وادي الليل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • رشيد الميموني
    مشرف في ملتقى القصة
    • 14-09-2008
    • 1533

    وادي الليل

    وادي الليل

    قبيل المغرب ، توقفت الحافلة لينزل منها الركاب القادمين من المدينة وقد ناءت أيديهم بأحمال تنوعت بين الألبسة ومستلزمات المطبخ ، ونزل في من نزل شاب متوسط القامة ، نحيف الجسم ، كثيف الشعر وعلى ذقنه نبتت بعض الشعيرات المتفرقة . يحمل نظارتين مكورتين وعلى ظهره حقيبة حوت ملابسه وأثاثه .. يعلو وجهه تجهم واضح يدل على ما يعتلج في نفسه من أحاسيس متضاربة أهمها القلق والحنق على من رمى به دون غيره من زملائه بالمركز إلى هذه المنطقة النائية ليدرس بالابتدائي .
    اضطر للسؤال باقتضاب عن وجهة وادي الليل ، فأشاروا له إلى منحدر يحاذي سفح الجبل إلى أن يغيب وراءه وسط غابة كثيفة الأشجار .
    - عليك أن تسرع قبل أن يحل الظلام – نبهه أحدهم وهو يتفحصه مبتسما – وإلا ضللت الطريق .
    تمتم بكلمات الشكر مشيحا وجهه عنهم . لم ابتسم الرجل ؟ وماذا رآه منه من غرابة ؟ ملبسه المغبر ؟ أم لحيته الخفيفة ؟ أم نظارتيه ؟ .. هل هي عادتهم في الحديث ؟ .. عليه أن يسرع ويرتاح من عناء السفر ويسد رمقه بما حمله من وجبة خفيفة .
    ينطلق لا يلوي على شيء بخطى أشبه بالعدو . وما هي إلا لحظات حتى ساد السكون المكان وغاب هدير الحافلة ولغط الركاب وهم ينطلقون بنشوة نحو منازلهم . ولم يعد يسمع سوى وقع خطواته وبقايا أزيز الصرار ، ثم نقيق الضفادع الآتي من المروج القريبة .
    وادي الليل .. غارق في ظلام دامس إلا من أنوار خافتة متسللة من نوافذ بعض المنازل المتناثرة هنا وهناك . يكاد لا يرى شيئا ، لكنه يميز المدرسة بجناحيها وقد توسطتهما ساحة صغيرة . يعلو نباح كلب عند اقترابه من بيت يشبه الكوخ بجانب المدرسة ، وينبري من ورائه شبح رجل قصير القامة ، يمشي كأنه ينط .
    - مرحبا بالأستاذ .. أخبرني المدير بقرب وصولك .تعال معي لتستريح وتتعشى .. ثم اعطيك مفتاح مسكنك .
    كاد يرفض دعوة الرجل . انقباضه جعله يروم الوحدة . لا يريد رؤية أحد ولا التحدث إلى أحد . جاء للعمل فقط ولن يتواصل مع غير تلامذته . أكل قليلا مما أعده مضيفه .. فاصوليا وسمك مقلي ، ثم كأس شاي فاحت راحة النعناع منه بقوة . يعترف في قرارة نفسه أن الأكل لذيذ ، نادرا ما ذاق لذة مثل لذته . فأقبل عليه بنهم بعد تردد واضح وترك الرجل يتحدث . لم يترك هذا الأخير موضوعا إلا ألم به . التعليم .. السياسة .. الانتخابات وما تدره على الأهالي من مال . تكلم الكهل طويلا ، ثم نهض يبحث عن مفتاح السكن حين لمس من الشاب ما يشي بإعيائه . قاده إلى باب منزل صغير :
    - نم واسترح .. ستفطر معي إن شاء الله .. فعلت حسنا بقدومك السبت حتى تستريح جيدا غدا وتستعد للدخول المدرسي .
    يشعر أن الرجل خفف عنه الكثير من حدة نفسه وحنقه الذي لازمه منذ تسلم تعيينه بوادي الليل ، وأزال بعض العدوانية التي كان يحس بها نحو الجميع ، كبارا وصغارا .."الويل لهم مني إن بدر منهم سلوك سيء .. سيرون معي الجحيم .. هم وأولياء أمورهم." .. هكذا كان يردد في سره وهو في الحافلة . أما الآن فذهنه شارد وهو يتأمل الظلام من خلال نافذة البيت المطلة على الجهة الخلفية للمدرسة . هذا وادي الليل إذن .. هل هي صدفة أن يصل إليه ليلا لتطبع صورته في ذهنه كما هي الآن . ليل وظلام دامس لا حد لهما .
    الأحلام أيضا لا نهاية لها . معظمها كوابيس . يرى نفسه في مشادة لا تنتهي مع أصحاب قرار تعيينه بهذه المنطقة النائية ، وصراع مع آباء وأمهات التلاميذ الحريصين على تتبع حركات المعلم وسكناته وشكاياتهم التي لا تنتهي عند القائد كما حدثه بعض أقربائه الذين سبقوه إلى مجال التعليم . فيصرخ ويثور ويضرب بقبضة يده على المكتب ، ثم يطرد المتحلقين حول ساحة المدرسة ، متوعدا إياهم بالويل والثبور قبل ان يأمر الصغار الوجلين بولوج القسم فيسارعون كفئران خائفة وقد نطقت عيونهم بفزع ورعب كبيرين .
    يستفيق في الهزيع الأخير من الليل وقد تصبب جسده عرقا . يمد يده إلى قنينة ماء المنبع التي أوصاه الحارس بوضعها قربه قبل أن ينام فيلهج قلبه بالشكر رغم حالة الهيجان التي كانت تعتريه . يفتح الباب ويجلس على العتبة متأملا في صمت ، مسترجعا ما حصل من جدال مع المسؤول بالوزارة الذي حاول تهدئته وتوضيح أسباب تعيينه بعيدا عن مدينته إسوة بزملائه رغم حصوله على معدل يخوله الفوز بالمكان الذي يختاره للتدريس فيه . بل ووعده بأن يتم نقله في آخر الموسم إلى حيث يريد ، لكن هذا لم يهدئ من ثورته :
    - طبعا ، هم من أولاد الأعيان وأصحاب رؤوس الأموال . فكيف لابن بائع متجول مثلي أن يحظى بتعيين يرضيه مهما كان معدله عاليا . لعنة الله على بلد يعيث فيه اللصوص فسادا ويتحكمون في مصير أبنائه .".. يتذكر كيف حاول الرجل أن ينبهه إلى خطورة أقواله ، لكنه لم يأبه بذلك ونهض ليخرج دون استئذان .
    حدة طبعه جعلته سريع الغضب لأتفه الأسباب . ولم يسلم من عدوانيته أحد ، حتى زملاؤه الذين تجنبوا لقاءه بعد التعيين لتعريضه بهم واتهامه إياهم بـ"السرقة" واتباع وسائل غير شريفة لنيل تعيين مريح يضمن لهم التدريس بالقرب من أهلهم .
    من يراه متوسدا فخذ والدته رانيا إليها في حب وشغف وهي تخلل شعر رأسه بأناملها ، أو ملازما أباه قرب عربة المثلجات بساحة المدينة الرئيسية وحديثه الودود إليه ، سينكره حتما حين يرى هيجانه وهو يناقش أحدا حول الأوضاع في البلد و"الفساد المستشري فيه والمحسوبية والزبونية" .
    ماذا وراءك يا وادي الليل ؟ .. وكيف سيمر هذا الموسم الطويل ؟ .. صار يترقب نهايته قبل أن يبدأ . هل سيتحمل كل ذلك الوقت رغم ثقته في وعد المسؤول الذي يبدو أنه كان يحاول طمس شيء ما وهو يلوح له باستمارة الانتقال بنبرة استشف منها الصدق والرجاء في أن يقبل و"ألا يجعل من الحبة قبة" على حد تعبيره ، إضافة إلى تلميحه بأن لا شيء يمكن أن يناله من وراء ثورته وهيجانه .. هل سيتمكن من التنقل بين وادي الليل ومدينته أسبوعيا ليرى والديه وخطيبته ؟ يبدو هذا مستحيلا لبعد القرية عن مدينته وندرة وسائل النقل . خطيبته ؟ .. ومتى أهمها أمره مذ علمت بالتعيين وأعلنت صراحة أنها لن تنتقل للعيش معه هناك في وادي الليل إن تأخر انتقاله .. "لعنه الله عليكم جميعا ".. هكذا جابهها وهو ينصرف من عندها وقد بلغ اليأس منه مبلغه . يكاد ذهنه ينفجر من التفكير . فليخلد إلى النوم من جديد حتى يبزغ الصباح .
    ويطلع النهار ، وتشرق الشمس فتتسلل أشعتها دافئة من النافذة المطلة على الحقول الخضراء والجبال العالية . وتسربت إلى خياشيمه رائحة
    القهوة الشهية . ويفتح الباب فيجد مائدة صغيرة عليها صينية محملة بأشهى ما تلذه العين والبطن . قهوة وبيض مسلوق وزيت زيتون وجبن ومربى وزيتون .
    - هذه من بعض الأهالي كعادتهم القديمة مع فقيه المسيد .. الآن جاء دور المعلم .
    شعر ببعض الخجل مما كان يفكر به تجاه هؤلاء الأهالي وأقبل على الفطور بنهم متمتما بكلمات الشكر . كان المنظر من حوله بهيجا . قضى النهار كله في ترتيب ملابسه وكتبه وقراءة بعض الروايات واستكشاف المناطق المحيطة بوادي الليل . كان كل شيء يشبه لوحة فنان . هدوء تام وخضرة في كل مكان يلتفت إليه .. اكتفى في الغذاء بما حمله من وجبة جافة .. سمك وبيض مسلوق . ثم عاد إلى قراءة روايته .
    يوم الدخول المدرسي .. حظي بوجبة فطور تضاهي الأولى شهية .. أصلح من هندامه والتحق بساحة المدرسة التي بدأت تشهد توافد الصغار مع آبائهم وأمهاتهم . كان المدير هناك ليحضر انطلاقة الموسم بتلك الفرعية قبل أن يعود إلى المركز . حياه باقتضاب ثم رافق الصغار إلى القسم بعد النشيد الوطني .
    عدد التلاميذ لم يكن كبيرا لكنه فوجئ بمستويين مختلفين .. الثالث والرابع .. ابتسم في سخرية ونظر إلى تلاميذه متأملا لباسهم وهيأتهم . كان معظمهم يميل للشقرة .. عيونهم زرقاء صافية . البنات كن يرتدين اللباس المحلي . وقد تدلت خصلات شعرهن الأشقر من تحت غطاء الرأس . شعر ببعض العطف والعيون متعلقة به في اهتمام وصمت ، وربما كان هناك بعض الوجل والترقب من هذا المعلم الذي لا يبتسم والذي لم يرد على تحية المدير حين انصرف كما تعودوا ممن سبقه من زملائه بوادي الليل .
    الحصة لم تخل من اقتحام عفوي لبعض أولياء الأمور للمدرسة قصد الاستفسار أو الشكوى من شيء ما . فوجد نفسه مضطرا للتجاوب مع أسئلتهم وتوضيح ما استعصى عليهم . ولا تنتهي الحصة حتى يحس بدوار ويتحامل على نفسه منهكا إلى حيث البيت الوديع ليخلو إلى نفسه وسط هدوء تام . يعم نفسه إحساس براحة شاملة رغم ما تتضارب بداخله من مشاعر الإحباط والشعور بالغبن والإحساس بالغثيان تجاه ما يجري في عالم التدريس . على الأقل ، هنا يرى في العيون محبة وإجلال صادقين ، وفي التعامل بساطة واحترام عفويين . إذن فليتخلص من هذا الانفعال والغيظ الذي يلازمه ريثما ينقضي الموسم الدراسي بسلام .
    يخرج مطبوع الانتقال الذي سلمه له المسؤول بالمديرية الإقليمية ، فتتراقص عبره أحياء مدينته وشوارعها . يقبله بشغف ثم يستلقي منتظرا وجبة الغذاء المعدة سلفا من إحدى الأسر . أحيانا يكاد يرفض ، لكن حالة الإعياء التي كانت تعتريه ، ثم تأكيد الحارس على أنها عادة متأصلة في الأهالي تجعله يقبل على مضض . كان يخشى أن يكون ذلك مقابل مهمته بالقسم ، لكن الحارس أكد له انها عادة متبعة عند الأهالي وتعبير عن أمتنانهم لتواجده بينهم وسعادة الصغار بتعامله معهم .
    الصغار لا يحتاجون لزجر أو عقاب .. يتحدثون حين يشير إليهم ويتحركون حين يأمرهم ، ويبذل قصارى جهده في الشرح والتوضيح حتى ينسى احيانا ان وقت الخروج قد أزف وينتبه إلى بعض الأمهات يطللن بوجل عبر النوافذ العريضة المشرفة على الحقول ، فينقر بسبابته على المكتب قائلا في هدوء :" انتهينا اليوم .. يمكنكم الانصراف.".. فيخرجون في هدوء وانتظام ، هامسين في غبطة ومتسائلين عن أشياء تثير ضحكه .." أستاذ .. ستأتي غدا ؟ .. هل سنجلب معنا الأدوات أيضا ؟.."
    ويتكرر الأمر كل يوم .. لكنه هذا الصباح يفاجأ بأحدهم يتردد في الدخول ، منزويا في ركن بالساحة وبصحبته فتاة تأتزر بمنديل مخطط بالأبيض والأحمر وتحمل شاشية عريضة .
    - مالك بني ؟ ..هل من مشكل ؟
    فتنبري الفتاة تشرح له سبب تردد الصغير ورفضه المجيء لولا إصرارها .. لم ينجز ما طلب منهم من إعداد ورقة شخصية تحوي بعض المعلومات عنهم ..
    - لم يفهم الكثير مما طلبته منهم ..خاصة الهوايات والأحلام .
    ربما أعادت الفتاة قولها مرات وهو يقف أمامها مشدوها ، حتى احس بارتباكها وتأهبها للانصراف فقال في شبه اعتذار :
    - آه .. عفوا .. كنت أفكر في ما أعطيته لهم لينجزوه . لا بأس ، ليس مشكلا .. سنقوم بذلك جماعيا .. هيا بني .. ادخل إلى الفصل .
    ما الجمال إن لم يكن هذا الذي يقف قبالته في إباء وشموخ هذه الجبال المحيطة به ؟ وما الحسن أن لم يكن ذاك الذي ينطق به الثغر الجميل وهو يحدثه في حياء ؟ أي سحر هذا الذي يتدفق من وجه مليح وخدين تشوبهما حمرة الغروب تتوسطهما غمازتان تنطقان بكل البهاء ، ومن عينين نجلاوين يبدو فيهما الربيع جليا ، ومن شفتين ممتلئتين يغار الكرز من حمرتهما القانية ، ومن خصلات شعر شقراء أطلت من تحت الشاشية العريضة ؟ .. أما الإزار المخطط فقد كشف عن قوام حورية انبعثت من بين المروج المترامية من حول المدرسة فأكسبتها خضرة دائمة .. أي ذهول هذا الذي تملكه ، وأي شعور ذاك الذي غمره وهو يقف ذاهلا لا ينبس ببنت شفة ؟.. لا وعيه كان يصيح بالفتاة ألا تنصرف وبأن تبقى حيث هي وتتحدث بلكنتها الجبلية اللذيذة إلى ما لا نهاية .
    هل شعرت الفتاة بذهوله ؟ .. لا شك في ذلك . فتورد خديها وارتباكها يشيان بذلك . لكن ماذا تعني تلك الابتسامة التي ارتسمت على شفتيها وزادت من وضوح غمازتيها ، وهي تدفع بأخيها نحو الفصل ؟.. يجب أن يتمالك نفسه مستقبلا وإلا فسر ذهوله بما لا يشتهيه هو . لكن أتراه يقدر على تجاهلها مستقبلا ؟
    وادي الليل .. يزيد خضرة وتتفتح وروده في كل صباح ندية ، وتتدفق ينابيعه فتحيلها روضة غناء .وصار ذلك الصغير موضع اهتمام المدرس خاصة حين علم بفقده لأمه ورعاية أخته له ولوالدهما المقعد . لكن هذا اليتم كانت تقابله حالة ميسورة بالنظر إلى الأراضي الفلاحية التي يمتلكها رجل مريض يعمل عنده جيش من الفلاحين . فلم تنقض اسابيع على التحاقه بالمدرسة حتى امتلك قلوب الصغار وصار موضوع الحديث في كل بيت . الكل يحكي عن حزمه ومواظبته وحرصه على ان يفهم الجميع .. الكل يحكي احتضانه لهم عند الدخول والخروج مصغيا لكل شكوى ، منتبها لكل ملاحظة . هو نفسه لم يصدق عينيه أمام ما يحدث ويتذكر ما كان يفكر فيه من التزام الصرامة التي ستجعل الفرائص ترتعد لذكره . صحيح أن انعزاله عن الجميع بما فيهم زملاؤه في المركز أثار عدة تساؤلات ، بل واستياء عند البعض . لكن الأهالي لم يكونوا يفوتون فرصة لذكر محاسنه وتفانيه في أذاء عمله . فكثرت الدعوات لوجبة من الوجبات وحظي بتكريم خاص لدى حضوره حفل زفاف أو عقيقة . كان محط الأنظار عند وصوله لذلك الحفل ، وكان أشد ما يضحكه تواري تلامذته خلف الأشجار أو الفرن مقتفين آثاره وهو يتنقل بين الحجرات كي يقدمه بفخر صاحب البيت لضيوفه .
    حضور الفتاة لم يكن فقط من أجل شرح أسباب تمنع الطفل عن ولوج القسم ، بل لوحظ مرافقتها له يوميا وانتظارها له عند أسفل المرج مستظلة أحيانا بشجرة التين الفارعة .
    وادي الليل سيؤرخ لأول زيارة للمعلم لبيت الفلاح المقعد . جاءت الفتاة تخبره على استحياء أن أباها يدعوه لتناول الغذاء ليشكره على ما طرأ على مستوى الصغير من تحسن وما يلاقيه من حسن المعاملة واللطف . فكر في أن يرد بأن هذا واجبه ، لكنه وجد في تصرفه هذا بعدا عن اللياقة .. وربما كان هناك شيئا آخر منعه من ذلك .. شيء لم يدركه إلا بعد أيام .
    اللطف والابتسامة العذبة لم تبخل بهما عليه تلك الحسناء وهي تهيئ المائدة وتسأله في غدوها ورواحها إن كان يحتاج شيئا . يحس أنه لا ينتمي لذلك الزمان ولا لذلك المكان . فقط يشعر أنه أسير لبسمة هذه البدوية التي تنفث الفرح في أرجاء البيت ، بل وفي ربوع وادي الليل كله . ثم ينتبه إلى ملاحظات الأب حول التعليم وانتقاده لبعض المدرسين الذين يتغيبون لمدة طويلة بدون مبرر . يحس بالحرج ويدلي برأيه وقد تشتت ذهنه وغاب عنه التركيز . يتابع الرجل حديثه وهو ينظر إلى حقوله المترامية منتقدا الوضع في البلاد ، مستهزئا بالانتخابات التي لا يرى فيها إلا موسما لبيع وشراء الذمم :
    - ماذا لو ألغي البرلمان ؟ .. أنا متأكد من أن ذلك لن يؤثر على حياة الشعب .. بالعكس ، ستوفر ميزانية قد تستغل في أشياء أكثر فائدة .
    وادي الليل يوقف عقارب الساعة ، أو ربما يسرعها ليجد المعلم الشاب نفسه على مشارف عطلة آخر السنة . يجمع صغاره في آخر حصة ليسلمهم النتائج .. الكل ناجح . تعلو صيحاتهم وهو ينطلقون مبتهجين عبر الحقول ، ملوحين بأوراق نتائجهم ، بينما يقف هو على عتبة باب الفصل يتأملهم مبتسما في رضا . وبحركة لا إرادية ينظر نحو أسفل المرج . كانت هناك تنتظر أخاها لتتفحص نتائجه ثم تنظر ناحيته لتهدية ابتسامة أخرى ، أجمل وأبهى ، وتومئ برأسها تحييه فيرد التحية وهو يحس بالأرض تميد تحت قدميه .
    يلج حجرته ويحزم حقيبته استعدادا للسفر .. اليوم موعد السوق الأسبوعي ، ووسيلة النقل مضمونة كي يصل الى الطريق الرئيسية . ينتبه إلى مطبوع طلب الانتقال الذي أعده من قبل كي يسلمه للمدير . يتأمله قليلا ثم ينظر عبر النافذة ساهما . ودون أن يعي ما يفعل ، يمزق المطبوع متمتما في همس :
    - إلى اللقاء وادي الليل .. موعدنا الموسم المقبل إن شاء الله .. – ثم مترنما :
    "سألني الليل بتسهر ليه
    مادام قلبك صبح خالي
    سهرت يا ليل أنادي عليه
    واعيد الذكرى على بالي "°
    =================
    °أغنية لفريد الأطرش


    قرية واد الليل بضاحية تطوان
  • منيره الفهري
    مدير عام. رئيس ملتقى الترجمة
    • 21-12-2010
    • 9870

    #2
    القصة جميلة جدا.وجدتني اعيش معها .و قد كنت واثقة من أخلاق هذا المدرّس الشاب و من تعلقه بوادي الليل...
    نحن أيضا لنا قرية في ضواحي العاصمة تسمى وادي الليل..سأبحث فيها عن المدرس الشاب و أشد على يديه...القصة جميلة حتى الدهشة...
    تحياتي لك أستاذنا العزيز رشيد الميموني و شكرااا لهذا الإثراء و التميز.

    تعليق

    • رشيد الميموني
      مشرف في ملتقى القصة
      • 14-09-2008
      • 1533

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة منيره الفهري مشاهدة المشاركة
      القصة جميلة جدا.وجدتني اعيش معها .و قد كنت واثقة من أخلاق هذا المدرّس الشاب و من تعلقه بوادي الليل...
      نحن أيضا لنا قرية في ضواحي العاصمة تسمى وادي الليل..سأبحث فيها عن المدرس الشاب و أشد على يديه...القصة جميلة حتى الدهشة...
      تحياتي لك أستاذنا العزيز رشيد الميموني و شكرااا لهذا الإثراء و التميز.
      العزيزة منيرة
      سعيد برأيك في قصتي وهو رأي سيحفزني كالعادة للمزيد من العطاء .
      شكرا لك من كل قلبي ودام تشجيعك لي .
      خالص المودة

      تعليق

      • سلمى الجابر
        عضو الملتقى
        • 28-09-2013
        • 859

        #4
        أسجل إعجابي بالقصة و يبدو أنها من الواقع لأن الصدق فيها كبير
        الأستاذ العزيز رشيد الميموني اعتذر عن تأخري في قراءة مواضيعك الجميلة

        تعليق

        • رشيد الميموني
          مشرف في ملتقى القصة
          • 14-09-2008
          • 1533

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة سلمى الجابر مشاهدة المشاركة
          أسجل إعجابي بالقصة و يبدو أنها من الواقع لأن الصدق فيها كبير
          الأستاذ العزيز رشيد الميموني اعتذر عن تأخري في قراءة مواضيعك الجميلة
          الغالية سلمى
          مرورك على متصفحي أضفى عليه فرحتين ,, فرحة عودتك وفرحة التجاوب مع النص .
          كوني دوما بالجوار ليسعد المتصفح ويزيد ألقا .
          خالص المحبة والتقدير اللائقين بك

          تعليق

          يعمل...
          X