لقاء مع وردة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سامي الشريم
    أديب وكاتب
    • 11-12-2015
    • 107

    لقاء مع وردة

    وأنا مستلقٍ على فراشي، همس الصباح في أُذني: " هيا، انهض، كفاك خمولاً، حواسك لا بدّ أن تفيق من غيبوبتها ". تكرّر النداء ثلاث مرات، فلم يعد بطوقي ساعتئذٍ إلا أن أستجيب له. نهضتُ بثقلٍ عجيب كما لو أنّي كنتُ أحمِلُ أثقال العالم أجمع، ثمّ رحتُ أفركُ جفني أمام المرآة، فرأيت ملامح سحنتي بعد اليقظة كأنّها مدفأة طافحة بالرماد. تحسّستُ وجهي بأطراف أناملي، كنت أتفقّد وجود بثور متطفلة، فلم أعثر على شيء. خرجتُ من الغرفة صوب دورة المياه، غسلت وجهي بالماء جيدًا كما يغسل الهندوسي ذنوبه في نهر ِالغانج. بعد ذلك، خطر لي خاطر أن أروح إلى الحديقة في فناء المنزل، لأتفقد حال نباتاتي بعد عاصفة الغبار التي هبّت غاضبة في ليلة البارحة.
    حين فتحتُ الباب الخارجي، رفعتُ رأسي إلى الأفق، لأرى الطقس كيف يبدو. كانت السّماء متشبّعة باللازورد، وكان نور الشمس يتدفق بسلاسة وحلاوة على الحديقة بأكملها. ملأت صدري بالهواء المنعش الّذي يغمر فضاء المكان، ثمّ دفعتُ نفسي إلى هناك، رحتُ أمشي بإيقاع أبطأ كلحنٍ ختامي هابط في دربٍ صغير على جانبيه أزهار عبّاد الشمس، والورود التي تشبه الشفاه القرمزية إلى أن استقرّت عيني على نبتة حمراء ناضرة، وزاهية إلى حدّ الصعق. خيّل إليّ لوهلة أنّها تحدقّ فيّ كحسناء مُعجبة، فتلكأتُ في مكاني، ونظرتُ إليها ساكتًا مثل نبي ينتظر وحيًا من السّماء إلى أن هبّت نسمات ليّنة ولطيفة كأنّها قادمة من الجنّة، فحرّكة غصنها الطري، فبدأت تتبختر أمامي وتتراقص كغجرية مغتبطة. أحسستُ حينئذٍ كأنّ رذاذًا ناعمًا بلّل قلبي من مرأى حركاتها الفاتنة. وردة متفرّدة كأنّها امرأة عجيبة تتداخل في صفاتها المتضادات؛ غامضة وواضحة، هادئة وثائرة، خجولة وجريئة.
    دنوت منها لأشتم عطرها، فاندهشت بأنها ذات رائحة زكية فريدة، لا تضارع روائح الآخريات من بني جنسها. فهجس ببالي أن أُقبِّلها. قرّبتها من شفتي ثمّ أغمضت عيني لأشعر بمذاق القُبلة - فهذا دأبي مع نباتاتي كلّها-، قبّلتها بهدوء ولذّة، وإذ بي أنتشي، أنتشي على نحوٍ غريب كاد قلبي يقفز من صدري من فرط الفرح. ما ألذ مذاقها كانّه بطعم الشهد!.
    ثمّ تأملتها في خشوعٍ كبير كمن يتامّل في لوحة فنية لأكبر الرسامين في العالم. فشعرت بعد ذلك برغبةٍ عظيمة في مخاطبتها. قد تنعتني بالمجنون، وتستفهم مع ذاتك، وهل تسمعنا الورود والأزهار؟! ولكن ما لا تعرفه أنّ للنباتات حواسًا كحواسنا؛ تسمع، وترى. ولديها مشاعر مثلنا تمامًا فهي تحزن وتفرح، وتتألم، وتشتاق.
    لقد تحدّثتُ معها كمن يتحدّث مع امرأة خجولة، كمن طار عقله، ولكن ما زال يحتفظ في أعماق قلبه بشاعرٍ صغير.
  • رشيد الميموني
    مشرف في ملتقى القصة
    • 14-09-2008
    • 1533

    #2
    أحاسيس نبيلة بعيدة كل البعد عى الهوس والجنون ..
    مخاطبة النباتات التي هي كائنات حية مثلنا دليل على سمو النفس ونبل القلب الذي يحس بما حولنا من جمال قد لا تنتبه إليه أذهاننا الشاردة في معترك الحياة الصاخبة .
    دمت مبدعا أخي سامي

    تعليق

    • عبد الرحيم أمزيل
      أديب وكاتب
      • 15-04-2017
      • 235

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة سامي الشريم مشاهدة المشاركة
      وأنا مستلقٍ على فراشي، همس الصباح في أُذني: " هيا، انهض، كفاك خمولاً، حواسك لا بدّ أن تفيق من غيبوبتها ". تكرّر النداء ثلاث مرات، فلم يعد بطوقي ساعتئذٍ إلا أن أستجيب له. نهضتُ بثقلٍ عجيب كما لو أنّي كنتُ أحمِلُ أثقال العالم أجمع، ثمّ رحتُ أفركُ جفني أمام المرآة، فرأيت ملامح سحنتي بعد اليقظة كأنّها مدفأة طافحة بالرماد. تحسّستُ وجهي بأطراف أناملي، كنت أتفقّد وجود بثور متطفلة، فلم أعثر على شيء. خرجتُ من الغرفة صوب دورة المياه، غسلت وجهي بالماء جيدًا كما يغسل الهندوسي ذنوبه في نهر ِالغانج. بعد ذلك، خطر لي خاطر أن أروح إلى الحديقة في فناء المنزل، لأتفقد حال نباتاتي بعد عاصفة الغبار التي هبّت غاضبة في ليلة البارحة.
      حين فتحتُ الباب الخارجي، رفعتُ رأسي إلى الأفق، لأرى الطقس كيف يبدو. كانت السّماء متشبّعة باللازورد، وكان نور الشمس يتدفق بسلاسة وحلاوة على الحديقة بأكملها. ملأت صدري بالهواء المنعش الّذي يغمر فضاء المكان، ثمّ دفعتُ نفسي إلى هناك، رحتُ أمشي بإيقاع أبطأ كلحنٍ ختامي هابط في دربٍ صغير على جانبيه أزهار عبّاد الشمس، والورود التي تشبه الشفاه القرمزية إلى أن استقرّت عيني على نبتة حمراء ناضرة، وزاهية إلى حدّ الصعق. خيّل إليّ لوهلة أنّها تحدقّ فيّ كحسناء مُعجبة، فتلكأتُ في مكاني، ونظرتُ إليها ساكتًا مثل نبي ينتظر وحيًا من السّماء إلى أن هبّت نسمات ليّنة ولطيفة كأنّها قادمة من الجنّة، فحرّكة غصنها الطري، فبدأت تتبختر أمامي وتتراقص كغجرية مغتبطة. أحسستُ حينئذٍ كأنّ رذاذًا ناعمًا بلّل قلبي من مرأى حركاتها الفاتنة. وردة متفرّدة كأنّها امرأة عجيبة تتداخل في صفاتها المتضادات؛ غامضة وواضحة، هادئة وثائرة، خجولة وجريئة.
      دنوت منها لأشتم عطرها، فاندهشت بأنها ذات رائحة زكية فريدة، لا تضارع روائح الآخريات من بني جنسها. فهجس ببالي أن أُقبِّلها. قرّبتها من شفتي ثمّ أغمضت عيني لأشعر بمذاق القُبلة - فهذا دأبي مع نباتاتي كلّها-، قبّلتها بهدوء ولذّة، وإذ بي أنتشي، أنتشي على نحوٍ غريب كاد قلبي يقفز من صدري من فرط الفرح. ما ألذ مذاقها كانّه بطعم الشهد!.
      ثمّ تأملتها في خشوعٍ كبير كمن يتامّل في لوحة فنية لأكبر الرسامين في العالم. فشعرت بعد ذلك برغبةٍ عظيمة في مخاطبتها. قد تنعتني بالمجنون، وتستفهم مع ذاتك، وهل تسمعنا الورود والأزهار؟! ولكن ما لا تعرفه أنّ للنباتات حواسًا كحواسنا؛ تسمع، وترى. ولديها مشاعر مثلنا تمامًا فهي تحزن وتفرح، وتتألم، وتشتاق.
      لقد تحدّثتُ معها كمن يتحدّث مع امرأة خجولة، كمن طار عقله، ولكن ما زال يحتفظ في أعماق قلبه بشاعرٍ صغير.
      لافض فوك أستاذ سامي، سلمت أناملك لقد كان بوحك للوردة في قمة الروعة.
      دام لك التألق والعطاء.

      تعليق

      • الحسن فهري
        متعلم.. عاشق للكلمة.
        • 27-10-2008
        • 1794

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة سامي الشريم مشاهدة المشاركة
        وأنا مستلقٍ على فراشي، همس الصباح في أُذني: " هيا، انهض، كفاك خمولاً، حواسك لا بدّ أن تفيق من غيبوبتها ". تكرّر النداء ثلاث مرات، فلم يعد بطوقي ساعتئذٍ إلا أن أستجيب له. نهضتُ بثقلٍ عجيب كما لو أنّي كنتُ أحمِلُ أثقال العالم أجمع، ثمّ رحتُ أفركُ جفني أمام المرآة، فرأيت ملامح سحنتي بعد اليقظة كأنّها مدفأة طافحة بالرماد. تحسّستُ وجهي بأطراف أناملي، كنت أتفقّد وجود بثور متطفلة، فلم أعثر على شيء. خرجتُ من الغرفة صوب دورة المياه، غسلت وجهي بالماء جيدًا كما يغسل الهندوسي ذنوبه في نهر ِالغانج. بعد ذلك، خطر لي خاطر أن أروح إلى الحديقة في فناء المنزل، لأتفقد حال نباتاتي بعد عاصفة الغبار التي هبّت غاضبة في ليلة البارحة.
        حين فتحتُ الباب الخارجي، رفعتُ رأسي إلى الأفق، لأرى الطقس كيف يبدو. كانت السّماء متشبّعة باللازورد، وكان نور الشمس يتدفق بسلاسة وحلاوة على الحديقة بأكملها. ملأت صدري بالهواء المنعش الّذي يغمر فضاء المكان، ثمّ دفعتُ نفسي إلى هناك، رحتُ أمشي بإيقاع أبطأ كلحنٍ ختامي هابط في دربٍ صغير على جانبيه أزهار عبّاد الشمس، والورود التي تشبه الشفاه القرمزية إلى أن استقرّت عيني على نبتة حمراء ناضرة، وزاهية إلى حدّ الصعق. خيّل إليّ لوهلة أنّها تحدقّ فيّ كحسناء مُعجبة، فتلكأتُ في مكاني، ونظرتُ إليها ساكتًا مثل نبي ينتظر وحيًا من السّماء إلى أن هبّت نسمات ليّنة ولطيفة كأنّها قادمة من الجنّة، فحرّكة غصنها الطري، فبدأت تتبختر أمامي وتتراقص كغجرية مغتبطة. أحسستُ حينئذٍ كأنّ رذاذًا ناعمًا بلّل قلبي من مرأى حركاتها الفاتنة. وردة متفرّدة كأنّها امرأة عجيبة تتداخل في صفاتها المتضادات؛ غامضة وواضحة، هادئة وثائرة، خجولة وجريئة.
        دنوت منها لأشتم عطرها، فاندهشت بأنها ذات رائحة زكية فريدة، لا تضارع روائح الآخريات من بني جنسها. فهجس ببالي أن أُقبِّلها. قرّبتها من شفتي ثمّ أغمضت عيني لأشعر بمذاق القُبلة - فهذا دأبي مع نباتاتي كلّها-، قبّلتها بهدوء ولذّة، وإذ بي أنتشي، أنتشي على نحوٍ غريب كاد قلبي يقفز من صدري من فرط الفرح. ما ألذ مذاقها كانّه بطعم الشهد!.
        ثمّ تأملتها في خشوعٍ كبير كمن يتامّل في لوحة فنية لأكبر الرسامين في العالم. فشعرت بعد ذلك برغبةٍ عظيمة في مخاطبتها. قد تنعتني بالمجنون، وتستفهم مع ذاتك، وهل تسمعنا الورود والأزهار؟! ولكن ما لا تعرفه أنّ للنباتات حواسًا كحواسنا؛ تسمع، وترى. ولديها مشاعر مثلنا تمامًا فهي تحزن وتفرح، وتتألم، وتشتاق.
        لقد تحدّثتُ معها كمن يتحدّث مع امرأة خجولة، كمن طار عقله، ولكن ما زال يحتفظ في أعماق قلبه بشاعرٍ صغير.

        بسم الله.
        كنت هناك، بين أحضان تلك الحديقة الغناء،
        أتنزه وأشتمّ روائح الورود الزكية،
        مستمتعا بجمال السرد وسلاسته..
        ==========

        * استوقفتني بعض السهوات اليسيرة:

        جيدًا/ جيداً
        ساكتًا/ ساكتاً
        وحيًا/ وحياً
        فحرّكة/ فحرّكتْ
        رذاذًا ناعمًا/ رذاذاً ناعماً
        الآخريات/ الأخريات
        تمامًا/ تماماً

        * حواسًا/ حواسَّ(فواعل، ممنوع من الصرف)

        * .. غامضة وواضحة، هادئة وثائرة، خجولة وجريئة.
        يبدو لي أنها بدون واو أبلغ وأسلس..
        (غامضة واضحة، هادئة ثائرة، خجولة جريئة)
        والله أعلى وأعلم.

        تحيات من أخيكم.

        التعديل الأخير تم بواسطة الحسن فهري; الساعة 05-05-2022, 21:34.
        ولا أقـولُ لقِـدْر القـوم: قدْ غلِيَـتْ
        ولا أقـول لـباب الـدار: مَغـلـوقُ !
        ( أبو الأسْـود الدّؤليّ )
        *===*===*===*===*
        أنا الذي أمرَ الوالي بقطع يدي
        لمّا تبيّـنَ أنّي في يـدي قـلــمُ
        !
        ( ح. فهـري )

        تعليق

        يعمل...
        X