وأنا مستلقٍ على فراشي، همس الصباح في أُذني: " هيا، انهض، كفاك خمولاً، حواسك لا بدّ أن تفيق من غيبوبتها ". تكرّر النداء ثلاث مرات، فلم يعد بطوقي ساعتئذٍ إلا أن أستجيب له. نهضتُ بثقلٍ عجيب كما لو أنّي كنتُ أحمِلُ أثقال العالم أجمع، ثمّ رحتُ أفركُ جفني أمام المرآة، فرأيت ملامح سحنتي بعد اليقظة كأنّها مدفأة طافحة بالرماد. تحسّستُ وجهي بأطراف أناملي، كنت أتفقّد وجود بثور متطفلة، فلم أعثر على شيء. خرجتُ من الغرفة صوب دورة المياه، غسلت وجهي بالماء جيدًا كما يغسل الهندوسي ذنوبه في نهر ِالغانج. بعد ذلك، خطر لي خاطر أن أروح إلى الحديقة في فناء المنزل، لأتفقد حال نباتاتي بعد عاصفة الغبار التي هبّت غاضبة في ليلة البارحة.
حين فتحتُ الباب الخارجي، رفعتُ رأسي إلى الأفق، لأرى الطقس كيف يبدو. كانت السّماء متشبّعة باللازورد، وكان نور الشمس يتدفق بسلاسة وحلاوة على الحديقة بأكملها. ملأت صدري بالهواء المنعش الّذي يغمر فضاء المكان، ثمّ دفعتُ نفسي إلى هناك، رحتُ أمشي بإيقاع أبطأ كلحنٍ ختامي هابط في دربٍ صغير على جانبيه أزهار عبّاد الشمس، والورود التي تشبه الشفاه القرمزية إلى أن استقرّت عيني على نبتة حمراء ناضرة، وزاهية إلى حدّ الصعق. خيّل إليّ لوهلة أنّها تحدقّ فيّ كحسناء مُعجبة، فتلكأتُ في مكاني، ونظرتُ إليها ساكتًا مثل نبي ينتظر وحيًا من السّماء إلى أن هبّت نسمات ليّنة ولطيفة كأنّها قادمة من الجنّة، فحرّكة غصنها الطري، فبدأت تتبختر أمامي وتتراقص كغجرية مغتبطة. أحسستُ حينئذٍ كأنّ رذاذًا ناعمًا بلّل قلبي من مرأى حركاتها الفاتنة. وردة متفرّدة كأنّها امرأة عجيبة تتداخل في صفاتها المتضادات؛ غامضة وواضحة، هادئة وثائرة، خجولة وجريئة.
دنوت منها لأشتم عطرها، فاندهشت بأنها ذات رائحة زكية فريدة، لا تضارع روائح الآخريات من بني جنسها. فهجس ببالي أن أُقبِّلها. قرّبتها من شفتي ثمّ أغمضت عيني لأشعر بمذاق القُبلة - فهذا دأبي مع نباتاتي كلّها-، قبّلتها بهدوء ولذّة، وإذ بي أنتشي، أنتشي على نحوٍ غريب كاد قلبي يقفز من صدري من فرط الفرح. ما ألذ مذاقها كانّه بطعم الشهد!.
ثمّ تأملتها في خشوعٍ كبير كمن يتامّل في لوحة فنية لأكبر الرسامين في العالم. فشعرت بعد ذلك برغبةٍ عظيمة في مخاطبتها. قد تنعتني بالمجنون، وتستفهم مع ذاتك، وهل تسمعنا الورود والأزهار؟! ولكن ما لا تعرفه أنّ للنباتات حواسًا كحواسنا؛ تسمع، وترى. ولديها مشاعر مثلنا تمامًا فهي تحزن وتفرح، وتتألم، وتشتاق.
لقد تحدّثتُ معها كمن يتحدّث مع امرأة خجولة، كمن طار عقله، ولكن ما زال يحتفظ في أعماق قلبه بشاعرٍ صغير.
حين فتحتُ الباب الخارجي، رفعتُ رأسي إلى الأفق، لأرى الطقس كيف يبدو. كانت السّماء متشبّعة باللازورد، وكان نور الشمس يتدفق بسلاسة وحلاوة على الحديقة بأكملها. ملأت صدري بالهواء المنعش الّذي يغمر فضاء المكان، ثمّ دفعتُ نفسي إلى هناك، رحتُ أمشي بإيقاع أبطأ كلحنٍ ختامي هابط في دربٍ صغير على جانبيه أزهار عبّاد الشمس، والورود التي تشبه الشفاه القرمزية إلى أن استقرّت عيني على نبتة حمراء ناضرة، وزاهية إلى حدّ الصعق. خيّل إليّ لوهلة أنّها تحدقّ فيّ كحسناء مُعجبة، فتلكأتُ في مكاني، ونظرتُ إليها ساكتًا مثل نبي ينتظر وحيًا من السّماء إلى أن هبّت نسمات ليّنة ولطيفة كأنّها قادمة من الجنّة، فحرّكة غصنها الطري، فبدأت تتبختر أمامي وتتراقص كغجرية مغتبطة. أحسستُ حينئذٍ كأنّ رذاذًا ناعمًا بلّل قلبي من مرأى حركاتها الفاتنة. وردة متفرّدة كأنّها امرأة عجيبة تتداخل في صفاتها المتضادات؛ غامضة وواضحة، هادئة وثائرة، خجولة وجريئة.
دنوت منها لأشتم عطرها، فاندهشت بأنها ذات رائحة زكية فريدة، لا تضارع روائح الآخريات من بني جنسها. فهجس ببالي أن أُقبِّلها. قرّبتها من شفتي ثمّ أغمضت عيني لأشعر بمذاق القُبلة - فهذا دأبي مع نباتاتي كلّها-، قبّلتها بهدوء ولذّة، وإذ بي أنتشي، أنتشي على نحوٍ غريب كاد قلبي يقفز من صدري من فرط الفرح. ما ألذ مذاقها كانّه بطعم الشهد!.
ثمّ تأملتها في خشوعٍ كبير كمن يتامّل في لوحة فنية لأكبر الرسامين في العالم. فشعرت بعد ذلك برغبةٍ عظيمة في مخاطبتها. قد تنعتني بالمجنون، وتستفهم مع ذاتك، وهل تسمعنا الورود والأزهار؟! ولكن ما لا تعرفه أنّ للنباتات حواسًا كحواسنا؛ تسمع، وترى. ولديها مشاعر مثلنا تمامًا فهي تحزن وتفرح، وتتألم، وتشتاق.
لقد تحدّثتُ معها كمن يتحدّث مع امرأة خجولة، كمن طار عقله، ولكن ما زال يحتفظ في أعماق قلبه بشاعرٍ صغير.
تعليق