الفتى كان يقاومه قائلا:
- دعني ، لم اقل ما يغضب اميركم!.
يضربه برفق عله يهدء الا انه يقول بصوت مرتفع :
-الشيطان يقول ما يشاء في حضرة الله فلما لا تكونوا مثله في حضرة الأمير؟!
الصمت المطبق يسود المجلس، الأمير واقفا لا يعرف ماذا يفعل وكيف يتصرف ..
الرجال ينظرون الى بعضهم البعض وقد غمرهم الشعور بالخجل والخزي...
يتجشع احدهم ويقترب من الأمير..
-استادنك أيها الأمير بالمغادرة.
الأمير واقفا بصمت وكأن على راسه الطير ، وقد بدا مذهولا شاردا ومتحيرا ..
يتقدم منه رجال القرية تباعا ليغادروا المجلس ، كل شخص منهم يؤدي له تحية الاحترام المفروضة ثم يغادر على عجل.
دقائق قليلة ويخلو المجلس من الناس الا من الأمير وعمدة القرية.. والد الفتى ما ان يضعه في عهدة والدته حتى يسارع الخطى للعودة الى المجلس الا انه لا يرى أحدا!.. يتطلع في الارجاء فيشاهد الأمير في سيارته وهو يهم بمغادرة القرية .. يذهب اليه مسرعا محاولا إيقافه قائلا:
- سموكم الى اين؟ لم تتناولوا طعام الغذاء بعد!
ينظر له الأمير بحمق ويغادر القرية، يرى امامه العمدة..
- لماذا غادرالامير بهذه السرعة؟ لا يزال الوقت مبكرا!
يرد عليه بوجه غاضب مكفهر ويتركه ويرحل..
- لماذا رحلوا جميعا؟ هل غضب الأمير من سؤال ابني عن الشيطان ! كلا الامير يحب الأطفال ، لا بد ان امر هام دفعه للرحيل على عجل!
تغرب الشمس وتشرق من جديد لتعود الحياة للقرية الى سابق عهدها الا انه كلما ذكرت قصة الشيطان الحقت بها قصة الفتى والأمير لتتحول الى فاكهة مجالس القرية والقرى المجاورة لسنوات عديدة مقبلة.
تعليق