أصبح الآن بإمكانها تحقيق كل أمانيها. كان صالون التجميل اول محطاتها، قصت شعرها وجعلته منسدل على كتفها وصبغته باللون الأشقر لتخفي خصل الشيب فيه، وضعت على شفتيها الجافة أحمر شفاه لامع ورسمت تحتها خالٍ صغير. اخفت تجاعيد جبينها ووجنتيها ببعض المساحيق ولصقت على عينيها عدسة زرقاء بلون البحر ووضعت فوقها رموش سود طويلة. نظرت في المرآة واطمأنت على شكلها حين رات ملامح المرأة التي ترغب أن تكون.
ركبت سيارتها الحديثة الفارهة ودخلت للمصرف ثم سحبت مبلغ كبير من المال، شمت رزم النقود وتملت فيها طويلاً، أوراق ملونة تملك كل هذا السحر العجيب الغريب قبل أن تضعها في حقيبتها.
اتجهت الى متجر ملابس فاخر وانتقت بنطال جينز ضيق يحتوي فتحات تظهر مناطق صغيرة من جلد فخذها، وقميص أبيض شفاف مشدود يبان منه نهر صدرها العاجي ويبرز القليل مما خفي مفاتن جسمها اللدن، وانتعلت حذاء أسود بكعب عالٍ. ثم دخلت متجر مجوهرات واصطفت طقم ذهب مطعم بالألماس زاد من جمال عنقها وأصبع يدها، ووضعت بمعصمها ساعة فاخرة باهظة الثمن، ثم اتصلت به قبل أن تخرج.
تقود بين السيارات على الطريق مع أغنية فيروز "نسم علينا الهوا" جاءت متناغمة مع نسيم الهواء المنعش الذي يبثه المكيّف على وجهها. هالها منظر شوارع المدينة لأنها بدت منظمة نظيفة الأرصفة. وقفت عند الإشارة الحمراء وكانت خالية من المتسولين والذين يمسحون زجاج السيارات طمعاً بالقليل الذي تجود به أيادي السوّاق. توقفت قرب متجر زهور وانتقت باقة ورد ملونة ملفوفة بورق أحمر وشريط أخضر مثل اللون الذي يحبه وواصلت طريقها.
شاهدت مطعماً يبدو فاخراً من شكله، دخلت وجلست بمكان منعزل بعيد عن بقية العوائل واختارت أصناف مختلفة من مشويات ومقليات ثم ملأت الطاولة بأصناف من حلويات ومعجنات وأكلتها بنهم كأنها لم تأكل من قبل. عندما خرجت قفزت امامها قطة كانت تأكل من حاوية النفايات، اعادت اليها لحظات محفورة في ذاكرتها عندما كانت مع أمها تجمع بقايا الطعام من فضلات المطاعم.
وصلت الكوفي شوب، دخلت ولفحتها نسمة هواء باردة منعشة، ضوء خفيف وهدوء مطبق إلا من نغمات موسيقية هادئة وهمسات بعض الجالسين هنا وهناك، جلست على طاولة بجانب نافذة تطل على الشارع، فوقها زهرية فيها وردة جوري أخذت تداعب أوراقها برقة وهي تنتظره. كم جميلة هي الحياة عندما يحقق الإنسان فيها جميع امنياته! ويستمتع فيها لآخر لحظة.. لأنها مجرد لحظة.
وصل وفتح الباب في موعده، دخل تعلو وجهه الابتسامة التي تعشقها، أنيق مثلما تراه دائماً يرتدي بنطال جينز وقميص أخضر زاد من بريق عينيه الخضراوين. جلس بجانبها ومسك بيدها قبل أن ترحب به مثلما يفعل عادةً.
تملت ملامح وجهه وهو يرتشف من كوب القهوة رشفات خفيفة ويتحدث بصوت هادئ تسمعه بصعوبة. كانت تستمتع بالاستماع لكلماته وهو ينطقها مثل نغمات نوتة موسيقية تستقر في قلبها ولا تخرج منه. بقيا معاً طويلاً تحدثا وضحكا كثيراً ومرت الساعات مثل ثواني، ففي السعادة الوقت يمضي مثل البرق. قبل أن ينظر الى هاتفه الجوال ويقول "لقد حان وقت محاضرتي الآن، عليّ الذهاب فوراً" منحته باقة الورد.. لقد غادر وترك مكانه يضوع بعطره.
تمكن جيش ملائكة الحب من احتلال عقلها وبسط نفوذه على كل نقطة في جسمها. الحب تلك القوة الناعمة التي تحتل عقل وقلب الفرد وتحوله الى كائن مختلف لا يستطيع بعدها العيش إلا بقرب من يحب. تتبدل معه تلك الوسادة ليلاً الى منبع تتدفق مياهه في أنهار خلايا العقل العطشى وتسقي بساتين الأشواق بالأمنيات ثم تنقلب حين يحين الصباح وتشرق شمس الحقيقة الى بركة ماء متعفن، تفيض وتسمم أشجار بساتين الخيال وتعيدها الى صحراء الواقع.
سهمت في تفكيرها وهاجمت ذهنها الأسئلة وحاصرته من جميع الجهات، هل يحبها بقدر ما تحبه؟ هل يستطيع المكياج محو عشرين عاماً من عمرها وجعلها بعمره! وهل ستتمكن من إسعاده وهي بعمر أمه؟ ماذا لو كان حُبه نزوة شباب عابرة تزول بمرور الأيام! كم جميل هذا الوهم المرسوم بدقة من خيال ملون، أو ربما هو واقع!
أخرجت علبة سجائر من حقيبتها، أشعلت واحدة وزفرت الدخان مثل غيمة كأنه ينبعث من قلبها المحترق، اعادت كل كلماته بنبرة صوته الهادئة كأنها همسات ملاك. تأملت كوب القهوة الذي كان يشرب منه، مدّت اصابعها ولامست حافته برقة، رفعته عن الصحن وشمته، لم يزل يحتفظ برائحته. لامست شفتيها الموضع الذي كان يشرب منه وأحست بمذاق طعم شفتيه، فانتابتها قشعريرة سرت في جسدها مثل موجة بحر عنيفة ضربت الشاطئ. انبثقت بعدها حمم من جوف روحها وفجرت معها براكين انوثتها الهامدة.
اختفى كل الوجود من أمام عينيها في لحظة. كانت معه في غرفة تتناثر على ارضيتها ورود بيض، رفع البرقع الأبيض من على وجهها ورمقها بنظرة تفيض بالحب والرغبة، مد رأسه وطبع قبلة فوق الخال المرسوم، شهقت زفيره الساخن وكتمته في رئتيها كأنها تحاول الاحتفاظ فيه الى الأبد. وضع يده خلف رقبتها وأخذ يداعب بأصبعه أذنها برقة، سحب سحاب بدلتها بيده الأخرى ولامس جلد ظهرها برفق كأنه يداعب فراشة، اجتاحت جسدها شرارة كهربائية حولتها الى كتلة ملتهبة من جذوة الرغبة كأنها الروح الأولى نُفخت في طينها فأسرت الحياة فيه. كل ثانية تمر من الوقت تتحول الى فراشة ملونة وعصفور مُغرّد أخذت تتراقص فوق أغصان شجرة حبها اليانعة.
صراخ بعيد غريب طغى على همساتهما اشعرها بالرعب وأحست بيديه تهزها بعنف ثم دفعتها بقوة أسقطتها على الأريكة. أخذت عجلة الألوان تدور بسرعة جنونية حتى تحولت الى بياض مطلق.. مُدت يد غريبة ومحت ذلك الخيال وأيقظتها من حلم جميل وممتع. ساد الظلام في لحظة قبل أن تعود الى الواقع وتبصر وجه صاحبة الدار العبوس وهي تصرخ بها بعنف "ألم أحذرك ألف مرة.. ألم اقل لكِ أن لا تقتربي من أشياء ولدي، وخاصة نظارة الواقع الافتراضي هذه.. أذهبي وأكملي تنظيف بقية الغرف، وإلا رميتك في الشارع"
نهضت وعدلت حجابها الرث، خرجت وهي تلعن الواقع الافتراضي ومن أوجده، لتنهي بقية عملها المضني في المنزل. قبل أن تعود للشارع الذي يوصلها الى خربتها القصية في أطراف حي الفقراء المحرومين البعيد.
فراس عبد الحسين
ركبت سيارتها الحديثة الفارهة ودخلت للمصرف ثم سحبت مبلغ كبير من المال، شمت رزم النقود وتملت فيها طويلاً، أوراق ملونة تملك كل هذا السحر العجيب الغريب قبل أن تضعها في حقيبتها.
اتجهت الى متجر ملابس فاخر وانتقت بنطال جينز ضيق يحتوي فتحات تظهر مناطق صغيرة من جلد فخذها، وقميص أبيض شفاف مشدود يبان منه نهر صدرها العاجي ويبرز القليل مما خفي مفاتن جسمها اللدن، وانتعلت حذاء أسود بكعب عالٍ. ثم دخلت متجر مجوهرات واصطفت طقم ذهب مطعم بالألماس زاد من جمال عنقها وأصبع يدها، ووضعت بمعصمها ساعة فاخرة باهظة الثمن، ثم اتصلت به قبل أن تخرج.
تقود بين السيارات على الطريق مع أغنية فيروز "نسم علينا الهوا" جاءت متناغمة مع نسيم الهواء المنعش الذي يبثه المكيّف على وجهها. هالها منظر شوارع المدينة لأنها بدت منظمة نظيفة الأرصفة. وقفت عند الإشارة الحمراء وكانت خالية من المتسولين والذين يمسحون زجاج السيارات طمعاً بالقليل الذي تجود به أيادي السوّاق. توقفت قرب متجر زهور وانتقت باقة ورد ملونة ملفوفة بورق أحمر وشريط أخضر مثل اللون الذي يحبه وواصلت طريقها.
شاهدت مطعماً يبدو فاخراً من شكله، دخلت وجلست بمكان منعزل بعيد عن بقية العوائل واختارت أصناف مختلفة من مشويات ومقليات ثم ملأت الطاولة بأصناف من حلويات ومعجنات وأكلتها بنهم كأنها لم تأكل من قبل. عندما خرجت قفزت امامها قطة كانت تأكل من حاوية النفايات، اعادت اليها لحظات محفورة في ذاكرتها عندما كانت مع أمها تجمع بقايا الطعام من فضلات المطاعم.
وصلت الكوفي شوب، دخلت ولفحتها نسمة هواء باردة منعشة، ضوء خفيف وهدوء مطبق إلا من نغمات موسيقية هادئة وهمسات بعض الجالسين هنا وهناك، جلست على طاولة بجانب نافذة تطل على الشارع، فوقها زهرية فيها وردة جوري أخذت تداعب أوراقها برقة وهي تنتظره. كم جميلة هي الحياة عندما يحقق الإنسان فيها جميع امنياته! ويستمتع فيها لآخر لحظة.. لأنها مجرد لحظة.
وصل وفتح الباب في موعده، دخل تعلو وجهه الابتسامة التي تعشقها، أنيق مثلما تراه دائماً يرتدي بنطال جينز وقميص أخضر زاد من بريق عينيه الخضراوين. جلس بجانبها ومسك بيدها قبل أن ترحب به مثلما يفعل عادةً.
تملت ملامح وجهه وهو يرتشف من كوب القهوة رشفات خفيفة ويتحدث بصوت هادئ تسمعه بصعوبة. كانت تستمتع بالاستماع لكلماته وهو ينطقها مثل نغمات نوتة موسيقية تستقر في قلبها ولا تخرج منه. بقيا معاً طويلاً تحدثا وضحكا كثيراً ومرت الساعات مثل ثواني، ففي السعادة الوقت يمضي مثل البرق. قبل أن ينظر الى هاتفه الجوال ويقول "لقد حان وقت محاضرتي الآن، عليّ الذهاب فوراً" منحته باقة الورد.. لقد غادر وترك مكانه يضوع بعطره.
تمكن جيش ملائكة الحب من احتلال عقلها وبسط نفوذه على كل نقطة في جسمها. الحب تلك القوة الناعمة التي تحتل عقل وقلب الفرد وتحوله الى كائن مختلف لا يستطيع بعدها العيش إلا بقرب من يحب. تتبدل معه تلك الوسادة ليلاً الى منبع تتدفق مياهه في أنهار خلايا العقل العطشى وتسقي بساتين الأشواق بالأمنيات ثم تنقلب حين يحين الصباح وتشرق شمس الحقيقة الى بركة ماء متعفن، تفيض وتسمم أشجار بساتين الخيال وتعيدها الى صحراء الواقع.
سهمت في تفكيرها وهاجمت ذهنها الأسئلة وحاصرته من جميع الجهات، هل يحبها بقدر ما تحبه؟ هل يستطيع المكياج محو عشرين عاماً من عمرها وجعلها بعمره! وهل ستتمكن من إسعاده وهي بعمر أمه؟ ماذا لو كان حُبه نزوة شباب عابرة تزول بمرور الأيام! كم جميل هذا الوهم المرسوم بدقة من خيال ملون، أو ربما هو واقع!
أخرجت علبة سجائر من حقيبتها، أشعلت واحدة وزفرت الدخان مثل غيمة كأنه ينبعث من قلبها المحترق، اعادت كل كلماته بنبرة صوته الهادئة كأنها همسات ملاك. تأملت كوب القهوة الذي كان يشرب منه، مدّت اصابعها ولامست حافته برقة، رفعته عن الصحن وشمته، لم يزل يحتفظ برائحته. لامست شفتيها الموضع الذي كان يشرب منه وأحست بمذاق طعم شفتيه، فانتابتها قشعريرة سرت في جسدها مثل موجة بحر عنيفة ضربت الشاطئ. انبثقت بعدها حمم من جوف روحها وفجرت معها براكين انوثتها الهامدة.
اختفى كل الوجود من أمام عينيها في لحظة. كانت معه في غرفة تتناثر على ارضيتها ورود بيض، رفع البرقع الأبيض من على وجهها ورمقها بنظرة تفيض بالحب والرغبة، مد رأسه وطبع قبلة فوق الخال المرسوم، شهقت زفيره الساخن وكتمته في رئتيها كأنها تحاول الاحتفاظ فيه الى الأبد. وضع يده خلف رقبتها وأخذ يداعب بأصبعه أذنها برقة، سحب سحاب بدلتها بيده الأخرى ولامس جلد ظهرها برفق كأنه يداعب فراشة، اجتاحت جسدها شرارة كهربائية حولتها الى كتلة ملتهبة من جذوة الرغبة كأنها الروح الأولى نُفخت في طينها فأسرت الحياة فيه. كل ثانية تمر من الوقت تتحول الى فراشة ملونة وعصفور مُغرّد أخذت تتراقص فوق أغصان شجرة حبها اليانعة.
صراخ بعيد غريب طغى على همساتهما اشعرها بالرعب وأحست بيديه تهزها بعنف ثم دفعتها بقوة أسقطتها على الأريكة. أخذت عجلة الألوان تدور بسرعة جنونية حتى تحولت الى بياض مطلق.. مُدت يد غريبة ومحت ذلك الخيال وأيقظتها من حلم جميل وممتع. ساد الظلام في لحظة قبل أن تعود الى الواقع وتبصر وجه صاحبة الدار العبوس وهي تصرخ بها بعنف "ألم أحذرك ألف مرة.. ألم اقل لكِ أن لا تقتربي من أشياء ولدي، وخاصة نظارة الواقع الافتراضي هذه.. أذهبي وأكملي تنظيف بقية الغرف، وإلا رميتك في الشارع"
نهضت وعدلت حجابها الرث، خرجت وهي تلعن الواقع الافتراضي ومن أوجده، لتنهي بقية عملها المضني في المنزل. قبل أن تعود للشارع الذي يوصلها الى خربتها القصية في أطراف حي الفقراء المحرومين البعيد.
فراس عبد الحسين
تعليق