حنظلة يخترق الجدار ويهتف يا للعار

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • المحقق كونان
    أديب وكاتب
    • 17-11-2015
    • 46

    حنظلة يخترق الجدار ويهتف يا للعار

    الــمــشــهــد:
    جدار متحطم، يتوشحه جدارية لحنظلة، لا نعرف ملامح وجههُ حتى الآن، مازال يربط كفيه خلف ظهره، كما تربط أمي أبي عن مواعيده مع الفتيات الأخرى..
    أمامه شجرة التوت تبعث ظلالها على الجدار، وتلوح كما تلوح زوجة أبي مع أمي، تراها في ميلانها تبعث نسيمها الحلو مرة، وتارة أخرى تزعجنا في حركاتها، لا الطيور باتت تعزف ألحانها على أغصانها، ولا رمت علينا حبات التوت..
    أسفلها حجر قدسي كبير؛ أستريح عليه دوماً، ولوددت أن تكتب بلدية مخيمنا الموقرة هذا المكان بإسمي، لأن زواره قد تلاشوا، ولم يعد يروق هذا المكان لأحد، غيري أنا وجدتي في الصباح، وجدي في المساء، كونهم يرفضون الجلوس مع بعضهما البعض، لخلافات تافهة أبرزها، أن زوج أخت جدتي تزوجها بثلاث بقرات، وجدي تزوج جدتي بسخلة... لا بأس.. فالمقام لا يتسع لخلافاتنا الأسرية.
    ***********************
    سـقـطـت أوراق الـتـوت...
    قبل عام من هذه الحادثة التي هزت أركان مخيمنا،
    يقاطعني الطبيب لا لا، لا تسرد لي الحكاية هكذا، أريدها بالتفصيل الممل
    - حسناً سأروي لك القصة من بابها إلى محرابها..

    كنت أجلس في الفصل برفقة زملائي، وكان موقعي المقعد الأول، أمام السبورة مباشرة، وكان معلمي يحبني كثيراً، لذكائي المفرط، وكان يجلس بجانبي على نفس المقعد، زميل ........... لا أعرف ما اسمه، دعني أحاول أن أتذكر اسمه يا دكتور...
    يقاطعني الطبيب، لا بأس لو نسيت الأسماء، المهم أن لا تنسى المواقف، أليس كذلك عزيزي حنظلة؟
    - بكل تأكيد سيدي الطبيب، بكل تأكيد، كلماتك بالصميم، أنا أفهمك جيداً. -مع ضحكة صفراء يتوسطها لمعان أنيابي-
    المهم سيدي، في احدى الأيام، تأخرت عن الدوام، بسبب صراع أبي وأمي ليلاً، فلم أجد من يحيك لي قميصي الأزرق الذي استلمناه من وكالة الغوث لتشغيل اللاجئين،، لذلك دخلت بوابة المدرسة،، تلقيت ضربتين بالعصا على يداي بسبب التأخير مع انذار احضار ولي أمر في المرات القادمة..
    دخلت الفصل، وجدت مدرس اللغة العربية يشرح الدرس، قاطعته أمام كل الطلاب صارخاً في وجه الجميع...........
    من سمح لك أيها المغفل أن تجلس مكاني؟!، أنا لا يملاً مكاني أحد، وبحضوري تنتهي كل المجالس،، ثم صرخت في وجه من يجلس بجانبي دائماً، كيف تسمح له بالجلوس؟!
    هل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟! كم مرة غششتك في الاختبارات وشرحت لك مئات الدروس، أنسيت كم قلم أعطيتك؟!
    ثم صرخت في وجه ذلك الضيف السمج الثقيل، الذي لفظته كل فصول المدارس، وطردته كل أبواب الوزارات، وتخلت عنه كل معاني التربية،
    من سمح لك بالجلوس مكاني؟!
    هيا غادر هذا المكان أيه الوقح، يا لص، أستحلفك بالله، ألست أنت من سرق ساندويش الزعتر من حقيبتي؟
    هيا غادر قبل أن أبرحك ضرباً...
    بدأ ذلك المعتوه بالبكاء والاستطعاف بأنه لا يجد مكاناً ليتلعم به، وأنه مشتت بلا مأوى....
    سرعان ما رق قلب معلم اللغة العربية، الذي لا يحفظ من القصائد إلا ما تردده فوهة أم كلثوم..
    فأخرس فمي، كما تعودت عمتي أن تخرس زوجها أمام الجميع على مائدة العشاء..
    وبعد تلك الضربات والملاسنات الساخنة التي طالت لساعات طويلة، قرر المعلم تحويل مشكلتنا عند مدير المدرسة......
    ولسوء الحظ.. كان قد انتهى الدوام.. وقُرع الجرس لنغادر المدرسة..
    عدت الى منزلي وأنا حزين ومهموم،، وقررت أن أستظل بظل شجرة التوت، وأطلب النصيحة من حنظلة..،
    جلست على الحجر القدسي، وألقيت عليه محبة مني،، سألني حنظلة بشكل متسارع، ما بك؟! لم أعهدك حزين، كنت تبشرني بتفقوك بالمدرسة، لا تكسر ظهري ناشدتك الله والرحم وتخبرني أنك تأخرت في تحصيلك الدراسي!.......
    يقاطعني الطبيب النفسي.
    أريدك أن توضح لي كيف تكلمت جدارية حنظلة وكيف سمعتها؟
    - سمعتها جيداً لأنني أريد أن أسمع، لكن كيف تكلم لا أعرف من أين جاء الكلام، ففوهة حنظلة غير مألوفة لي بعد..
    دعني أكمل لك بماذا نصحني أبو الحناظل، بعدما عرضت عليه مشكلتي، أصيب بالذهول والدوار وسقط للأمام كي لا أرى وجهه، فطلب مني أن أعيده مكانه بشرط أن لا أنظر لوجهه، ولقدسية العلاقة بيينا احترمت طلبه..
    أعدت حنظلة كما كان، ثم أجابني بصوت يملأه الحزن، حاول أن تستحث همة بقية زملائك، وأن تصف مشكلتك بواقعية، لا تنهزم، ولا تقبل بأنصاف الحلول..

    في اليوم التالي، قررت الخروج من المنزل مبكراً لأجلس مكاني، ولكن للأسف وجدت ذلك النكرة يجلس مكاني، ربما لأنني تأخرت كثيراً أو تأخرنا كلنا كثيراً
    نزلت الى غرفة المدير، ذلك الوجه الحقير، الذي توسم مكتبه بشعار الظلم أساس الملك، الذي أقر وبشكل قطعي أن نجلس نحن الثلاثة في مقعد واحد،
    لم يراعي حرمة المكان على الغرباء، ولا ضيقه على الغريب،
    وهكذا بت أعيش حرباً، أخوضها لوحدي، أدافع عن حقي في مكاني.................
    ***********************
    بـقـيـة الـزملاء
    بعد الحل المجحف الذي قرره سيادة المدير، بدأ فصلنا يتعرض للسرقات واحدة تلو الأخرى، فذلك زميلي من الجهة الأخرى تراه سرقت مقلمته، وأحدهم تعرض للأذى من ذلك الشخص السمج الثقيل...
    دافع البعض عن نفسه بكرامة، كما فعلت أنا، لكن سرعان ما توصلت هذه الحروب إلى سلام، تاركةً خلفها دموعي..
    لكن هذا لم يعد يشكل لي مأزقاً، فأنا على قناعة أن فكرة القدوم للحياة وحيداً ومغادرتها بنفس الطريقة وحيداً لم يأتي من فراغ،
    لذلك سأظل أحارب لوحدي حتى أستعيد مقعدي..
    ومع بداية يوم دراسي جديد، تفاجئت بدعوة على حفل عقده زملائي بالقرب من دورة المياه الخاصة بالمدرسة..
    ومع قرائتي لتلك الدعوة، تراني أصبت بالصرع، فدموعي لم تكف عن البكاء وفمي لم يكف عن القهقهة، وكل هذا في لحظة واحدة..
    قال،، ههههههههههههههههههههههـ، لا أعرف كيف أقولها..
    صديقي الذي يجلس بجواري في نفس المقعد، قرر مصالحة ذلك الشخص الثقيل وتبادل التعاون فيما بينهما...
    وجدير بالذكر أن هذا السلام لم يأتي بعد حرب تذكر
    جاء هكذا، عبثاً، يمكنني أن أقول سلام بلا هدف
    أو أنه فراغ سياسي يعيشه زميلي (زايد)
    صحيح، تذكرت اسمه، هكذا عرفته زايد، وهو حقاً كذلك فوزنه زايد، وهو شخص زائد -ملهوش أي ستين لازمة-..

    مزقت تلك الدعوة الساقطة.. وتوجهت الى شجرة التوت لأحكي لحنظلة عن تلك الحادثة، فلقد مضى وقت طويل لم أسمع ضحكة حنظلة الساخرة..
    ولكن سرعان ما قصصت على حنظلة تلك القصة حتى اخترق الجدار من الأمام وفك معصميه للأعلى وهتف يا للعار ثم بدأ يمزق شعره، وسار بعيداً بعيداً، الى ذلك المكان الذي لا يرى.

    يقاطعني الطبيب..
    حسناً عزيزي (حنظلة) سمعتك بما فيه الكفاية، وسنتبادل أطراف الحديث غداً، وسأكتب لك هذا العقار وهو زجاجة شراب، يجب أن تتناولها في موعدها الصحيح، أراك لاحقاً..

    ****
    عدت الى منزلي الذي لا أحب العودة اليه..
    وبيدي زجاجة الدواء..
    سمعت صوت صراخ
    داهمت المنزل بسرعة، قائلاً: ماذا هناك؟ ما الخطب؟
    خطفت أمي زجاجة الدواء مني، ورمتها على وجه أبي، فأصباته في منتصف وجهه، وسال دمه بشراهة على وجهه..

    دخلت غرفتي وأغلقت الباب، بدأت أفك أزرار القميص، هكذا أرتاح أكثر
    كتبت في دفتر مذكراتي..
    (الكل متهم في ضياع مقعدي، الى حين عودته تثبت براءة الجميع)
    خلدت الى النوم، محتضناً وسادتي، محاولاً النوم.
    لكنني أعدك يا مقعدي لن ينام جفني عنك ما حييت أبداً. - جليسك المخلص حنظلة.
    التعديل الأخير تم بواسطة المحقق كونان; الساعة 23-11-2021, 18:36.
يعمل...
X