مداوروش في: 25 فيفري 2022
الموافق لـ: ٢٤ رجب ١٤٤٣ هـ
***
جمع بيننا النّظام الدّاخلي أيّام الثّانوية، كان على علاقة حميمية مع زميلة له. لم يستطع مقاومة مشاعره الجيّاشة تجاهها، فراح يغنّي يحاول تقليد الفنّانين بصوت رقيق فيشعر بوخز في حلقه. ويعاوده الألم، فيستعين بعلبة الرّذاذ التي لاتفارق جيب معطفه البنّي، وأما الجيب الآخر فملغّم بمادّة تشبه الحنّاء. الموافق لـ: ٢٤ رجب ١٤٤٣ هـ
***
كنا بعد تناول وجبة العشاء، نتسلّل إلى ساحة الثّانوية الكبيرة تحت جنح الظّلام، يتخلّص صديقي الفنّان من سترته المزركشة ويبدأ في العدو ذهابا وأيّابا. كان كثير الإعجاب بتلك السّترة الصّفراء "فاقعٌ لونُها"؛ لحدّ الآن لم يطلعني على سرّ ذاك الولوع، سوى أنّه كان يشبّهها بستراتْ النجوم والمشاهير.
مرّت الأيّام، والشهور، والأعوام. كبرتُ، و كبُر صديقي الفنّان حتّى شاخ وشاب، ولم تعد تلك اللّحظات التي عشناها معا تُشغل بالي وباله كثيرا. شغلتنا أمور أخرى كثيرة، وتعبنا.
تعبنا لأنّنا لم نعطِ المسئولية حقّها، ولم نرعها حقّ الرغاية. بسبب سلوكياتنا "المرِحة" في تلك المرحلة من الشباب. وبسبب طموحاتنا التي تجاوزت كل الحدود، والواقع الذي لم يكن يسع أحلامنا الكبيرة، وإيماننا بالحريّة المطلقة، كما في الأساطير، والأفلام.
ولكم تملّكني الضّحك حين صوّر لي أحد الأصدقاء صديقي الفنّان وهو يصرخ بأعلى صوته في وجه السّماء: "why my god" (لماذا يا رب؟). "كنا قد بلغنا ذروة النّشوة عندها بعد الانتهاء من آخر سيجارة". يضيف هذا الصّديق.
الآن فقط عرفتُ السّبب، بعد رحيلك: إنّه الابتلاء الذي لامفرّ منه ياصديقي الطيّب. وبقدر ما يكون الابتلاء عظيما، تكون المعاناة أشدّ وأخطر. لكنّنا لا نقول إلاّ ما يرضي الله. لأننا مؤمنون، ولسنا فقط مسلمين، فيجب أن نرضى بقضاء الله، خيره وشرّه. ولا يجب أن نكون من الذين يحملون فكر الانتحار بالجرعة الزّائدة. فالله تعالى وحده: [لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ].
(( لا سائل يسأل رب العرش عن الذي يفعل بخلقه من تصريفهم فيما شاء من حياة وموت وإعزاز وإذلال، وغير ذلك من حكمه فيهم؛ لأنهم خلقه وعبيده، وجميعهم في ملكه وسلطانه، والحكم حكمه، والقضاء قضاؤه، لا شيء فوقه يسأله عما يفعل فيقول له: لم فعلت؟ ولمَ لم تفعل؟( وَهُمْ يُسْأَلُونَ ) يقول جلّ ثناؤه: وجميع من في السماوات والأرض من عباده مسئولون عن أفعالهم، ومحاسبون على أعمالهم، وهو الذي يسألهم عن ذلك ويحاسبهم عليه، لأنه فوقهم ومالكهم، وهم في سلطانه)) اهـ.
تعليق