في مقبرة كرزدادا
كتب: فادي شعار //نقطة ساخرة//مقال بعنوان:
((اتّصالٌ من تحتِ الأنقاض))
كتب: فادي شعار //نقطة ساخرة//مقال بعنوان:
((اتّصالٌ من تحتِ الأنقاض))
زُلْزِلَتِ الأرضُ... وأحجارُ أبنيةٍ تهاوت، وجُدْرٌ تصدَّعت، وطوابقُ على طوابقٍ انهارت، والعُجاب أن يبقى شابٌّ أكثر من أسبوعٍ تحت الأنقاض، ليُفَاجِئَ أباه باتصال على الجوَّال ويدور الحوار التالي:
- يا أبتي أتكلَّم معك من تحت الأنقاض، فلا تقلق..
- يا بنيَّ طمّني عن حالك، مجروح؟ مكسور؟ موجوع؟؟ ظننتُ أنَّك بين الرُّكام مدفون!
- الحمد لله أنَّي حيٌّ أُرْزَق، بل أنا الذي أريد الاطمئنان ؟؟
- نحن بخير يا بنيَّ، والزِّلزال كان خيراً علينا، فقد اسْتُغِلَّ إعلاميّاً، لنكسب كشعبٍ منكوبٍ من خلاله مادّيّاً، فالمساعدات الإنسانيّة طمرتنا طمراً، تصوّر أنّ الفنّانين والفنّانات، واللاعبين واللاعبات، والراقصين والراقصات كانوا أجود من أناس كنَّا نحسبهم كراماً، فتبرعوا بسخاء ليكون نصيب المتضرّرين وغير المتضرّرين مبدئياً عدَّة ملايين من الليرات...
- لكنّني سمعتُ غير هذا الكلام، سمعتُ أنَّكم بضائقة وبلاء حتّى إنَّ الغلاء طال البصل المتعفّن!
- لا يا بنيَّ هذه أكاذيب الطابور الخامس والتضليل الإعلاميّ لتشتيت الانتباه عن حجم المساعدات حتّى لا نُصَاب بحسد العين...فجسر المساعدات الجوّيّة أغرق المستودعات بالمحبِّة، وطافت بالوئام والمودَّة، وستوزّع المعونات على كلّ محتاج أو غير محتاج، لأنَّها من أيادٍ سخيَّة فلا تَظُنَّن ظنّ السوء...
- لا يا أبتي لن توزّع بل غداً ستباع أو تتعفّن في المستودعات أو يفتَعِلون الحرائق عند المحاسبة إذا فكّروا بمحاسبة الأيادي الفاسدة الخفيَّة، معقول بيومين تتغيّر الأحوال يا (ياباا)؟!!
- نعم تغيّرت، بل عادت للفطرة السليمة، يا بنيَّ ولم يعدْ الموظّفون يرتشون والكلّ يعمل بضمير دون ابتزاز لهدم البيوت المتبقّية المتضرّرة، فالزلزال أعاد الفاسدين إلى جادّة الصواب، وأعاد بناء الإنسان وضميره...
- أظن أنَّك تُحْمِّسني يا أبتي لأخرج من تحت الرُّكام من تحت الرَّماد حتّى أعْدِل عن فكرة هجرة البلاد بعد أن تجادلتُ وإياك من أجلها...
- لا يا بنيَّ لا أريد خسارتك، والله حرام استنزاف الكفاءات وهجرة العقول أمثالك، صدّقني الحال تغيَّرت للأحسن...
- لكن الأخبار التي وصلت إلى سمعي أن الناس لم تتّعظ من الهزَّة، بل كانت فرصة لهم للفساد في بيوت الله، بل حتّى في خيم إغاثة المنكوبين أصبح ريع تأجيرها لحيتان الأزمات، فأسماك القَرْشِ تستأجرها لتنتفع من المساعدات والمعونات، والحقيقة المُرَّة أنّ المتضرّر الحقّ عفيف بسيط مسكين لا يمدّ يده إلّا لله، كان الله في عونه...
- يا بنيَّ بل الناس تقتسم اللقمة وشعارها الإيثار، والشرذمة الفاسدة التي مارست في بيوت الله الدَّعارة مع قلَّة أدب وقلَّة طهارة بحاجة لإصلاح، صدّقني مدن سوريا كلّها يدٌ واحدة، ولم يتوان الشباب عن مساعدة المنكوبين، حتّى الوطن العربيّ والعالم مدَّ لنا يد العون..
- يا أبتي لن أقلِّل من شأن المساعدات وأصحاب الهمم العالية والنوايا الطيّبة لكنّني قرّرت أن أبقى تحت الرَّكام..
- يا بنيّ لا تدعني أتكلَّم كثيراً، بل دعني أسعى وأعمل لإنقاذك، سلام عليك بنيّ...
المكالمة التالية كانت في اليوم السابع للزلزال:
- طمّني عنك يا بنيَّ
- الحمد لله يا أبي، متابعٌ أخباركم الخطيرة، أبوس روحك لا تخرجني، وسأتدبّر أمري من تحت الركام..
- كيف لا أخرجك والطعام والشراب والهواء..
- ربَّنا الله لا يقطع
- يبدو أنّك تهلوس..
- لا يا أبي لا أهلوس، سمعتُ أنّ الهزَّات والزلازل مُستمرّة وهي مفتعلة بسلاح سرّيّ..
- لا يا بنيَّ أفكارك أضغاث ماسونيَّة، فالهزَّات الارتداديّة رحمانيّة، وستجلب لنا شركاتٍ عالميّة لتستثمر الوضع، وستحفر لنا آبار ماء وتجفّفه لنا في عبوات يعني ماء بودرة مجفّف ليعيننا عند جفاف الفرات ودجلة فقط نحن بحاجة لأيادٍ أمينة...
- يا بابا عن أيّة أيادٍ أمينة تتحدّث، فنحن في زمان ضاعت فيه الأمانة، وضاعت فيه المحبّة، وضاعت فيه الحقيقة!!
مع قدوم فرق الإنقاذ ينادي الوالد ولده:
- يا بنيَّ أخيراً جاءت فرفة الإغاثة ومعدّات الإنقاذ
ويختتم الابن حديثه قبل انقطاع الاتّصال:
أبتي إحساسي أنّي بأحسن الأحوال، وأنّي قريب من ذي الجلال والإكرام، دعني عزيزاً بين الأنقاض والركام، ولا أكون ذليلَ لقمة يحبسها شرار الأنام... أنا هنا تحت الأنقاض في قمّة الراحة.. "ما في شي مستاهل مافي شي حرزان بكرا كل شي رايح نيالوا الرضيان""
ومع إزالة الركام يتفاجأ الأب بجثّة ابنه الهامدة والسبّابّة شاهدة، والمفاجأة الأكبر أنّ تقرير الطبيب الشرعيّ جاء ليؤكّد أنّ الابن توفي في اليوم الأوّل للزلزال وليس كما ادّعى الأب بأنَّ ابنه كان حيّاً ويتواصل معه طيلة الأسبوع..
ترى مع من كان يتكلّم الوالد المفجوع في الأيام الماضية؟؟؟
تساؤل وتعجّب تلاشى حتّى في سجلِّ محادثات الجوَّال وذلك بعد أن ارتمى الأب ليضم ّ ابنه الشهيد ويحتضنه الاحتضان الأخير...ثمّ جاءه اتّصال جديد!!!!؟؟؟؟
تعليق