رشيد مصباح (فوزي)
**
مداوروش في:
10 سبتمبر 2021
***
المقدّمة
الجزء الأول
بدأتْ الحكاية بزواج تقليديّ، جمع بين عائلتين غير متجانستين؛ وعروسين ليس بينهما قواسم مشتركة. تمّ ذلك في سنة(1961)، وفي ظروف شابها القهر والاستبداد الذي كان يمارسه الاحتلال. ففي ليلة الدُّخلة، في اللّحظة والمكان اللّذين كانا مهيّئين لإقامة العلاقة الحميمية بين العروسين، قرّر جنود الاحتلال القيام بعملية تمشيط تسبّبتْ لهما وللمدعووين في هلع وخوف شديدين.وقُدّر لتلك النّطفة ان تغدو علقة. وكانت والدتي التي كانت يومئذ في ريعان شبابها، تحلم ببنت جميلة، في جمال بنت إحدى القريبات. وكانت يومئذ في زهرة شبابها و في أوّل تجربة لها مع المخاض. ولم تكن تدري أن الذي سبّب لها كل تلك الأوجاع سيكون ولدا، الذي هو أنا. . ثم بعد مخاض عسير، خرجتُ أصرخ؛ من هول الفاجعة و ما ينتظرني في هذه الدّنبا اللّعينة. وحمل جدّي الأكبر الخبر السّعيد إلى الجهات الرّسميّة، وتجشّم معاناة التنقّل إلى مصالح البلدية ليدلي بالتّصريح كما هو مبيّن أسفله:الاسم واللّقب: رشيد مصباحتاريخ ومكان الميلاد: (03 سبتمبر 1962 بمداوروش).لكن العائلة ماانفكّتْ تناديني (فوزي).لم نكن، نحن جيل الاستقلال، نعرف أشياء كثيرة عن الاحتلال، سوى ما سمعناه من آبائنا وأجدادنا، عن المراكز الإدارية البشعة التي كان يّنكّل فيها بالأحرار بعد اعتقالهم بصور مهينة للإنسان. ومن بين هذه المراكز سيّئة السّمعة تردّد كثيرا ذكر "فان دي جو" الخطير و"برج الأحصنة" القريبين من القرية وجبل (بوسسو) الشّهير.كنا نتابع تلك القصص عن الرّجال وهم يتعرّضون لأشدّ أنواع التعذيب؛ فمنهم من نهش الكلاب لحمه نهشا، ومنهم من خضع لجلسات التعذيب بإيصال أحد أعضائه أو أطرافه بأسلاك الكهرباء، ومنهم من تمّ إرغامه على الجلوس فوق زجاجة... فكنا نتسلّى بهذه القصص دون أن إدراك لحجم المعاناة التي كان يتكبّدها هؤلاء العظماء من أجل أن نحيا، نحن جيل الاستقلال، حياة محترمة.حين يطلع النهار، وقبل طلوع الشمس أحيانا، نطلق العنان لأنفسنا يأخذنا الشّوق والجموح إلى حيث تجمعنا كرة نصنعها من بقايا أقمشة وجوارب قديمة، وتفرّقنا "الغّمّايضة". وهكذا، حتى يأتي وقت الحاجة، فنعود إلى البيت مسرعين. وفي أماسي نهاية الأسابيع، نتسلّل إلى أحد المقاهى المعروفة؛ توجد به شاشة قديمة من نوع الأبيض والأسود وليس ثمّ غيره في تلك الأيام، نشاهد أفلام الويسترن وأخرى هندية، ثم نعود في آخر المساء لنعرّج على"الع¨انيا"، ولم يكن يسمح لنا ونحن صغار سوى بالمشاهدة من بعيد.فتحتُ عينيّ في هذا الجو المشحون باللّهو واللّعب، مع أبناء العمومة الذين يكبرونني ببعض السّنوات. وكنا نلتقي أوقات الفراغ، و نختلف خلال أوقات الدراسة؛ فيذهبون إلى المدرسة، بينما أُرغم على الذّهاب إلى"الجامع" أو الكُتّاب، الموجود بإحدى قاعات مسجد"علي بن أبي طالب"؛ المسجد الوحيد آنذاك. وكان معلّم القرآن؛ أو الشيخ، أو "الطّالب" كما يسمّى، هو (سي أحمد)، منعوّد على الجلوس في النّافذة، مطلاّ برأسه على من يمرّ بجانب الطريق، لاوٍ إحدى ساقيه تحته، مدّدا الأخرى، و فنجان قهوة ممزوج بعروق الشّيح، في إحدى يديه، وعينه على "القدادشة"، والذين يرفعون أصواتهم عاليا، ولا يُفهم منهم شيء ولامن كلامهم. وفي يده الأخرى عصا زيتون، يهشّ بها مرّة على واحد من هؤلاء - القدادشة - قد أخذته غفوة، ومرّة على الذّباب الذي لسعه على قدمه المدّدة. وأمّا في المساء، فيأتيه إناء لبنٍ سائغٍ محفوف بزبدة، تسيل اللّعاب، من عند أحد الجيران الطيّبين، الميسوري الحال.أفقتُ من اللّهو واللّعب، فوجدتني أرقدُ في"السّاناتويوم" بمدينة(سوق أهراس) المجاورة لقريتنا، بسبب"إيع¨زيما" لوثّت ساقي اليسرى، ولم ينفع معها ما كانتْ تضعه أمّي فوقها، من مَراهِم وأعشاب؛ وكم سهرتْ المغبونة كل تلك اللّيالي الطّوال وهي تحاول أن تسكن آلامي، لكن كل ذلك لم ينفع معي. فاظطرّ الوالد المسكين أن يأخذني إلى المستشفى الذي يقع في إحدى ضواحي المدينة، وهو عبارة عن بناية قديمة تعود إلى عهد الاحتلال. وكان عمّي (حمّة)، أحد معارف أبي، قد وُكِّل بي باعتباره من أبناء القرية. وكان هناك أولاد بالمستشفى، ألعب معهم، وأحيانا أتخاصم معهم. ولسوء حظّي فقد حدث خصام بيني وبين أحد منهم فقلتُ له: “زَعَّكْ”، بتشديد الفتحة على العين. وكان هؤلاء “البلْدية” -كما يسمّونهم-؛ وهم المتبجّحون من أبناء البلْدة الذين يعتبرون أنفسهم من الطبقة الرّاقية وينعتون غيرهم من أبناء القرى والرّيف بـ”الشّعراوية” المتخلّفين، لا يقولون لمن يريدون قطع صلتهم به “زَعّكْ” بل “فاشي”، على الرّغم من أنّ “فاشي” كلمة أجنبية. لذلك، فحين سمعوا عبارة “زعّكْ” ارتفعتْ أصواتهم بالضّحك.ومن تلك اللّحظة وحتى غادرتُ المستشفى وهم ينظرون إليّ بازدراء، والحمد لله أنّني تلفّظتُ بكلمة من الدّارجة العاميّة، وكنتُ قبل ذلك، أي قبل رحيلنا إلى مدينة(عنّابة) السّاحلية بسنتين أو أكثر، لا أعرفُ إلاّ “الشّاويّة” لغة؛-(أقمنا في تلك المدينة الساحلية ما يربو عن سنة، وكان عمري لايزيد عن ثلاث أو أربع سنوات حين فررتُ من بيتنا بالعمارة وتهتُ في شوارعها الضيّقة والعريضة ولم أفق إلاّ وأنا جالس في مقهى اشرب قازوزة مع أبي ورجال الدّرك، الذين لستُ أدري كيف عثروا عليّ، كانوا من حولي. كثّر الله خيرهم وخير مدينة (عنّابة) التي تعلّمتُ فيها اللّهجة العاميّة على حساب”الشّاويّة” وإلاّ لكاد يكون الأمر مع هؤلاء “البلْدية” أكثر شناعة)-.غدوتُ أكثر حذرا من ذي قبل؛ ومنعتُ نفسي من العودة إلى هؤلاء”البلْدية” الذين سخروا منّي ومن لكْنتي؛ لِشعوري بالنّقص تجاههم نتيجة الاختلاف الواضح، ليس في الكلام فقط، بل في المكر والدّهاء والاستهزاء بالآخرين. لم يعجبهم لسان الشّاوي “الشّعراوي” الذي لا يشبه ألسنتهم الأعجمية "المتمدّنة"، وسلوكه الثّقيل الذي لا يتلاءم مع شطارتهم، ومكرِهم ودهائهم. وبقيتُ وحيدا، أُترقّب لعلّني أعثر على نزيل جديد أمضي ما تبقّى لي من أوقات، وقد تطول مدّة الإقامة. أتجوّل بين الأسرّة، وليس هناك سوى هميس رجال لايكترثون لحالي، أو تنازُع شيوخ أنهكهم المرض. وجدتُ سلوتي في رئيس المصلحة، عمّي(مسعود)؛ صاحب الشّاربين الأسودين المبرومين، خفيف الحركة سريع الكلام، النّشط كثير السّخط على من هم حوله من الأنام؛ المرضى والعمّال. يأتي كلّ صباح في الموعد المحدّد، كأنّما يشير إلى الوقت. لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلاّ وقد أجرى عليها مسحا ببصره الثّاقب. لكن في ناصية عمي (مسعود) كل الخير ؛ فلا يلبث أن يأتي بعده صاحب “القازال” بإناء الحليب الكبير وحزمة الخبز. وعلى كلّ من يرغب في تناول الفطور أن يلزم مكانه. كنتُ سبّاقا إلى سريري قبل وصول صاحب العربة، لأكون جاهزا كالعادة؛ -(كنتُ قبل مجيئي إلى المستشفى أعبّ الحليب عبَّ قبل أن أخرج مسرعا أطلب اللّهو في الخارج). لكن في هذا المستشفى ليس هناك مجال للعبّ ولا للّعب، فكل شيء هنا بمقدار، وكل شيء هنا بنظام. لك الحقّ في مقدار من الخبز والحليب، فليس بمقدورك الحصول على المزيد. ولك الحقّ أيضا في مساحة محدودة، فليس بإمكانك تجاوزها. وعلى الرغم من ذلك، كنتُ أتجوّل رفقة أقراني البلْدية حين كانت علاقتي بهم حسنة؟ نتسلّل إلى أفنية المستشفى الفسيحة دون أن يعترض سبيلنا أحد من العمّال أو المراقبين.ما هي إلاّ لحظات بعد ذهاب صاحب "القازال" بإناء الحليب الكبير، حتى يحين موعد العلاج، ويقتحم الممرّض الصّالة الكبيرة بعربته المسطّحة، ومن فوقها أصناف الأدوية والحقن، على اختلاف ألوانها وأحجامها. ويهرع كل واحد منّا إلى سريره، كبير وصغير. كنتُ أتألّم في تلك اللّحظات مرّتين؛ واحدة من طول الانتظار، وأخرى عند رؤيتي للمرّض وهو يشحن حقنة كبيرة، تفوق كل الأحجام، بماء البحر؟!، ويبعجني، في البطن. ثم يعيد الكرّة في المساء.مكثتُ في المستشفى شهرا كاملا، قبل أن أحصل على إذن بالخروج. وأقبل والدي ذات صباح، يطلب منّي أن استعدّ للمغادرة، وقام بتوديع بعض المرضى متمنيّا لهم الشّفاء. فرحتُ أشد الفرح بهذا الخبر السعيد، وتبعتُ والدي حثيثة، أستشفّ ما في الخارج، أتلهّف لرؤية والدتي المسكينة، وليس لي من غيرها سوى أختٌ رضيعة أقبّلها على جبينها.في طريقنا إلى مدينة(سوق أهراس) التي تبعد عن المستشفى الكبير(الساناتوريوم) ببضع مئات الأمتار. كنتُ خلالها أحاول تقليد مشية أبي؛ الذي “كأنّما أُنشِط من عِقال”. وخيّم الصّمتُ طويلا،و كرهتُ ذلك. وكنا قد انتصفنا الطريق الملتوي المعبّد، المؤدّي إلى وسط المدينة. فتنبّه، وارتأى له أن يبادرني، فقال لي بصوت يخفي من ورائه مشاعر جيّاشة والابتسامة لا تكاد تفارق مُحيّاه:- ” هل تستطيع الرجوع وحدك لو طلبتُ منك ذلك؟”.يقصد أن أعود إلى المستشفى عبر نفس الطّريق دون مساعدة رفيق ؟فأجبتُه دون تردّد؛ إجابة الواثق من نفسه الذي كبُر وبلغ سن الرّشد ولم يعد في حاجة إلى مساعدة من أحد:-“أسهل مايكون يا أبي”.فردّ بابتسامة عريضة تحمل في طيّاتها كثيرا من الإعجاب والرّضا.عدنا إلى البيت فرحين، مسرورين. كل شيء على حاله، لم يتغيّر. البيت العتيق، غرفة النوم، حيث المذياع المعلّق بأحد جدرانها. المطبخ الصغير، وغرفة جدّتي المسكينة، التي تعاني من الرّعاش. أرضية الفناء الحدباء، تتوسّطها دالية العنب. ثم هذا الذي يسمّونه “الكوري”، بمعنى الاسطبل، ولم يُربض به ذو ظلف أو ضرع، ليس فيه سوى حصير حلفاء قديم، أو مكان زاوية لقضاء الحاجة. أما في الخارج، فسكّة القطار التي نضع عليها الأشياء المعدنية الصلبة، حتى نحصل على شفرات وأسلاك حادّة، وحين يمرّ القطار المسافرين نرميه بالحجارة فيتوقّف أحيانا لتقييم الخسائر. وهناك على عشرات الأمتار الملعب البلدي، الوحيد في القرية، هو الآخر يأخذ نصيبه من الحجارة فتصيب بعض اللاّعبين وتتوقّف المقابلة. لم يتغيّر شيء في النهاية، كل شيء على حاله، كما تركته قبل ذهابي إلى المستشفى.وانصرفتُ إلى اللهو من جديد، ولم أشعر بالصّيف قد مرّ مرور الكرام، وجاء موسم الخريف، موسم الجد والنّشاط، وثمّة أمر جلل كنتُ أتحيّنه، وقد بلغتُ من العمر الستّ سنوات. وها أنا أنظر إلى البدلة الجديدة التي انتظرتها أياما بلياليها لا أنام ولا يغمض لي جفن حتى أحضّنها كما يحضّن الطّائر بيضه.وأرتديتُ المئزر الأسودَ فوق البذلة الجديدة، وأردفتُها بحذاء برّاق، والتحقتُ بالمدرسة. لا أتذكّر كيف ولا متى ولا مع من وصلتُ إلى المدرسة، غير أنّني حين سمعتُ أسمي وأنا في السّاحة سارعتُ إلى المعلّم، واصطففتُ أمام الفصل مع بقية التلاميذ.وكان المعلّم ( سي الطيّب) -رحمه الله- فنّانًا بما تحمل الكلمة من معنى، يعشق كل أنواع الفن بما في ذلك الرّسم، وكم تفاجأتُ حين ولجتُ إلى القسم بتلك اللّوحات الجدارية المميّزة التي ازدانتْ بها جدرانه الأربعة.انشغلتُ بالواجبات المدرسية عن اللّهو واللّعب في الخارج. لكن بقي هناك إشكال في اللّغة العربية التي وجدتُ صعوبة في التأقلم معها، سيّما وأن بعض الألفاظ “الشّاوية” التي حسبتني قد تخلّيتُ عنها بمجرّد احتكاكي بأقراني “البلْدية” بقيتْ عالقة بلساني. وكانتُ والدتي -طيّب الله ثراها- تشجّعني على المثابرة وتشاركني في تهجئة الكلمات. وجاء اليوم الذي طلبتْ منّي أن أُعرّف لها بعض الصور، وحين وصلتُ إلى صورة الهلال وبدلا أن أسميّه باسمه خانني لساني “الشّاوي” أو “الشّعراوي” وتلكّأ ثم انطلق ليقول: “يورٌ”، وهو اسم الهلال بالشّاوية. وعلى الرّغم من ذلك فقد كانت نتائجي في السنة الأولى ابتدائية طيّبة، وكنتُ أحصل على المراتب الأولى. ولم أشعر بالأيام وهي تمرّ عليّ كسحابة صيف ثم تأتي العطلة الأولى فالثانية، وجاء الصيف ومعه العطلة الأخيرة، وحلّ موسم اللّهو والافراح، وتخلّصتُ من المئزر الأسود ومن كل الواجبات المدرسية وكذلك المحفظة وما فيها من كتب وكرّاسات، واختليتُ بكرة الجوارب والقماشات القديمة، لكن لن أستطيع أن ألعب الغمّايضة مع أبناء العم هذه المرّة، لأن أبناء العمّ قد رحلوا وعادوا إلى ديارهم بالبادية.لم أنس ذاك اليوم الجميل الذي عاد فيه أبي إلى البيت، ومعه آلة التّصوير. فأمرني بارتداء البدلة الجديدة، ونزع رابطة العنق من رقبته وعقدها في عنقي، وطلب منّي اللّحاق به. فتبعته إلى ما وراء سكّة القطار، إلى حيث حقول القمح والشعير المترامية أمام البيت. وبينما أنا أُحاول جاهدا التخلّص من أكواز القمح الفارعة التي كادت تغطّيني بالكامل، استدار وبحركة تكاد تكون مدروسة ضغط أبي على زر الآلة. فعل ذلك مرّة أو مرّتين ثم عدنا إلى البيت. (كم كانت تلك الصورة جميلة جسّدتُ فيها كل معاني الجمال والبراءة، وكم كان أسفي شديدا وأنا أقوم بتمزيقها إلى قطع حين كبرتُ وصرت شابّا يافعا وتغلّب عليّ الطيش والنّزق).عدتُ إلى البيت، ووجدتُ أمّي تنتظرني وهي مسرورة جدّا بهذا الحدث. أمّي التي من عادتها تتابع بعض البرامج التي كانت تُبثّ عبر المذياع الصّغير المعلّق في صدر الغرفة، ومن هذه البرامج برنامجها اليومي “البيت السّعيد” الذي كانت تقدّمه آنذاك المذيعة (سامية). وذات مرّة سمِعتْها تتكلّم عن نبات “السبانخ”؟، ولم نكن نعرف شيئا عنه شيئا في تلك الأيّام. فطلبتْ منّي الذّهاب إلى العم (أحمد)؛ البقّال الذي كنا نقترض منه الخضر والفواكه، وكان على أبواب الشيخوخة كما عُرف -رحمة الله عليه- بكثرة المزاح.خرجتُ من البيت مسرعا يدفعني الفضول، لمعرفة السر. لكن حين وصلتُ إلى الرّجل تعقّد لساني وخانني. وكان العم (أحمد) من أطيب النّاس، وأذكاهم. فتفطّن لي، وقال لي مازحا:– جيتْ وحدك وإلاّ جابوك؟ويقصد بكلمة “جابوك” ساقيّ.ثم سألني عن سبب حضوري، فقلتُ له كما طلبتْ منّي والدتي. ولم يستطع الرّجل أن يتمالك نفسه، من كثرة الضّحك. حتى انتابني غضب شديد، وشعرتُ بالخجل، فهممتُ بالانصراف.عندها ناولني حبّة فاكهة وسألني:– شكون قالّك هذي الكلمة؟قلتُ :– يُمّه.فردّ مازحا:– هذي كلمة “شاوية” لو كان يسمعوها النّاس يضحكوا عليك وعلى أمّك.وعاد إلى الضّحك من جديد.وأذكر أنّه حين كنتُ صغيرا جدّا كان أبي يأخذني معه إلى بعض الأماكن التي أجد الآن صعوبة في تذكّرها، فوجدتني مرّة في عربية مع أصدقاء له يمازحونني تارة و يداعبونني، و مرّة أخرى في مكان كأنّه مكتب استقبال أو مايشبه الخفارة؛ لأن والدي كان يعمل شرطيا بـ(سوق أهراس) وقتها قبل أن يتمّ نقله إلى أحد المراكز الحدودية بالشرق الجزائري، وتلقّيتُ مكالمة من امرأة أخذتْ تلاطفني، وجاءها الردّ منّي بكلمات باهتة، أقرب إلى السذّاجة منها إلى البراءة. وكان أبي ومن حوله من الأصدقاء يتسلّون بما يفعلونه بي.ثم شيئا فشيئا ضعُف هذا الارتباط، ولا أذكر أنّني رافقتُ أبي إلى أيّ مكان بعدها. فقد صار أبي كثير التغيّب عن البيت، وولّد هذا التباعد أشياء سلبية. فأصبحتُ أرى والدي شخصا غريبا في البيت، وبتُّ أخافه أشدّ الخوف، وأتجنّب لقياه في كثير من المرّات.في أحد الأيام ناولني أبي “طريحة” كبيرة ولسبب بسيط، و ربّما تافه؛-كانتْ هناك شجرة لا تبعد سوى بعض الأمتار عن مقرّ بيتنا، وكنّا نحن الأولاد نتسابق إليها في أشد أوقات الحرّ، ولم أكن أتوقّع مجيئه في تلك القائلة من أيام الصّيف، ولم أشعر إلآ وقد أمسك برقبتي فتدلّيتُ كالعصفور. وقادني أبي إلى البيت، كما يفعل بالمجرمين حين يقبض عليهم متلبّسين ويقودهم إلى المركز، وهناك في غرفة صغيرة ومظلمة أخذتُ نصيبي من الضّرب على المؤخّرة، ولم يخلِ سبيلي حتى تدخّلتْ جدّتي وانتزعتْني منه انتزاعا، ووجّهتْ له عبارات شديدة اللّهجة، و لولا أنّ أبي هو ابنها الأصغر”المازوزي” لكان له معها شأن آخر .– ومع ذلك فقد كانت الحياة جميلة في تلك الأيام من عام (1968)، ربّما لأن قريتنا كانت صغيرة ولم تكن بحجم (سوق أهراس) مدينة “البلْدية”، ولا بحجم مدينة (عنّابة) السّاحلية. لذلك من الطبيعي جدّا أن تكون آمنة وهادئة مطمئنّة، في غياب التلوّث والخطورة و الضذّوضاء وأن يعبرها الأطفال ذهابا وأيّايا إلى المدرسة، وإلى أيّ مكان بعيد آخر، من دون أن يتعرّضوا لأذية أحد. وأن تستطيع الأمّهات الاعتماد على أطفالهم الصّغار الأبرياء، وحتى على بناتهم أحيانا، في جلب بعض اللّوازم من الخارج في غياب الأولياء.كان لديّ عالَم خاصّ بي، كنتُ أنا بطله وسيّده الذي يتحكّم فيه. وفيه ما لا يحصى من الجيوش الجرّارة والآليّات، لا تتحرّك إلاّ بإذني. هذا العالم الموازي يكون قد تشكّل ربما من المسلسلات التاريخية والرّوايات التي كنتُ أتابعها في الرّاديو المعلّق بصدرغرفة بيتنا الصّغير، وربما من القصص التي كان يرويها لي الأخوال حين أكون بينهم في مشتى”لبّايض”؛ ولذلك كنتُ أفضّل دوّارالأخوال هذا على “عين البيضاء” التي استهواني بتمضية الأوقات في مرادفة ركوب الفرس”الزّرقاء” خلف أبناء العم الكبار، والسهر معهم في الأعراس ومرافقتهم إلى أبعد الأماكن في المشتى و الغابة.كذلك من الأشياء الغريبة التي لا أجد لها تفسيرا لحد الآن: أيّام الأسبوع التي كانت ولا تزال تبدو لي بألوان الطّيف العجيبة؛ فلون السبت مثلا أراه باللّون الأحمر الفاتح، والأحد بالأحمر الغامق، والإثنين بالفيروزي، وأمّا الثلاثاء فتبْني”، والأربعاء بالأسود، ولون الخميس أبيض، والجمعة سوداء. وكاد هذا العالم الخفي يغريني عن العالم المرئي، لِـما وجدته فيه من تخيّلات وأوهام شغلتني عن الواقع.وكانت والدتي حين تسأم من الوحدة ترسلني إلى زوجة أحد الأقارب، ولم تكن تجمعها بها صلة سوى أنّهما الاثنتين”برّانيّتان”، بمعنى أنّهما لا ينتميان إلى ذات المكان. فتأتي العمّة (خدّوجة) ويبدأ مسلسل الشكوى من السلائف و الحموات. وكانت الجدّة المسكينة هبي الأخرى ترسلني في طلب عمّي (الحاج) حين يطول غيابه في البادية، فأخرج إلى الطّريق المعبّد الذي خلف بيتنا وأترقّب مجيئه.كان قد حلّ الخريف في هذه الأثناء، ومعه قد حان موعد الدخول المدرسي؛ وأيّام قليلة تفصلني عن مجيء أبناء العم من البادية، وسيجمعنا اللّقاء من جديد، وسنلتفّ حول طبق “المرقة الحمراء بالبطاطا والتّعكيرة” وكسْرة “الرّغدة” وما أدراك ما كسْرة الرّغدة، كسْرة الشّعير المغلّث. وسنتفرّغ للجري بعدها وراء كرة الأقمشة “البُفْ”، ونختم مساءنا بلعبة “الغمّايضة”. وحين يكفر اللّيل النّهار بسواده، عندها يحين موعد الانزواء ونلعب “الخاتم” في “الكوري”، ونختم اليوم بالأَحاجي. وأمّا بالنسبة لمراجعة الدّروس فمنْ كان يستطيع إلى ذلك سبيلا في ظلّ كل هذه المغريات من اللّهو؟.وجاء اليوم الذي كنتُ انتظره بنافذ الصّبر، وقد سئمتُ تكاليف الوحدة كما سئم الشّاعر – لا أبا له – تكاليف الحياة. وكانت المدرسة قد فتحت أبوابها، وكان يوما مشهودا. وارتديتُ البدلة الجديدة ومن فوقها المئزر “فرض العين”، وأرْدفتهما بحذاء بذلتُ قصارى جهدي لتلميعه، وكان أبي شديد الحرص على إرضائي بكسًا جديدة، للتميّز عن غيري من الزّملاء والأقران. والتحقتُ بمدرستي، بنفس المكان الذي درستُ فيه السنة الأولى، لكن في هذه السنة جاء معلّم جديد هو (سي السبتي)، وكان قمّة في اللّطافة والأخلاق. ولايزال هذا الشخص حيّا يُرزق – حفظه الله ورعاه وأمدّه بالصحّة والعافية -، وهو ابن شيخي (سي أحمد)؛ معلّم القرآن الذي كان له الفضل فيما أحمله الآن من بعض سور القرآن الكريم – عليه رحمة الله الواسعة -، وكانت النّتائج نفسها تقريبا كالّتي حصلتُ عليها في السّنة الأولى، غير أنّني كنتُ قد نلتُ المرتبة الأولى في الثلاثي الثاني من هذه السنة على ما أذكر، و لم أكن مقتنعا بهذه المرتبة فلربّما كان هناك من هو أكفأ منّي.الحيّ الذي فتحتُ عينيّ وترعرتُ فيه بيوته الأرضيّة هشّة، معظمها من الطّين. مستقبلة للقبلة، متوسّطة طريقي سكّة القطار الحديدية والطّريق الوطني المعبّد رقم (16).- باستثناء بعض العائلات الدّخيلة، يكاد يكون كلّ سكّان الحي من قبيلة واحدة هي قبيلة: “أولاد سباع”، لمـْحاتلَة الشّاوية، المشهورين بعصبيّتهم. لكن ذلك لا ينقص من مروءتهم وكرمهم شيئا.هذا الحيّ الذي كنا نسكنه يعدّ بمثابة عالم مستقلّ بذاته، غنيّ بأحداثه وشخصياته. يبدأ ببيت (سي مسعود) الطّالب، معلم قرآن مشهود له بذلك، وشيخ طاعن في السِّنّ؛ لا تزال صورته أمامي وهو يحتضر؛ حين كنّا صغارا لم يكن يُسمح لنا برؤية الموتى ساعة الاحتضار، فكنا نتبادل خبر الموت حتى جاءت لحظة احتضار العم المسكين (سي مسعود)، فتتسلّلنا إلى بيته المقابل للطّريق، نسترق النّظر إليه من الخارج، وكان من حوله “طُلبة” مجموعة من المشايخ يمسكون بتلابيبه، ويقرأون عليه القرآن وهو يتقلّى يمنة ويسرة. وبقي على تلك الحال “يتعزّر” طيلة أسبوع.ثم نعرّج على عمّي (الحسين) نرصد تحرّكاته في الجانب الآخر من السكّة نقلّده وهو ينادي أحد ابنائه؛ يا (حُميّة)ها، وأحيانا ياها (مُيّة)ها، لمنع البقرة من تطرّفها إلى حقول القمح والشّعير التّابعة لأحد الخواص، و(حُميّة) لاه في خصام مع مجموعة من “القمارجية” لا يعيره اهتماما.و أسفل الشّايب (حسين) كوخ العم (سعيدْ) شيخ هرّمه الدّهر والعوز، زوجته عوْكل، ابنتهما الكبرى بائرة وولدهما بليد. الكوخ المهترئ لا يوجد به سوى مكان للنّوم ينعدم من التّهوية، أو مربض لحمار أحنف. كنتُ أنا وأحد أبناء عمّتي نتحيّن فرصة غياب أفراد العائلة، فنقوم بخلع باب الكوخ ونبحث عن موضع الأواني لسرقة حفنة من السكّر ثم نَلوذ بالفرار، مستغلّين في ذلك صلة القرابة التي تجمعنا بهذه العائلة المعوزّة. وبالرّغم من الفقر والعوز اللّذين خيّما على البيت وأهل البيت، تجدنا فرحين مسرورين أيّما فرح وأيّما سرور بهذا الفعل الشّنيع.لكن الأمر يختلف مع جارنا ( النّوري)، والذي لم نكن نستطيع مجرّد الاقتراب من باب بيته لأنّ الشايب (النّوري) من “الحنانشة”، ولا ينتمي إلى قبيلتنا، ولا تربطنا به أيّة صلة. غير أن ذلك لم يكن يشكّل عقبة أمام صحبتنا لبنيه، لأنّنا لم نكن في ذلك الوقت تعترف بالفوارق الاجتماعية ولا بالانتماءات القبَلية.الأمر ذاته تقريبا مع العجوز العم(موسى) المكنّى “بموسى بودجاج”، ذي الأصول الغجرية التي تعود إلى منطقة “المسيلة”. وهو شيخ طاعن في السِّنّ، له بنتان ولم يُزرق بلود. فأمّا البنت الكبرى فكانت محجوبة؛ بمعنى ممنوعة من الخروج لأنّها بلغت مرحلة النّضج و البلوغ، وهوما كانت تقتضيه الأصول حينها. وأمّا أختها الصّغرى فكانت تفوقني بسنة أو أكثر، ومع ذلك كانت تربطني بها علاقة، ومجرّد صداقة بريئة، ثم مع الوقت تطوّرت إلى أشياء حميميّة.كذا كان الحال مع بقية الجيران.وأذكر أنّني حين لا أجد ما أفعله، أقوم بجمع الحصى من أمام البيت، وأحملها إلى الداخل ثم ارميها من فناء بيتنا الواسع على بيوت الجيران، و أنتظر ريثما يحصل هناك نزاع ويعلو الصّراخ وترتفع الأصوات، فأخرج للفرجة و الاستمتاع.بمرور الوقت أخذتْ تظهر أعراض التهتّك والتحلّل الخُلُقي على صاحبنا، ولا من يأخذ بيده؛ كيف وهو الابن الوحيد لرجل سلبتْ منه وظيفته أغلى ما عنده، عائلته الصّغيرة وابنه الذي بدأ يضيع.بلغ بي الأمر أنّني كنتُ أعترض كل من يمرّ أمام بيتنا، خاصّة أقراني، ومن هم أكبر منّي بقليل، فينالون نصيبهم من السبّ والشّتم والضّرب أحيانا. وأمّا الشيوخ الكبار والمرضى وأصحاب العاهات، فكنتُ أسخر منهم ومن مشيتهم وطريقة كلامهم.وفي المساء يجتمع النّسوة في الحوش الكبير؛ زوجة عمّي وبناتها الصبايا وعلى رأسهن والدتي – غفر الله لها و لي -، ثم يندهن على ابنة عمّتي، يتيمة الأم، الحاضنة لأخويها الصّغيرين بعد فقدانهم جميعا نبع حنانهم، وكانت تسكن أمامنا بكوخ مهترئ محاذٍ لسكّة القطار. ويُلحِحن عليها في الطلب، فتأتي على استحياء، لتفضفض وتروّح قليلا عن نفسها في انتظار انتقالها إلى بيت الزّوجية؛ ولأنّها كانت مخطوبة من ابن خالها الأكبر؛ ابن عمّي (الحاج) الذي يسكن في البادية.فأقوم بدور المهرّج، وأعيد عليهن المشاهد كلّها، وأضيف أحيانا أشياء من عندي. فتغْمرهن نشوة وسعادة، وكان ذلك يسرُّ أمّي ويشعرها بالغِبطة والرّضا؛ ما شجّعني على الاستمرار فيه، فغدوتُ مدمنًا على هذا السّلوك المشين.وتوسّعتِ الدّائرة الضيّقة لتضمّ أخوالي في البادية هذه المرّة، والذين بلغ بهم أن أصابهم ما أصاب النّسوة، ممّا كنتُ أقوم به من تهريج بالمجّان. فصاروا يهملون الماشية ويحرصون كل الحرص على العودة بها قبل الوقت المحدّد، حتّى لا يفوّتوا على أنفسهم فصلا من فصول “كوميديا” كنتُ قد برعتُ فيها عن جدارة واستحقاق، كما برعتُ في اقتراف كل الآثام والذّنوب عن أصحابها. وتخاذل الأخوال، وفتَرتْ همّتهم، وزهدوا فيما كان لديهم من قليل الماشية، على الرّغم من أنّها كانت تمثّل المصدر الوحيد لكسب قوتهم ولقمة عيشهم.كنّا في ليالي الشّتاء القاسية نحشر أنفسنا في “النَّوَالَةُ”*، في جو الكوخ الضيّق الخانق. والجدّة أمام المدخنة تنفخ في النّار تارة، وتقوم بفرك “لوقيد”* بـ آلة “الفركان”* تارة أخرى، لتعدّ لنا طبق الطّعام المكوّن من الكُسكُسي والحليب السّاخن. وأمّا في الصّيف فنخرج إلى “الطّحطاح”* الذي لا يبعد كثيرا عن زريبة المواشي، وهذا بعد تناول الكُسكُس بالسُّكَّر واللّبن، للاستمرار في مسلسل “الضّلال والتهريج” الذي برعتُ فيه. ونختم كل ذلك بالهُزْء والتنكيت.– ينهض جدّي (والد أمّي)كلّ يوم قبل طلوع الشّمس، يتفقّد الماشية، ويلقي نظرة على نادر، أو نادري أو نوادر، القرط والتّبن؛ حسب العام. يوقظ الأخوال استعدادا ليوم لا يختلف كثيرا عن سائر الأيام في التّناوب على “السّرحة” يقومون فيه بإخراج الماشية المتكوّنة من بقرة و بقرتين وعدد قليل من رؤوس الماعز والأغنام، من الزّريبة لترعى بعيدا عن الدّيار كون الحقول المجاورة لهم ملكا للغير.ينده الجد على الجدّة فتعدّ له طبقه المفضّل: “عصيدة بالدهان” أو “السّمن البقري الحر” المحلّى بالعسل واحيانا بالسُّكّر، يكون جدّي خلالها قد تفرّغ من كنس سوح البيت، ومن حلاقة ذقنه، ورمى بالموس جانبا، وشرع في غسل الوجه من الصّابون… قبل أن يقوم بتشغيل المذياع بعد إحضاره من غرفته بالبيت، فيسْتوقفه برنامج “الحديث الدّيني” للشيخ الرّاحل(محمّد كتّو) يقضي معه الجدّ دقائق في التّسبيح والتّهليل، والوعظ والإرشاد.قويّ البنية فارع القامّة،كان قد قضّى أشهر في غيابات السّجون الألمانيّة خلال الحرب العالمية الثانيّة. كان حينها شابّا يافعا في مقتبل العمر، والجدّة كانت حاملة بوالِدتي -رحمة الله عليها-. ليتمّ اعتقاله وللمرّة الثّانية بعد عودته إلى الدّيار، وإلى أرض الوطن. ولكن من طرف الجنود الفرنسيين في هذه المرّة. لا يترك صاحب القامّة الطّويلة مناسبة إلاّ ويتعرّض فيها إلى كيفية اعتقاله واقتياده إلى مركز “فان دي جو” الشّهير، أين قام الجنود الفرنسيون بالتفنّن في تعذيبه.بعدها، يطلق صاحب السّاقين الطويلتين العِنان لساقيه قاصدا “الفيلاج”، كما كانت تُسمّي القرية آنذاك، أين يلتقي بزملائه الذين كانوا معه في الصّفوف الأولى التي قاومت النّازيين الألمان، بعد تجنيدهم الإجباري من طرف الاحتلال الفرنسي. فيقضي معهم جلّ الأوقات في لعب ” الكارطة” و”الدّومينو”، ولايعود إلاّ في آخر المساء ومعه بعض المتاع، وأحيانا يعود وليس معه شيء على الإطلاق؛ يعود “بخفّي حنين” خالي الوفاض. ومع ذلك لا يتفقّد البيت ولا ينشد سكّانه أحياءً أم أمواتًا، ويقيم الدنيا ولا يقعدها لأتفه الأسباب… فيهرع الأحياء الأموات المساكين إلى “النّوالة”، يحشرون أنفسهم فيها، ومنهم من يفرّ إلى الخارج، ريثما يمرّ “السّحاب” ويعود الهدوء إلى البيت، فيعودون.رحمة الله عليك جدّي،كم كنتَ قاسيّا صعْب المِراس.تُوفِّي جدّي (سي حمّو) -كما ينادونه-، والد أبي، في سنة (1965) بمستشفى مدينة عنّابة بعد تعرّضه لوعكة صحيّة. كان رحمة الله عليه من حملة القرآن المجيد، ومسئولا عن جمع الأموال والاشتراكات خلال ثورة التحرير؛ وقد عثرتُ على قُسيْمات بحجم اليد في خزانته البيضاء الصّغيرة التي تركها وراءه، وكانت مشحونة بالكتب والجرائد وبعض المجلاّت النّاطقة باسم جمعية العلماء المسلمين.كان جدّي يحبّني كثيرا، وكنتُ أنام في أحضانه، وكان لاينام حتى يقرأ ورده اليومي من القرآن العظيم.خلّف جدّي أربعة من الذّكران، وبنتين؛ عمّي الأكبر وهو الوصي من بعده على العزبة أو المزرعة، أو “الفيرمة” كما تُسمّى. يأتي بعده عمّي الأوسط، وهو مكلّف بالعتاد المتكوّن من جرّار كبير من نوع “ماكورميك فارمال “، وجرّار آخر صغير من نوع “ماسي فيرغسون” (ولي معه قصّة طريفة سأرويها لاحقا). وكل ما يتبع الجرّارين من آلات مقطورة ومجرورة و محاريث، وآلة حصاد “سبيكادور” قديمة. وأما عمّي الذي يأتي في المرتبة الثّالثة، فوظيفته “السّرحة”، و”السّرحة” لا غير. ليس له صاحب ولا أنيس سوى القطيع الذي يلازمه طول النّهار وأحيانا في اللّيالي حين يتفقّده. محروم من كل شيء ومن الحياة، ممنوع من كلّ الملذّات، ولكم عانى عمّي هذا من الوحدة والتهميش. هذا المغبون المحروم الذي لا يعرف معنى الرّاحة إلاّ حين يعود في آخر النّهار ليتناول جدع¤ كسرة ثم يضع خدّه على الوسادة ويسلّم روحه التّعيسة لبارئها، لم يغادر الدوّار إلاّ حين حملوه على الأكتاف. ولطالما كانت جدّتي تبكي بحرقة وترثي لحاله حتى ضجر من نحيبها كل الأعمام. وأمّا اصغرهم جميعا فوالِدي الذي قرّر أن ينخرط في “الجهاز الوطني للأمن”، وعبثا حاول جدّي أن يَثْنيه عن رأيه، فلم يُصغِ إليه وركب رأسه دون رويّة؛ لستُ أدري لماذا كان بعض الأفراد آنذاك يتحفّظون من الوظائف التي لها علاقة بأجهزة الدّولة؟.لكن في جميع الأحوال فإن لمشتى “أعوينتْ أملّـالتْ” – كما يناديها أهلها وتعني (العين البيضاء) -، بعض المميّزات التي لا توجد في دوّار الأخْوال؛ منها خاصّة تضاريسها الخلاّبة، فالدّوار الذي لايبعد سوى ببعض الأميال يقابله جبل (بوسّسو) الشهير البعيد عنه نسبيا، تتخلّله شعاب ملتوية لا بداية ولا نهاية لها.ومن مميّزات مشتى (العين البيضاء) هو التّواصل المتواصل أو المستمر بين الأسر؛ ولا تكاد تجد بابا موصدا أمامك. ولربّمـا لم أكن في حاجة إلى إذن من أحد كي أتنقّل بين البيوت لأنّني كنتُ في سنّ الحداثة، ولا يمنعني من ذلك سوى الخوف من بعض الكلاب التي لا تعرفني.كذلك من مميّزات هذا الدوّار ، وجود مطامير لتخْزين حبوب القمح والشّعير. لكنّها كانت مغلقة. وقد دفعني الفضول لمعرفة ما بداخلها، فقام أبناء العمّ بنزع الأغطية الحجرية من فوقها، وسمحوا لي بإلقاء نظرة على الحفر المخروطية التي قد تجاوزت المترين تقريبا. بعض من هذه المطامير قد امتلأ عن آخره، وأخرى بقيت خاوية وقد علق بجوانبها بقايا حبوب تعفّنت بفعل الرّطوبة و عوامل الزّمن، تنبعث منها رائحة قويّة تزكم الأنوف، وهو الذي يسمّونه “الجنّابي” أو “المشروب”.- وفي أواخر أيّام الصيف، يكون البدو قد خلصوا من حصاد منتوجِهم من القمح والشعير، وتكون المطامير قد امتلأت عن آخرها، وكذلك الجيوب. ويعمّ الرّخاء ويعيد هؤلاء ترتيب أمورهم، ويبدأ التفكير في إقامة الأفراح.وأذكر أنه في أواخر صيف (1968) “تآمر” علينا أهالينا، نحن معشر الأطفال؛ فبينا كنا منشغلين بـ”تجارة” اللّهو والعبث، وإذ بهم يقيمون اتّصالات بسي (مصباح) الطهّار، وحصلوا منه على موعد. ولم نفق من اللّهو والمرح حتى وجدنا أنفسنا في “دار الضيّاف” التي لا تفتح إلاّ بمناسبة. وكنّا حوالي عشرة من مختلف الأعمار، والقرابة التي تربط بيننا. وألبسُونا الجِباب، وزيّنوا رقابنا بالمناديل الملوّنة، وجاءت النّسوة يزغردن وينشدن:(طهّر يا المطهّر صحّة لأ يديك ما تجرحش وليدي ، لا نغضب عليك). وأمسك النّسوة أصابع أيدينا وخضبْنها بالحنّاء… عندها فقط أدرَكنا فداحة أمرنا. ثمّ تراجعن إلى الوراء وأواني الحنّة في أيديهن، فتقدّم الرّجال ومعهم (سي مصباح) الطهّار، صاحب الرزّة المزركشة والابتسامة الصفراء، وفي يده حقيبة صغيرة؛ خُيّل لي لأوّل وهلة أنّها مملوءة بآلات الذّبح والتقطيع، كالسّكاكين الحادّة والمناشير والكلاليب… وتسلّل إلى قلوبنا الرّعب؛ فمنّا من اغرورقت عيناه لكنه تمالك نفسه خوفا من أن يُقال عنه جُبِنَ، ومنّا من أجهش بالبكاء، ومن تبوّل تحته من شدّة الخوف، ومنّا من انفجر في وجه الطهّار وأسمعه قبيح الكلام…وعمّي الطهّار بين هذا وذاك، يحاول صرف الأنظار إلى “فراخ” لاوجود لها، بقوله: – شوف الفرخ فالسْما.وهو يشير بسبّابته إلى أعلى.ومرّت تلك الدقائق واللّحظات من الخوف الممزوج بالفرح بسلام على الأهل والأقران، لكنها لم تمر حتّى تسبّبت لي في عاهة، وتركتْ في قلبي جرحا عميقا لم أُشفَ منه إلاّ بشقّ الأنفُس.
……………………………………………
* النّوالة: كوخ صغير من الطّين وأغصان الأشجار. يضرب المثل بها في قولهم: “ظريف الجبالة جاء يشعل القنديل وحرق النوالة”. وهناك ما يُدعى بعيد “النّوالة” عند اليهود، أي عيد الأكواخ.* لوقيد: الوقيد والوقود: مزيج من أعواد الخشب وروث الحيوانات اليابس.* الفركان: أداة من الفولاذ في شكل عصا ملتوية لا تتجاوز المتر تُستعمل لتفريك الوقيد في المداخن التقليدية أو القديمة.* الطّحطاح: ساحة البيت.
................................................... .........
لم يستغرق الأمر طويلا؛ أسبوعا أو زد عليه قليلا، حتّى ألقى رفاقي “المختونون” بجِبابِهم المخضّبة بالحنّاء والدّم، و تسرولوا. إلاّ أنا؛ لم يعد بمقدوري خلع الجُبّة وارتداء الملابس العادية، لأن الجرح لم يندمل. ومنعني الحياء والخجل من مصارحة أبويّ، أو والدتي على الأقل، لأنها لطالما قاست معي وحرّمتْ مجرّد النّعاس على جفنيها. ولا أظنّهما كانا على علم بأمري. وقد كنتُ أتوارى عن الأنظار، أراهن على عامل الزّمن، ومع الوقت ازداد الجرح إيغارًا.وتمرّ الأيام والأسابيع، ويرحل الصيف مخلّفا لي وراءه همّا وألمًا كبيرين. ويحلُّ الخريف منذرا، ومبشّرا بقدوم موسم جديد ودخول مدرسيّ وشيك. وما كان ينبغي للجُرح اللّعين، الذي أصابني في مقتل، أن يحرمني من إرتداء البدلة الجديدة، و يمنعني من الالتحاق بالمدرسة.لم أستطع مقاومة رغبتي الجامحة، فقمتُ بتضميد الجرح بقطعة قماش، وتسرولتُ أنا الآخر، وقصدتُ المدرسة مع أبناء الجيران وبعض من الزّملاء والاصدقاء. ولم يتنبّه لي هؤلاء، ورحتُ أقفز معهم، وأركضُ حيث يركضون، وأفعل مثلما يفعلون. ولم أنتبه لنفسي حتّى عدتُ في المساء وأردتُ قضاء الحاجة، فلم اقدر على نزع قطعة القماش إلاّ بمشقّة لأنّها التصقت بالورم. وهالني ما رأيتُ.ورحتُ أتطبّب بالتّراب، بدل المراهم وفي غياب التعقيم. وأضمّد الجرح بقطعة قماش، فتلتصق. وأقوم بنزعها بالقوّة، فتتسبّب لي في نزيف…، وبقيتُ أيّاما وأسابيع وأنا في تلك الظروف، أعاني في صمت. ولم تكن لديّ شجاعة كافية كي أصارح أحدا من الأقارب أو الأصحاب، ولا حتّى أقرب النّاس إليّ، والديّ اللّذين لستُ أدري إن كانا قد لاحظا شيئا على ابنهم الوحيد وهو يعاني، في تلك الأيّام الصّعبة؟لكن الوالدين اللّذين كان من واجبهما رعاية الولد والاهتمام به، ومحاولة الاقتراب منه أكثر فأكثر، والاطّلاع على أحواله و أسراره… قد باعدت بينهما كثرة الخلافات والنّزاعات، فغدا شديد النّفور من البيت بسبب الأجواء المشحونة. ولقد ساهم في هذا النّفور أيضا غيّاب ربّ البيت. وكان لهذا التغيّب المريب آثارا وخيمة على نفسية الوالدة التي باتت تعاني من كآبة مرعبة، ووحدة قاسية، ومن كثرة الهموم والهواجس، حتّى أُصيبت بانهيار.وكانت تأتيها جارتنا الممرّضة الوحيدة في ذلك الحي، تحقنها بالدّواء. وكانت هذه الشابّة العزباء مملوءة القوام من المعجبات المتعلّقات كثيرا بأبي، لا تكفّ عن الحديث عنه طوال الوقت، وتصفه كما وصفتْ الخنساء أخاها صخرا. وقد كان أبي بالفعل وسيما يحب الأناقة والجمال. وكان رحمة الله عليه يببرّر كثرة غيابه، شبه الدّائم والمستمر، بكثرة الشّغل. ولذلك عارض جدّي التحاقه بتلك الوظيفة التي لم تجلب لنا سوى الهموم والمصائب. وكما كانت هذه الوظيفة فرصة لوالدي للتملّص من رقابة أبيه “الطّالب” معلّم القرآن. فإنّها كذلك كانت ذريعة للّهو و”الزّهو” والمواعيد التي لا يفلتها.كما كانت الفوارق الاجتماعية بين عائلتي الأبوين سببا في كثرة الخلافات والنّزاعات التي لاتنتهي بين والديّ – رحمهما الله برحمته الواسعة -؛ حيث إن والدي كان قد التحق بالمدرسة وتعلّم القراءة والكتابة واللّغة العربية، كونه من أسرة ميسورة الحال بل وثريّة. وأمّا والدتي فقد نشأتْ وترعرعتْ في ظروف الفقر والقهر والتهميش، و لم تحصل على أبسط الحقوق، كحقّها في معرفة الزّوج.وعلى الرّغم من أنّ والدتي رحمها الله كانت على قدر من الحسن والجمال، بشهادة كلّ أترابها، لكن الجمال الّذي وهبها الله وحبَاها أيّاه، لم يجد من يهتمّ به. وبالتّالي فقد دبّ اليأس في نفسها وأخذتْ تذبل، كما يذبل النّبات حين ييبس ويفقد نضارته. ولقد كانت سلفاتِها فيما مضى يمْدِحْنها ويتغنّين بجمالها، حتّى أمسيْن يتحدّثن عنها بكلام جارح. فتسلّل الحزن والكآبة إلي قلب الوالدة المسكينة وصارت “تغضَب”، كما يُقال عندنا للّتي تهجر بيتها، لمّا يئستْ من أبي. فتذْهب إلى بيت عمّها أو خالها اللّذين كانا بجوارها يواسِيانها حين تغضب، ويأخُذانها إلى البادية أو الدوّار، بمشْتى “لبّايض”، حين تصرّ على الذهاب لرؤية أهلها. فأبقى أنا بمفردي في البيت، أعاني من الهجر، لكن في رعاية جدّتي، والدة أبي، العجوز المريضة على الدّوام.وفي إحدى اللّيالي استيقظتُ على صراخ أبي يسبّ ويشتم، وكان قد أتـى في غير موعده، وعلى غير عادته، رفقة زميل له. فوجدني نائما في سريره رفقة امرأة زوجِ عمّتي المتوفّاة، الذي يسكن جنبنا. وكانت العجوز المسكينة قد جاءت لتضمّني في تلك الليلة المشئومة، فجنّ جنون أبي حين رآها في سريره.عانت والدتي من تقرّحات أصابتها في نهاية سُلاميات اليدين، وتزداد هذه “المسامير” سوءا و إيلاما في مواسم البرد خاصّة. هذا بالإضافة إلى أمراض أخرى وعديدة. وتظنّ أمّي أن كلّ ما أصابها من أمراض وغيرها، سببه سحر. و أكثر من تشكّ فيهم، أقارب والدي الذين كانوا يضمرون لها الشرّ. وكثيرا ما كانت تستشهد والدتي بالرؤى والأحلام التي تراها في اللّيل، فترويها في أوّل النّهار.تروي المسكينة عن نفسها فتقول:“إنّه عندما كنّا نسكن في مدينة (عنّابة)، مرضتُ مرضا شديدا، وطال مرضي حتّى وهُنت، فاشتكيتُ إلى والدي، فخرج مسرعا ثم عاد ومعه الشّيخ(سي محمّد الصّالح)”.تروي والدتي قصّتها مع هذا الشّيخ ذائع الصيت المشهور، بجزئيّاتها وتفاصيلها وتقول:“بعد تناول طبق “الزّريرة”، الذي كنتُ خبيرة فيه، أمر الشّيخ (سي محمّد الصّالح) بغلق جميع النّوافذ والمنافذ، لتهيئة المكان وتحصينه من كل الشّرور. ثمّ طلب منّي الجلوس بين يديه، وراح يقرأ و يُعزّم”.وتضيف:“ثمّ يتوقّف الشيخ أحيانا، ويأمر الجنّي بالخروج من جسدي، فيمتنع الجنّيّ، فيتوعّده الشّيخ بالضّرب المُبرِّح، وتارة بالقتل. وفي الأخير استأذن الجنيّ من الشيخ يريد الخروج، فلم يسمح له في البداية، وقال له: لا تخرج من عينها فتتسبّب لها في العمى، ولا من فمها فتفقِدها القدرة على النّطق، ولا من أُذنها فتذهب بسمعها، ولا من أيّ مكان آخر غير الذي آمرك به. ثمّ أمره بالخروج من أصابع يديّ”.وسكتتْ هنيهة، ثم أردفت تقول:“ومن تلك اللّحظة وأنا أعاني من هذه المسامير اللّعينة التي لوثّتْ حياتي، وشوّهتْ صورتي أمام النّاس”.كانت أمنيّتي الوحيدة في تلك الأيّام، وأنا طفل صغير في سنّ البراءة، أن أرى الشّيخ (سي محمّد الصّالح) لأشبع فضولي، وأشاهد بأمّ العين تلك الكرامات والبراهين التي كانت محلّ حديث الكبار والصغار، فيطمئنّ قلبي. ثمّ لعلّ هذا الشّيخ الذي تربطه صلة قرابة بعائلة الوالدة، يراعي هذه الصّلة ويطلعني على أسراره الخفيّة.وكبُر شغفي بهذا العالم الخفي، المليء بالأسرار والأخطار. لكن ما حيّرني أكثر هو أيمان النّاس بهؤلاء الذين يسمّونهم شيوخ، أصحاب الجلابيب البيض وبرانس بلا أكمام، الذين حين يسمعون القصبة والبندير يتشنّجون، ولا نرى بعدها غير التمجنين وحمّى”التّهوال”.احتضنت أختي، ابنة العامين، وقرّرت بالمرّة ألاّ تعود إلى البيت، وقالت لي بالحرف الواحد ” كبُرتَ ولم تعد بحاجة إليّ”. ثم خرجت تطلب عمّها، ورجل خالتها في الوقت ذاته. وكان هذا الشيخ العجوز رحمة الله عليه مؤمنا فقيرا، لكن راضيا قانعا، وكان من أطيب النّاس وأشرحهم صدرا، و”حلاّل المشاكل” بما لديه من الحنكة و روح الدّعابة. كان يسكن في حيّ يبعد عنا بمئات الأمتار، ومع ذلك تفضّل والدتي أن تذهب إليه بدلا من خالها الذي يسكن بنفس الحيّ ولايبعد عنها كثيرا، ذلك لأن بين خالها ووالدها خلافات قديمة.وخلا البيت من توّه، وليس هناك سوى جدّتي المسكينة، المريضة على الدّوام، آوي إليها. وقد تجاوزت عقدها السّابع؛ تعاني جدتي هذه، والدة أبي، من الرّعاش؛ حرّم عليها الكلام. . وجدتْ العجوز المسكينة السّند في ابنة عمّي الأوسط(المكلّف بالعتاد، والذي كان يقيم في البادية قبل رحيله إلى القرية)، تنده عليها، وتصيح وتصرخ في وجهها أحيانا، ومع ذلك لم أسمع يوما هذه البنت المؤدّبة تأفّفت أو اشتكت لأحد. تركها عمّي وهي صغيرة، وكبُرت في بيتنا، تُعين والدتي وتساعدها في أشغال البيت، وتناديها “لالاّ” حبّا واحتراما لها. ثم تحوّلت بعد ذلك إلى رعاية الجدّة والاعتناء بها في الغرفة المجاورة.قبل أن يتمّ حجب ابنة عمّي هذه، استعدادا للرّحيل إلى بيت زوجها و ابن عمّتنا المتوفّاة الذي يسكن أمامنا، كانت هي من تزوّدنا بالماء. تحمل اسطال الحديد والبلاستيك وتأخذ مكانها في الطابور أمام الحنفية العمومية التي توجد في الجانب الآخر من الطريق المعبّد وراء بيتنا، لكن حين تجدها مكتظّة أو معطّلة تطلب منّي الذّهاب معها رفقة بنات الحي إلى أماكن بعيدة لجلب الماء؛ إلى “عين قوبع” الحنفية العتيقة التي توجد في مركز القرية؛ وتعدّ معلما من المعالم التاريخية التي لا يزال يحنّ لذكراها أهل القرية. و إلى “عين وريدة” البئر الذي أخذ اسم صاحبته، أو إلى “الخزنة” التي توجد على مقربة منها، وكلاهما خارج العمران. وكانت البنات يجدن في هذه المهمّة البعيدة نسبيّا فرصة لا تعوّض، للتحدّث بحريّة والتّشاور وتبادل الأخبار… لكن حين يتعلّق الأمر بالمسائل الخاصّة والتي تتطلّب نوعا ما التحفّظ والسِّريّة، تجدهن يكتفين بالهمز واللّمز والإيماء بدل الكلام، غير أنّني لم أكن أهتم كثيرا بكلامهن.وفي المساء، خاصة في المواسم الحارّة والدّافية، ينادي بعضهن على بعض، ويتّخذن من واجهات أحد البيوت القريبة مسرحا لهنّ؛ لمواصلة حديث النّهار. وتتعالى أصواتُهن بالضّحك، وأحيانا بالصّراخ. وفي بعض الأحيان الأخرى يقمن بإحضار درَبُكّة، أو حتّى سطل، يدربكن ويرقصن على أصواتهنّ الجميلة.لم أكن أعرف من اللّغة الفرنسية، قبل أن انتقل إلى السنة الثّالثة ابتدائي، سوى كلمة: “فيان إيسي”، التي أنادي بها على الكلب. أو: “فا تون” حين أقوم بطرده. وفي السّنة المذكورة، رحلنا إلى مدرسة جديدة، تبعد مئات الأمتار عن التي أمضينا فيها العامين.دخلتُ السنة الثالثة، وبدأتُ في تعلّم كتابة الحروف باللاّتينية، وكنتُ أحاول أن ألفظها بطريقة صحيحة، وعلى النّحو الذي يرضي (سيدي سليمان). وكان كلّما فرغ معلّمي هذا – رحمة الله عليه -، من الدّرس، يردّد الأغاني عن طريق التّصفير، ويجوب القسم طولا وعرضا ولا يجلس في مكتبه إلاّ قليلا. فتأثّرتُ به أيّما تأثير، ورحتُ أقلّده. فكنتُ كلّما عدتُ إلى البيت أصفّر مثله، فتنزعج والدتي وتنهاني بدعوى أنّه تطيّر من عمل الشّيطان. فأردّ عليها بالقول: ” وهل تعرفين أكثر من سيدي سليمان ؟”.ودرستُ اللّغة العربية عند معلم مصري، نسيت اسمه، ولكن صورته لاتزال قدّامي؛ كان غليظ الصّوت، قويّ البنية. وكان يحبّني كثيرا، حتّى إنّه حملني فوق رأسه ذات يوم، وذهب بي إلى الصف الرّابع، بالقسم المجاور أين يدرّس نفس المادّة، وقال لتلامذته: “مكان هذا النّجيب يجب أن يكون هنا بينكم”.وانتقلتُ إلى الرّابعة، ثمّ الخامسة، وكنتُ أدرس عند نفس المعلّمين تقريبا. والحقيقة أنّني لم أعد أتذكّر كثيرا من الأشياء والأمور التي مرّت بي خلال تلك السنتين (1971 ) و(1972).لكن في المقابل، كان هناك عرس، ليس كل الأعراس مثله. أقامه عمّي الأكبر، (الحاج)؛ الوصي على “الفيرمة” وما فيها من عباد وعتاد. بدوار مشتى(العين البيضاء) بمناسبة زواج ابنه بابنة أخته المرحومة عمّتنا المتوفّاة، والتي تسكن أمامنا بالقرية.كان الفرسان يتداولون في الرّكوب، صالوا وجالوا. وتعالت أصوات نساء المحفل بالزّغاريد، وتناثر مسك قلائد السُّخب في الأجواء… لكن الفرحة لم تدم كثيرا، فقد تُوفِّيتِ الابنة الوحيدة لعمّي (الحاج) بسبب الحمل، ولم يدم على زواجها من ابن خال أبيها سوى أشهر قليلة. فأفسدت علينا فرحتنا الكبرى تلك الفاجعة الأليمة.حين سمعتْ والدني بوفاة الرّئيس (جمال عبد النّاصر)، ترجّتني أن أذهب إلى مقهى من المقاهي التي تعودّتُ الذهاب إليها وتتوفّر على شاشة لمتابعة مشاهد الصوّر التي أراها، ثم أعود بسرعة لأروي لها ما رأيته، وكان الظلام قد بسط أجنحته في كل الأنحاء والأرجاء، فنسيتُها. وكما نسيتُ نفسي أيضا ولستُ أدري أين قادتني خطواتي حينها، ولم أتذكّر إلاّ عند عودتي إلى البيت في ساعة متأخّرة من اللّيل البهيم. لكن ما إن فتحتُ عينيّ في الصباح حتّى وجدتُها أمامي تنتظرني لتسألني عمّا طلبَتْه منّي. فاختلقتُ لها رواية لا يصدّقها مجنون فما بالك بعاقل، ورحتُ أنسُج خيوطها الواهية بالقول:– لفُّوه في أشرطة القماش الأبيض، وقاموا بإنزاله من نافذة أعلى طابق في العمارة الكبيرة، وتدلّى والناس من تحت يحاولون الامساك به مخافة أن يقع؛ (ويبدو أنّني كنتُ متأثّرا جدّا بما أشاهده في أفلام الكرتون التي أتابعها في شاشة التلفزيون).لم أجد تفسيرا لهذا الحزن الذي كانت والدتي تحاول إظهاره، ولم تكن سوى البدوية التي لا علاقة لها بعبد النّاصر ولا بأمثاله. وما كان ينبغي للمسكينة أن تحزن على (جمال عبد النّاصر) ولا على غيره من الذين لم ولن يكونوا في مرتبة عمّها ورجل خالتها: “الشّايب لخضر” -رحمة الله الواسعة عليه-؛ الرّجل الذي حين تغضب تجده أمامها. ولن يكونوا في مرتبة ابنة عمّي الأوسط -جزاها الله عنّي وعنها كل خير-؛ البنت المؤدّبة التي كانت تخدمها ليل نهار. ولن يكونوا حتى في مرتبة العمّة “خدوجة”؛ العجوز التي لطالما وجدتْ فيها أُنْسها وسَلْوتها. ولن ووو… فلماذا تحزن أمّي لموت شخص مثل (جمال عبد النّاصر)؟لذلك، “تغيضني” المسكينة حين تتألّم، ويكبر حزنها. وحين تهجر البيت، أتشوّق إلى رؤيتها. ثم لا ألبث أن أنسى المشاكل التي لا ذنب لي فيها. تنسيني فيها الأفراح التي كانت تقام في دوّار مشتى (العين البيضاء). ينسيني فيها الانفراد بالأخوال في لحظة سمر. ينسيني فيها الجري وراء كرة “البف”، ولعبة “الغمّايضة” مع أبناء العم. وهناك أيضا أشياء أخرى تنسيني فيها؛ انشغالي بالدّروس. الع¨انيا وما فيها. مباريات الفريق المحلّي لكرة القدم في نهاية كل أسبوع، بالرّغم من صعوبة تسوّر جدران الملعب لمشاهدة المقابلة ببلاش. الاستعراضات التي تقوم بها الكشّافة هنا وهناك، الحفلات التي تحييها البلدية في المناسبات، التظاهرات الثقافية في المدينة الأثرية (مادور)، وحتى المظاهرات السياسيّة وأنا صغير؛ كتلك التي قادها (الهادف) المدعو: (كوميدي-نخّال)، وكان يتقدّم الجمع الغفير وينادي بأعلى صوته: “تسقط تسقط أمريكا الامبريالية”. فتردّد الحناجر معه نفس الكلام. وكنّا مجموعة من الأطفال، فلم نتردّد في الانضمام إليهم، من دون معرفة أسباب هذا الانفعال. ولا عن الامبريالية التي خرجوا ضدّها، بالرغم من خطاب الرّئيس (هواري بومدين) الشّهير الذي ما إن انتهى منه، حتّى خرجت الجموع تهتف بحياته وتندّد بالامبريالية العالمية، وعلى رأسها أمريكا.كم كانت الحياة سهلة وبسيطة في ذلك الزّمن الجميل، ربما لأننا كنا صغارا أبرياء، ولم تكن لدينا فكرة عن مدى أهميّة وخطورة المسئولية؛ أذكر أنّني حين أريد ارضاء بعض رفاقي، أقوم باختلاس دفتر “الكريدي”، وأذهب إلى العم (أحمد) البقّال، أقترض منه فاكهة من الفواكه ثم أعود مسرعا، ليس إلى البيت، بل إلى الرّفاق الذين تركتهم في الانتظار جنب حائط الملعب البلدي. قمتُ بذلك مرارا وتكرارا دون علم والدتي، ولا والدي الذي لم يفتح دفتر “الكريدي” ويسألني عمّا فيه ولو مرّة واحدة.لم أعرف عن والدي أنّه بذلك القدر وتلك الدرجة من الطّيبة واللّطافة، إلاّ بعدما غيّبته المنيّة عنّا. وكل من عرفه شهد له بذلك. و”فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ يُفْتَقَدُ البَدْرُ” كما قال (أبو فراس).لكن غاب عن هذا الوالد اللّطيف الطيّب أن يكون كذلك مع المرحومة والدتي التي لم تتحمّل طول جفائه وكثرة عراكِه وخصامه، فخرجتْ من البيت، وطلبتْ منه الطّلاق، من دون أن تأخذ أو تحصل على شيء، ولو حتّى على أبسط حقّ من حقوقها، وبقيتْ معلّقة؛ لأنّ والدي استحى من الذّهاب إلى المحكمة والوقوف أمام القاضي، ولأنّني أقنعتُها بأن حقّها عند الذي لاتضيع عنده الودائع، ولا يعزب عنه مثقال ذرّة. فقد كانت رحمة الله عليها ترفع أكُفَّها إلى السّماء وتتوسّل إلى الله بقولها: – حقّي راهو عندك يا الله.بينما عرفتْ زوجة أبي كيف تصطاد والدي “الشرطي المتقاعد” بحنكتها وبقليل من الدّهاء. “اصطياد الغزال فوق البهيم” -مثل شائع-؛ فعندما ضمِنتْ دخولها إلى البيت “سيّبتْ عروع¨ـها”- كما يُقال -.وفتحتِ الباب على مصراعيه لكلّ من هبَّ ودبَّ، وراحت تتزلّف إلى الجيران وبعض من الأقارب الذين “باعوا الدّم باللُّع¨م”؛ كما قالت عنهم أختي حين رأتْ منهم الجفاء الذي لم يدّخروا جهدا في إبدائه لوالدتنا الكريمة، التي لطالما سعتْ إلى إرضائهم بكلّ الوسائل. لكنّهم، ولسبب من الأسباب التي نجهلها لحد الآن، نسوا، أو تناسوا، العِشْرة البريئة التي كانت تربطهم بوالدتي، واستخفّوا بها، بل واستبْدلوها بأخرى مصطنعة ومزيّفة. واستطاعت زوجة أبي أن تصنع لها مكانة ولقبا في هذا المجتمع المزيّف، والحاشية المتزلّفة، فصاروا ينادونها: “لالاّ”.من بين الأشياء التي بقيتْ عالقة بذهني؛– صورتي مع ابن عمّي الأكبر؛ الذي كان يقيم عندنا حين كنا نسكن في(عنّابة)، وقبل أن يلتحق بصفوف البحرية الوطنية. أتشبّث به من فوق ظهره مخافة أن أقع في البحر، ووالدتي بملاءتِها السّوداء تراقب من بعيد.– و أخرى، كنتُ مع والدتي في سينما “ماجستيك”؛ وقد كانت من بين القاعات الفاخرة بمدينة(عنّابة)يومها. أشاهد معها واحدا من أفلام (منع¨الا)الهندية المشهورة.– ومرّة بمسرح الهواء الطلق بـ(مداوروش)، بعد عودتنا إلى هذه الأخيرة، أتابع مع صاحبة الملاءة السّوداء مسرحية من آداء وإخراج شباب القرية. ومن بين هؤلاء أذكر شخصا اسمه “فراكاس” قام بدور السّلطان يومها، ولا يزال لحد السّاعة حيّا يذكر -حفظه الله ورعاه-.– وفي أيّام الرّبيع المميّزة، تأخذني الوالدة معها إلى الحقول المجاورة نمضي الأوقات في نزهة قصيرة وعابرة.– وألفيتني في أحد الأيام التي كنتُ أتلقّى فيها العلاج، ببيت أحد معارف أبي، وزميل له كان يقيم بمدينة(سوق أهراس)، التي كانت تسمّى قديما (طاغست)، و(ثاع¨وست)؛ المدينة العتيقة التي ضربتْ أطنابها في غيابات التاّريخ القديم، ويكفي أنها مدينة القدّيس(أغسطين).ومن غيرها، لم أعد أذكر شيئا سوى أن في تلك الأيّام قرّر عمي الأوسط، الذي لم يبلغ بعدُ الأربعين، الزّواج من إحدى القريبات، بعد مُضيِّ أكثر من عشرة أعوام على زواجه من الأولى التي ظلّ يصفها سِلْفاتها بالسّاذجة لأنها لم تقِف في وجه زوجها وتعارض قراره “التّعيس” هذا بشدّة، وتركتْه على هواه يعبث بمستقبلها ومستقبل بناتها الخمس. ولأسباب نفسية وأخرى اجتماعية فلم تكن تقوى هذه المسكينة على معارضة العم بينما هي عاجزة عن انجابها لولد خلال كل تلك الأعوام؛ يكون سندا لها ولزوجها، وموئلا يعينهما على نوائب الدّهر، ويحمل اسم عائلة(سي حمّو). فقرّر العم الوسيم أن يجرّب حظّه مع الشّابة التي هي في سن إحدى بناته. وقد لقي هذا القرار استهجانا كبيرا من طرف الأعمام الذين لم يسْتسيغوه في البداية، نظرا لنعرات قديمة واعتبارات عفا عنها الزّمن.لكنهم استسلموا للأمر الواقع في النّهاية، ولم يتوانوا ولا تردّدوا في مباركة هذا الزّواج.ومن ثمّ فقد اختار العم أن يتمّ الدّخول، على عقيلته الشابّة، بعد رحيله من بيته القديم بالبادية إلى البناية الجديدة (بمداوروش)؛ التي كنا نسمّيها “لَعْلَيْ” وقتها، وكانت محطّ أنظار أفراد العائلة الطّامعين المتربّصين آنذاك.لكن الإقامة ـ إقامة العروسين ـ لم تدم طويلا بهذا المسكن الجديد، فقد حصل اتّفاق بين الأخوين على ما يبدو، تم بموجبه تبادلنا مع العم، وألفيْتني بدوري أسكن في هذه البناية الموحشة المشئومة، على الرّغم من أنّها توجد على بعد أمتار من البيت الذي وُلدتُ وترعرعتُ فيه.وأنا أكتب هذه السّطور تذكّرتُ قول الشّاعر(أبو تمّام):نَقِّل فُؤادَكَ حَيثُ شِئتَ مِنَ الهَوىما الحُبُّ إِلّا لِلحَبيبِ الأَوَّلِكَم مَنزِلٍ في الأَرضِ يَألَفُهُ الفَتىوَحَنينُهُ أَبَداً لِأَوَّلِ مَنزِلِلم أكن أبدا سعيدا بذاك الرّحيل والإقامة في المسكن الجديد الذي يسمّى “لَعْلَيْ”، وقد أصبح محلّ نزاع بين الإخوة. فهو بالنّسبة لي، وحتى لوالدتي، عبارة عن جحيم، وسجن كبير من الاسمنت والحجارة، ومكانه الموحش يبعث على الكآبة. وقد تركتُ ورائي ذكريات لا تنسى، وعِشرة لا يستهان بها، و أناسيَ طيّبين؛ من أمثال العمّة(حفصية)، وابنتها (جوّة)التي تخاطب بالإشارات لأنّ المسكينة “بكّوشة”. و العجوز الطيّب عمّي (موسى) الملقّب بـ”بو دجاج”، وابنته (فضيلة) ذات الملامح الغجرية. وكذلك عمّي (الحسين)، وابنه”قشقوش” -كما كان يلقّب-، الشاب الخلوق الذي يكبرني سنّا، وأخاه(حُمّية) الذي ترك البقرة ترعى في حقول الغير. وعمّي (سعَيّد) “الزّوالي” المغبون في كوخه الهش مع حماره الأحنف، وزوجته العوْكل التي لاتعرف كيف تخفي إناء السكّر حتى لاتصل إليه أيدينا. وعمتي(رُقيّة) التي نالت نصيبها من البخس والرّخس ليلة احتضنتني، وحضر أبي على غير عادته، وجنّ جنونه لمّا رآها تنام في سريره. وعمّتي(الكاملة)أختها الكبرى التي انفردت بتربية فصيلة من البط تسمى”الجرمان” دون غيرها، حتى إنّه بعد موتها لم نعد نرى هذا النوع من الطيور. وأخوهما؛ عمّي (معضاضي) الرجل البشوش الذي كان يناديني أنا وأختي الصّغيرة و الوحيدة : “قِبيقي”، فيتملّكنا الضّحك دون أن نعرف معناها. وتركتُ ورائي الشّجرة الكبيرة التي جرّت عليّ فتلقّيتُ ضربا مبرّحا على يد والدي. وتذكّرتُ عمّتي (أُمْهاني) التي حين مات زوجها أخذتني جدتي -والدة أبي- معها لتقدّم العزاء ورأيتُ ما فعل النّسوة بأنفسهن؛ من الصّراخ والعويل ولطم الخدود… ولم أجد جوابا لذلك، فرحتُ أسأل الجدّة عن سبب كل ذلك”النّدِيبْ”، فقالتْ: إنّ جارنا (عبدالقادر) زوج (أمهاني) قد تُوُفِّيَ، ولم أعرف ما معنى “تُوُفِّيَ”. فسألتُها من جديد عن معنى “تُوُفِّيَ”، وألححتُ عليها بالسّؤال. فردّتْ تقول: -“إن الإنسان يشبه في ذلك الخروف والدجاج و…”.ولا تسلْ كيف كان تأثّري بهذه المقاربة، ورحتُ أسألها من جديد، عن مصير جسد هذا الرّجل المتوفّي، ومآله؟. وهنا أخطأتْ الجدّة حين قامتْ تصوّر لي كيف يقومون بتقطيع لحمه، وتمليحه جيّدا، وتجفيفه في الشمس ليصنعوا منه “الع¨دّيد”،كالذي نجده في طبق “العيش”.وأذكر أنّه بعد ذلك بفترة، وقعتْ يدي على قطعة من “الع¨دّيد” في طبق “العيش”، أو”المحمّصة”، الذي أعدّته لنا ابنة العم، فتذكّرتُ حكاية الجدّة، وامتنعتُ عن الأكل. ومن يومها وأنا أكره الطّعام الذي يوجد فيه”ع¨دّيد”.و في البناية الجديدة التي تسمى “لَعْلَيْ”، تعرّضتُ للتّنمّر من قبل بعض الأولاد الأشرار، رغم أنّني كنتُ مثلهم من قبل. لقد شكّلوا حلفا ضدّي، ولم يبرحوا مكانهم أمام البيت، يهدّدون ويتوعّدون، فبتّ أخاف من أن يلحقوا بي الأذى، واعتزلتُهم، وغدوتُ سجينا بالبيت. وكان الشيء الوحيد الذي خفّف قليلا من وطأة هذا الخوف وهذا “السّجن”، قربنا من بيت خال والدتي.و”رُبّ ضارّة نافعة”؛ بسبب ذلك التّهديد الذي كنتُ أتلقّاه من أولاد الحرام، تفوّقتُ في الدّراسة، ونلتُ شهادة التعليم الابتدائي.وأذكر أنني في تلك السّنة المميّزة من عام(1973-1974)؛ شاركتُ في سباق الجري رفقة زملائي، وفرحتُ كثيرا بهذه المشاركة، على الرّغم من أنّني خرجتُ قبل نهاية السّباق.-كما أذكر أن في هذه السّنة قام الرّئيس(هواري بومدين) بجولة شملتْ عدّة مدن وقرى، ومن بينها (مداوروش). وخرجنا في صفوف نهتف بحياة الرّئيس: “يحيا بومدين”.. وتراءى لنا الرّئيس يمشي في الطريق، بقدّه المميّز، وبدلته الفاخرة؛كما كنّا نراه في الصوّر. يحيّي الجمهور، تارة بيده اليمنى، وتارة بيده اليسرى، والابتسامة لا تكاد تفارق شفتيه. وما هي إلاّ لحظات حتى غاب الرّئيس عن الأنظار، فعدنا من حيث أتينا.فتحتْ والدتي قلبها لولدِ خالها، فكانوا لايتردّدون في زيارتنا. وكانت أمي هي الأخرى، تذهب إلى بيت خالها القريب منّا، ويوجد على بعد خطوات قليلة من بيتنا الجديد. وكان خالها “الطّالب” معلّم قرآن بشوشًا، ولديه ميل للدُّعابة. وكان أفراد عائلته، والبالغ عددهم ستّة بين ذكور وإناث، قد تربّوا في جوّ من اللّباقة واللّطافة، فحظيتْ خلاله بنوع من المودّة المتبادلة.وكان خالها هذا يكفل ابن عمّها الشّهيد -رحمة الله عليه- بعد موت أمّه وهو في سن الرّضاعة. وكان ولد عمّها هذا، وهو في سن رشد مبكّرة، يعشق كرة القدم، كثير الكلام عن نجومها. فتأثّرتُ بكلامه، ووجدتني مقلّدا لبعض من هؤلاء النّجوم، ومن بينهم كنتُ أحبّ أن أكون في لياقة وتألّق الحارس(ياشِين)؛ الذي كان يلعب لمنتخب الأتّحاد السوفياتي(آنذاك). ولأنّني كنتُ أفضّل حراسة المرمى على غيره من المناصب، وذلك في المباريات التي كانت تجمعنا مع أبناء الحي؛ سواء التي نقيمها أمام البيت، أو تلك التي نجريها في “الطَّرْحة” أو “الطَّحْطاح”، بالجِهة المقابلة للسكّة الحديديّة: وهو مكان حقول القمح والشّعير الذي نقوم بتهيئته في مواسم الصّيف بُعيْد نهاية عمليّة الحصاد.واستأنستْ أمّي بزوجة وبنات خالها، ولم تعد تتردّد في زيارة بيته المجاور لبيتنا. وكانتْ تطلعني على بعض ما دار بينها وبينهنّ، من كلام مهم. ولم يكن في تردّد والدتي، على بيت خالها هذا، ما يقطع الطّريق على الذّهاب إلى أقارب والدي بالبيت العتيق؛ أين تقيم بالإضافة إلى الجدّة، ابنة العم التي تقوم على رعايتها، وأمّها السّاذجة التي قبلتْ بزواج العم من قريبته، وزوجة أبيها الشّابة وكانت في سنّها تقريبا. وبقيتْ الوالدة مراعية لهذا الوِدِّ، محافظة على أوقات الزيّارات.لكنّها ومنذ تزوّج رجل عمّتي المتوفّاة بامرأة مطلّقة لها ولدان لتعوّض العجوز(رقيّة)، والتي تزوّج بها عُرفيّا ولم يكن زواجا رسميّا، نظرا لسنّهما الكبيرين، ولأن الغرض من هذا الزّواج كان حضانة الولدين الصغيرين اللّذين تركتْهما وراءها العمّة المتوفّاة. وكذلك زواج بناته الأربع، بما في ذلك البنت الأخيرة التي تزوّجت بابن خالها؛ الزّواج الذي تم بينها وبين ابن عمّي الحاج وقد مرّ عليه شهور عشنا معه أجمل اللّحظات في دوار مشتى (العين البيضاء) لولا الموت المفاجئ الذي ألمّ بالأسرة الكبيرة… فبات لزاما على “الخضّار” المغبون؛ الذي يذهب أوّل النّهار ولا يعود إلاّ في ساعات متأخّرة، اللّجوء إلى جاره “التلّي”؛ الشّايب (صالح) الجزّار الذي لم يقصّر في تزويج ابنته المطلّقة بزوج عمّتي الذي تكفّل بولديها الصّغيرين زيادة على ولديه اللّذين يفُوقانهما بسنوات وقد بلغ أحدهما وقتئذ سن الرّشد، بينما كان الأصغر يتبجّح أمامي بأنه يفوقني بثلاث سنوات كاملة… تطوّرتْ العلاقة بين الوالدة وزوجة الخضّار؛ زوج المرحومة عمّتي، وتعدّدتْ زياراتها إليها. وكانت هذه المرأة الودود، كثيرة الشّكوى، كثيرة الكلام. لكن في المقابل، كانت قاصّة ممتازة، وحكّاء؛ تستغرق اللّيل بطوله في سرد القصص المروّعة، والمرعبة؛ عن الأشباح، و الجنّ و”الأرواح”… ولا تكبح جماحها إلـّا نادرا. وكنتُ أتابع كلامها بشغف واهتمام كبيرين، فبتّ أعاني من خوف ورهاب شديدين، حتى إنّني لم أكن قادرا على النّوم وحدي في غرفة مظلمة.وعكس ذلك، فقد وجدتْ والدتي الأنس في القرب من هذه المرأة”الحكّاء”، واللذّة في كلامها المروّع المرعب. فصارتْ لا تقدر على فراقها لولا خوفها من الظّنون؛ ولربما يكون قد تسلّل بعض الكلام من الذي كان قد دار بينها وبين المرأة عبر شقوق ومسامات الجدار الهش، ووصل إلى آذان الحرائر في الجهة المقابلة، وتجتهد ألسنتهنّ في نقله وتأويله إلى المغيّبين من الأعمام والحماة؛ الجدّة المسكينة.كان والدي رحمه الله كريما جوادا، رغم محدودية الدخل، ولم يكن لديه سوى الأجرة الشّهرية التي يتقاضاها من الشرطة. كما كان شديد الحرص على أناقته، دقيقا في معاملاته، منضبطا في سلوكاته اليومية، فلمْ يتخلّف أبي يوما عن العمل. وكان يعمل بالتناوب كل يومين. ولم تكن هناك من وسائل نقل متوفّرة مضمونة، سوى حافلة تقطع المسافة يوميا بين (وادي سوف) و(عنّابة). مما جعلها تتعرّض للعطب أحيانا. وقد اُضطُرّ والدي إلى اقتناء سيارة من نوع “رينو دوفين”، على الرّغم من عدم امتلاكه لرخصة السياقة. وكان يرتدي الزيّ الرّسمي حتى لا يتم توقيفة في الحواجز التي يقيمها رجال الدرك. وقد تسبّب ذلك في حرج كبير للدركيين، الذين كانوا يبجّلونه بسبب الوظيفة. وحدث في أحد الأيام وأن كان هناك دركي جديد لا يعرف والدي، فطلب منه رخصة السيّاقة. لكن الوالد لم يتجاوب معه وعبر الحاجز دون توقّف. فغضب الدركيون لزميلهم، وتعقّبوا والدي حتى وصوله إلى البيت؛ وللعلم فإنه توجد حساسية بين رجال الشّرطة ورجال الدّرك لا يعرف سببها إلاّ من سبق له العمل بإحدى هاتين الوظيفتين، وهذه حقيقة لاينكرها إلاّ جاهل أو جاحد. وخرج إليهم والدي، ووقع بينه وبينهم مشادّات لفظية انتهت بصدّهم؛ وقد يظنّ الظّان أنّني أُبالغ في كلامي هذا، لكن الذين يعرفون والدي لايتردّدون في تصديقي.تفاديا لوقوع المزيد من المشاكل والتسبّب في الإحراج لرجالات الدّرك الذين اشتدّ حِنقهم ولم يعودوا قادرين على كظم الغيظ، فقد بات لزاما على والدي الشرطي التّفكير في وسيلة أخرى تجنّبه ارتداء الزّي الرّسمي، الذي لم يعد يجدي مع رجال الدّرك الأجلاف. وليس ثمّة من وسيلة سوى اقتناء”كُودْ دو لاروتْ” ومحاولة فهمه وحفظه. لكن “الكود”، أو ما يمكن تسميّته بـ(قانون السير) -إذا جاز التعبير- مفرنس، والوالد يتعذّر عليه فهم هذه اللّغة وحروفها الثّقيلة على اللّسان، ما يحول دون فهمه واستيعابه. ومن ثمّ فقد فكّر أبي في الاستعانة بي. وكنتُ يومها أدرس في السنة الأولى من التّعليم المتوسّط، حديث العهد باللّغة الفرنسية، وتطلّب الأمر اقتناء قاموس لترجمة المصطلحات التقنيّة العسيرة. وقد دفعتْ الغِبطة والضرورة الملحّة بوالدي، إلى اقتناء أفضل القواميس، من التي وجدها أمامه. ومن عجيب المفارقات أنه تيسّر لي أنا أيضا حفظ هذا “الكود”، وكان ذلك سببا في حصولي على رخصة السيّاقة، فيما بعد. فشكرا لك أبي.في نهاية العام الدراسي سنة(1974)، أيقضتْني والدتي باكرا، فأفقتُ على خبر امتحانات “السّيزيام”.لم أتردّد ونهضتُ من مكاني وتوجّهتُ إلى الحمام، أين قضيتُ حاجتي. ومن ثمّ إلى حوض الغسيل، وتخلّصت من رائحة النّوم. وبعد تناوُلي وجبة الفطور، قمتُ بارتداء ملابسي الجديدة. واستلمتُ زجاجة العطر من والدتي فتعطّرتُ، ووضعتُ قليلا من العطر على ثوبي الجديد. ودسّتْ ببعض النّقود في جيبي وهي توصيني بتناول بعض الحلوى لأنّها -كما قالتْ- تفيد الذّاكرة، وتساعد على التركيز. وكان كلامها قد بثّ في نفسي الشّعور بالرّاحة والطمأنينة؛ وكانت رحمها الله مستمعة جيّدة مُهتمّة يالنّصائح التي يقدّمها الأطباء في القنوات الإذاعية.بعد أيّام من ذلك، تسرّب الخبر، وهرع المعنيّون وغير المعنيّين؛ من التّلاميذ والأولياء والفضوليّين، قاصدين متوسّطة(أحمد البوني) -وكانت الوحيدة آنذاك-، أين تمّ تعليق القوائم الإسمية للنّجباء والفائزين. وكان خليقا بي أن أُعيد بثّ الرّوح في البيت الذي افتقدتُ فيه أنا ووالدتي معنى الحياة. وكان أوّل ما وقع بصري على اسمي الذي ورد ذكره في أوّل القائمة بالسبّورة، المعلّقة في الحائط الكبير. فأطلقتُ العنان لساقيّ مسرعا إلى البيت، فوجدتُ والدتي أمام الباب تترقّب وصولي، تتلهّف لسماع الخبر منّي. وحين رأتْني، وقد بدتْ علامات الغِبطة من على وجهي، تلقّتني بالأحضان؛ وليس في هذا العالم الغريب وسادة أنعم من حضن الأم.ومن عند والدتي غادرتُ المكان، أطلب والدي، أحمل البشرى إليه كي أسعده. ولستُ أدري من الذي دلّني على مكانه، فعثرتُ عليه بالمقهى. فتوجّهتُ إليه دون أن ألتفت إلى غيره. ورفع رأسه حين شعر بقدومي، فاطلعتُه على الخبر السّار، لكنّه كان منهمكا في اللّعب، مكبّا على قطع “الدومينو”. فأدخل يده في جيبه، وأخرج قطعة نقود. فأخذتها وانطلقتُ كالسّهم، في طريقي إلى قاعة السينما القريبة من المقهى. ولا تسلْ عن فرحتي الكبيرة وأنا بالباب أنتظر التّذكرة لمشاهدة الفيلم الذي قد تمّ الإعلان عنه في المساء من خلال ملصقة “الأفيش” التي تعوّدنا على رؤيتها معلّقة بعمود الكهرباء بمفترق الطّرق، وسط القرية. وكان ثمن التّذكرة حينها: “عشرة دورو”، خمسون سنتيما. ولم يكن هذا المبلغ يعجزني حتّى أخصّ به والدي، ولكن أردتُ أن استأثر بليلة أقضيها في الخلاء.كان النّجاح سببا في حصولي على مزيد من الحرية، وكثير من الأصدقاء. فتخلّصتُ به من سجن الوحدة الذي كان مفروضا عليّ، ولم يكن اختياري لتلك العزلة عن طواعية. ولقد تغيّر أولاد “النّهج المرّ” -كما كان يحلو لبعض شبّان الحي المتغطرسين تسمّيته في تلك الأيّام-، وتحوّلتِ العداوة إلى تحبّب، والتنمّر إلى تودُّد. وكان لابد لي من رفقة، سيّما وأن المسافة بين الحي والمتوسّطة تعتبر، بالنسبة لتلامذة بسنّنا في تلك الأيام، بعيدة ومرهقة. كنا نقطعها أربع مرات، ذهابا وأيابا؛ مرتين في الصباح وأخرى مثلها في المساء. ولحسن الحظ فقد شاءت الأقدار أن تختار لي صديقا من أفضل الزّملاء والجيران في الوقت ذاته.كان(بوبكر)، وهذا هو اسمه، ذكيّا ولطيفا، رقيق العِشرة، وكنا نقضي معظم الأوقات في المرح والمزاح. وكانت والدتي حريصة على هذه العلاقة التي بيننا، معتبرة أيّاه بمثابة “أخِ” لي وليس مجرّد صديق. وحدث أن قدِم الحيّ في تلك الأثناء رجُلٌ غريب، وقام باستئجار حانوت أحد الأقارب،كان يُعلّم فيه القرآن ثمّ تحوّل فجأة هذا المحل الصّغير إلى بيت يمارَسُ فيه أعمال السحر والشعوذة، من قبل هذا الوافد الجديد. وكان لهذا السّاحر المشعوذ ولدان؛ بنتٌ في سنّي تقريبا، وولد صغير، لا أعتقد سوى أنهما من ضحاياه الكُثر. لم أكن أعرف أن الرّجل كان مدمنا على “الإيثانول”، أو الكحول الإيثيلي، إلاّ ذات غرّة تعرّض فيها المحل للإشتعال. ومع ذلك لم يقطع زبائنه الكُثر الأمل في التواصل معه، وبقوا على العهد مخلصين له، محافظين على الود. ومنهم جدّتي الكبرى -والدة أبي- التي كانت تسكن بجواره، على مسافة قريبة جدا من مكان إقامته. على الرّغم من أن تجاربه المضلّلة التي كان ينصب بها على ضحاياه السذّج من الجنسين؛ خاصّة الشيوخ منهم، والعجائز وكذلك الأطفال..، تكاد كلها تقريبا تنحصر في عمل واحد وهو استخراج ضفيرة أو خُصْلة من الشّعر الأسود من حبّة البيض النّاصعة. ولا أنكر أنّني كنتُ واحدا من ضحايا هذا الوغد الحقير؛ فلقد استغلّ العلاقة التي كانت تربطه ببعض أقاربي ومنهم الجدّة، في الضّحك عليّ ومحاولة إسقاطي في شباكه اللّعينة. فكان يطلعني على بعض أسراره وخاصّة منها تَمكُّنه المزعوم من السيطرة على الجن. وقد رغّبني هذا الأمر في معرفة ما إذا كان بإمكاني الاستفادة من إحدى خدماته “الجليلة”، تلك التي لها علاقة بتسخير الجن. وفي إحدى المناسبات أسرّ لي بإن ذلك يتطلّب منّي عقد النيّة ودحض الشكوك التي قد تساورني؛ وأنه بإمكانه أن يسخّر لي إحدى بناته من زوجته الجنيّة لتكون في خدمتي.ولعلمه بمدى شغفي بهذا الأمر، فإنّه طلب منّي (الحبّة السوداء)حتى يتمكّن من هذا الإجراء.؟! ولم أكن لأتجشّم معاناة البحث عن هذه الحبّة الغريبة ذات الأثر على الكائنات العجيبة، والمخاطرة بالذّهاب إلى أحد الدّكاكين المعروفة بتجارة العقاقير، بينما صغر عمري لا يسمح لي بذلك. فاكتفيت بالاستفسار عن بعد. وعدتُ إليه في الأخير؛ بخفي حنين، خالي الوفاض، لأخبره عن فشلي الذّريع، وأعبّر له عن خيبتي الكبيرة.وضللتُ الطريق، فأمسيتُ وأنا ببابه كمتسوّل حقير. وفي إحدى الأماسي، قرّرتُ أن أبيت عنده. وتفقّدتني والدتي، وبعثت ترجو من(بوبكّر) أن يقتفي أثري. وكان هذا الصّديق على علم بأمري، ولأنّني لم أخفِ عنه سرّا من الأسرار، ولاحتى علاقتي بهذا المشعوذ اللّعين، الذي ذاع صيته، وتفشّى خبره كالوباء وسط أبناء الحي. وقرع (بوبكر) الباب بشدّة، وأخذ يناديني بأعلى صوته، وأحيانا يجهش بالبكاء: (فوزي.. يا فوزي..أمّك تسقسي عليك وتع¨ولّك وكْتاش تروّح). وألحّ في طلبي، وفي محاولة إنقاذي من تلك المحنة التي كنتُ فيها. لكن؛ وكما قال الشّاعر قديما: [لَقَد أَسمَعتَ لَو نادَيتَ حيًّا **وَلكِن لا حَياةَ لِمَن تُنادي]. لم يكن من السّهل على ولد، في سنّي البريئة، التحرّر من أوهامه المستعصية، التي ضربت عليه بنسجها في تلك الليلة الطّويلة.
تعليق