يسابق خطواته ويتقدمهم محاولاً اختصار المسافة للوصول اليه بأسرع وقت، خطوات قضى أيام عمره بانتظارها، يمشي على الممر الطويل وصدى صوت كعوب الأحذية بدّد الصمت الثقيل الجاثم على صدر المكان، وطغى على تكّات ساعة الحائط وهي تشير بوجهها العبوس الى الساعة الثامنة وعشرون دقيقة.
فتح الباب وشاهده واقفاً مرتعباً في طرف الزنزانة البعيد، ترتعش يداه وتفيض عيناه بنظرات خوف ممزوجة بالقلق. همس بأذن المجرم بعد ان اخرجه “كيف منحت الحياة لمن سوف يسلبك حياتك، وضغطت زر تشغيل ساعة العد التنازلي لأيام عمرك، وها قد آن الأوان. إنك لا تعرفني، لكني واثق تماماً بأنك لن تنسى تلك المرأة الحامل التي تسببت بولادتها وهي معلقة في حبل المشنقة.. لا بد أنها أشعرتك بالرعب طوال حياتك، وتسببت لك بالكثير من الكوابيس المزعجة"
وصل قاعة الإعدام وسلّم السجين للجلاد، ووقف بجانب المنصة يتابع لحظات موته بنشوة. اخرج من جيبه نظارة طبية وتمعنها طويلاً.. ها قد تحقق هدف حياته أخيراً وتيقن ذلك الحلم الذي كان يتمناه منذ الطفولة. أرشق المجرم بنظرة إعادته لزمن بعيد تخيل معها نفسه وهو قطعه لحم حمراء تسبح فوق بركة دم تحت حبل المشقة. صراخ.. بكاء.. نظارة طبية.. وجوه كالحة.. وجثة معلقة.
تذكر كلام والدته بالتبني وتخيل أبوه يدخل مع بقية المعتقلين إلى قاعة مكتوب فوق مدخلها بالخط الأحمر العريض "قاطع الإعدام" وتحتها الرقم 8. ممر ضيق على جانبيه زنازين صغيرة بقضبان فولاذية متينة، تسلق سلماً ضيقا للطابق الثاني ثم رموه في أحدها.
وقف الحارس عند الباب الرئيسي في صباح اليوم التالي ونادى مجموعة أسماء لم يكن اسمه بينها. احتضنه رفيقه الذي بجانبه وهنأه لأنهما سوف ينعمان بالحياة الى الأربعاء المقبل. تلك الأيام التي تخطف فيها حياة الموجودين في تلك البناية.
حينما يعلم الإنسان بأن ساعات عمره قد أصبحت معدودة تصبح حياته بلا طعم، ويتمنى مفارقتها سريعاً، ليتخلص من هذا الخوف والترقب والقلق الذي يعيش فيه.. أخذ يفكر مع نفسه هل من باب الصدفة أن يوضع الرقم 8 على هذه القاعة تحديداً دون غيرها!... لو كُتب هذا الرقم بشكل أفقي لأصبح يمثل رمز الأبدية! هل هذا يعني أن الحكومة سوف تستمر بإعدام أبناء شعبها المعارضين إلى الأبد.. إم أن الحياة تولد من رحم هذه القاعة لتعانق الأبدية!؟
حل يوم الأربعاء سريعاً مثل لمح البصر. سمع الحارس ينادي باسمه.. خرج مع البقية، اجتاز الممر الطويل مع عشرين محكوماً من زملائه، صُدم ودُهِشَ ولم تقوَ قدماه على حمله، بعدما لمح زوجته مقيدة اليدين منكسة الرأس يلوح عليها الإعياء تمشي بصعوبة مع بطنها المنتفخة، تمنى في تلك اللحظة لو يستطع المسح على رأسها، واحتضانها بقوة للتهوين عليها وجعلها تبكي على كتفه كثيراً، ليخبرها بأن كل شيء سوف ينتهي سريعاً.
أوصلوهم لمبنى ضخم واجلسوهم قرب باب حديدي يتوسط جدار القاعة، يخرج منه رجل أمن ينادي باسم أحدهم ثم يأخذه من بينهم، كأنه مَلك الموت يختطف حياتهم الواحد تلو الآخر، تسود بعدها فترة صمت عميق يتخيلون فيها ما يحصل في الداخل. شاهد بعضهم يقف شامخاً مبتسماً بعد أن يتلى اسمه، يمشي بزهو متحدياً الموت كأنه قائد فاتح أحرز النصر في معركة. وآخرون يذهبون وهم يخطون بقدميهم مثل أموات.. تذكر كلام والده "عندما تحين ساعة الموت التي لا مفر منها، على المرء أن يكون صلباً مثل صخرة لكي يودع الحياة وهو مرفوع الرأس بشرف وكرامة"
شعر بأن دقائق عمره قد أصبحت محسوبة مهما طال الزمن. استرق لمحة إليها، جالسة بينهم تنظر للأسفل وكأنها تتأمل أو تبحث عن شيء صغير لا يمكنه رؤيته، ركز بصره إلى الأرض أسفل قدميه وشاهد نملٍ يمشي بخط متعرج قرب أقدام المحكومين، تابع إحدى النملات وهي تمشِ بين الأخريات، وأحس بذلك الشعور الغريب، كأنه قد تجرد من عقله وكل أفكاره وفقد الإحساس بالذات وأصبح مكانها، هَمَّ حياته نقل الطعام وتأمينه للحفاظ على نوعه واستمراره. ثم تسائل ما فائدة نملة لا تعي ذاتها، لا تحلم ولا تسع بكد لتحقيق أحلامها. اذاً فوجودها لا يختلف عن العدم!
نادى الحرس باسمه الثلاثي.. دخل قاعة طويلة، درج ضيق على الجانب يؤدي إلى منصة بجانبها ذراع ويعلوها حبل المشنقة. هناك وهو تحت الحبل قال: قد لا أؤمن بأفكاركم! لكن ربما هدفنا واحد. لكن الاختلاف يكمن في طريق الوصول للهدف. كيفما تكون مفاهيمكم لا تبوح لكم سلب حياة إنسان لأنه مختلف معكم بالرأي والفكرة!
- كافي خطب رنانة وشعارات فارغة. راح نعدمك أنت وزوجتك لأنكم عملاء لا تستحقون العيش في هذا البلد.
- لكن زوجتي ليس لها جريرة بالأمر. فالزوجة على دين زوجها ومذهبه وعلى حله وترحاله. وإذا كانت العدالة تقتضي أن تزهق روحي عقوبة لما فعلت أو بما فكرت، فافعلوا، لا اطلب منكم العفو ولا المغفرة. لكن اتركوها لحالها، لو كان بإمكاني الحياة بعد الموت لقلت لكم أعدموني بدلاً عنها ألف مرة، فقد أجبرتها على السير في هذا الطريق وتبعتني مجبرة. أرجوكم وألتمس رحمتكم وعدالتكم الرأفة بحالها، فهي حامل وعلى وشك الولادة.. كتمت أنفاسه أنشوطة الحبل الغليظ بعد لحظة، تأرجح جسده. رفس مثل ذبيح وتقلص بشدّة ثم انبسط بارتخاء تام، ولفظ أنفاسه الأخيرة.
ادخل رجل الأمن زوجته من بعده وهي تشعر بروح زوجها محلقة تطوف بأرجاء المكان، غير مكترثة بشيء بعد موته. لكنها ترجتهم إرجاعها للسجن وتأجيل إعدامها لحين ولادة أبنها البكر، لأنها في أيام الحمل الأخيرة. شد الجلاد عقدة الحبل على رقبتها بإحكام وسحب الذراع لتنفتح البوابة تحت قدميها وينفتح باب السماء لاستقبال روحها وهي تكابد ألم المخاض. امتزجت صرخة الموت بصرخة الحياة، حبل المشنقة معلق برقبة الأم يحاول خطف روحها بكل ما أوتي من قوة، والحبل السري متشبث ببطن الجنين ليمنحه الحياة بكل ما أوتي من رقة. وهي تنوس مع الحبل وجنينها يتأرجح معها. انتهى ذلك الصراع الرهيب لصالح الحبل الرقيق وحياة الجنين.
أُنزلت جثتها من المشنقة ووضَعت بجانب وليدها بعد أن غادر أحشاء أمه عنوة، نزلت روحها اليه ووهبته الحياة بكل ما تحمل من عذاب وظلم ووجع وآمال وأحلام مؤجلة.
تقدم الطبيب لفحص الجثة وأشار برأسه بأنها قد فارقت الحياة والطفل يصرخ بجانبها. أمره المسؤول أن يقتل الطفل، لكنه أمتنع عن فعل ذلك لأنه ليس من واجبه.
عاملة التنظيف كانت تراقب المشهد عن كثب، فأشاروا لها أن تحمل الوليد من القاعة لكي يواصلوا عملهم بعد أن امتلأت أرضية المشنقة بدماء الأم والأب ودماء أخرى لم تعرف فصائلها ولا لمن تعود، لكن جميعها حمراء متشابهة!...
وثق الطبيب المقيم حالة وفاة الأم وبعث بتقرير مفصل عن الولادة أثناء تنفيذ الإعدام. وجاء القرار من الجهة العليا لأمن الدولة "يجب قتله على الفور لأنه سيصبح مثل والديه معادياً لمبادئ الحزب والثورة بعدما يكبر". أخبرتهم عاملة التنظيف بعد ذلك بأن الجنين قد مات ورمته مع النفايات في الحاوية.
عادت العاملة بعد نهاية الدوام إلى بيتها، وضعته على فراشها وأخذت تنظر إليه بدهشة، ملامح محرومة من رؤيتها طيلة فترة زواجها حتى فقدانها الأمل. جسم هزيل وأسارير كل شيء فيها صغير ورقيق. عينان جاحظتان متورمتان من أثر الولادة تخفي تحت جفنيها نظرات متشبثة بالحياة. لسان صغير يلعق شفاهه يحاول سد رمقه كي يعيش. لامست بأصبعها يده الصغيرة الملطخة بالدماء فتشبث بها بقوة غريبة، أخرجت من جيبها نظارة أمه ووضعتها بين أصابعه.
ذلك الطفل الذي كبر ونما سريعاً كأنه يسابق زمنه، حتى أصبح رجلاً وتعين في مكان عمل أمه بعد إحالتها على التقاعد.
قرأ المسؤول نص الحكم بالإعدام، وضع الجلاد حبل المشنقة الغليظ حول رقبة المجرم وسحب العتلة. أنفتح الباب تحت قدميه ونزل جسمه، شد الحبل على عنقه بقوة قطعت أنفاسه، بقي لحظات حتى تمزقت رقبته وانفصل رأسه مع بقية أحشائه عن البدن كأنه قد أنجب اعضائه.
اقترب من الجثة ووضع نظارة أمه فوقها.. حراس.. طبيب.. وجوه مندهشة.. بلا جنين يسبح في بركة دم.
فراس عبد الحسين
فتح الباب وشاهده واقفاً مرتعباً في طرف الزنزانة البعيد، ترتعش يداه وتفيض عيناه بنظرات خوف ممزوجة بالقلق. همس بأذن المجرم بعد ان اخرجه “كيف منحت الحياة لمن سوف يسلبك حياتك، وضغطت زر تشغيل ساعة العد التنازلي لأيام عمرك، وها قد آن الأوان. إنك لا تعرفني، لكني واثق تماماً بأنك لن تنسى تلك المرأة الحامل التي تسببت بولادتها وهي معلقة في حبل المشنقة.. لا بد أنها أشعرتك بالرعب طوال حياتك، وتسببت لك بالكثير من الكوابيس المزعجة"
وصل قاعة الإعدام وسلّم السجين للجلاد، ووقف بجانب المنصة يتابع لحظات موته بنشوة. اخرج من جيبه نظارة طبية وتمعنها طويلاً.. ها قد تحقق هدف حياته أخيراً وتيقن ذلك الحلم الذي كان يتمناه منذ الطفولة. أرشق المجرم بنظرة إعادته لزمن بعيد تخيل معها نفسه وهو قطعه لحم حمراء تسبح فوق بركة دم تحت حبل المشقة. صراخ.. بكاء.. نظارة طبية.. وجوه كالحة.. وجثة معلقة.
تذكر كلام والدته بالتبني وتخيل أبوه يدخل مع بقية المعتقلين إلى قاعة مكتوب فوق مدخلها بالخط الأحمر العريض "قاطع الإعدام" وتحتها الرقم 8. ممر ضيق على جانبيه زنازين صغيرة بقضبان فولاذية متينة، تسلق سلماً ضيقا للطابق الثاني ثم رموه في أحدها.
وقف الحارس عند الباب الرئيسي في صباح اليوم التالي ونادى مجموعة أسماء لم يكن اسمه بينها. احتضنه رفيقه الذي بجانبه وهنأه لأنهما سوف ينعمان بالحياة الى الأربعاء المقبل. تلك الأيام التي تخطف فيها حياة الموجودين في تلك البناية.
حينما يعلم الإنسان بأن ساعات عمره قد أصبحت معدودة تصبح حياته بلا طعم، ويتمنى مفارقتها سريعاً، ليتخلص من هذا الخوف والترقب والقلق الذي يعيش فيه.. أخذ يفكر مع نفسه هل من باب الصدفة أن يوضع الرقم 8 على هذه القاعة تحديداً دون غيرها!... لو كُتب هذا الرقم بشكل أفقي لأصبح يمثل رمز الأبدية! هل هذا يعني أن الحكومة سوف تستمر بإعدام أبناء شعبها المعارضين إلى الأبد.. إم أن الحياة تولد من رحم هذه القاعة لتعانق الأبدية!؟
حل يوم الأربعاء سريعاً مثل لمح البصر. سمع الحارس ينادي باسمه.. خرج مع البقية، اجتاز الممر الطويل مع عشرين محكوماً من زملائه، صُدم ودُهِشَ ولم تقوَ قدماه على حمله، بعدما لمح زوجته مقيدة اليدين منكسة الرأس يلوح عليها الإعياء تمشي بصعوبة مع بطنها المنتفخة، تمنى في تلك اللحظة لو يستطع المسح على رأسها، واحتضانها بقوة للتهوين عليها وجعلها تبكي على كتفه كثيراً، ليخبرها بأن كل شيء سوف ينتهي سريعاً.
أوصلوهم لمبنى ضخم واجلسوهم قرب باب حديدي يتوسط جدار القاعة، يخرج منه رجل أمن ينادي باسم أحدهم ثم يأخذه من بينهم، كأنه مَلك الموت يختطف حياتهم الواحد تلو الآخر، تسود بعدها فترة صمت عميق يتخيلون فيها ما يحصل في الداخل. شاهد بعضهم يقف شامخاً مبتسماً بعد أن يتلى اسمه، يمشي بزهو متحدياً الموت كأنه قائد فاتح أحرز النصر في معركة. وآخرون يذهبون وهم يخطون بقدميهم مثل أموات.. تذكر كلام والده "عندما تحين ساعة الموت التي لا مفر منها، على المرء أن يكون صلباً مثل صخرة لكي يودع الحياة وهو مرفوع الرأس بشرف وكرامة"
شعر بأن دقائق عمره قد أصبحت محسوبة مهما طال الزمن. استرق لمحة إليها، جالسة بينهم تنظر للأسفل وكأنها تتأمل أو تبحث عن شيء صغير لا يمكنه رؤيته، ركز بصره إلى الأرض أسفل قدميه وشاهد نملٍ يمشي بخط متعرج قرب أقدام المحكومين، تابع إحدى النملات وهي تمشِ بين الأخريات، وأحس بذلك الشعور الغريب، كأنه قد تجرد من عقله وكل أفكاره وفقد الإحساس بالذات وأصبح مكانها، هَمَّ حياته نقل الطعام وتأمينه للحفاظ على نوعه واستمراره. ثم تسائل ما فائدة نملة لا تعي ذاتها، لا تحلم ولا تسع بكد لتحقيق أحلامها. اذاً فوجودها لا يختلف عن العدم!
نادى الحرس باسمه الثلاثي.. دخل قاعة طويلة، درج ضيق على الجانب يؤدي إلى منصة بجانبها ذراع ويعلوها حبل المشنقة. هناك وهو تحت الحبل قال: قد لا أؤمن بأفكاركم! لكن ربما هدفنا واحد. لكن الاختلاف يكمن في طريق الوصول للهدف. كيفما تكون مفاهيمكم لا تبوح لكم سلب حياة إنسان لأنه مختلف معكم بالرأي والفكرة!
- كافي خطب رنانة وشعارات فارغة. راح نعدمك أنت وزوجتك لأنكم عملاء لا تستحقون العيش في هذا البلد.
- لكن زوجتي ليس لها جريرة بالأمر. فالزوجة على دين زوجها ومذهبه وعلى حله وترحاله. وإذا كانت العدالة تقتضي أن تزهق روحي عقوبة لما فعلت أو بما فكرت، فافعلوا، لا اطلب منكم العفو ولا المغفرة. لكن اتركوها لحالها، لو كان بإمكاني الحياة بعد الموت لقلت لكم أعدموني بدلاً عنها ألف مرة، فقد أجبرتها على السير في هذا الطريق وتبعتني مجبرة. أرجوكم وألتمس رحمتكم وعدالتكم الرأفة بحالها، فهي حامل وعلى وشك الولادة.. كتمت أنفاسه أنشوطة الحبل الغليظ بعد لحظة، تأرجح جسده. رفس مثل ذبيح وتقلص بشدّة ثم انبسط بارتخاء تام، ولفظ أنفاسه الأخيرة.
ادخل رجل الأمن زوجته من بعده وهي تشعر بروح زوجها محلقة تطوف بأرجاء المكان، غير مكترثة بشيء بعد موته. لكنها ترجتهم إرجاعها للسجن وتأجيل إعدامها لحين ولادة أبنها البكر، لأنها في أيام الحمل الأخيرة. شد الجلاد عقدة الحبل على رقبتها بإحكام وسحب الذراع لتنفتح البوابة تحت قدميها وينفتح باب السماء لاستقبال روحها وهي تكابد ألم المخاض. امتزجت صرخة الموت بصرخة الحياة، حبل المشنقة معلق برقبة الأم يحاول خطف روحها بكل ما أوتي من قوة، والحبل السري متشبث ببطن الجنين ليمنحه الحياة بكل ما أوتي من رقة. وهي تنوس مع الحبل وجنينها يتأرجح معها. انتهى ذلك الصراع الرهيب لصالح الحبل الرقيق وحياة الجنين.
أُنزلت جثتها من المشنقة ووضَعت بجانب وليدها بعد أن غادر أحشاء أمه عنوة، نزلت روحها اليه ووهبته الحياة بكل ما تحمل من عذاب وظلم ووجع وآمال وأحلام مؤجلة.
تقدم الطبيب لفحص الجثة وأشار برأسه بأنها قد فارقت الحياة والطفل يصرخ بجانبها. أمره المسؤول أن يقتل الطفل، لكنه أمتنع عن فعل ذلك لأنه ليس من واجبه.
عاملة التنظيف كانت تراقب المشهد عن كثب، فأشاروا لها أن تحمل الوليد من القاعة لكي يواصلوا عملهم بعد أن امتلأت أرضية المشنقة بدماء الأم والأب ودماء أخرى لم تعرف فصائلها ولا لمن تعود، لكن جميعها حمراء متشابهة!...
وثق الطبيب المقيم حالة وفاة الأم وبعث بتقرير مفصل عن الولادة أثناء تنفيذ الإعدام. وجاء القرار من الجهة العليا لأمن الدولة "يجب قتله على الفور لأنه سيصبح مثل والديه معادياً لمبادئ الحزب والثورة بعدما يكبر". أخبرتهم عاملة التنظيف بعد ذلك بأن الجنين قد مات ورمته مع النفايات في الحاوية.
عادت العاملة بعد نهاية الدوام إلى بيتها، وضعته على فراشها وأخذت تنظر إليه بدهشة، ملامح محرومة من رؤيتها طيلة فترة زواجها حتى فقدانها الأمل. جسم هزيل وأسارير كل شيء فيها صغير ورقيق. عينان جاحظتان متورمتان من أثر الولادة تخفي تحت جفنيها نظرات متشبثة بالحياة. لسان صغير يلعق شفاهه يحاول سد رمقه كي يعيش. لامست بأصبعها يده الصغيرة الملطخة بالدماء فتشبث بها بقوة غريبة، أخرجت من جيبها نظارة أمه ووضعتها بين أصابعه.
ذلك الطفل الذي كبر ونما سريعاً كأنه يسابق زمنه، حتى أصبح رجلاً وتعين في مكان عمل أمه بعد إحالتها على التقاعد.
قرأ المسؤول نص الحكم بالإعدام، وضع الجلاد حبل المشنقة الغليظ حول رقبة المجرم وسحب العتلة. أنفتح الباب تحت قدميه ونزل جسمه، شد الحبل على عنقه بقوة قطعت أنفاسه، بقي لحظات حتى تمزقت رقبته وانفصل رأسه مع بقية أحشائه عن البدن كأنه قد أنجب اعضائه.
اقترب من الجثة ووضع نظارة أمه فوقها.. حراس.. طبيب.. وجوه مندهشة.. بلا جنين يسبح في بركة دم.
فراس عبد الحسين
تعليق