كتاب (سلام ما بعده سلام) ي
تحدث عن تشكيل الشرق الأوسط في الفترة من ١٩١٤-١٩٢٢. الكتاب مليء بتفاصيل دقيقة حرفياً "تقلب الدماغ".
مما ذُكِر فيه حول إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين يذكر ما مضمونه ومعناه عبر فصول متفرقة:
بعد عام ١٩٠٨ أصبحت القوة السياسية في الدولة العثمانية بيد جمعية الإتحاد والترقي التركية.
في السفارة البريطانية في القسطنطينية (اسطنبول) كان كبير المترجمين شخص اسمه (جيرالد فيتزموريس). ولأن هناك عداء روسي- يهودي قديم يمتد لعقود، فإن حصول تقارب روسي- بريطاني جعل الكثير من أصحاب القرار يخشون من معاداة اليهود لبريطانيا.
جيرالد فيتزموريس نجح باقناع السفير البريطاني في القسطنطينية (جيرارد لاوثر) بأن جمعية الإتحاد والترقي يهودية ماسونية لأن بها محامي اسمه (إمانويل كاراسو)
السفير لاوثر كتب تقريرا للخارجية البريطانية حول هذا وأيد المخاوف من العداء اليهودي المقبل لبريطانيا وأن السفير الألماني سيكسب اليهود الى صف بلاده وأن الرجل الأقوى في جمعية الإتحاد والترقي (جاويد) يهودي يتستر على ديانته معادي لبريطانيا وبالتالي القرار المسيطر في القسطنطينية هو يهودي نحتاج لكسبه من أجل ضمان عدم استمالة الدولة العثمانية من قبل طرف آخر.
بقت هذه القناعة في دماغ فيتزموريس ولاوثر مستمرة لسنوات حتى اثناء الحرب العالمية الأولى ونجحوا بإقناع الخارجية البريطانية بأن شراء تأييد الجماعة الحاكمة في إسطنبول ممكن من خلال منح وعد بإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين وهذا ما تحقق في وعد بلفور.
يشير الكاتب (دافيد فرومكين) ساخرا إلى أن كاراسو (الشخص الذي ضخموا دوره في الجمعية) لم يصبح أبدا شخصية قيادية في الجمعية بل ظل واحدا من ٤ نواب يهود في مجلس المبعوثان من أصل ٢٨٨ نائب والمفارقة بأنه رغم يهوديته كان معارضا للاستيطان اليهودي في فلسطين!
عن هذه القضية أيضا يتحدث الكتاب في فصول أخرى على أن بريطانيا منحت موافقة أولية لتيودور هيرتزل (الذي لم يكن يهوديا متدينا أصلا وما تحركت مشاعره تجاه أبناء قومه ألا بعد تزايد الاضطهاد لهم في فرنسا وروسيا) على انشاء وطن قومي لليهود في أوغندا!
وبالعودة إلى تاريخ أقدم وتحديدا في عشرينات وثلاثينات القرن التاسع عشر عندما كانت مصر تحت حكم الوالي محمد علي والذي بتحريض من الفرنسيين تقدم تجاه بلاد الشام مهددا الإمبراطورية العثمانية، اقترحت بريطانيا انشاء وطن لليهود ليضمن السلطان دعم اليهود له حيث أن بريطانيا ظلت لها سياسة ثابتة لقرون تتمثل في الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية واستمرت هذه السياسة حتى بعد نشوب الحرب العالمية الأولى لعام أو أثنين.
الثورة الفرنسية ومبادئها كانت السبب في الفكرة المنتشرة آنذاك (كل أمة ينبغي أن يكون لها بلد مستقل) وبدت هذه القاعدة (القومية) بمثابة العلاج لكل المشاكل السياسية آنذاك ومن ضمنها مشكلة اليهود المضطهدين في شرق أوروبا (روسيا القيصرية تحديدا)
بل أن هناك تيار بريطاني كان يدعو لـ"تنصير" اليهود بعد نقلهم إلى فلسطين حتى يكون لبريطانيا حق الحماية لطائفة بروتستانتية مثل روسيا وحمايتها للأرثوذكس في الشام وفرنسا وحمايتها لطائفة الموارنة.
أما تشكيل الشرق الأوسط العربي فكله قائم على (سوء الفهم) حيث لم تكن بريطانيا تفهم ما تعنيه الخلافة الإسلامية وتصورت إمكانية فصل السلطة الدينية عن السياسية اذا ما تم نقل الخلافة الى الحجاز، بل أن الشريف حسين أوهمهم بأنه متفق عليه في شبه الجزيرة العربية بينما كان الواقع معاكس تماما، كما صدمهم مفهوم حدود "مملكة العرب" التي طالب بها.
وبالنسبة للقسطنطينية (اسطنبول الحالية) ذات الأهمية التاريخية والجغرافية والاقتصادية وحتى الدينية فلم ينقذها من السقوط بأيدي الروس سوى مصادفات محضة ولا أدري كيف كان سيكون شكل العالم لولا وقوعها؟
أنا مستمتع بقراءة هذا الكتاب المذهل والصادم والمرجع المهم لفهم تاريخ ما زلنا بعد أكثر من مائة عام ندور في فلكه اعتمادا على الحقائق الموثقة لا التخيلات..
منقول
تحدث عن تشكيل الشرق الأوسط في الفترة من ١٩١٤-١٩٢٢. الكتاب مليء بتفاصيل دقيقة حرفياً "تقلب الدماغ".
مما ذُكِر فيه حول إنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين يذكر ما مضمونه ومعناه عبر فصول متفرقة:
بعد عام ١٩٠٨ أصبحت القوة السياسية في الدولة العثمانية بيد جمعية الإتحاد والترقي التركية.
في السفارة البريطانية في القسطنطينية (اسطنبول) كان كبير المترجمين شخص اسمه (جيرالد فيتزموريس). ولأن هناك عداء روسي- يهودي قديم يمتد لعقود، فإن حصول تقارب روسي- بريطاني جعل الكثير من أصحاب القرار يخشون من معاداة اليهود لبريطانيا.
جيرالد فيتزموريس نجح باقناع السفير البريطاني في القسطنطينية (جيرارد لاوثر) بأن جمعية الإتحاد والترقي يهودية ماسونية لأن بها محامي اسمه (إمانويل كاراسو)
السفير لاوثر كتب تقريرا للخارجية البريطانية حول هذا وأيد المخاوف من العداء اليهودي المقبل لبريطانيا وأن السفير الألماني سيكسب اليهود الى صف بلاده وأن الرجل الأقوى في جمعية الإتحاد والترقي (جاويد) يهودي يتستر على ديانته معادي لبريطانيا وبالتالي القرار المسيطر في القسطنطينية هو يهودي نحتاج لكسبه من أجل ضمان عدم استمالة الدولة العثمانية من قبل طرف آخر.
بقت هذه القناعة في دماغ فيتزموريس ولاوثر مستمرة لسنوات حتى اثناء الحرب العالمية الأولى ونجحوا بإقناع الخارجية البريطانية بأن شراء تأييد الجماعة الحاكمة في إسطنبول ممكن من خلال منح وعد بإنشاء وطن قومي لليهود على أرض فلسطين وهذا ما تحقق في وعد بلفور.
يشير الكاتب (دافيد فرومكين) ساخرا إلى أن كاراسو (الشخص الذي ضخموا دوره في الجمعية) لم يصبح أبدا شخصية قيادية في الجمعية بل ظل واحدا من ٤ نواب يهود في مجلس المبعوثان من أصل ٢٨٨ نائب والمفارقة بأنه رغم يهوديته كان معارضا للاستيطان اليهودي في فلسطين!
عن هذه القضية أيضا يتحدث الكتاب في فصول أخرى على أن بريطانيا منحت موافقة أولية لتيودور هيرتزل (الذي لم يكن يهوديا متدينا أصلا وما تحركت مشاعره تجاه أبناء قومه ألا بعد تزايد الاضطهاد لهم في فرنسا وروسيا) على انشاء وطن قومي لليهود في أوغندا!
وبالعودة إلى تاريخ أقدم وتحديدا في عشرينات وثلاثينات القرن التاسع عشر عندما كانت مصر تحت حكم الوالي محمد علي والذي بتحريض من الفرنسيين تقدم تجاه بلاد الشام مهددا الإمبراطورية العثمانية، اقترحت بريطانيا انشاء وطن لليهود ليضمن السلطان دعم اليهود له حيث أن بريطانيا ظلت لها سياسة ثابتة لقرون تتمثل في الحفاظ على الإمبراطورية العثمانية واستمرت هذه السياسة حتى بعد نشوب الحرب العالمية الأولى لعام أو أثنين.
الثورة الفرنسية ومبادئها كانت السبب في الفكرة المنتشرة آنذاك (كل أمة ينبغي أن يكون لها بلد مستقل) وبدت هذه القاعدة (القومية) بمثابة العلاج لكل المشاكل السياسية آنذاك ومن ضمنها مشكلة اليهود المضطهدين في شرق أوروبا (روسيا القيصرية تحديدا)
بل أن هناك تيار بريطاني كان يدعو لـ"تنصير" اليهود بعد نقلهم إلى فلسطين حتى يكون لبريطانيا حق الحماية لطائفة بروتستانتية مثل روسيا وحمايتها للأرثوذكس في الشام وفرنسا وحمايتها لطائفة الموارنة.
أما تشكيل الشرق الأوسط العربي فكله قائم على (سوء الفهم) حيث لم تكن بريطانيا تفهم ما تعنيه الخلافة الإسلامية وتصورت إمكانية فصل السلطة الدينية عن السياسية اذا ما تم نقل الخلافة الى الحجاز، بل أن الشريف حسين أوهمهم بأنه متفق عليه في شبه الجزيرة العربية بينما كان الواقع معاكس تماما، كما صدمهم مفهوم حدود "مملكة العرب" التي طالب بها.
وبالنسبة للقسطنطينية (اسطنبول الحالية) ذات الأهمية التاريخية والجغرافية والاقتصادية وحتى الدينية فلم ينقذها من السقوط بأيدي الروس سوى مصادفات محضة ولا أدري كيف كان سيكون شكل العالم لولا وقوعها؟
أنا مستمتع بقراءة هذا الكتاب المذهل والصادم والمرجع المهم لفهم تاريخ ما زلنا بعد أكثر من مائة عام ندور في فلكه اعتمادا على الحقائق الموثقة لا التخيلات..
منقول