لوح النصر
جالسٌ بين عمال بوجوه كالحة ألتهم لحمها الفقر ولم يبقِ منها سوى عيون غائرة بمحجرين بارزين وفكوك ناتئة، والصمت شبح يخيم على الأجواء يجتث الكلمة من حنجرة الحلق قبل أن تُنطق.
ألقى رأسه على زجاجِ شباك الباص الذي يمشي ببطء مثل سلحفاة عرجاء، مد بصره فشَخَصَ تصريح الدخول بيده، كأنه عار سوف يبقى عالقاً بروحه مثل وشمٍ في جبينٍ، بعد وقوعه بين سندان الجوع الذي نخر عظامه ومطرقة الندم من قبوله العمل.
توقف الباص، سمع نداء السائق بالنزول للتفتيش.
شَفَنَ جدار كونكريت بشع تعلوه أسلاك شائكة تمتد لمسافة بعيدة، تنمُ عن كراهية ورعبٍ من مجهول، وسطه بوابة ضيقة مثل فم أفعى مفتوح، يلتهم فرائس تدخله طوعاً ولا يشبع. مشى في ممر ضيق من قضبان حديدية غليظة متراصة يسمح بمرور شخصٍ واحد حتى بلغ أطاراً يعلوه مصباح توهج باللون الأخضر، نقله إلى حاجز زجاجي فيه أربعة ثقوب وخلفه مُجند بوجهٍ عبوس تقطر من عينيه الكراهية، أسجَدَ التصريح من خلف الزجاج ثم أشار له بالمرور. ها قد تم افتراسه وتَهيئ إلى مرحلة الهضم.
حياة مختلفة في الجانب الأخر، مدينة عصرية، متنزه واسع بأزهار متنوعة تعلوها أشجار وارفة وساحة خضراء للعب الأطفال، عمارات شاهقة. وجنود مدججّين بالسلاح متأهبين وأيديهم على الزناد، كأنهم بانتظار حركة بسيطة لإفراغ غلهم وحقدهم مع الرصاص.
مستوطنة كأن كل شيء فيها منظم لكن مجتمعها بلا روح، بلا حب، خليط غير متجانس من شعوبٍ مختلفة الأعراق والتقاليد تمت لملمتهم من بقاع الأرض في مكانٍ واحد.
حشر نفسه في باص آخر بين بقية العمال وسار بهم إلى حيث لا يعلم، دخل أراضي يعرفها جيداً فبالرغم من رائحةِ البارود وعرق الجنود لم تزل تحمل بقايا مزيج شذى زهور السوسن، الزعفران، الياسمين، الأقحوان، بعدما تداعبها شمس الصباح.
وصل موقع العمل، حفارات بأعناق طويلة كأنها ديناصورات كاسِرة، تخترق أديم الأرض بأنياب بارزة فتمزق أحشائها وتنزل عميقاً للعظم وهي تنزف دماء التاريخ بوجع.
نزل للأسفل يُهيئ مكان قضبان الحديد لإعداد الخرسانة، وهو منهك في العملِ بين الركام تحت أشعة الشمس في عمقِ الحُفرةِ، ارتطمت مجرفته بشيءٍ صلب، حفر التراب من جانبيهِ فعثر على نصلِ سيفٍ طويل وصدئ، مسك قبضته ففقد توازنه وأخذت السماء تدور به. سمع صدى صوت بعيد غريب "مَن أنت أيها المخلوق الضعيف، كيف تجرؤ أن تحمل هذا السيف بيدك!" سرت بجسمهِ قشعريرة فقدَ معها الشعور بالزمان والمكان، ووقع حوافر خيول وصهيلها يخترق الأفاق ويقترب منه.
بَرِق بَصرُهُ في الأفقِ، عربة ذهبية قادمة نحوه تجرها ثلاثة خيول بيضاء يعابيب يقودها رجل ضخم البنية، عريض المنكبين، طويل القامة، يلف جسده بازار حريريٍ أبيض ويرتدي خوذة ذهبية، جرّه ووضعه بجانبه وانطلق مسرعاً والخيول تخترق السماء بركلاتها المتسارعة في فضاء اللامكان، وغارت به لأعماقِ التاريخ.
السماء فاتنة الأجواء، نظر إلى أسفل وشاهد خطوطا تنطلق من غزّة يمتد خلفها دخان أبيض طويل مثل خيوط حرير تتشابك فيما بينها لتنسج لوحة عنوانها العز والإباء وتسقط في قلبِ تل أبيب، لتعلو أبواق سيارات الإسعاف؛ كأنها تنادي بنشيد وطني فلسطيني لم يُعزف لحنه بعد.
كتل خرسانية عملاقة تُقطّع جسد الوطن الواحد لأشلاءٍ متناثرةٍ تربط بينها شرايين ضيقة تبقيه على قيدِ الحياة، وتكتم أنفاس سكانه في قفصٍ كبيرٍ ولا تخرج منه أو تدخل إليه إلا بتصريح!
نساء، شباب، أطفال، شيوخ، يقاومون ترسانة السلاح بالحجارة، يسقط بين حين وآخر أحدهم شهيداً يحمله الثوار على أكتافهم وصرخاتهم تُعانق حدود السماء" الشهيد حبيب الله". يهب الشعب الفلسطيني في انتفاضةٍ أخرى ويسقط فيها عشرات الشهداء وتغص المستشفيات بالجرحى.
توغلت العربة في بطنِ التاريخ، طائرات تنطلق من قواعدها بشكلٍ منخفضٍ وتقصف المطارات، بطاريات الدفاع الجوي، تجمع الدبابات والمدرعات، مواقع مراقبة خط بارليف، مراكز قيادة الجيش الإسرائيلي، ثم عبور الجنود المشاة من ضفة قناة السويس وفتح ثغرات بخط بارليف بمضخات المياهِ، لحين إكمال مد سبعة جسور عائمة ودخول الدبابات إلى المنطقة المحررة واسترجاع الأرض المسلوبة.
تلبدت السماء بغيوم سود كأنها بداية فيلم مُرعب، يندفع الصخب من أحشاء الصمت، نواح الثكالى، عويل الأطفال، وأنين الجرحى يخترق الآذان، الجيش الإسرائيلي يشن حرباً شعواء على ما تبقى من أراضي فلسطين ويحتل الضفة الغربية وقطاع غزّة وصحراء سيناء ومرتفعات الجولان ومزارع شبعا وجزيرتا صنافير وتيران.
حرب تودي بحياة الكثيرين وتهجّر أضعافهم، حفارات تهدّم بيوت العوائل وتبني مستوطنات في غزّة والجولان والقُدس. فأشاح ببصرهِ جانباً يتفادى بشاعة المنظر.
لم ينقشع ضباب السحب بعد، جيوش عربية تتقدم من جميعِ الجهات لإنقاذ فلسطين، فيتم تدميرها وأبادتها وإعلان الهزيمة، تدخل بعدها مجاميع مُسلحة الأحياء العربية وتقتل سكانها بمجازر وحشية، والسُفن تنقل اليهود من بقاعِ العالم لإقامة كيان صهيوني غريب على أرض عربية شعبها متناثر بين مدن مُقطعة ومشلولة.
أصبح الفضاء صافياً والنسيم يداعب وجهه وهو منطلق في العربةِ، يشاهد من الأعلى تجمع ثوار عرب وفلسطينيين في قرية بِلعا، يفجرون ألغاماً على رتل عسكري بريطاني صهيوني مشترك ويوقع منهم قتلى وجرحى ويطلقون النار على مَن تبقى منهم، ثم ينسحبون للتلال الوعرة المجاورة وتتبعهم قوات الاحتلال، يحاصروهم الثوار ويطلقون عليهم الرصاص الكثيف، ليعلن بعدها الجيش البريطاني حالة الطوارئ والنفير العام.
برقٌ يعمي الأبصار ورعدٌ يخترق الآفاق، أجواء حزينة تخيم على أجواءِ المنطقةِ، نظر للأسفل، الضابط اللورد اللنبي يدخل مدينة القدس مشياً على الأقدام يتبعه الجنود برفقة ضابط المخابرات إدوارد لورنس، ليخطب بالجماهير جئتكم محرراً لا غازياً!
سُفن تجلب اليهود من بقاع العالم مرةً أخرى وتنزلهم على سواحلِ فلسطين، بعد تهجير شعبها بعمليات تطهير عرقي وعصابات مسلحة صهيونية تقوم بأبشع الجرائم بحق الأبرياء العُزّل تحت حماية ودعم قوات الاحتلال البريطاني، مثلما فعلت أمريكا مع السكان المحليين من إبادة.
دخول العثمانيين القُدس بعد انتصارهم على المماليك في حرب طاحنة بين الجيشين بعد استخدامهم مدافع بدائية وإحراز النصر. يتابع بعدها معركة ضارية ينتصر بعدها المماليك على المغول ويدخلون القُدس.
جيوش جرّارة يرتدي جنودها رداء أبيض مرسوم عليه صليب أحمر، تنطلق من المدن الأوربية وتدخل القُدس، تعيث في ارضها الفساد وتغلق شوارعها بأكداس جثث الأبرياء، شاهدهم يقومون بعدها ببناء مماليك وإمارات صليبية في أنطاكيا والقُدس. ووجع ينمو بعمر أشجار زيتون المدينة.
الوليد بن عبد الملك يدخل مسجد قبة الصخرة بحفلٍ مهيب بعد الانتهاء من بنائه، يتبعه المهندس رجاء بن حيوة الكندي وقادة الجيوش العربية، بين تهليل وترحيب الأهالي بقدومه.
جيش عربي بقيادة خالد بن سعيد وخالد بن الوليد في مواجهةِ جيش الروّم في منطقة أجنادين ينتصر فيها العرب ويتمكنوا من فتحِ فلسطين وبقية مدن الشام.
تسكن كل الأشياء في السماءِ بصمتٍ جليلٍ كأنها تتأهب لحدثِ عجيب، صخرة في مكانِ المسجد الأقصى ينزل عليها النبي بعد اسراءه من المدينة، يمتطي ظهر البُراق ويعرجُ إلى السماءِ ليصل سدرة المنتهى في السماء السابعة.
أخذته العربة بعيداً في عمقِ التاريخ السحيق، حوادث قصية لم يتمكن من تحديدها ومعرفتها، حتى شاهد صورة ضبابية لبشرٍ ينثرون البذور في حقول ويدجنون الحيوانات وتكوّن نواة مدينة شمال البحر الميت.
انعطف الفارس وعاد إلى شريطِ التاريخ، اقترب من مدينة بعيدة حتى حط قربها، جدار مرتفع مبني بالآجر الأصفر المخفور، منقوش عليه أشكال من زهور وحيوانات، تعلوه فتحات عديدة تطل منها سهام موجهة نحوه. دخل ممر يحده من الجانبينِ جدار شاهق وبوابة زرقاء بلون السماء موشاه بمنحوتات أسُود بارزة "اخفض رأسك أنت في حضرةِ سيروش وأداد إله الطقس والإله مردوخ" جاءه الصوت صاعقاً فخفض رأسه بإجلال. شارع طويل مُكْتَسٍ بالقيّر وعلى جانبيهِ جنود يقفون على أهُبة الاستعداد.
نزل من العربةِ بعد توقفها ومشى لوحدهِ كأنه مُسير ودخل باباً واسعاً، قاعة تفوح بدخان العطور، " اخفض رأسك ولا تنظر بعينِ الملك نصف الإله فأنت في حضرةِ نبوخذ نُصّر العظيم" وجد نفسه أمام عرش مهيب يجلس عليه ملك، اقترب منه وكان ينظر إليه بحدّة، يضع على رأسهِ تاجاً ضخماً من الذهبِ اللامع، مرصعاً بجواهر ملونة. وصل قربه، يبس ريقه وشعر بعطشٍ شديدِ فجاءه أحد الخدم بآنية زرقاء مزخرفة بالزمرد وسقاه منها ماءً بارداً زُلالا.. " سمع صوت الملك" أرفع رأسك يأبن أول مدينة، أرفع رأسك يأبن أريحا العظيمة. ثم مد يده وأخذ السيف منه، حمله باتجاه السماء وعاد كأنه قد سُبك للتو. مسّح على رأسِ الرجل ثم أخرج من أسفل عرشه لوحاً طينياً وقدمه إليه، سمع صدى بعيداً " هذا هو سلاحكم الوحيد الذي تنتصرون به على الأعداءِ"
استفاق بمكانه بين الركام والحفارات والعمال والمهندسين تحت أعيُن جنود يحملون السلاح، داعب ذهنهُ محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة. على هذهِ الأرض سيدةُ الأرض. أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارتْ تسمى فلسطين. سيدتي أستحقُ، لأنكِ سيدتي؛ أستحقُ الحياة"
انتبه للوح الغريب في يده، مسح التراب من عليهِ فوجده مكتوباً بخط مسماري لم يفقه منه شيئاً. فقرر الذهاب إلى علماء الأثار لفك شفرته وقراءة رموزه، فلا غيرهم أحد يستطيع حل سر لُغز اللوح!
فراس عبد الحسين
جالسٌ بين عمال بوجوه كالحة ألتهم لحمها الفقر ولم يبقِ منها سوى عيون غائرة بمحجرين بارزين وفكوك ناتئة، والصمت شبح يخيم على الأجواء يجتث الكلمة من حنجرة الحلق قبل أن تُنطق.
ألقى رأسه على زجاجِ شباك الباص الذي يمشي ببطء مثل سلحفاة عرجاء، مد بصره فشَخَصَ تصريح الدخول بيده، كأنه عار سوف يبقى عالقاً بروحه مثل وشمٍ في جبينٍ، بعد وقوعه بين سندان الجوع الذي نخر عظامه ومطرقة الندم من قبوله العمل.
توقف الباص، سمع نداء السائق بالنزول للتفتيش.
شَفَنَ جدار كونكريت بشع تعلوه أسلاك شائكة تمتد لمسافة بعيدة، تنمُ عن كراهية ورعبٍ من مجهول، وسطه بوابة ضيقة مثل فم أفعى مفتوح، يلتهم فرائس تدخله طوعاً ولا يشبع. مشى في ممر ضيق من قضبان حديدية غليظة متراصة يسمح بمرور شخصٍ واحد حتى بلغ أطاراً يعلوه مصباح توهج باللون الأخضر، نقله إلى حاجز زجاجي فيه أربعة ثقوب وخلفه مُجند بوجهٍ عبوس تقطر من عينيه الكراهية، أسجَدَ التصريح من خلف الزجاج ثم أشار له بالمرور. ها قد تم افتراسه وتَهيئ إلى مرحلة الهضم.
حياة مختلفة في الجانب الأخر، مدينة عصرية، متنزه واسع بأزهار متنوعة تعلوها أشجار وارفة وساحة خضراء للعب الأطفال، عمارات شاهقة. وجنود مدججّين بالسلاح متأهبين وأيديهم على الزناد، كأنهم بانتظار حركة بسيطة لإفراغ غلهم وحقدهم مع الرصاص.
مستوطنة كأن كل شيء فيها منظم لكن مجتمعها بلا روح، بلا حب، خليط غير متجانس من شعوبٍ مختلفة الأعراق والتقاليد تمت لملمتهم من بقاع الأرض في مكانٍ واحد.
حشر نفسه في باص آخر بين بقية العمال وسار بهم إلى حيث لا يعلم، دخل أراضي يعرفها جيداً فبالرغم من رائحةِ البارود وعرق الجنود لم تزل تحمل بقايا مزيج شذى زهور السوسن، الزعفران، الياسمين، الأقحوان، بعدما تداعبها شمس الصباح.
وصل موقع العمل، حفارات بأعناق طويلة كأنها ديناصورات كاسِرة، تخترق أديم الأرض بأنياب بارزة فتمزق أحشائها وتنزل عميقاً للعظم وهي تنزف دماء التاريخ بوجع.
نزل للأسفل يُهيئ مكان قضبان الحديد لإعداد الخرسانة، وهو منهك في العملِ بين الركام تحت أشعة الشمس في عمقِ الحُفرةِ، ارتطمت مجرفته بشيءٍ صلب، حفر التراب من جانبيهِ فعثر على نصلِ سيفٍ طويل وصدئ، مسك قبضته ففقد توازنه وأخذت السماء تدور به. سمع صدى صوت بعيد غريب "مَن أنت أيها المخلوق الضعيف، كيف تجرؤ أن تحمل هذا السيف بيدك!" سرت بجسمهِ قشعريرة فقدَ معها الشعور بالزمان والمكان، ووقع حوافر خيول وصهيلها يخترق الأفاق ويقترب منه.
بَرِق بَصرُهُ في الأفقِ، عربة ذهبية قادمة نحوه تجرها ثلاثة خيول بيضاء يعابيب يقودها رجل ضخم البنية، عريض المنكبين، طويل القامة، يلف جسده بازار حريريٍ أبيض ويرتدي خوذة ذهبية، جرّه ووضعه بجانبه وانطلق مسرعاً والخيول تخترق السماء بركلاتها المتسارعة في فضاء اللامكان، وغارت به لأعماقِ التاريخ.
السماء فاتنة الأجواء، نظر إلى أسفل وشاهد خطوطا تنطلق من غزّة يمتد خلفها دخان أبيض طويل مثل خيوط حرير تتشابك فيما بينها لتنسج لوحة عنوانها العز والإباء وتسقط في قلبِ تل أبيب، لتعلو أبواق سيارات الإسعاف؛ كأنها تنادي بنشيد وطني فلسطيني لم يُعزف لحنه بعد.
كتل خرسانية عملاقة تُقطّع جسد الوطن الواحد لأشلاءٍ متناثرةٍ تربط بينها شرايين ضيقة تبقيه على قيدِ الحياة، وتكتم أنفاس سكانه في قفصٍ كبيرٍ ولا تخرج منه أو تدخل إليه إلا بتصريح!
نساء، شباب، أطفال، شيوخ، يقاومون ترسانة السلاح بالحجارة، يسقط بين حين وآخر أحدهم شهيداً يحمله الثوار على أكتافهم وصرخاتهم تُعانق حدود السماء" الشهيد حبيب الله". يهب الشعب الفلسطيني في انتفاضةٍ أخرى ويسقط فيها عشرات الشهداء وتغص المستشفيات بالجرحى.
توغلت العربة في بطنِ التاريخ، طائرات تنطلق من قواعدها بشكلٍ منخفضٍ وتقصف المطارات، بطاريات الدفاع الجوي، تجمع الدبابات والمدرعات، مواقع مراقبة خط بارليف، مراكز قيادة الجيش الإسرائيلي، ثم عبور الجنود المشاة من ضفة قناة السويس وفتح ثغرات بخط بارليف بمضخات المياهِ، لحين إكمال مد سبعة جسور عائمة ودخول الدبابات إلى المنطقة المحررة واسترجاع الأرض المسلوبة.
تلبدت السماء بغيوم سود كأنها بداية فيلم مُرعب، يندفع الصخب من أحشاء الصمت، نواح الثكالى، عويل الأطفال، وأنين الجرحى يخترق الآذان، الجيش الإسرائيلي يشن حرباً شعواء على ما تبقى من أراضي فلسطين ويحتل الضفة الغربية وقطاع غزّة وصحراء سيناء ومرتفعات الجولان ومزارع شبعا وجزيرتا صنافير وتيران.
حرب تودي بحياة الكثيرين وتهجّر أضعافهم، حفارات تهدّم بيوت العوائل وتبني مستوطنات في غزّة والجولان والقُدس. فأشاح ببصرهِ جانباً يتفادى بشاعة المنظر.
لم ينقشع ضباب السحب بعد، جيوش عربية تتقدم من جميعِ الجهات لإنقاذ فلسطين، فيتم تدميرها وأبادتها وإعلان الهزيمة، تدخل بعدها مجاميع مُسلحة الأحياء العربية وتقتل سكانها بمجازر وحشية، والسُفن تنقل اليهود من بقاعِ العالم لإقامة كيان صهيوني غريب على أرض عربية شعبها متناثر بين مدن مُقطعة ومشلولة.
أصبح الفضاء صافياً والنسيم يداعب وجهه وهو منطلق في العربةِ، يشاهد من الأعلى تجمع ثوار عرب وفلسطينيين في قرية بِلعا، يفجرون ألغاماً على رتل عسكري بريطاني صهيوني مشترك ويوقع منهم قتلى وجرحى ويطلقون النار على مَن تبقى منهم، ثم ينسحبون للتلال الوعرة المجاورة وتتبعهم قوات الاحتلال، يحاصروهم الثوار ويطلقون عليهم الرصاص الكثيف، ليعلن بعدها الجيش البريطاني حالة الطوارئ والنفير العام.
برقٌ يعمي الأبصار ورعدٌ يخترق الآفاق، أجواء حزينة تخيم على أجواءِ المنطقةِ، نظر للأسفل، الضابط اللورد اللنبي يدخل مدينة القدس مشياً على الأقدام يتبعه الجنود برفقة ضابط المخابرات إدوارد لورنس، ليخطب بالجماهير جئتكم محرراً لا غازياً!
سُفن تجلب اليهود من بقاع العالم مرةً أخرى وتنزلهم على سواحلِ فلسطين، بعد تهجير شعبها بعمليات تطهير عرقي وعصابات مسلحة صهيونية تقوم بأبشع الجرائم بحق الأبرياء العُزّل تحت حماية ودعم قوات الاحتلال البريطاني، مثلما فعلت أمريكا مع السكان المحليين من إبادة.
دخول العثمانيين القُدس بعد انتصارهم على المماليك في حرب طاحنة بين الجيشين بعد استخدامهم مدافع بدائية وإحراز النصر. يتابع بعدها معركة ضارية ينتصر بعدها المماليك على المغول ويدخلون القُدس.
جيوش جرّارة يرتدي جنودها رداء أبيض مرسوم عليه صليب أحمر، تنطلق من المدن الأوربية وتدخل القُدس، تعيث في ارضها الفساد وتغلق شوارعها بأكداس جثث الأبرياء، شاهدهم يقومون بعدها ببناء مماليك وإمارات صليبية في أنطاكيا والقُدس. ووجع ينمو بعمر أشجار زيتون المدينة.
الوليد بن عبد الملك يدخل مسجد قبة الصخرة بحفلٍ مهيب بعد الانتهاء من بنائه، يتبعه المهندس رجاء بن حيوة الكندي وقادة الجيوش العربية، بين تهليل وترحيب الأهالي بقدومه.
جيش عربي بقيادة خالد بن سعيد وخالد بن الوليد في مواجهةِ جيش الروّم في منطقة أجنادين ينتصر فيها العرب ويتمكنوا من فتحِ فلسطين وبقية مدن الشام.
تسكن كل الأشياء في السماءِ بصمتٍ جليلٍ كأنها تتأهب لحدثِ عجيب، صخرة في مكانِ المسجد الأقصى ينزل عليها النبي بعد اسراءه من المدينة، يمتطي ظهر البُراق ويعرجُ إلى السماءِ ليصل سدرة المنتهى في السماء السابعة.
أخذته العربة بعيداً في عمقِ التاريخ السحيق، حوادث قصية لم يتمكن من تحديدها ومعرفتها، حتى شاهد صورة ضبابية لبشرٍ ينثرون البذور في حقول ويدجنون الحيوانات وتكوّن نواة مدينة شمال البحر الميت.
انعطف الفارس وعاد إلى شريطِ التاريخ، اقترب من مدينة بعيدة حتى حط قربها، جدار مرتفع مبني بالآجر الأصفر المخفور، منقوش عليه أشكال من زهور وحيوانات، تعلوه فتحات عديدة تطل منها سهام موجهة نحوه. دخل ممر يحده من الجانبينِ جدار شاهق وبوابة زرقاء بلون السماء موشاه بمنحوتات أسُود بارزة "اخفض رأسك أنت في حضرةِ سيروش وأداد إله الطقس والإله مردوخ" جاءه الصوت صاعقاً فخفض رأسه بإجلال. شارع طويل مُكْتَسٍ بالقيّر وعلى جانبيهِ جنود يقفون على أهُبة الاستعداد.
نزل من العربةِ بعد توقفها ومشى لوحدهِ كأنه مُسير ودخل باباً واسعاً، قاعة تفوح بدخان العطور، " اخفض رأسك ولا تنظر بعينِ الملك نصف الإله فأنت في حضرةِ نبوخذ نُصّر العظيم" وجد نفسه أمام عرش مهيب يجلس عليه ملك، اقترب منه وكان ينظر إليه بحدّة، يضع على رأسهِ تاجاً ضخماً من الذهبِ اللامع، مرصعاً بجواهر ملونة. وصل قربه، يبس ريقه وشعر بعطشٍ شديدِ فجاءه أحد الخدم بآنية زرقاء مزخرفة بالزمرد وسقاه منها ماءً بارداً زُلالا.. " سمع صوت الملك" أرفع رأسك يأبن أول مدينة، أرفع رأسك يأبن أريحا العظيمة. ثم مد يده وأخذ السيف منه، حمله باتجاه السماء وعاد كأنه قد سُبك للتو. مسّح على رأسِ الرجل ثم أخرج من أسفل عرشه لوحاً طينياً وقدمه إليه، سمع صدى بعيداً " هذا هو سلاحكم الوحيد الذي تنتصرون به على الأعداءِ"
استفاق بمكانه بين الركام والحفارات والعمال والمهندسين تحت أعيُن جنود يحملون السلاح، داعب ذهنهُ محمود درويش "على هذه الأرض ما يستحقّ الحياة. على هذهِ الأرض سيدةُ الأرض. أم البدايات أم النهايات. كانت تسمى فلسطين. صارتْ تسمى فلسطين. سيدتي أستحقُ، لأنكِ سيدتي؛ أستحقُ الحياة"
انتبه للوح الغريب في يده، مسح التراب من عليهِ فوجده مكتوباً بخط مسماري لم يفقه منه شيئاً. فقرر الذهاب إلى علماء الأثار لفك شفرته وقراءة رموزه، فلا غيرهم أحد يستطيع حل سر لُغز اللوح!
فراس عبد الحسين
تعليق