كاتبة الأطفال الجزائريّة زهراء كشّان
صانعة جدائل الياسمين..!
بقلم: عبد الله لالي
[imgl]http://www.almolltaqa.com/vb/attachment.php?attachmentid=3141&stc=1&d=167707898 4[/imgl]
الحلقة الأولى (01)
زهراء كشان،كاتبة تقتحم عالم أدب الطّفل من بابه الواسع، استفادت من تجربتها في مجال التربية والتعليم، ومن موهبتها المتميزة في الكتابة الإبداعيّة، وتدفقّت تكتب للنشء مثل السيل الهدّار لتُغني المكتبة الجزائريّة والعربيّة بنوادر الإبداعات التي بلغت الأحد عشرة كتابا أو يزيد..!
تكتمل عُدّة الكاتب ويظهر عطاؤه بشكل قويّ إذا جمع بين فنيّ الإبداع الشهيرين؛ الشعر والنثر، فتُطوَّع له اللّغة وتنثال عليه المعاني انثيالا، للكاتبة زهراء كشان[1] مجموعتان قصصيتان للأطفال بعنوان: (جديلة ياسمين)، الجزء الأول والجزء الثاني، صدرت الأولى عن (دار بنت الزيات للنشر والتوزيع، مصر) عام 2017 م وصدرت الثانية عن (دار ساجد للنشر والتوزيع، الجزائر) عام 2022، ولها ديوان شعري مخطوط للأطفال أيضا في طور الإعداد للطبع.
موهبة متمكنة وقلم دفّاق تحتاج إلى وقفات مطوّلة للإحاطة بعطاء يمينها، ونثر زهورها لأبنائنا الصغار، فضلا عمّا تكتبه للكبار أيضا، ولعلّنا نبدأ بالجديلة الطويلة التي يمكن للأطفال أن يتخذوها حبل تسلق يفضي بهم إلى عالم المثالية والأحلام، ويغرس في قلوبهم الزهور والياسمين والريحان.
الجديلة الأولى تعبق من ياسمين:
هي تعبق من عنوانها ونشمّ عطر خصلاتها من اللمسات الأولى في قصصها؛ (جديلة ياسمين) هي عبارة أرهف من عبارة (باقة ورد أو طاقة ورد)، فيها كلمة (جديلة) وهي كلمة فيها تفرّد وتميز غير مألوف أو معتاد وتعانقها كلمة (ياسمين) وهذا تخصيص أكثر من كلمة (ورد) التي طرقت كثيرا واستعملت بشكل مسرف، وقد تعني مطلق الأزهار، في عرف الاستعمال، ومن هنا امتلك العنوان سحره وجاذبيته (جديلة ياسمين)..!
مع قصّة (احتفال على الشاطئ):
هي أولى قصص المجموعة تحمل في طيّاتها أجمل المشاعر الإنسانيّة وأرقى الأخلاق التي يمكن أن يتحلّى بها النّاس، صياد سمك بسيط يعود إلى أبنائه في المساء برزق قليل من السمك، الذي ملّه أبناؤه وباتوا يتوقون إلى تذوّق بعض الفاكهة، لكنّ أباهم لا يقدر على شرائها، ويعود إلى السوق مشفقا على أبنائه ويشتري لهم من كلّ فاكهة حبّة واحدة تلبية لرغبتهم. وبعد الظهيرة يذهب إلى الشاطئ مرة أخرى للصيد كعادته فيجد صندوقا غريبا، ويأخذه إلى بيته، لكنّه لا يفتحه خوفا من أن يكون فيه مخدّرات أو ممنوعات، ونصحه أولاده وزوجته بأن يسلّمه للشرطة، وذلك ما فعله فعلا، ويُكتشف أنّ الصندوق كان يحتوي على عملة صعبة مهرّبة، وتمت مكافأة الصيّاد على نزاهته وإخلاصه، وكرّم في حفل كبير على شاطئ البحر.
القصّة فيها عبرة تربوية عالية حدّدتها الكاتبة في نهاية القصّة، صاغتها بقولها: "الرّضا بالقليل يضاعف الرزق ويجلب الخير الكثير"، فالصياد رضي بما قدّر له من رزق، ولم يطمع بما في الصّندوق، لكنّه في نهاية المطاف ناله حلالا زلالا، على شكل هديّة من الشرطة، وبطبيعة الحال بدا هذا الأمر غير مقنع بعض الشيء، لأنّه ليس من صلاحيات الشرطة ولا هو من المعتاد أن تسلّم الأموال المهربّة من قبل اللّصوص إلى من وجدها مكافأة له..!
وهناك أمران آخران غير مقنعين في السيّاق السّردي، وهما اعتقال الشرطة للصّياد بعد أن سلّم الصندوق وبطريقة غير مبررة أيضا وهي اقتحام بيته وإخراجه في الأغلال، رغم أنّ الشرطة كانت تعلم أنّه بريء بدليل أنّ رئيس الشرطة أجلسه إلى جانبه، وضحكوا منه عندما أخبرهم أنّه لم يفتح الصّندوق أبدا ولا يعلم ما فيه، والأمر الثاني هو خروجه من مقرّ الشرطة تلقائيا بكلّ سهولة ويسر دون أن يُطلب منه ذلك..! فهذه النقاط ستربك الطفل أثناء القراءة وتجعله محتارا، ونتمنى على الكاتبة إعادة هيكلة القصّة بشكل منسجم في طبعة ثانية.
أما من حيث اللغة والسّرد الفنيّ فهو جيّد فيه انسيابية وتدفق مقبول، كما أنّ شخصيات القصّة متكاملة وأدت أدوارها بشكل مناسب أثناء تفاعل الأحداث.
حكاية الرّسام نصر الدّين دينيه:
هذه القصّة التي سمّتها الكاتبة حكاية من أروع قصص المجموعة، فهي تتحدّث عن شخصيّة متفرّدة، رجل فنان فرنسي ولد بفرنسا ونشأ وترعرع بها، ثم زار الجزائر في فترة الاحتلال الفرنسي لها، ففتن بها أيّـما افتتان وعاش في بوسعادة مدّة طويلة وانتهى به المطاف إلى أن أسلم وتزوّج من جزائريّة، وعندما مات أوصى أن يدفن ببوسعادة، صاغت الكاتبة القصّة (الحكاية) بطريقة تربويّة مشوّقة، إذ جعلت أخوين يختلفان حول شخصيّة هذا الرّجل النادر نصر الدّين دينيه، وتدخلت الأم لتروي لهما قصّته بالتفصيل.
ربما تبدو القصّة في باب التراجم أو حتى التاريخ من جانب آخر، وهي بذلك تحقق عدّة أهداف تربوية بالإضافة إلى فكرة جوهريّة عالجتها الكاتبة، وهي ضرورة احترام وجهة نظر الآخر، وتقبّل احتمال أن تكون صحيحة، فقد ذكرت بطلة القصّة صفوة بأنّ اللّوحة التي تشاهدها على الشابكة هي لرسام عالمي ولد بفرنسا اسمه (إتيان دينيه)، بينما عندما رأى أخوها رائد تلك اللّوحة قال أنّها لرسام عاش في بوسعادة اسمه (نصر الدّين)، وكلاهما علم جانبا من الحقيقة ولم يعلم بالحقيقة كاملة، إلى أن جاءت الأم وروت لهما حقيقة ذلك الرسام وحياته، فأدركا أنّ الرّسام العالمي (إتيان دينيه) هو نفسه الفنان المسلم (نصر الدين)، لأنه عندما جاء إلى الجزائر وتعرّف على الإسلام أسلم وتسمّى باسم (نصر الدّين دينيه).
ومن هنا يدرك الأخوان ويدرك القارئ (الطفل) أنّ للحقيقة أكثر من وجه، ولا ينبغي التسرّع في تخطئة الآخرين، أو معارضتهم لأنّهم طرحوا فكرة تختلف عما نعرفه أو ألفناه.
[1] - زهراء كشان كاتبة أدب أطفال من تلمسان (الجزائر)، أستاذة في اللغة العربية، ومتعاونة إذاعية بإذاعة الوجدان الثقافية بتونس، عضو اتحاد الكتاب الجزائريين، لها أكثر من عشرة كتب للصغار والكبار.
صانعة جدائل الياسمين..!
بقلم: عبد الله لالي
[imgl]http://www.almolltaqa.com/vb/attachment.php?attachmentid=3141&stc=1&d=167707898 4[/imgl]
الحلقة الأولى (01)
زهراء كشان،كاتبة تقتحم عالم أدب الطّفل من بابه الواسع، استفادت من تجربتها في مجال التربية والتعليم، ومن موهبتها المتميزة في الكتابة الإبداعيّة، وتدفقّت تكتب للنشء مثل السيل الهدّار لتُغني المكتبة الجزائريّة والعربيّة بنوادر الإبداعات التي بلغت الأحد عشرة كتابا أو يزيد..!
تكتمل عُدّة الكاتب ويظهر عطاؤه بشكل قويّ إذا جمع بين فنيّ الإبداع الشهيرين؛ الشعر والنثر، فتُطوَّع له اللّغة وتنثال عليه المعاني انثيالا، للكاتبة زهراء كشان[1] مجموعتان قصصيتان للأطفال بعنوان: (جديلة ياسمين)، الجزء الأول والجزء الثاني، صدرت الأولى عن (دار بنت الزيات للنشر والتوزيع، مصر) عام 2017 م وصدرت الثانية عن (دار ساجد للنشر والتوزيع، الجزائر) عام 2022، ولها ديوان شعري مخطوط للأطفال أيضا في طور الإعداد للطبع.
موهبة متمكنة وقلم دفّاق تحتاج إلى وقفات مطوّلة للإحاطة بعطاء يمينها، ونثر زهورها لأبنائنا الصغار، فضلا عمّا تكتبه للكبار أيضا، ولعلّنا نبدأ بالجديلة الطويلة التي يمكن للأطفال أن يتخذوها حبل تسلق يفضي بهم إلى عالم المثالية والأحلام، ويغرس في قلوبهم الزهور والياسمين والريحان.
الجديلة الأولى تعبق من ياسمين:
هي تعبق من عنوانها ونشمّ عطر خصلاتها من اللمسات الأولى في قصصها؛ (جديلة ياسمين) هي عبارة أرهف من عبارة (باقة ورد أو طاقة ورد)، فيها كلمة (جديلة) وهي كلمة فيها تفرّد وتميز غير مألوف أو معتاد وتعانقها كلمة (ياسمين) وهذا تخصيص أكثر من كلمة (ورد) التي طرقت كثيرا واستعملت بشكل مسرف، وقد تعني مطلق الأزهار، في عرف الاستعمال، ومن هنا امتلك العنوان سحره وجاذبيته (جديلة ياسمين)..!
مع قصّة (احتفال على الشاطئ):
هي أولى قصص المجموعة تحمل في طيّاتها أجمل المشاعر الإنسانيّة وأرقى الأخلاق التي يمكن أن يتحلّى بها النّاس، صياد سمك بسيط يعود إلى أبنائه في المساء برزق قليل من السمك، الذي ملّه أبناؤه وباتوا يتوقون إلى تذوّق بعض الفاكهة، لكنّ أباهم لا يقدر على شرائها، ويعود إلى السوق مشفقا على أبنائه ويشتري لهم من كلّ فاكهة حبّة واحدة تلبية لرغبتهم. وبعد الظهيرة يذهب إلى الشاطئ مرة أخرى للصيد كعادته فيجد صندوقا غريبا، ويأخذه إلى بيته، لكنّه لا يفتحه خوفا من أن يكون فيه مخدّرات أو ممنوعات، ونصحه أولاده وزوجته بأن يسلّمه للشرطة، وذلك ما فعله فعلا، ويُكتشف أنّ الصندوق كان يحتوي على عملة صعبة مهرّبة، وتمت مكافأة الصيّاد على نزاهته وإخلاصه، وكرّم في حفل كبير على شاطئ البحر.
القصّة فيها عبرة تربوية عالية حدّدتها الكاتبة في نهاية القصّة، صاغتها بقولها: "الرّضا بالقليل يضاعف الرزق ويجلب الخير الكثير"، فالصياد رضي بما قدّر له من رزق، ولم يطمع بما في الصّندوق، لكنّه في نهاية المطاف ناله حلالا زلالا، على شكل هديّة من الشرطة، وبطبيعة الحال بدا هذا الأمر غير مقنع بعض الشيء، لأنّه ليس من صلاحيات الشرطة ولا هو من المعتاد أن تسلّم الأموال المهربّة من قبل اللّصوص إلى من وجدها مكافأة له..!
وهناك أمران آخران غير مقنعين في السيّاق السّردي، وهما اعتقال الشرطة للصّياد بعد أن سلّم الصندوق وبطريقة غير مبررة أيضا وهي اقتحام بيته وإخراجه في الأغلال، رغم أنّ الشرطة كانت تعلم أنّه بريء بدليل أنّ رئيس الشرطة أجلسه إلى جانبه، وضحكوا منه عندما أخبرهم أنّه لم يفتح الصّندوق أبدا ولا يعلم ما فيه، والأمر الثاني هو خروجه من مقرّ الشرطة تلقائيا بكلّ سهولة ويسر دون أن يُطلب منه ذلك..! فهذه النقاط ستربك الطفل أثناء القراءة وتجعله محتارا، ونتمنى على الكاتبة إعادة هيكلة القصّة بشكل منسجم في طبعة ثانية.
أما من حيث اللغة والسّرد الفنيّ فهو جيّد فيه انسيابية وتدفق مقبول، كما أنّ شخصيات القصّة متكاملة وأدت أدوارها بشكل مناسب أثناء تفاعل الأحداث.
حكاية الرّسام نصر الدّين دينيه:
هذه القصّة التي سمّتها الكاتبة حكاية من أروع قصص المجموعة، فهي تتحدّث عن شخصيّة متفرّدة، رجل فنان فرنسي ولد بفرنسا ونشأ وترعرع بها، ثم زار الجزائر في فترة الاحتلال الفرنسي لها، ففتن بها أيّـما افتتان وعاش في بوسعادة مدّة طويلة وانتهى به المطاف إلى أن أسلم وتزوّج من جزائريّة، وعندما مات أوصى أن يدفن ببوسعادة، صاغت الكاتبة القصّة (الحكاية) بطريقة تربويّة مشوّقة، إذ جعلت أخوين يختلفان حول شخصيّة هذا الرّجل النادر نصر الدّين دينيه، وتدخلت الأم لتروي لهما قصّته بالتفصيل.
ربما تبدو القصّة في باب التراجم أو حتى التاريخ من جانب آخر، وهي بذلك تحقق عدّة أهداف تربوية بالإضافة إلى فكرة جوهريّة عالجتها الكاتبة، وهي ضرورة احترام وجهة نظر الآخر، وتقبّل احتمال أن تكون صحيحة، فقد ذكرت بطلة القصّة صفوة بأنّ اللّوحة التي تشاهدها على الشابكة هي لرسام عالمي ولد بفرنسا اسمه (إتيان دينيه)، بينما عندما رأى أخوها رائد تلك اللّوحة قال أنّها لرسام عاش في بوسعادة اسمه (نصر الدّين)، وكلاهما علم جانبا من الحقيقة ولم يعلم بالحقيقة كاملة، إلى أن جاءت الأم وروت لهما حقيقة ذلك الرسام وحياته، فأدركا أنّ الرّسام العالمي (إتيان دينيه) هو نفسه الفنان المسلم (نصر الدين)، لأنه عندما جاء إلى الجزائر وتعرّف على الإسلام أسلم وتسمّى باسم (نصر الدّين دينيه).
ومن هنا يدرك الأخوان ويدرك القارئ (الطفل) أنّ للحقيقة أكثر من وجه، ولا ينبغي التسرّع في تخطئة الآخرين، أو معارضتهم لأنّهم طرحوا فكرة تختلف عما نعرفه أو ألفناه.
[1] - زهراء كشان كاتبة أدب أطفال من تلمسان (الجزائر)، أستاذة في اللغة العربية، ومتعاونة إذاعية بإذاعة الوجدان الثقافية بتونس، عضو اتحاد الكتاب الجزائريين، لها أكثر من عشرة كتب للصغار والكبار.
تعليق