ترجمة: سليم محمد غضبان، فلسطين،Salim Mohammad Ghadban
الحَدَبَتان
قصة قصيرة بقلم الكاتب السنغالي، بيراجو ديوب، Birago Diop 1906-1989م
عندما يكون على الذاكرة أن تجمع الحطب، فإنها تنتقيه بنفسها…
الأُفقُ ينطبق أمام عيني. خلف خُضار الصّيفِ، خلف ممرّات الخريف الحُمْرِ أبحثُ أنا عن السّفانا المفتوحة ، لكنّي لا أرى سوى الجبال العارية، قاتمةً مثل عمالقةٍ كبار السّنِّ قتلى، والثلجُ يرفض دفنهم، لأنّهم، بلا شكٍّ، كانوا كُفّارًا…
فصلُ الشّتاءِ نسّاجٌ سيّئ. إنه لا يُنظّفُ أو يقطفُ قُطنَه، كلُّ ما يستطيعُ نسجه هو مطرٌ خفيف. لونٌ رماديّ. السّماءُ رماديّةو وباردة، وشاحبة. ترتجفُ الشمسُ ڤي الطّقسِ البارد؛ بينما أجلسُ أنا عِنْدَ النارِ أُدفئُ أعضائي المُتيبّسة… النارُ التي يحرسها المرءُ هي أشدُّ حرًّا من أيّةِ نارٍ أُخرى… و أنا جالسٌ القُرفصاء عِنْدَ الألهبةِ المُتراقصة، تطرُقُ أفكاري، واحدةٌ بعد الأُخرى، ممرّاتِ الذّكريات.
فجأةً، تتحوّلُ الألهبةُ إلى مقطعٍ أحمر لأشعة الشمس الهابطةِ فَوْقَ بحرٍ يعجُّ بالأمواجِ. تتكسّرُ الأمواجُ مُحدثةً انعكاسَ الألهبِة على خلفيتها المُنزلقة. مُتعبًا من السّفرِ الطّويل يلتفُّ قاربُ البريدِ حول رأسِ كاب دي المالديز… " أُوه،، ألا يوجد اسمٌ آخر، << الحَدَبَتان>>, صوتٌ ساخرٌ انطلقَ بجانبي…
"أوه، كلا، لا يوجد سوى اسم <<الحَدَبَتان>>، الطرفُ الأقصى للسنغال. بالكاد يبلغ ارتفاع الحدبة الأعلى مئة متر. كان علي الإعتراف بذلك للفتاة الصغيرة التي اعتراها الخوفُ مدى الرحلة، مما انعكسَ على ملامح وجهها بحيثُ دعوتُها فيوليتّا (البنفسجية). إنها فيوليتا الآن التي تسألُ بسخريةٍ عن اسم الجبلين التي رأتهما متواضعي العلوّ. لم يحالفني الحظّ وأنا أشرحُ لها أنه إذا ما واصلت الرحلةَ فإنها سوف تشاهدُ ناحية الجنوبِ جبال فوتا-ديالون، جبال الكاميرون، الخ، وبقيت فيوليتا ثابتةً على رأيها، أن الطّبيعةَ، في الحقيقةِ، لم تُتعب نفسها عندما وهبت السنغال وباركتها بهاذين الجبلين المائلين للحُمرةِ، تكسوها الطحالب في بعض الأماكن بينما هما عاريان في الأماكن الأُخرى…
فقط بعد الوصول الى بلدي، وبعد وقتٍ طويل، وبعد أن كنت قد التقيتُ بأمادو كومبا و أخذتُ منه المعرفة والحكمة، أنني بين أشياء أُخرى عديدة عرفتُ ماذا كانت <<الحَدَبَتان>> تعني، هذان الجبلان على شبه جزيرة كاب فيردي، ذلك الجزء من الأرض الأفريقية الذي تطلعُ الشّمسُ عليه كأنها تراقبه قبل أن ترمي بنفسها في مياه المحيط الهائلة.
عندما يكون على الذاكرة أن تجمع الحطب فإنها تنتقيه بنفسها…
و الآن في المساء، في رُكن المدفأة،تراودني الذكريات حول الجبلين، وحولَ زوجتيّ كومار وتلك الخجولة والمنيرة الوجه فيوليتا. رغمَ أنها كانت إجابة متأخرة، إلّا أنني أوضحتُ أخيرًا لها ما أخبرني به أمادو كومبا- بالضبط كما سرده…
فيما يتعلق بالزوجات،فإن رقم 2 رقم سيّء. من يرغب في إراحة نفسه من التفكير الزائد، والصراخ، والندم، والنوايا الشريرة، عليه الزواج بثلاث نساء أو الإكتفاء بواحدة، ولكن ليس اثنتين. إمرأتان في بيتٍ واحد تجلبان معهمادائمًا الثالثة، التي لا فائدة منها، و إضافةً لذلك، فإنها مشورة سيئة للغاية. هذه الثالثة إنها الحسد بعينه، صوتها حادّ وحامض مثل عصير التمر حنّا.
كاري كانت حسودة، كانت الزوجة الأولى لكومار. كان باستطاعتها ملء وعائين ضخمين بالحسد، وإذا ما رمتهما، سيبقى في قاع قلبها، الأسودِ كالفحم،ما يملأ عشرةً أُخرى. على الأرجح، لم يهبْها قدَرُها الكثيرَ من الحظّ- بالأحرى، لقد كان هناك حَدَبَةٌ على ظهرها- أوه، لقد كانت فقط حدبةً صغيرة، شَيْءٍ يمكن التحدّث عنه، ولكن يمكن لكنزةٍ أو لشالٍ أن يّخفيها وكأنها لا توجد. لكن كاري كانت تعتبر أن كل الأعين متوجهةٌ صوبَ حدبتها.
في كُلّ لحظةٍ ، كانت تسمع من يصرخ : كاري كوجوي ( كاري المُحدّبة الظّهر). كان هذا الصراخ مثل صوت الجرس في أُذنيها، كما كانت تسمعُ سخرية زميلاتها منذ أن كانت طفلة، حيث جرت العادة أن يلعب الأطفال عُراة الجسم من الأعلى. في كل وقت كانوا يطلبون منها أن تُعيرهم الطفل الذي تحمله على ظهرها. و كانت تركض غاضبةً مُلاحقةً إياهم، و رحم الله من كانت تُمسك بها. كانت تتثبت بها و تنزع حلقَتي أُذنيها، وتُخرّب خُصلات شعرها. و كانت الضحيةُ تصرخ و تبكي كما تريد. لم تكن تجد مساعدةً سوى من زميلاتِها فيُطلقنَ سراحها إذا ما تخلّصنَ من الخوف من أن تصدمهم كاري بحدبة ظهرها. أمّا الكبار فلم يكونوا يتدخلون في مشاكل ولعب الصغار. و كان هذا آخر همّهم.
لم تستطع السنواتُ أن تُلطّف من شخصية كاري!. على العكس، أصبحت شخصيتُها مثل الحليب المُحمّض المسحور من روحٍ شِرّيرة. شكّلَ هذا عِبئًا كبيرًا على مومار الذي عليه أن يُعاني من حدبة كاري و من أخلاقها السيّئة.
عندما كان على مومار الخروج للعمل، كان عليه أن يُحضّرَ ويأخذ الأكل بنفسِه. كانت كاري تخاف من سُخرية الآخرين، و لم تعُد راغبةً في ترك المنزل. و أصبح ذلك حُجّةً قويةً لها كي لا تُشارك زوجها في العمل الشّاق.
مُرهقًا من العمل طوالَ النّهار، ولكونه لا يحصل على الطعام الساخن سوى في المساء، قرّرَ مومار أن يتزوجَ بامرأةٍ ثانية.
إنَّ أملَ مومار السّاذجَ بأن كاري سوف تُصبحُ زوجةً صالحةً وحبيبةً عاشقةً له قد خابَ، و أصبحَ الوضعُ مُختلفًا.
للأسف كانت كومبا أيضًا حدباء الظَّهر. لكن حجمَ حدبتها تجاوز كثيرًا الحدبة العادية. عندما كانت تُديرُ ظهرَها، كانت تبدو وكأنّ الحدبة هي ما تسند لباس رأسها. لكن برغم هذه الحدبة الضّخمة، كانت كومبا مبتهجة، و لطيفة و تُحب عِشرة النَّاس.
عندما كان الناس يتمازحون عن كومبا القصيرة، في ذلك الزمن الذي كانت فيه تلعب مع الأطفال، و عندما كان يُطلبُ منها أن تُعيرهم ذلك الطفل الذي تحمله على ظهرها، كان يعلو ضحكها على ضحك الآخرين، و كانت تُجيب:
لا أظن أنه يرغب في أن تحملينه، إنه لا يرغب في النزول عندما يكون جائعًا!.
عندما أصبحت كومبا تُخالط الكبار اللذين خَبِرتهم أقلّ مزوحًا من الأطفال، و لكنهم أكثر إيذاءً منهم، لم تتغيّر. أيضًا بقيت معاملتُها جيدة مع زوجها. كانت تعتبر كاري كأُخت كبيرةً وفعلت ما باستطاعتها لإرضائها. كانت تقوم بمعظم العمل المنزلي الشُاق. كانت تذهب إلى النهر لتغسل الثياب، و كانت تغسل الحبوب و تُكوّم القشّ. كانت تذهبُ يوميًّا إلى الحقل حاملةً الطعام لتساعد مومار في العمل. لكن ذلك لم يكن مدعاةً لسرور كاري. على العكس تمامًا. لقد ازدادت كراهيتُها و سوءُ أخلاقها، فالحسدُ طمّاعٌ، وهو يتغذّى على أشياء كثيرة. و منظرُ كومبا التي لا يبدو عليها الإنزعاج من حدبتها ، كانَ هو الطبق الذي يتغذّى عليه الحسد.
هكذا عاش مومار نصف سعيدٍ بين زوجتيه. كلٌّ منهما لها حدبة.لكن إحداهما محبوبةٌ وطيبةٌ و عِشريّة، بينما الأُخرى شِرّيرةٌ و نزقةٌ و ممتعضة.
كي تُساعد زوجها أكثر، غالبًا ما كانت كومبا تُحضّر الطعام السّاخن في المساء، أو مبكرًا في الصباح، و تأخذه معها إلى الحقل. كانا يقصدان مبكّرًا في الصباح وظلّاهما على الأرض يبقيان مُنحنيين بأثر الشّمسِ اللاهبة إلى أن يتوقفا عن العمل، مومار و كومبا. كانت كومبا تُسخّن الأرز أو الشورباء و تقاسمهما مع زوجها. و لكن بدلًا من أن تنام مثله، كانت تمسحُ على رأسه،و ربما تحلم بجسمها خالٍ من أيّ عيب …
من بين كُلّ الأشجار، كانت شجرة التمر حنّا وارفة الظلال أكثر من غيرها. بالكاد كانت أشعة الشمس قادرة على التسلل من بين أوراقها. و كان باستطاعة المرءُ الجالس تحتها بين حين و آخر التّمييز بين النجوم في وضح النهار. لذلك، كانت هذه الشجرة مزارًا للأرواح و الرّيحَ، الأرواح الطّيبة و الشريرة، النسيم اللطيف و العواصف. كثيرون يأخذون عند المساء في الغناء أو الصراخ بجنون بعد أن يكونوا صباحًا قد تركوا قريتهم وهم سليمون تمامًا. عند الظهيرة يأوون تحت شجرة تمرّ حنا . رأى بعضهم يومًا، ما لا يتوجب رؤيته، مخلوقاتٍ من عالمٍ آخر، أرواحٌ راحوا يستهزئون بها بالكلام أو الفعل.
كان هناك نسوةٌ يبكين و يضحكن، يصرخن و يغنين. نسوةٌ أصابهن الجنون، لأنهن قمن بصب الماء المغلي من إحدى الجرار. لقد تأذّت الأرواح من ذلك و هي تمرّ أو تكون مُضطجعةً للإستراحة في الحديقة الأمامية لمسكنهم. كانت الأرواح قد كمنت لهنّ تحت ظل شجرة تمر حنا و سحرتهن.
لا مومار ولاكومبا كانا قد سخرا من الأرواح على الإطلاق، لا بالكلام و لا بالفعل. لذلك كان باستطاعتهما الإستراحة في ظل شجرة التمر حنا دون خوف من زيارة الأرواح الشريرة لهما للإنتقام.
حدثَ في يومٍ ما، أن مومار كان نائمًا،بينما كومبا جالسةٌ تخيط ثوبا بجانبه. إعتقدت كومبا أنها قد سمعت صوتًا يناديها من أعلى شجرة التمرحنا. نظرت للأعلى فرأت امرأةً كبيرةَ السنّ تجلس على الغصن الأسفل. كان لهاشعرٌ أبيض طويل يتدلّى على ظهرها مثل قُطنٍ حديث الحصاد."هل روحكِ في سلام يا كومبا؟" سألتها العجوز. "سلامٌ فقط أيتها الجدّة. أجابت كو مبا".
عندها قالت العجوز:"كومبا، أنا أعرف قلبكِ و أعلم عن كل أعمالك الطيبة التي قُمتِ بها منذأن بدأتِ تُميّزينَ يدكِ اليسرى من اليمنى. أودّ أن أُقدّم لكِ خدمةًجليلةً، لأني أعرف أنكِ تستحقّين ذلك. عندما يأتي يوم الجمعة، و عند اكتمال القمر، سوف تأتي بنات الأقزام للرقص على التلة عند"نجووي". إذهبي إلى هناك عندما تبرد الأرض. عندما يبدأ قرع الطبول، و عندما تدب ّ الحيوية في حلقة الرّقص، عليكِ أن تذهبي هناك. ثمّ قولي للفتاة الواقفة إلى جانبك:
"إسمعي، خُذي طفلي عن ظهري- لقد حان دوري في الرّقص!."
يوم الجمعة، نام مومار بالصُّدفة في كوخ زوجته الأُولى. أولئك اللذين هم في القرية و اللذين كانوا قد ذهبوا للنوم متأخرين، قد تقلّبوا في فراشهم عندما تركت كومبا كوخها و ذهبت إلى تلة القرميد. عن بُعدٍ، استطاعت سماعَ ضرب الطبول و صوتُ تدحرج برميل الشياطين و صوت التصفيق. رقصت بنات الأقزام رقصة "أ س ان دياي"، حيث بدأت الفتياتُ في الدوران في دائرة مُفعماتٍ بالفرح. اقتربت كومبا و أخذت تُصفق على وقع أصوات الطبول الذي يُسبب شيئًا من الدوران. و هكذا استمرّ تيار الرّاقصات في اللف و الدوران.
واحدة-إثنتان-ثلاثة-عشرة. عشرُ مرّاتٍ رقصنَ و دُرنَ و شال إزارهنّ يلتفّ حولهن- عندها، التفتتْ كومبا إلى الواقفة بجنبها مُشيرةً إلى ظهرها و قالت:"اسمعي، خُذي طفلي عنّي، لقد حان دوري في الرّقص. أخذت فتاة الأرواح حدَبَتها و عندها هربت كومبا.
ركضت و ركضت دون توقف حتى وصلت كوخها، و عندها صاح أوّل ديك.
لم يعد باستطاعة فتيات الأرواح اللحاق بها لأنّ صياح الديك هو إشارةٌ لإنتهاء قرع الطبول و لوجوب عودة الأرواح إلى مساكنها حتى يوم الجمعة التالي عند اكتمال القمر.
لقد تخلّصت كومبا من حَدَبتها. خُصلات شعرها تدلّت على رقبتها الطويلة كرقبة الغزالة. عندما أتى مومار صباحًا من كوخ زوجته الأولى، اعتقد أنه في حُلم، وكان عليه فرك عينيه عدة مرّاتٍ ليتبين الموقف..و هكذا أخبرته كومبا عمّا حصل.
في المقابل، صارَ للُّعاب في فم كاري طعم المرار كلما وقع نظرها على كومبا و هي واقفة تسحب الماء من البئر. أخذت عيناها تذرف دمًا، و عندما تفتح فمها للصراخ يُصبحُ لُعابها مثل قطعةٍ من القرميد يُصدر صوتًا على وقع زخّات المطر، و يُصبحُ مريرًا مثل جذر السّنديان. لكنّ الصوتَ يبقى مكبوتًا مما أدّى إلى أن تسقطَ كاري مغشيًّا عليها. و كان على كومبا و مومار أن يحملانها إلى داخل الكوخ.صارت كومبا تقوم على خدمتها وتُقدم لها الشّرابَ وتعتني بها بلطافةٍ و هدوء.
بالكاد عادت كاري إلى عافيتها مُتجنبةً الحسدَ الذي كان يتصاعد من معدتها و حتى رقبتها. أخبرتها كومبا بطيبة قلب ما حدث معها، كيف تخلّصت من حَدَبَتها، و قالت لها أنّ عليها أن تفعلَ مثلما فعلت كي تتخلّص من حَدبتها.
إنتظرت كاري يوم الجمعة التالي على أحرّ من الجمر. و بالذات اكتمال القمر. بديا مُستحيلا الحلول. كانت الشمس طوال النهار تُجرجرُ نفسها فوق الحقولِ و كأنّها غير معنيّةٍ بالعودة إلى بيتها، و استطال الليلُ قبل أن تعكسَ كوكبة النجومِ ضوءها على العُشب.
أخيرًا، جاء يوم الجمعة ذاك مثل كل جديد. لم تتناول كاري عشاءها في ذلك المساء، لقد أرادت من كومبا أن تُكرّرَ على مسمعها ما حدث معها و الإرشادات عدة مرّات، تلك الإرشاداتُ التي نطقت بها المرأةُ العجوز. مرّت الليلةُ الأُولى و فاتها أن تسمع الصّخبَ الذي تلاشى شيئًا فشيئًا. لقد سمعت الأصواتَ في الليلة التالية و هي تعلو و تعلو، و عندما أصبحت الأرضُ باردة، شقّت طريقَها إلى تلة القرميد، حيثُ ترقص فتيات الأرواح.
لقد وصلت بالضّبط في اللحظة التي كانت الفتياتُ فيها يتجاوزنَ بعضهن البعض في ليونةٍ ولطافة و حذقٍ و مهارة و سرعة متأثّرات بشدّةٍ بالغناء و الصراخ و التصفيق من أُولئك اللذين شكّلوا الحلقة الدائرية حولهنّ، و كانت كُلّ واحدةٍ منهنّ تتشوّقُ حتى يحين دورها في الرّقص لإظهار مهارتها على وقع الطبول الصاخبة.
إقتربت كاري و هي تُصفق، كما أوعزت لها كومبا. و هكذا، واحدة، إثنتان، ثلاثة- عندما أصبحنَ عشر فتيات من الأرواح داخل حلقة الرّقص ثمّ أدرنَ ظُهورهنّ مُتعبات، قالت للواقفةِ بجنبها:
"إسمعي، خُذي الآن الطفلَ ، لقد حان دوري في الرّقص." لكنّ فتاة الأرواحِ أجابتها:" كلّا، إسمعي أنتِ، إنه في الحقيقة دوري الآن. لذلك خُذي مني هذه الطفلة. لقد أعطتني إيّاها إحداهنّ منذ شهرٍ كامل، لكن لم يأتِ أحدٌ لأخذها."
بهذه الكلمات وضعت فتاة الأقزام حَدَبةَ كومبا على ظهر كاري. في نفس الوقت، صاح الدّيكُ و تلاشت الأرواحُ، وبقيت كاري واقفةً لوحدها على تلة القرميد و الحَدَبَتان على ظهرها.
الحَدبةُ الأُلى كانت صغيرةً ولكنّها عانت الأمرّين منها خلالَ حياتها، و الآن أصبح لها حدبةٌ أُخرى و لكنّها ضخمةٌ جدًا!. كانَ هذا الحدثُ أكبرُ بكثيرٍ ممّا تستطيعُ كاري تحمُّله. رتّبت إزارها و راحت تركضُ إلى حيثُ تسوقها قدَماها… ركضت لأيّامٍ بلياليها، و بأسرعِ ما أمكنها، حتّى بلغت البحرَ الذي رمتْ نفسها به. لكنّها لم تختفِ بالكامل. رفضَ البحرُ أن يهضمَها كاملةً.
إنهما حَدَبتا كاري كوجويز اللتان تبرزان عِنْدَ رأسِ كاب فيردي، و إنّهما اللتان آخرُ ما تسطعُ عليه الشّمسُ على الأرضِ الإفريقية.
إنّهما حَدَبَتا كاري الإثنتان. لقد أصبحتا :" الحَدَبَتان".
تمت الترجمة في 30-6-2021
الحَدَبَتان
قصة قصيرة بقلم الكاتب السنغالي، بيراجو ديوب، Birago Diop 1906-1989م
عندما يكون على الذاكرة أن تجمع الحطب، فإنها تنتقيه بنفسها…
الأُفقُ ينطبق أمام عيني. خلف خُضار الصّيفِ، خلف ممرّات الخريف الحُمْرِ أبحثُ أنا عن السّفانا المفتوحة ، لكنّي لا أرى سوى الجبال العارية، قاتمةً مثل عمالقةٍ كبار السّنِّ قتلى، والثلجُ يرفض دفنهم، لأنّهم، بلا شكٍّ، كانوا كُفّارًا…
فصلُ الشّتاءِ نسّاجٌ سيّئ. إنه لا يُنظّفُ أو يقطفُ قُطنَه، كلُّ ما يستطيعُ نسجه هو مطرٌ خفيف. لونٌ رماديّ. السّماءُ رماديّةو وباردة، وشاحبة. ترتجفُ الشمسُ ڤي الطّقسِ البارد؛ بينما أجلسُ أنا عِنْدَ النارِ أُدفئُ أعضائي المُتيبّسة… النارُ التي يحرسها المرءُ هي أشدُّ حرًّا من أيّةِ نارٍ أُخرى… و أنا جالسٌ القُرفصاء عِنْدَ الألهبةِ المُتراقصة، تطرُقُ أفكاري، واحدةٌ بعد الأُخرى، ممرّاتِ الذّكريات.
فجأةً، تتحوّلُ الألهبةُ إلى مقطعٍ أحمر لأشعة الشمس الهابطةِ فَوْقَ بحرٍ يعجُّ بالأمواجِ. تتكسّرُ الأمواجُ مُحدثةً انعكاسَ الألهبِة على خلفيتها المُنزلقة. مُتعبًا من السّفرِ الطّويل يلتفُّ قاربُ البريدِ حول رأسِ كاب دي المالديز… " أُوه،، ألا يوجد اسمٌ آخر، << الحَدَبَتان>>, صوتٌ ساخرٌ انطلقَ بجانبي…
"أوه، كلا، لا يوجد سوى اسم <<الحَدَبَتان>>، الطرفُ الأقصى للسنغال. بالكاد يبلغ ارتفاع الحدبة الأعلى مئة متر. كان علي الإعتراف بذلك للفتاة الصغيرة التي اعتراها الخوفُ مدى الرحلة، مما انعكسَ على ملامح وجهها بحيثُ دعوتُها فيوليتّا (البنفسجية). إنها فيوليتا الآن التي تسألُ بسخريةٍ عن اسم الجبلين التي رأتهما متواضعي العلوّ. لم يحالفني الحظّ وأنا أشرحُ لها أنه إذا ما واصلت الرحلةَ فإنها سوف تشاهدُ ناحية الجنوبِ جبال فوتا-ديالون، جبال الكاميرون، الخ، وبقيت فيوليتا ثابتةً على رأيها، أن الطّبيعةَ، في الحقيقةِ، لم تُتعب نفسها عندما وهبت السنغال وباركتها بهاذين الجبلين المائلين للحُمرةِ، تكسوها الطحالب في بعض الأماكن بينما هما عاريان في الأماكن الأُخرى…
فقط بعد الوصول الى بلدي، وبعد وقتٍ طويل، وبعد أن كنت قد التقيتُ بأمادو كومبا و أخذتُ منه المعرفة والحكمة، أنني بين أشياء أُخرى عديدة عرفتُ ماذا كانت <<الحَدَبَتان>> تعني، هذان الجبلان على شبه جزيرة كاب فيردي، ذلك الجزء من الأرض الأفريقية الذي تطلعُ الشّمسُ عليه كأنها تراقبه قبل أن ترمي بنفسها في مياه المحيط الهائلة.
عندما يكون على الذاكرة أن تجمع الحطب فإنها تنتقيه بنفسها…
و الآن في المساء، في رُكن المدفأة،تراودني الذكريات حول الجبلين، وحولَ زوجتيّ كومار وتلك الخجولة والمنيرة الوجه فيوليتا. رغمَ أنها كانت إجابة متأخرة، إلّا أنني أوضحتُ أخيرًا لها ما أخبرني به أمادو كومبا- بالضبط كما سرده…
فيما يتعلق بالزوجات،فإن رقم 2 رقم سيّء. من يرغب في إراحة نفسه من التفكير الزائد، والصراخ، والندم، والنوايا الشريرة، عليه الزواج بثلاث نساء أو الإكتفاء بواحدة، ولكن ليس اثنتين. إمرأتان في بيتٍ واحد تجلبان معهمادائمًا الثالثة، التي لا فائدة منها، و إضافةً لذلك، فإنها مشورة سيئة للغاية. هذه الثالثة إنها الحسد بعينه، صوتها حادّ وحامض مثل عصير التمر حنّا.
كاري كانت حسودة، كانت الزوجة الأولى لكومار. كان باستطاعتها ملء وعائين ضخمين بالحسد، وإذا ما رمتهما، سيبقى في قاع قلبها، الأسودِ كالفحم،ما يملأ عشرةً أُخرى. على الأرجح، لم يهبْها قدَرُها الكثيرَ من الحظّ- بالأحرى، لقد كان هناك حَدَبَةٌ على ظهرها- أوه، لقد كانت فقط حدبةً صغيرة، شَيْءٍ يمكن التحدّث عنه، ولكن يمكن لكنزةٍ أو لشالٍ أن يّخفيها وكأنها لا توجد. لكن كاري كانت تعتبر أن كل الأعين متوجهةٌ صوبَ حدبتها.
في كُلّ لحظةٍ ، كانت تسمع من يصرخ : كاري كوجوي ( كاري المُحدّبة الظّهر). كان هذا الصراخ مثل صوت الجرس في أُذنيها، كما كانت تسمعُ سخرية زميلاتها منذ أن كانت طفلة، حيث جرت العادة أن يلعب الأطفال عُراة الجسم من الأعلى. في كل وقت كانوا يطلبون منها أن تُعيرهم الطفل الذي تحمله على ظهرها. و كانت تركض غاضبةً مُلاحقةً إياهم، و رحم الله من كانت تُمسك بها. كانت تتثبت بها و تنزع حلقَتي أُذنيها، وتُخرّب خُصلات شعرها. و كانت الضحيةُ تصرخ و تبكي كما تريد. لم تكن تجد مساعدةً سوى من زميلاتِها فيُطلقنَ سراحها إذا ما تخلّصنَ من الخوف من أن تصدمهم كاري بحدبة ظهرها. أمّا الكبار فلم يكونوا يتدخلون في مشاكل ولعب الصغار. و كان هذا آخر همّهم.
لم تستطع السنواتُ أن تُلطّف من شخصية كاري!. على العكس، أصبحت شخصيتُها مثل الحليب المُحمّض المسحور من روحٍ شِرّيرة. شكّلَ هذا عِبئًا كبيرًا على مومار الذي عليه أن يُعاني من حدبة كاري و من أخلاقها السيّئة.
عندما كان على مومار الخروج للعمل، كان عليه أن يُحضّرَ ويأخذ الأكل بنفسِه. كانت كاري تخاف من سُخرية الآخرين، و لم تعُد راغبةً في ترك المنزل. و أصبح ذلك حُجّةً قويةً لها كي لا تُشارك زوجها في العمل الشّاق.
مُرهقًا من العمل طوالَ النّهار، ولكونه لا يحصل على الطعام الساخن سوى في المساء، قرّرَ مومار أن يتزوجَ بامرأةٍ ثانية.
إنَّ أملَ مومار السّاذجَ بأن كاري سوف تُصبحُ زوجةً صالحةً وحبيبةً عاشقةً له قد خابَ، و أصبحَ الوضعُ مُختلفًا.
للأسف كانت كومبا أيضًا حدباء الظَّهر. لكن حجمَ حدبتها تجاوز كثيرًا الحدبة العادية. عندما كانت تُديرُ ظهرَها، كانت تبدو وكأنّ الحدبة هي ما تسند لباس رأسها. لكن برغم هذه الحدبة الضّخمة، كانت كومبا مبتهجة، و لطيفة و تُحب عِشرة النَّاس.
عندما كان الناس يتمازحون عن كومبا القصيرة، في ذلك الزمن الذي كانت فيه تلعب مع الأطفال، و عندما كان يُطلبُ منها أن تُعيرهم ذلك الطفل الذي تحمله على ظهرها، كان يعلو ضحكها على ضحك الآخرين، و كانت تُجيب:
لا أظن أنه يرغب في أن تحملينه، إنه لا يرغب في النزول عندما يكون جائعًا!.
عندما أصبحت كومبا تُخالط الكبار اللذين خَبِرتهم أقلّ مزوحًا من الأطفال، و لكنهم أكثر إيذاءً منهم، لم تتغيّر. أيضًا بقيت معاملتُها جيدة مع زوجها. كانت تعتبر كاري كأُخت كبيرةً وفعلت ما باستطاعتها لإرضائها. كانت تقوم بمعظم العمل المنزلي الشُاق. كانت تذهب إلى النهر لتغسل الثياب، و كانت تغسل الحبوب و تُكوّم القشّ. كانت تذهبُ يوميًّا إلى الحقل حاملةً الطعام لتساعد مومار في العمل. لكن ذلك لم يكن مدعاةً لسرور كاري. على العكس تمامًا. لقد ازدادت كراهيتُها و سوءُ أخلاقها، فالحسدُ طمّاعٌ، وهو يتغذّى على أشياء كثيرة. و منظرُ كومبا التي لا يبدو عليها الإنزعاج من حدبتها ، كانَ هو الطبق الذي يتغذّى عليه الحسد.
هكذا عاش مومار نصف سعيدٍ بين زوجتيه. كلٌّ منهما لها حدبة.لكن إحداهما محبوبةٌ وطيبةٌ و عِشريّة، بينما الأُخرى شِرّيرةٌ و نزقةٌ و ممتعضة.
كي تُساعد زوجها أكثر، غالبًا ما كانت كومبا تُحضّر الطعام السّاخن في المساء، أو مبكرًا في الصباح، و تأخذه معها إلى الحقل. كانا يقصدان مبكّرًا في الصباح وظلّاهما على الأرض يبقيان مُنحنيين بأثر الشّمسِ اللاهبة إلى أن يتوقفا عن العمل، مومار و كومبا. كانت كومبا تُسخّن الأرز أو الشورباء و تقاسمهما مع زوجها. و لكن بدلًا من أن تنام مثله، كانت تمسحُ على رأسه،و ربما تحلم بجسمها خالٍ من أيّ عيب …
من بين كُلّ الأشجار، كانت شجرة التمر حنّا وارفة الظلال أكثر من غيرها. بالكاد كانت أشعة الشمس قادرة على التسلل من بين أوراقها. و كان باستطاعة المرءُ الجالس تحتها بين حين و آخر التّمييز بين النجوم في وضح النهار. لذلك، كانت هذه الشجرة مزارًا للأرواح و الرّيحَ، الأرواح الطّيبة و الشريرة، النسيم اللطيف و العواصف. كثيرون يأخذون عند المساء في الغناء أو الصراخ بجنون بعد أن يكونوا صباحًا قد تركوا قريتهم وهم سليمون تمامًا. عند الظهيرة يأوون تحت شجرة تمرّ حنا . رأى بعضهم يومًا، ما لا يتوجب رؤيته، مخلوقاتٍ من عالمٍ آخر، أرواحٌ راحوا يستهزئون بها بالكلام أو الفعل.
كان هناك نسوةٌ يبكين و يضحكن، يصرخن و يغنين. نسوةٌ أصابهن الجنون، لأنهن قمن بصب الماء المغلي من إحدى الجرار. لقد تأذّت الأرواح من ذلك و هي تمرّ أو تكون مُضطجعةً للإستراحة في الحديقة الأمامية لمسكنهم. كانت الأرواح قد كمنت لهنّ تحت ظل شجرة تمر حنا و سحرتهن.
لا مومار ولاكومبا كانا قد سخرا من الأرواح على الإطلاق، لا بالكلام و لا بالفعل. لذلك كان باستطاعتهما الإستراحة في ظل شجرة التمر حنا دون خوف من زيارة الأرواح الشريرة لهما للإنتقام.
حدثَ في يومٍ ما، أن مومار كان نائمًا،بينما كومبا جالسةٌ تخيط ثوبا بجانبه. إعتقدت كومبا أنها قد سمعت صوتًا يناديها من أعلى شجرة التمرحنا. نظرت للأعلى فرأت امرأةً كبيرةَ السنّ تجلس على الغصن الأسفل. كان لهاشعرٌ أبيض طويل يتدلّى على ظهرها مثل قُطنٍ حديث الحصاد."هل روحكِ في سلام يا كومبا؟" سألتها العجوز. "سلامٌ فقط أيتها الجدّة. أجابت كو مبا".
عندها قالت العجوز:"كومبا، أنا أعرف قلبكِ و أعلم عن كل أعمالك الطيبة التي قُمتِ بها منذأن بدأتِ تُميّزينَ يدكِ اليسرى من اليمنى. أودّ أن أُقدّم لكِ خدمةًجليلةً، لأني أعرف أنكِ تستحقّين ذلك. عندما يأتي يوم الجمعة، و عند اكتمال القمر، سوف تأتي بنات الأقزام للرقص على التلة عند"نجووي". إذهبي إلى هناك عندما تبرد الأرض. عندما يبدأ قرع الطبول، و عندما تدب ّ الحيوية في حلقة الرّقص، عليكِ أن تذهبي هناك. ثمّ قولي للفتاة الواقفة إلى جانبك:
"إسمعي، خُذي طفلي عن ظهري- لقد حان دوري في الرّقص!."
يوم الجمعة، نام مومار بالصُّدفة في كوخ زوجته الأُولى. أولئك اللذين هم في القرية و اللذين كانوا قد ذهبوا للنوم متأخرين، قد تقلّبوا في فراشهم عندما تركت كومبا كوخها و ذهبت إلى تلة القرميد. عن بُعدٍ، استطاعت سماعَ ضرب الطبول و صوتُ تدحرج برميل الشياطين و صوت التصفيق. رقصت بنات الأقزام رقصة "أ س ان دياي"، حيث بدأت الفتياتُ في الدوران في دائرة مُفعماتٍ بالفرح. اقتربت كومبا و أخذت تُصفق على وقع أصوات الطبول الذي يُسبب شيئًا من الدوران. و هكذا استمرّ تيار الرّاقصات في اللف و الدوران.
واحدة-إثنتان-ثلاثة-عشرة. عشرُ مرّاتٍ رقصنَ و دُرنَ و شال إزارهنّ يلتفّ حولهن- عندها، التفتتْ كومبا إلى الواقفة بجنبها مُشيرةً إلى ظهرها و قالت:"اسمعي، خُذي طفلي عنّي، لقد حان دوري في الرّقص. أخذت فتاة الأرواح حدَبَتها و عندها هربت كومبا.
ركضت و ركضت دون توقف حتى وصلت كوخها، و عندها صاح أوّل ديك.
لم يعد باستطاعة فتيات الأرواح اللحاق بها لأنّ صياح الديك هو إشارةٌ لإنتهاء قرع الطبول و لوجوب عودة الأرواح إلى مساكنها حتى يوم الجمعة التالي عند اكتمال القمر.
لقد تخلّصت كومبا من حَدَبتها. خُصلات شعرها تدلّت على رقبتها الطويلة كرقبة الغزالة. عندما أتى مومار صباحًا من كوخ زوجته الأولى، اعتقد أنه في حُلم، وكان عليه فرك عينيه عدة مرّاتٍ ليتبين الموقف..و هكذا أخبرته كومبا عمّا حصل.
في المقابل، صارَ للُّعاب في فم كاري طعم المرار كلما وقع نظرها على كومبا و هي واقفة تسحب الماء من البئر. أخذت عيناها تذرف دمًا، و عندما تفتح فمها للصراخ يُصبحُ لُعابها مثل قطعةٍ من القرميد يُصدر صوتًا على وقع زخّات المطر، و يُصبحُ مريرًا مثل جذر السّنديان. لكنّ الصوتَ يبقى مكبوتًا مما أدّى إلى أن تسقطَ كاري مغشيًّا عليها. و كان على كومبا و مومار أن يحملانها إلى داخل الكوخ.صارت كومبا تقوم على خدمتها وتُقدم لها الشّرابَ وتعتني بها بلطافةٍ و هدوء.
بالكاد عادت كاري إلى عافيتها مُتجنبةً الحسدَ الذي كان يتصاعد من معدتها و حتى رقبتها. أخبرتها كومبا بطيبة قلب ما حدث معها، كيف تخلّصت من حَدَبَتها، و قالت لها أنّ عليها أن تفعلَ مثلما فعلت كي تتخلّص من حَدبتها.
إنتظرت كاري يوم الجمعة التالي على أحرّ من الجمر. و بالذات اكتمال القمر. بديا مُستحيلا الحلول. كانت الشمس طوال النهار تُجرجرُ نفسها فوق الحقولِ و كأنّها غير معنيّةٍ بالعودة إلى بيتها، و استطال الليلُ قبل أن تعكسَ كوكبة النجومِ ضوءها على العُشب.
أخيرًا، جاء يوم الجمعة ذاك مثل كل جديد. لم تتناول كاري عشاءها في ذلك المساء، لقد أرادت من كومبا أن تُكرّرَ على مسمعها ما حدث معها و الإرشادات عدة مرّات، تلك الإرشاداتُ التي نطقت بها المرأةُ العجوز. مرّت الليلةُ الأُولى و فاتها أن تسمع الصّخبَ الذي تلاشى شيئًا فشيئًا. لقد سمعت الأصواتَ في الليلة التالية و هي تعلو و تعلو، و عندما أصبحت الأرضُ باردة، شقّت طريقَها إلى تلة القرميد، حيثُ ترقص فتيات الأرواح.
لقد وصلت بالضّبط في اللحظة التي كانت الفتياتُ فيها يتجاوزنَ بعضهن البعض في ليونةٍ ولطافة و حذقٍ و مهارة و سرعة متأثّرات بشدّةٍ بالغناء و الصراخ و التصفيق من أُولئك اللذين شكّلوا الحلقة الدائرية حولهنّ، و كانت كُلّ واحدةٍ منهنّ تتشوّقُ حتى يحين دورها في الرّقص لإظهار مهارتها على وقع الطبول الصاخبة.
إقتربت كاري و هي تُصفق، كما أوعزت لها كومبا. و هكذا، واحدة، إثنتان، ثلاثة- عندما أصبحنَ عشر فتيات من الأرواح داخل حلقة الرّقص ثمّ أدرنَ ظُهورهنّ مُتعبات، قالت للواقفةِ بجنبها:
"إسمعي، خُذي الآن الطفلَ ، لقد حان دوري في الرّقص." لكنّ فتاة الأرواحِ أجابتها:" كلّا، إسمعي أنتِ، إنه في الحقيقة دوري الآن. لذلك خُذي مني هذه الطفلة. لقد أعطتني إيّاها إحداهنّ منذ شهرٍ كامل، لكن لم يأتِ أحدٌ لأخذها."
بهذه الكلمات وضعت فتاة الأقزام حَدَبةَ كومبا على ظهر كاري. في نفس الوقت، صاح الدّيكُ و تلاشت الأرواحُ، وبقيت كاري واقفةً لوحدها على تلة القرميد و الحَدَبَتان على ظهرها.
الحَدبةُ الأُلى كانت صغيرةً ولكنّها عانت الأمرّين منها خلالَ حياتها، و الآن أصبح لها حدبةٌ أُخرى و لكنّها ضخمةٌ جدًا!. كانَ هذا الحدثُ أكبرُ بكثيرٍ ممّا تستطيعُ كاري تحمُّله. رتّبت إزارها و راحت تركضُ إلى حيثُ تسوقها قدَماها… ركضت لأيّامٍ بلياليها، و بأسرعِ ما أمكنها، حتّى بلغت البحرَ الذي رمتْ نفسها به. لكنّها لم تختفِ بالكامل. رفضَ البحرُ أن يهضمَها كاملةً.
إنهما حَدَبتا كاري كوجويز اللتان تبرزان عِنْدَ رأسِ كاب فيردي، و إنّهما اللتان آخرُ ما تسطعُ عليه الشّمسُ على الأرضِ الإفريقية.
إنّهما حَدَبَتا كاري الإثنتان. لقد أصبحتا :" الحَدَبَتان".
تمت الترجمة في 30-6-2021
تعليق