رواية أنا جلوى/ بقلم : وفاء حمزة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • وفاء حمزة
    أديب وكاتب
    • 11-12-2015
    • 628

    رواية أنا جلوى/ بقلم : وفاء حمزة

    اَلْفَصْل اَلْأَوَّل

    أَبْحَثُ عَنْ اَلْحَمَاسِ اَلَّذِي كَانَ مُتَوَهِّجًا بِدَاخِلِي وَأَنَا عَلَى سُلَّمِ اَلطَّائِرَةِ فَلَا أَجِدُهُ ، تَخْتَنِق قَدَمَايَ ، أَتَقَدَّمُ بِصُعُوبَةٍ ، لَعَلَّهُ اَلْأَلَمُ اَلَّذِي رَأَيْتُهُ عَلَى صَفْحَةِ يَدِي عِنْدَمَا رَفَعَتْهَا فِي تَلْوِيحِهِ وَدَاعٍ وَوَجَدَتْنِي أَوْدَعُ نَفْسِي . . . أَوْ لَعَلَّهَا اَلصُّورَةُ اَلْأَخِيرَةُ لِلنِّسْيَان، لِلنِّسْيَانِ صُورَةَ اَلنَّظْرَةِ اَلْوَاحِدَةِ لَا تَكْفِي ، وَلِلْعَقْلِ عَدَسَةٌ خَاصَّةٌ تَتَأَمَّلُ قَبْلَ أَنْ تَلْتَقِطَ اَلصُّوَر، اِمْتَزَجَ بَعْضُ دَمْعِ بِكُحْلٍ عَلَى تَقَاسِيمِ وَجْهِي أَخْفَاهَا " اَلْخِمَار " . لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أُفَارِقُ بَلَدِي لَأَسْكَنَ عَالِمًا لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْل، إِلَّا مِنْ خِلَالِ مَا يَصْدُر إِلَيْنَا مِنْ إِعْلَامِ عَبْرَ أَفْلَامِ هُولْيُود ، تَحْتَلُّنِي اَلْحَيْرَةُ بَيْنَ حُلْمَيْنِ ؛ حُلْمَ اَلسَّفَرِ إِلَى عَالَم جَدِيد لَا أَعْرِفُهُ ، وَحُلْمَ اَلْبَقَاءِ دَاخِلَ مَشَاعِرِي ، مِنْ يَرَى ظَاهِرِي لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَخَيَّلَ حُزْنِي اَلدَّفِينُ وَجُرْحِي اَلْعَمِيقُ لِوَدَاعِ اَلْوَطَن!
    اَلْبَارِحَة مَرَّرَتْ بِشَوَارِعِهِ ، وَعِنْدَمَا رَجَعَتْ لِلْبَيْتِ سُمِعَتْ مَا يُدْمِي اَلْقَلْب ؛ كَانَتْ أمِي تَبْكِي بِحُرْقَةٍ فِي غُرْفَتِهَا ، اَلْآنُ أَرَى صُورَتُهَا وهي بَعِيدَةً.. تَفْصِلُنِي عَنْهَا مَسَافَاتٌ طَوِيلَةٌ ، شَعَرَتْ بِحَرَارَةٍ تَلْسَعُ خَدِّي وَمَذَاقٌ مَالِحٌ فِي أَسْفَلِ جَوْفِي . . . هَكَذَا ذَابَتْ فِي أَتُونِ اَلتَّذَكُّرِ سَاعَاتٍ ، دُونَ أَنْ أَعْلَمَ عَدَدُهَا ، حَتَّى شَعَرَتْ بِالطَّائِرَةِ تَحُطُّ فِي مَطَارِ " هِيثْرُو " ، وَبَعْد إِقْلَاعِهَا مَرَّةً أُخْرَى تَغَيَّرَ بَعْضُ اَلرُّكَّابِ ، وَكَذَلِكَ مَشَاعِرِي ، شَعَرَتْ بِغُرْبَةٍ تَتَعَاظَمُ فِي نَفْسِي . مُتَّكِئًا يَجْلِسُ وَاَلَّدي عَلَى كُرْسِيِّهِ شَارِدًا حَزِينًا ، فِي اَلْخَمْسِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ ، أَبْيَض اَلْوَجْهِ ، مُتَوَسِّطُ اَلْقَامَة، يَعْتَمِرَ شَمَاغَا نَقِيًّا يُزَيِّنُهُ عِقَالٌ أَسْوَد، قَلِيل اَلشَّيْبِ ، فَوْقَ شَارِبِهِ شَامَةً زَادَتْ مِنْ وَسَامَتِهِ ، فِي طَلْعَتِهِ رُجُولَةً وَوَقَار، وَفِي رُوحِهِ شَهَامَةً وَهُدُوءً وَحَنَان ، يُدِيرَ عَيْنَيْهِ فِي أَرْجَاءِ اَلطَّائِرَةِ اَلَّتِي تَمْخُرُ عُبَابَ اَلسَّمَاءِ ، هَمَمْت بِأَنَّ أَحْدَثَهُ وَلَكِنِّي تَرَاجَعَتْ كَيْ لَا أَفْسَدَ تَفْكِيرُهُ ، تَرَكَتْهُ لِتَدَاعِيَاتهَ وَعَدَتْ أَطُوفُ بِذَاكِرَتِي مِنْ جَدِيدٍ . تَهْبِطَ اَلطَّائِرَةُ فِي مَطَارِ أُوهِيرْ اَلدَّوْلِي وَمَعَهَا يَهْبِط إِحْسَاسٌ غَرِيبٌ ، كَأَنَّهُ لِكِيَان يصاحبني لَا أَعْرِفُهُ أَجْهَلُهُ ، والدي يَلْتَقِطُ يَدِي ، يَجْذِبُنِي بِرِفْقِ لِأَهْبِط مَعَهُ . . . أَنْظُرُ تَحْتِيٍّ ، يُثِيرُنِي وُجُودُ صُورَتِي عَلَى بَلَاطِ اَلْمَطَار ، أَتَسَاءَلُ كَيْفَ نَرَى أَنْفُسُنَا وَنَدُوسهَا بِأَقْدَامِنَا هه
    كَانَ أَضْخَمَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَصَوَّرْتُهُ ، أَتَنَقَّلُ بِنَظَرِي فِي مَحَالِّ اَلسُّوقِ اَلْحُرَّةِ وَصَالَاتُ اَلتِّرَانْزِيت ، " جَرْسُونَات " يُهَرْوِلُونَ فِي اِزْدِحَامِ اَلْمَطَاعِمِ ، أَلْوَان مِنْ بَشَرٍ وَلُغَاتٍ تَرْكُضُ أو تسير ، أَضْحَكَ بِدَاخِلِي وَأَمْضِي حَيْثُ يُرِيدُ وَاَلَّذِي . صَعِدْنَا سَيَّارَةُ أُجْرَةٍ لِتُقِلّنَا إِلَى شَارِعِ مِيرِيلَانْد ، وَفِي اَلطَّرِيقِ اِتَّصَلَ بِبَعْضِ أَوْلِيَاءِ أُمُورِ طَالِبَاتٍ حَصَلْنَ عَلَى مِنْحَةٍ دِرَاسِيَّةٍ مَعِي ، وَكَانُوا قَدْ سَبَقُونَا إِلَى هُنَا . كَانَ فِي اِسْتِقْبَالِنَا حَمْدَانْ اَلَّذِي تَحَدَّثَ مَعَهُ وَالِدِي ، أَخْذُنَا إِلَى اَلسَّكَنِ اَلْمُؤْمِنِ لِي مَعَ زَمِيلَاتِي اَلْمُبتعثَاتِ ، بَعْدُ أَيَّامٌ سَيُجَهِّزُ وَالِدِي نَفْسَهُ لِلرُّجُوعِ إِلَى أَرْضِ اَلْوَطَنِ ، فَقَدْ تَمَّ اَلِاتِّفَاقُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ اَلْأُمُورِ عَلَى أَنْ يَبْقَى أَحَدُهُمْ لِرِعَايَتِنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ يَتم اَلتَّبَادُلُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَدَارِ اَلسَّنَوَاتِ اَلْقَادِمَةِ . أَمْرِيكَا . . . هَذِهِ اَلسَّاحِرَةِ ، اَلْأُسْطُورَةُ اَلَّتِي طَالَمَا شَبَّهُوهَا لَنَا بِمَدِينَةِ اَلْأَحْلَام. . . وَحْدَهَا اَلْأَحْلَامَ تَعْرِفُ كَيْفَ تَنَامُ بِنَا ، إِنَّهَا حَقًّا كَابُوس مُزْعِجٍ ، أَرَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بُرُودَةِ عَوَاطِفِهِمْ !!
    فِي نُفُورِهِمْ اَلدَّائِم مِنْ اِمْرَأَةٍ تَرْتَدِي اَلْحِجَابَ!! أَوْ رَجُلٍ تَوَسَّمَ بِاللِّحْيَةِ ، وَخَاصَّةَ بَعْدَ أَحْدَاثِ " 11 " سِبْتَمْبِرَ ، أَرَاهَا فِيلْمَ رُعْبٍ اِخْتَرَعُوهُ وَجَعَلُوا نِهَايَتَهُ مَفْتُوحَةً ، لَا أَجِدُ شَيْئًا غَرِيبًا سِوَى اَلْفِكْرِ ، لَا أَنْكَرَ اِنْبِهَارِي وَإِعْجَابِي بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ حَدَاثَةٍ وَإِنْ كَانَتْ جَامِدَةً لا روح فيها، عَلَى أَمَلِ أَنْ أَهْضِمَهَا يَوْمًا مَا!! فِي كُلِّ يَوْمٍ أَتَشَبَّثُ بِخُيُوطِ اَلْفَجْرِ لَعَلَّهَا تَحْمِلُ فِي نَسَائِمِهَا بَعْضًا مِنْ اَلسَّعَادَة!!
    أَلْمَحَ شَيْئًا مِنْ اَلرَّفْضِ وَتَوَجُّسًا ، أفكارهم اَلْمَحْفُورَةِ عَلَى جُدْرَانِ عُقُولِهِمْ خاطئة . عِدَّةُ شُهُورٍ مَضَتْ وَصُورَةُ سَامي لَا تَزَالُ عَالِقَةً فِي خَيَالِي ، مَوَاعِيد حَمَّامِي اَلْيَوْمِي أَسْمَعَهَا فِي دَقَّاتِ اَلسَّاعَةِ لِتُعْلِنَ أَنَّهَا اَلرَّابِعَةُ مَسَاءً ، فَأَتَذَكَّرُ كُم كَانَ نَبْضُ اَلْهَوَاءِ جَمِيلاً مُعَطَّرًا بِفُقَّاعَاتِ صَابُونٍ فَوَّاحٍ ، أَرْمِي حَقِيبَةُ كُتُبِي وَأَرْكُضُ مُسْرِعَةً كَيْ لَا أُفَوِّت كمراهقة صغيرة اَلْمَشْهَد ، فَمَعَ بِدَايَةِ كُلِّ نَهَارٍ أَشْعُرُ أَنَّ اَلْحَيَاةَ كَطَائِرِ أَضَاعَ بُوصَلَةَ عَقْلِهِ وَيُحْسَبُ أَنَّ اَلتَّحْلِيقَ فِي غُرْفَةٍ مُغْلَقَةٍ هُوَ اَلْفَضَاء، يَتَخَبَّطَ بِجَنَاحَيْهِ فِي جُدْرَانِهَا ، يَتَوَهَّمَ مَلَامِحَ أُفُقِ مُسَافِرِ وَيُرَفْرِفُ ، وَإِذَا جُنَّ اَللَّيْلُ تَتَّشِحُ أَجْنِحَتَهُ بِسَوَادِ اَلْوَحْدَةِ . هَذَا اَلصَّبَاحِ أَتَضَوَّرُ جُوعًا لِصُورَةِ مَدِينَتَيْ " اَلْخَبَر " ، هَبَّتْ رِيَاحُ اَلْبَحْرِ تَفُورُ بِدَاخِلِي ، تَقَلُّبُ أَعْمَاقِي ، لَمْ تَنْتَظِرْ أَنْ أَسْتَعِيدَ أَنْفَاسِي ، مَا أَجْمَلُ نَسِيمْ صَبَاحِهَا "بلدي" اَلْعَبَقِ بِرَائِحَةِ اَلْبَحْرِ ، كَمْ كَانَتْ تُسَاعِدُنِي هَذِهِ اَلصُّوَرِ عَلَى اَلْإِبْحَارِ فِي عُمْقٍ رُوحِيٍّ ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ أَوْقَاتِ عَقْلَانِيَّتَيْن وَجُنُونِيّ . إِنَّهَا اَلسَّابِعَةُ صَبَاحًا ، أَلْتَقِطُ كُتُبُ اَلدِّرَاسَةِ اَلْمُبَعْثَرَةِ فِي أَنْحَاءِ اَلْغُرْفَةِ ، أُهَرْوِلُ بِاتِّجَاهِ اَلشَّارِعِ اَلْمُؤَدِّي إِلَى قَاعَةِ اَلْمُحَاضَرَاتِ ، بَوَّابَةُ اَلدُّخُولِ مُزْدَحِمَةً جِدًّا ، صَدَمَتْ شَابًّا مِنْ اَلْخَلْفِ ، كَانَ اَلتَّدَافُعُ قَوِيًّا ، دَخَلَتْ فِي نَوْبَةٍ مِنْ اَلضَّحِكِ عِنْدَمَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ بِعَيْنَيْهِ مَا أَجْمَلَكَ . . . خَيَّمَ اَلصَّمْتُ ، لَمْ أَدْرِ كَم مِنْ اَلْوَقْتِ مَرَّ بَيْنَ عُيُونِنَا فِي هَذَا اَلسُّكُونِ اَلْمُخْتَلِطِ بِزَحْمَةِ اَلتَّدَافُعِ ، شَفَتَاهُ تَتَحَرَّكَانِ ، أَحَسَّهُمَا قَبْل أَنْ تَنْطِقَا ، أَسْمَعهُمَا قَبْلَ أَنْ تَتَحَرَّكَا . . . - لَعَلَّكِ بِخَيْرٍ . أُومِئُ بِرَأْسِي مَرَّتَيْنِ ، تَتَجَمَّدَ شَفَتَايَ ، لَا أَسْتَطِيعُ اَلنُّطْقُ ، فَيُرَدِّدُهَا مَرَّةٌ أُخْرَى وَأَنَا أَهْمِسُ بِدَاخِلِي . . . يا لهذا اَلْوَسِيمِ . طَلَب مُرَافَقَتِي إِلَى اَلْكَافِتِيرْيَا ، عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ مِنْ اَلْبَوَّابَةِ ، وَافَقَتْ بتَرَدَّدَ ، أَسْتَعِيدُ أَنْفَاسِي بَيْنَمَا أَحْتَسِي كُوبَا مِنْ اَلْقَهْوَةِ ، كَسَيِّدٍ مُهَذَّبٍ جَذْبِ اَلْكُرْسِيِّ وَطَلَبَ مَنِيُّ اَلْجُلُوسِ إِلَى اَلطَّاوِلَةِ . . . جَلْب كُوبَيْنِ مِنْ اَلْقَهْوَةِ وَجَلَسَ فِي مُوَاجَهَتِي تَمَامًا ، شَعَرَتْ بِسُخُونَة تَسْرِي فِي جَسَدِيٍّ ، وَمَعَ أَوَّلُ رَشْفَةٍ ذَابَ جَلِيدُ شَفَتِي . . . سالت مَا اِسْمُكَ ؟ رَدُّ بِسُرْعَةٍ . . . جَانِسانِ ، لَمٌّ أَلْمَحَ شَفَتَيْهِ وَهُمَا تَتَحَرَّكَانِ مِنْ سُرْعَةِ تَوَالِي اَلْحُرُوفِ ، صَمْت قَلِيلاً ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ . . . أَمْرِيكِي مِنْ أُمٍّ لُبْنَانِيَّةٍ ، شَاعِرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَمَعْرُوفَةٌ . . . اِخْتَصَرَتْ اَلْمَسَافَةُ وَقُلْتُ دُونُ تَرَدَّدَ . . . وَأَنَا جلوى . . . تَبَادَلْنَا بَعْضُ اَلْكَلِمَاتِ فَوَجَدْتُهُ يَتَكَلَّم اَلْعَرَبِيَّةَ بِطَلَاقَةٍ - مَا هِيَ دِرَاسَتُكِ ؟ - اَلطِّبُّ اَلنَّفْسِي - وَأَنْتَ ؟ - اَلْهَنْدَسَة! اِقْتَطَعَ وَرَقَةً صَغِيرَةً مِنْ مُذَكِّرَةٍ كَانَتْ فِي جَيْبِهِ ، كَتَبَ عَلَيْهَا شَيْئًا ، وَقَبْل أَنْ أَنْهَى كُوبُ اَلْقَهْوَةِ قَدَّمَهَا لَي، ثُمَّ اِسْتَأْذَنَ وَغَادَرَ

    يتبع
    https://www.facebook.com/profile.php...ibextid=uzlsIk
  • وفاء حمزة
    أديب وكاتب
    • 11-12-2015
    • 628

    #2
    لَمْ أَتَمَكَّنْ مِنْ مُتَابَعَتِهِ خَارِجَ حُدُودِ اَلْمَكَان، اَلْأَمْطَارُ كَانَتْ غَزِيرَةً وَالْمِيَاهُ تَسِيلُ عَلَى اَلزُّجَاجِ فَتَحْجُبُ اَلرُّؤْيَةُ ، فَتَحَتْ اَلْوَرَقَةُ لِأَجِدَ فِيهَا رَقْمُ هَاتفه.
    قَطْع شُرُودِي صَوْتًا جَهْوَرِيًّا . . . أَنَا عَبْدُ اَلصَّمَدْ . . . مُمْكِن ؟ رَفَعَتْ رَأْسِي ,تَفَضَّلَ قَلَّتها بِرَزَانَةٍ . . . جَلَسَ عَلَى اَلْكُرْسِي المقابل وَبَدَأ أَحَادِيثَ عَامَّة، حَدَّقَتْ فِي لِحْيَتِهِ قَلِيلاً ، اِبْتَسَمَ وَقَالَ . . . أَعْرِفُ أَنَّهَا أَمْرِيكَا بَلَدُ اَلْقِيَم ، اَلْمَبَادِئ ، اَلْعَدَالَة، اَلصِّدْق.. وَأَعْرِف أكثر أَنَّهَا تَكْتُبُ وَتُثَرْثِرُ عَنْ كُلِّ هَذَا
    لَكِنَّهَا تَتَخَلَّى عَنْه لا يُطَبَّقَ عَلَيْهَا!! أَنْهَيْتُ كُوب قَهْوَتِي وَكُلًّ فِي طَرِيقٍ .
    أَحْلَامُ هَذَا اَلصَّبَاحِ تُتَوَّجنِي سعادة، مُنْذُ زَمَنِ وَأَنَا أَبْحَثُ عَنْ هَذَا اَلْحُلْم، أَتَسَاءَلُ أَيْنَ غَابَ كُل هَذِهِ اَلْفَتْرَةِ ! أَنْهَضُ مِنْ غَفْوَتِي لِأَسْأَلَ نَفْسِي مِنْ جَدِيدٍ . . .
    لَم رَحَلَ وَمَتَى سَيَعُود؟ أَفْتَحَ حَقِيبَةِ يَدِي ، أَلْتقط هاتفي ، وَبِحَذَرٍ شَدِيدٍ اِضْغَطْ عَلَى اَلْأَرْقَامِ ، إِنَّهُ يَرِنّ ، وَبِسُرْعَةٍ وَقَبْل أَنْ يُطْلِقَ رَنَّتَهُ اَلثَّانِيَةَ أَغْلَقت اَلْخَطُّ
    ثَوَانٍ قَلِيلَةٍ لِأَجِدهُ يُعَاوِد اَلِاتِّصَال . .ألو .. جلوى . . . لَم اَلصَّمْت . . . أَعْرِف أَنَّكِ أَنْتِ، نَعَمْ أَنَا جلوى. . . قَال وَالتَّرَدُّد يُبَدِّدُ اَلْحُرُوف . . . لَم أَغْلَقَتْ ؟ .
    ، جلوى ، جلوى ، مَشْغُولَة ؟
    - نَعِمَ مَشْغُولَةً بِحُلْمِي ، وَأُدَنْدِنُ أُغْنِيَةً لَهُ كُنْتُ أُغْنِيهَا لِأمي، قَال: صَوْتُكِ جَمِيل ؟
    قَلَّتْ : لَا أَعْلَم ، لَكِنَّهُ كَانَ يَعْجَبُ صَدِيقَاتي.
    - هَلْ تُحِبِّينَ اَلْغِنَاء؟ .
    - كُنْت أُحِبُّهُ كَثِيرًا قَبْلَ أَنْ تَكبر لعبتيْ وَتَصغر أُغنِيَتِي . . .
    - هَلَّا أَسْمَعَتْنِي شَيْئًا ؟ .
    - لَا . . .!! صَمْت قَلِيلاً ثُمّ بصوتٍ مُمْتَلِئا بِالشَّجَنِ قال: الخَيْبَة تُغني لزَمَنٍ مُصَابٍ بِسَكْتَةِ حَيَاة. . .
    هَكَذَا تَبَادَلْنَا اَحاديث الهموم الطلاَبية المُشتَرَكَة، ثُمَّ أَغْلَقَ بَعْدَ أَنْ دَعَانِي في الغد لِوَجْبَةِ عَشَاء .

    اَلْجَوُّ بَارِدٌ وَالسَّمَاءُ لَا تَبْخَلُ بِجُودِهَا هَذَا اَلْمَسَاء، اِنْهِمَارٌ قَوِي لِلْأَمْطَارِ ، أَرْكُضُ تَحْتُ مِظَلَّتِي وَالْأَنْفَاسُ تَتَقَافَزُ مِنْ جَسَدِي حَتَّى وَصَلَتْ إِلَى مَوْقِفٍ عَام
    اَلطُّرُقَاتُ تَغْسِلُهَا اَلْمِيَاهُ وَالسَّيَّارَاتُ تَخْتَرِقُ اَلضَّبَابَ ، هَا هُوَ قَدْ وَصَلَ
    اِقْتَرَبَ مِنِّي حاول أن يمْسَكَ بِيَدِي ، كُنَت أرْجُف مِنْ اَلْبَرْدِ ، كأنني أَحْسَسْتُ بِكَفِّهِ دَافِئًا ..عموما تواجده يُشْعِرُنِي بِالطُّمَأْنِينَةِ
    توقف المطر ، أَغْلَقَتْ مِظَلَّتِي وَمَشْينَا حَتَّى وَصَلْنَا إِلَى مَقْهَى هَادِئ.
    بَدَأَ يُمَارِسُ طُقُوسَهُ اَلْأُولَى لِيُشْعِرِنِي بِمَاهِيَّتِي اَلْمَخمليَّة ، اَلشَّاعِرِيَّةُ غَلَّفَتْ اَلْأَنْفَاسُ ، تُصَاحِبُهَا أَنَامِلُ فَتَاةٌ شَقْرَاء تَعْزِف عَلَى اَلْبِيَانُو
    وَلَوْحَةُ اَلْقُبْلَةِ لِغُوسْتَافْ مُعَلَّقَةٌ بِطَرِيقَةٍ رُومَانْسِيَّةٍ خَلَّفَهَا ، اَلسُّكُون جَلْبَ رَوْعَةِ اَلِاسْتِرْخَاءِ . . . بَدَأَ حَدِيثُهُ قَائِلاً . . .
    حِكَايَة اَلْغَيْمِ تَتَكَرَّر، هُوَ اَلْمَطَرُ كُلَّ يَوْمٍ بِحُلَّةٍ جَدِيدَةٍ كَطِفْلِ اَلرُّوحِ ، نُنصِت إِلَيْهِ فَنَسْمَع نَبْضَ قَلْبِهِ مُتَجَدِّدًا وَحَالَمَا فِي نَقَاءِ اَلْمَاءِ . . .
    - اَلْمَاء! . . . أَمْعَنَ اَلنَّظَر فِي تَفَاصِيلِ دَهْشَتِي وَقَالَ . . . إِنَّهَا سَحَابَةُ هَذَا اَليوم، هِيَ اَلَّتِي كُنْتُ أَرْسُمُهَا عَلَى دَفْتَرِيّ، أُلَوِّنُهَا وَهَا أَنَا اَلْآنَ أَرْسُم كرمها مِنْ جَدِيد
    لِأَن عُيُونِي هِيَ مِنْ تُحَدِّدُ اَلتَّفَاصِيلُ اَلْمُتَجَدِّدَةُ !
    شَعَرَتْ بِكَلِمَاتِهِ تَخْتَرِق كِيَانِي ، تَحَدَّثَ زِلْزَالاً قَوِيًّا ، تَغَافَلت عنه باَلنَّظَر إِلَى اَلنَّادِلَةِ وَهِيَ تَعَرَّضَ عَلَيْهِ " اَلْقَائِمَة " . . .
    فَقَطْ كُوبَيْنِ مِنْ اَلْقَهْوَةِ وَبَعْضِ اَلْفَطَائِرِ ، قَالَ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ أَبْعَادَهَا . . . وبدوري هَرَبَتْ بِنَظَرَاتِي إِلَى شَابٍّ يَجْلِسُ فِي اَلزَّاوِيَةِ اَلْمُقَابَلَة
    شَعَرَتْ بِقَلِيلٍ مِنْ اَلِارْتِبَاكِ وَأَنَا أَنْظُرُ إِلَيْه، كَأَنَّهُ يَعْرِفُ مَا يَدُورُ بذهني ، لَمْ أَدْرِ كَمْ مرا مِنْ اَلْوَقْتِ وَأَنَا أَتَأَمَّل مَلَامِحُهُ بِشُرُود
    انهيانا شرب القهوة ، اِنْتَفَضَ جَانْسَانْ وَاقِفًا فَنَهَضَتْ مَعَهُ بِخَجَلٍ غَرِيب، خَرَجَتْ مِنْ اَلْبَابِ أُتَمْتِم : مَا اَلَّذِي حَدَثَ ! . . .
    أَفْتَحُ كَفي لِلْمَطَرِ لَعَلَّهُ يحافظ على مَا بَقِيَ مِنْ اِتِّزَانِي . أَصْبَحْتَ أَنْتَظِر اَلْفَجْر كُلَّ يَوْمِ مِنْ جَدِيد
    أَرْكُض إِلَى اَلنَّافِذَةِ لِأَرَى إِشْرَاقَةَ اَلشَّمْسِ وَهِيَ تَشُق اَلْعَتَمَةُ ، صِرْتَ أَلْتَقِيه في المقهى كُل أُسْبُوعٍ فِي نَفْسِ اَلْمَوْعِد.
    - ذات لقاء قلت لعينيه : جَانْسَانْ : مَا بِكْ ؟ . . . لَا تَتَحَرش بِي . . .
    - أَنْتَ مُغْرِيَةٌ - جَانْسَانْ . . . لَا . . . لَا . . .
    - إِذْن لِمَاذَا نحن أصدقاء ؟ .
    لحظة لَا تُكْمِلُ كلامك . . . أَنَا شَرْقِيَّة اَلْهَوَى وَالْعَادَاتِ وَالتَّقَالِيدِ . أَهْرُبُ مِنْهُ وَأَنْظُرُ خَلْفِي لِأَجِدَهُ يَنظر عَلَى مَهْلٍ بِنَشْوَةٍ عُظْمى
    وهكذا في كل لِقَاءَاتِنَا ، نَتَقَاسَمُ اَلوجبات الخفيفة والمشروبات المتداولة ، وَكَانَ قَلْبِي وَرْدَةً تَتَفَتَّحُ عَلَى حَافَّة هَمَسٍ مُلْتَهِب اَلنَّبْض.
    رَغْمَ أَنَّنِي لَا أَحْدَثَ أَحَدٌ وَلَا أَنْظُر إِلَى أَحَدِ وَأَنَا فِي اَلْجَامِعَةِ أَوْ فِي اَلطَّرِيقِ ، لَكِنَّنِي أَرَى كُلُّ شَيْءٍ فِي يُغْرِيهِمْ ، أَلْمَحَهُ فِي دَهْشَتِهِمْ مِنْ هَذَا اَلزِّيِّ اَلْعَرَبِيّ المحتشم ..
    اَلَّذِي حَرَصَتْ عَلَى أَنَّ لَا أُبْدِلَهُ ، قَابَلَتْ عَبْدَ اَلصَّمَدْ أَثْنَاءَ مُغَادَرَتِي لِلْجَامِعَةِ وَكَانَ مُرْتَبِكًا ، قَالَ لِي إِنَّهُ رُبَّمَا يَفْقِدُ كُل مُسْتَقْبَلِه.. فَهُوَ يَشْعُرُ أَنَّهُ مُرَاقِب من الامريكان بِسَبَبِ دُخُولِهِ لِمَوْقِعٍ إِسْلَامِيٍّ مُتَشَدِّد، قَلَّتْ كَلِمَاتٍ تُخَفِّفُ عَنْهُ وَذَكَرَتْهُ بِأَنَّ السعودية هِيَ البلد اَلْوَحِيدَ مِنْ كُلِّ بِلَادِ اَلْعَالَمِ اَلَّتِي تَبْعَثُ طُلَّابَهَا وتكرمهم وَتُنْفِقُ عَلَيْهِمْ بِسَخَاء
    قَالَ . . . أَنَا لَا أَنْكَرَ هَذَا . . . لَكِنْ لِمَاذَا أَمْرِيكَا تَنْظُرُ لِلشُّعُوبِ اَلْعَرَبِيَّةِ نَظْرَةَ اَلْخِرَافِ فِي زَرِيبَة؟ . . . تَنَهَّدَتْ بِخَوْفٍ ، اِسْتَأْذَنْتُهُ وَمَضَيْتُ مُهَرْررررروِلَةً !!
    حَتَّى جَانْسَانْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ يَتَحَدَّثُ عَنْ جَرِيمَةِ خَطْفٍ ، جَرِيمَةُ اِغْتِصَابٍ ، جَرَائِم شَتَّى في أمريكا.
    لَا أَعْرِفُ . . كَيْفَ مَضَتْ هَذِهِ اَلسَّنَة؟ هِيَ اَلشَّمْسُ لَا تَغْرُبُ إِلَّا لِتَعُودَ بِعُمْقٍ دَائِمٍ اَلْإِشْرَاقِ ، تَمْنَحَ خُيُوطَ أَشِعَّتِهَا دِفْءَ اَلْإِحْسَاسِ فِي خَلَايَا اَلرُّوحِ ، كسَاقِيَةٌ تَلَثَّمَ اَلْمَاءُ وَتَلَقِّيهُ عَلَى ثَغْرِ اَلنَّقَاء، رُبَّمَا اَلْوَقْتُ يَرْتَشِف لحظة اَلضَّحِكِ عَلَى قَلْبِي، لَكِن عقلي هو من سيضحك أخيرا ، تخلصت من كُل تِلْكَ اَلْمَدَنِيَّةِ اَلْمُزَيَّفَة "أمريكا" تَخَلَّصَتْ مِنْ مِيكَانِيكِيَّةِ اَلْحَرَكَةِ ، فَالْآلَاتُ تُمَارِسُ عَمَلَهَا بِسُرْعَةٍ وَبَرَاعَةٍ ، وَالْبَشَرُ جَمَاد بِلَاااااا أَحَاسِيسَ . . . كَانَ عَامَيْ اَلْأَوَّلَ أَكْثَرَ قَسْوَةً ؛ صِرَاعِ بَيْنَ اَلْخَيَالِ وَالْحَقِيقَةِ
    كَدَّتْ أَفْقَدَ مَا تَبَقَّى مِنْ أَحَاسِيسَ ، فَقَرَّرَتْ اَلْعَوْدَةُ إِلَى نَفْسِيٍّ بِشَكْلٍ مُخْتَلِف ، بِصُنْعِ عَالَمٍ جَدِيدٍ خَاصٍّ بِنَفْسِي ، هُوَ حَقِيقَةُ اَلْحُلْمِ ، فَالْأَحْلَام حَقَائِقَ َرَغْمَ أَنَّهَا مِنْ وَحْيِ اَلْعَقْلِ اَلْبَاطِنِ ، إِلَّا أَنَّ تَحْقِيقَهَا لَيْسَ بِالْمُعْجِزَةِ ، فَأَمْرِيكَا نَفْسِهَا كَانَتْ حُلْمًا أَصْبَحَ وَاقِعًا تَخَطَّى اَلتَّوَقُّعَات، سَأَجْمَعُ مَا بَيْنَ تَحْقِيقٍ ذَاتِيٍّ وَأَهْدَافِي اَلدِّرَاسِيَّةَ وَبَيْنَ رَغَبَاتِي وَمَشَاعِرِي ، فَيَقِينِيٌّ أَنَّهُ عَلَى اَلْإِنْسَانِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ اَلدُّنْيَا مَا يُرِيد، لَا أَنْ تَأْخُذَ هِيَ مِنْهُ مَا تُرِيد.
    هَذَا اَلْيَوْمِ مِزَاجِيٍّ سَيِّئٍ ، نَحْنُ مَحْمِيُّونَ بِالْجَمَالِ اَلصَّاخِبِ اَلْمُهَدَّدِ بِالْقُبْحِ اَلْهَادْىَءْ ! . . .
    اِصْطَحِبْنِي جَانْسَانْ إِلَى مَكَانٍ قَرِيبٍ مِنْ اَلسَّكَنِ اَلْخَاصِّ بِي ، فَقَدَ عَوْدَتَهُ عَلَى ذَلِكَ ، يَأْخُذُنِي كُلُّ يَوْمٍ وَيُعِيدُنِي إِلَى نَفْسِ اَلْمَكَانِ ، أُحَاوِلُ اَلِاسْتِفَادَةُ مِنْه.. قَررَتْ أن أستخدمه كحماية من نظرات الجميع، كما أنه يعرف كل شيء هنا أكثر مني، سأستعين به في قضاء احتياجاتي، وهذا أول تغيير في مسار حياتي
    أن أستفيد بقدر ما أعطي من وقت. ونحن عائدان من طريق عودتي الاعتيادي، شاهدنا شابا، زميل الدراسة، يتعرض له البعض.. ترجلوا من سيارتهم، ملامحهم يتفجر منها الغضب، انقضوا عليه كفريسة سهلة، سقط فاقدا للوعي وسال الدم من أنحاء جسده الأشقر كان لونه الأبيض والدم يشكلان على الرصيف لوحة قاسية من الحزن، أعتقد أنهم أرادوا تلوين بياضه بدمه، وهذا ما فعلوه شاهدت المنظر بحسرة وقرف. اضم يدي... هؤلاء ذئاب
    - هل تعرف لم تعو الذئاب؟
    من الجوع
    - بل من الرغبة!! لم يصدقني، دخل على شبكة المعلومات وسأل عالم أحياء، فقال له ذات الشيء.
    تذكرت السفر، يا لقلبي... لم أداري سقوط دموعي حين رمقني بنظرات حزن وهو يقضم تفاحة حمراء، بصمت حالم جاء ومعه غطاء حرف مخملي بكلمات رائعة هاربة من حدائق الجمال.. هل أقلقه اكتئابي، أم أنه أحس بقرب افتقاده للتفاحة التي لم تتوقف يوما جاذبيتها، ترك كل شيء وتحرك نحوي تذلل....رق قلبي وتبدلت مشاعري، كما هو الحال كلما غمرني بكلماته الدافئة، لحظة حزن غمرتني، تصاحبها آهات أحبسها لكن صداها ، يرن المحمول، احدث نفسي: لأول مرة أسمع نداء أمي في دموعك وهي تبكي غربتي يامن تسلب قلب الريح بنظرة، بهمسة واحدة
    وكلما زادت رقة كلماته زادت دموعي استدار
    أيتها الطفلة أحسست بدمعي ساخنا على وجهي، أخرجت زفرة فشلت في حبسها، تلاقت نظراتنا عندما رفعت رأسي ابتسم وقال كمْ تأسرني هذه النظرة، ترسم على ظلال الغيم شفاه فجر عاطلة إلا عن لثم ضوء يلون موعدا للهطول.
    اتصل زميل دراستي الكويتي، كان قد طلب مني بعض المال إلى أن يصله التحويل من أهله، كنت أنتظره حسب وعده بأن يعيد لي جزءا منه في هذه الساعة، دهشت من طلبه المزيد من المال رغم علمه باقتراب موعد سفري... الكل هنا يغبط بل يحسد مبتعث السعودية ، لأنه ينفق على نفسه بسخاء... اعتذرت فرفع صوته متذمرا، وعندما أوقفته أنهى المحادثة، أزعجني كثيرا تصرفه، فالغرب هم من يفضلون لحوم الخنازير
    أما العرب فيفضلون لحوم الغزلان... الإنسانية ورطة تورث في أيامنا الغابرة السمعة السيئة جانسان يقهقه من توتري، أحسسته ينظر إلي بغرابة وكأنني أنهيت مشهدا مسرحيا، تركته في غرفة الطعام وأنا غاضبة، ارتميت على أريكة مقابلة للتلفاز، ناداني بصوت خفيف وأنا لا أرد، افتعلت النوم، يرفع صوته...، لا يعجبني هذا الشبح القابع خلف مزاجك، ويعجبني جنونك... وطيبتك التي تقع في قلب الغضب، للقلوب نبضات... ولقلبك قبلات... تتحمم تحت حميمية الحاء الساخنة تلتهم رغوتها الماء وتنزلق حتى... حدود الباء الباردة على قمم تفتك بحنان الضباب... ، فلم أملك إلا أن رددت عليه ، جثى على ركبتيه بمحاذاة الأريكة قدم لي تفاحة قربها إلى فمي وقال أذكر أنني مررت على جدول دون ماء، كنت في الحادية والعشرين من اللاحب، وبعد منتصف الشوق بقليل، جاء نورك كنهر جار، قطع حديثة رنين هاتفي، نهضت لأرد، رفض وشدني من طرف قميصي، أجلسني قبالته... اليوم أنت منى الجسد والروح، وضعت يدي على فمي وطلبت منه أن ينتظرني لدقائق لأجلب له كوبا من العصير، سكت... ولما عدت وجدته مسترخيا مغمضا العينين، استقبلني... أقبض على رائحتك حين أركب حصان الهواء وتنتشر في فضاء الكون، ثم تعبرين لأدخل لعبة الحب معك. عاد الهاتف ليقطع عنق الكلمات، هذه المرة تركني أرد، إنها أمي، ضحكت فرحا من قلبي، قالت... بعد غد سيصل والدك لاصطحابك إلى هنا، أمضينا ربع ساعة ، سأنتظرك، فكل الطرق حتما ستنتهي بك، سأعود إلى وطني، ساترك جرارا مثقلة العناقيد، واتركك تشرب ما تبقى من نبيذ الشمس
    _توقف عن اجتياحي أيها الضوء وإلا... سأدخل معك موسوعة جينيس... في أطول كلمه!... ابتسم قبل أن يقول: أنت دولة الإحساس والغيم الملون بالمطر.
    _كم أنت بارعة التخدير
    _وكم هو خليع جنونك!...


    يتبع
    https://www.facebook.com/profile.php...ibextid=uzlsIk

    تعليق

    • وفاء حمزة
      أديب وكاتب
      • 11-12-2015
      • 628

      #3
      اَلْيَوْم ظَهَرَتْ نَتِيجَةَ اَلسَّنَةِ اَلْأُولَى مِنْ دِرَاسَتِي ، لَمْ تَكُنْ فَرْحَتِي كَبِيرَةً قَدْرَ مَا رَجَوْتُ ، فَدَرَجَاتي مُتَوَسِّطَة، عَلَى غَيْرِ مَا تَوَقَّعَتْ وَمَا يَأْمُلُهُ أَهْلِي اَلَّذِينَ تَوَسَّمُوا فِي قُدُرَاتِي خَيْرًا ، وَلَمْ يَتَرَدَّدُوا كَثِيرًا فِي اَلْمُوَافَقَةِ عَلَى سَفَرِي ، وَدَعَتْ أَصْدِقَائِي فِي اَلْجَامِعَةِ ، وَذَهَبَتْ لِأَجْمَعَ أَغْرَاضِي وَأَجْهَزَ حَقِيبَتَيْ ، اِسْتِعْدَادًا لِلسَّفَرِ مَعَ وَاَلدي. مَا يُقْلِقُنِي أَنَّ زميلي جانسان لِأَوَّلِ مَرَّةٍ لَمْ يَأْتِ لِيَأْخُذنِي إِلَى اَلْجَامِعَةِ ، اِتَّصَلَتْ بِهِ فَوَجَدَتْ هَاتِفَهُ مُغْلَقًا ، لَا بُدَّ مِنْ أَنَّ مَا مَنْعُهُ شَيْئًا غَيْرَ عَادِي، مَا كَانَ أَبَدًا لِيَتْرُكَنِيَ وَحْدِي فِي يَوْمٍ حَاسِمٍ لِسَنَةٍ دِرَاسِيَّةٍ كَامِلَةٍ ! اَلْهَوَاجِسِ تَنْهَشُ عَقْلِي وَالْأَسْئِلَةَ تَتَنَاسَلُ فِي رَأْسِي ، وَالْوَقْتُ أَقْصَرُ مِنْ أَنْ أَذْهَبَ إِلَيْهِ ، أَبِي يَنْتَظِرُ عَوْدَتِي لِنَتَسَوَّقَ قَلِيلاً ، بَقِيَتْ ثَمَانِيَ سَاعَاتٍ تَقْرِيبًا عَلَى مَوْعِدِ طَائِرَتَيْ ، مِنْهَا سَاعَةً وَرُبْعً لِلطَّرِيقِ ، وَمَا يَتَبَقَّى لَا يَكْفِي لِتَرْتِيبَاتِ اَلسَّفَرِ . فَجْأَةُ وَجَدَتْ جَانسان بِوَجْهِيٍّ لَا أَعْرِفُ كَيْفَ! وَبِيَدِهِ شَالٌ يَخُصُّنِي ، كُنْتَ أَضَعُهُ عَلَى كَتِفِي فِي أَوَّلِ يَوْمٍ اِلْتَقَيْنَا فِيهِ . . . صَحتْ بِهِ : جانسانِ . . . لَمٌّ تَأَخَّرَتْ ، أَقْلَقَنِي غِيَابُكَ وَهَاتِفُكَ اَلْمُغْلَق، مَا تَوَقَّعَتْ أَبَدًا أَنْ أُسَافِرَ دُونُ أَنْ أَوْدَعَكَ . تَسْقُطَ مِنْ عَيَّنَهُ دَمْعَةً عَلَى شَالِي ، اِقْتَرَبَتْ مِنْهُ فَتَحَرَّكَ مَعِي . ضَمَمْتُهُ بِعَيْنِي إِلَى صَدْرِي بِقُوَّةٍ ، تَخَيَّلَتْنِي أَلْثِمُ مَا تَبَقَّى مِنْ أَثَرِ دَمْعَتِهِ بِرُوح شِفَاهِي، وَدَعَتْهُ بِمَشَاعِرَ جَمَعَتْ فِيهَا كُل حَرَارَةِ جَسَدِي، قال لي : نَبْضُكَ يغزل من خُيُوطِ اَلضَّوْء . . . ما يُزَوِّدُنِي بِالدفء، بِقَلْبِي يتَمَدَّد دفئك عَمِيقًا . . . تَلْتَفّين عَلَى جُذُورِ عُمْرِي . . . بِكِ أَتَكَاثَر ، اَلنَّهْرُ يَفِيضُ وَيَشْرَب، وأَكْتَشِفُ أَنَّكِ اَلْمَطَرُ وَأَنَّكِ اَلْغَرَقُ . . . بَيْنِي َبَيْنِكِ سَحَرَ اَلنور، وسِرُّ اَلْمَاء .
      كَتبنا. . . ومن بعيد.. بِالْأَنْفَاسِ دون لمس عَلَى جَسَدِ اَلرُّوحِ . .
      وَكَأَننِي مَهَرَةٌ تِحَمْحَمْ عَلَى مَقْرُبَة مِنْ اَلرُّوح ،وكأنه اَلنَّار اَلَّتِي اِكْتَوَى بِهَا جَسَد اَلْعَاطِفَة . جَانْسَانْ ، لَا وَقْتَ لَدَيّ، صَوْتُ اَلْمَشَاعِرِ كَانَ أَقْوَى ، كَأَنَّمَا هَبَّ لِلتَّوِّ فَجْرًا مِنْ تَنُّورِ شَوْقٍ . . . اِنْتَبَهَتْ أَنَّ اَلْوَقْتَ قَدْ مَرَّ وَأَنَا لَمْ أَسْتَعِدْ بَعْد، أَبِي يَنْتَظِرُنِي ، يَتَّصِلَ بِي وَهُوَ مُتَوَتِّرٌ جِدًّا . . . أَيْنَ أَنْتِ جَلْوِىْ ؟ فَأُجِيبُ بِصَوْتٍ مُتَهَدِّجٍ . . . أَنَا فِي اَلطَّرِيقِ قَادِمَةً . . . أَنْطَلِقُ مُسْرِعَةٌ ، وَقَبْل أَنْ أَتْرُكَه قَالَ : سَأَرْسُمُ عَلَى جُدْرَانِ قَلْبِكِ طَائِرًا يُحَلِّقُ فِي فَضَاءِ اِشْتِيَاقِي ، صَرَخَ : جَلْوِىْ اِلْتَفَتَ إِلَيْهِ . . . قَالَ اَلشَّالْ ! ! _ هُوَ لَكْ – وبصوت أعلى لَكِنِّي لَا أُرِيدُ أَنْ يَكُونَ هُوَ فَقَطْ حَرْفَ اَلْوَصْلِ بَيْنِيّ وَبَيْنِكَ، دَعْنِي بِدَاخِلِكْ . . . اِنْطَلَقَتْ وَزُهُورَ اَلرِّضَا فِي بَسَاتِينِ قَلْبِي مُبْتَهِجَةً ، شَعَرَتْ بِرَاحَةٍ وَهُدُوءٍ ، كَأَنَّنِي عَبَّرَتْ اَلنَّهْرَ ، عَانَقَتْ اَلشَّجَرَ ، قَبِلَتْ نَسِيمًا بَلْسَمَ لَحَظَاتٍ تُنْثَرُ اَلْيَاسَمِينَ ، وَكَأَنَّ زَقْزَقَةَ عَصَافِيرَ نشوى
      تُحَلِّقُ فِي سَمَاءِ اَلرُّوحِ ، اِتِّصَالِ من أَبِي . . . جَلْوِىْ ، أَسْرِعِي ، لَم يَبْقَ إِلَّا اَلْقَلِيلَ . . . أَجَبْتُهُ بِنِعَم . . . أَغْلَقَتْ اَلْهَاتِفَ وَأَكْمَلَتْ اَلسَّيْرَ .


      يتبع
      التعديل الأخير تم بواسطة وفاء حمزة; الساعة 12-06-2023, 08:19.
      https://www.facebook.com/profile.php...ibextid=uzlsIk

      تعليق

      • وفاء حمزة
        أديب وكاتب
        • 11-12-2015
        • 628

        #4
        قِبَلَ دَقَائِقَ مِنْ اَلنِّدَاءِ اَلْأَخِيرِ عَلَى إِقْلَاعِ رِحْلَةِ اَلْعَوْدَةِ ، أَسْمَعُ صَوْتًا يُنَادِينِي . . . " جَلْوِىْ ، توصلي باَلسَّلَامَةُ يَا قَلْبِي " إِنَّهَا زَمِيلَتِي اَلْقَطَرِيَّة، نَسِيتُ أَنَّهَا أَخْبَرَتْنِي أَنَّ مَوْعِدَ رِحْلَتِهَا يَتَقَارَبُ مَعَ وَقْتِ رِحْلَتِي ، تُحَدِّثُنِي نَفْسِي: مَا اَلَّذِي أَتَى بِهَذِهِ اَلتَّافِهَةِ ؟ اَلْآن بَقِيَ عَلَى رِحْلَتِهَا أَكْثَرَ مِنْ سَاعَتَيْنِ . . . بِابْتِسَامَةٍ بَارِدة تجَمّد مَعَهَا مجاملتي . . . هَلااااا ، كَيَّفَكْ ؟ وَلَحْظَةُ عِنَاق تَمَنَّيْتُ لَوْ أَصْفَعهَا ، كَمْ أَمْقُتُ هَذِهِ اَلْحَمْقَاءِ اَلَّتِي طَالَمَا غَمَزَتْ وَلَمَزت بِي وصداقتِي بِجَانْسَانْ وَكَأَنهَا تَشْتَشْرَفْ عَلَى حِسَابِ سُمْعَتِي، لَا أُرِيدُهَا أَنْ تُثَرْثِرَ فَتَفْضَح أَمْرِي أَمَامَ أَبِي . أَسْمَعُ صَوْت اَلنِّدَاءِ اَلْأَخِيرِ ، أُلْقِيَ نَظْرَةَ وَدَاعٍ عَلَى أَنْحَاءِ اَلْمَكَانِ ، تَتَمَلَّكُنِي اَلدَّهْشَةُ ؛ إِنَّهُ جَانْسَانْ خَلْفَ اَلْجِدَارِ اَلزُّجَاجِيِّ فِي اَلصَّالَةِ ، بَدِىْ مُنْهَكًا وَحَزِينًا ، أَوْدَعَهُ بِنَظْرَةٍ ، ثُمَّ أَمْشِي بِاتِّجَاهِ مَمَرِّ اَلطَّائِرَةِ بِصُحْبَةِ وَالدي . . . أَخْطُو بِبُطْء وَكَأَنَّ قَدَمَايَ لَا تُحَمَّلَانِنِي مِنْ عِبْءِ لَحْظَةِ اَلْفِرَاقِ ، اِلْتَفَتَ خَلْفِي فَأَجَد عَيْنَيْهِ جَامِدَتَيْنِ فِي اِتِّجَاهِي لَا يَتَحَرَّكُ لَهُمَا هدْبٌ ، وَكَأَنَّهُمَا قِطْعَتَانِ مِنْ اَلْبَلُّورِ ، أَلْمَحَ لَمَعَانَهُمَا رَغْمَ اَلْمَسَافَةِ اَلَّتِي بَيْنِنَا وَأَتَسَاءَلْ . . . مَا اَلَّذِي جَعَلَهُ يَأْتِي إِلَى هُنَا ؟ أُوَاصِلُ اَلسَّيْر وَأَبِي يَسْبِقنِي ، تَسْتَقْبِلُنَا اَلْمُضِيفَةُ بِابْتِسَامَةٍ مَرْسُومَةٍ تَعَوَّدَتْ عَلَيْهَا ، أُبَادِلُهَا بِوَاحِدَةِ أَكْثَر جَمَالاً ! فَأَنَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَصْنَعُ اَلِابْتِسَامَةُ عَلَى وَجْهِي مَهْمَا تَدَاعَتْ عَلِي اَلْهُمُوم، أَعْطَاهَا أَبِي اَلتَّذْكِرَتَيْنِ ، نَظَرَتْ فِيهِمَا وَأَشَارَتْ لَنَا بِالدُّخُول، كُل هَذَا يَحْدُثُ وَعَقْلِي مَا زَالَ عَالِقًا بِنَظْرَةِ جَانْسَانْ اَلْأَخِيرَةَ . جَلَسَتْ عَلَى اَلْمَقْعَدِ اَلْمُخَصَّصِ لِي ، بِجَانِبِ زَمِيلَتِي " مَنَايرْ " اَلَّتِي سَبَقَتْنِي هِيَ وَوَالِدُهَا ، هِيَ تُقِيمُ فِي مِنْطَقَةٍ لَيْسَتْ بَعِيدَةً عَنْ مَدِينَتِي ، بِلَهْفَةِ تَقُول . . . لَمٌّ تَأَخَّرَتْ ؟ قَلِقَتْ وَخَشِيَتْ أَنْ تُقْلِعَ اَلطَّائِرَةُ قَبْلَ وُصُولِكُمَا . . . وَالدي اِنْشَغَلَ بِالتَّحَدُّثِ مَعَ وَالِدِهَا عَلَى اَلْمَقْعَدِ اَلْمُجَاوِرِ ، اِبْتَسَمَتْ بِطَرِيقَةٍ نَاعِمَةٍ أَظْهَرَتْ مَلَامِحَ اَلْهُدُوءِ فِي تَقَاسِيمِ وَجْهِي أُتَمْتِم : إِنَّهُ اَلْحُبُّ اَلَّذِي يَسْرِقُ اَلْوَقْتُ مِنْ جُيُوبِ اَلزَّمَنِ . خَشِيَتْ أَنْ يَتَّصِلَ جَانْسَانْ وَيَحُسّ بِي أَبِي ، أَخْرَجَتْ اَلْهَاتِفَ مِنْ حَقِيبَتَيْ لَأَغْلَقَهُ ، فَوَجَدَتْ رِسَالَةٌ مِنْ جَانْسَانْ . . . وَقَبِلَ أَنْ أَقْرَأَ مَا فِيهَا بَاغَتَتْنِي مَنَايرْ : مَاذَا حَدَثَ ؟ لَقَدْ لَاحَظَ كُل مِنْ حَوْلِنَا آهَاتُكَ ! . . . كَانَتْ كَلِمَاتُهَا كَافِيَةً لِجَلْبِ اِنْتِبَاهِ مِنْ حَوْلِي ، نَظَرَ إِلَى أَبِي بِرِيبَةٍ ، تَمَالَكَتْ نَفْسِي وَتَصَنَّعَتْ اَلتَّأَلُّم .
        تَعود لتَسْكُب عَلِي مَوَاعِظِهَا . . . حِبِيتِي جَلْوِىْ . . . حَاوِلِي اَلسَّيْطَرَةَ عَلَى مَشَاعِرِك ، اَلْمَبَادِئُ وَالْقِيَمُ حَيَاتُنَا نتَشَبَّثُ بِها أَيْنَمَا كُنَّا . . . غَزَتْ عَلَامَاتِ اَلتَّأَفُّفِ وَجْهِي : مَنَايرْ أَنَا لَمْ أَتَجَاوَزْ اَلْخُطُوطُ اَلْحَمْرَاء! . . . ، أَفْتَحَ اَلرِّسَالَةِ مُتَجَاهِلَةً دُرُوسهَا اَلدَّائِمَةُ عَنْ طَبِيعَتِنَا اَلشَّرْقِيَّة، لِأَجِدهُ يَقُول لِي : عُودِي إِلَى عَادَاتك وَتَقَالِيدَك . . . اَلدَّهْشَةُ تَفْقِدُنِي صَوَابِي ، أَعُودُ وَأَقْرَأُ اَلرِّسَالَةَ مَرَّةً أُخْرَى . . . يَا لَهُ . . . مَاذَا يَقْصِد ؟ أَصْرُخُ بِدَاخِلِي . . . هَذِهِ اَلرِّسَالَةِ لَيْسَتْ مِنْ جَانْسَانْ ، أَنْظُرُ إِلَى اَلرَّقْمِ فَأَجَدَّهُ صَحِيحًا . . . هَلْ يَقْصِدُ أَنْ أَنْسَلِخَ عَنْ عواطفي بَعْدَمَا وَجَدَتْ لَها اَلْأَرْضُ اَلْخِصْبَة اَلَّتِي أَسْتَطِيعُ أَنَّ أَزْرَعَها بِدَاخِلِي بِلَا خَوْف؟ يَا لَهُ مِنْ يَوْمٍ غَرِيبٍ وَمُفَارَقَاتِ عَجِيبَة! تَبًّا لَكَ جَانْسَانْ أَيُّهَا اَلسَّافِلِ ، كم اِحْتَقَرَكَ أَيُّهَا اَللَّئِيمِ ؟ ! أَيْنَ أَحَادِيثُكَ عَنْ اَلْحُقُوقِ وَالْمُسَاوَاة ، أَيْنَ نَصَائِحُكَ لِي اَلْبَادِئَةِ دَائِمًا بِكَلِمَة حَيَاتَك أَهَمَّ مِنْ أَفْكَارٍ تَدَّعِي قِيَمًا وَهْمِيَّةً ، أَحْلَامَك أَكْبَرُ مِنْ أَنَّ تُهَمَّشهَا عَادَات بَالِيَة! . . . أَشْعُرُ أَنَّ ضَجِيجَ اَلصَّمْتِ يُلْقِي بِجَحِيمِ اَلْكَلِمَاتِ عَلَى لِسَانِي ، تَمَنَّيْتُ لَوْ أَنَّنِي أَمَامَهُ اَلْآنَ لِأَقُولَ لَهُ . . . يُزْعِجُنِي هدوء صَوْتُك، غَفَتْ مَنَايرْ عَلَى اَلْكُرْسِيِّ ، يَبْدُو أَنَّهَا مُجْهِدَةٌ ، فَقَدْ كَانَ اَلْيَوْمَ شَاقًّا جِدًّا ، أَنْظُرُ إِلَى وَالِدَيْنَا فَأَجَدَّهُمَا وَقَدْ اِنْخَرَطَا فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ ، عَلَى اَلْكُرْسِيِّ اَلْمُجَاوِرِ رَجُلاً تَظْهَرُ عَلَيْهِ مَلَامِحُ اَلتَّدَيُّنِ ، عَرَفَتْهَا مِنْ لِحْيَتِهِ اَلطَّوِيلَةِ اَلْمُهَذَّبَةِ ، وَمِنْ رَائِحَةِ عِطْرِهِ الحاد وَلِبَاسِهِ وَعَيْنَيْهِ اَللَّتَيْنِ لَمْ تَلْتَفِتَا تجَاهِي ، أَتَأَمَّلُ وَجْهُهُ عَلَى اِسْتِحْيَاء، مِنْ مَلَامِحِهِ خَمَّنَتْ أَنَّهُ مِنْ جَنُوبِ لُبْنَان، رَاوَدَتْنِي فِكْرَة اِقْتِحَامِهِ . . . . بِمُحَاوَلَةِ اِسْتِفْزَازِهِ لِيَنْطِقَ حَتَّى أَثْبَتَ صَدقَ فِرَاسَتِيَ ، أَبْحَثُ فِي اَلْأَشْيَاءِ حَوْلِي لِأَجِدَ سَبَبًا لِلْحَدِيثِ مَعَهُ ، لَمْ أَجِدْ غَيْر جَرِيدَةٍ فِي يَدِهِ وَلَا يَقْرَأُ فِيهَا ، كَانَتْ بَلَغَتْنَا اَلْعَرَبِيَّة، اِسْتَأْذَنَتْهُ فِيهَا فَنَاوَلَنِي إِيَّاهَا دُونِ أَنْ يَنْطِقَ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ، خَشِيَتْ أَنْ يُلَمِّحَ وَاَلَّذِي مَا يَحْدُثُ ، بَدَأَتْ أُقَلِّبُ فِي صَفَحَاتِهَا لِعَلِي أَجِدُ مَوْضُوعًا اِفْتَتَحَ بِهِ حِوَارًا مَعَهُ ، لَا أَدْرِي لِمَاذَا يَسْتَفِزُّنِي لِبَاسُهُمْ وَهَيْئَتُهُمْ اَلَّتِي حَبَسُوا أَنْفُسُهُمْ بِدَاخِلِهَا ، أَرَاهُمْ وَكَأَنَّهُمْ أَتَوْا مِنْ عَالَمٍ آخَرَ ، لَا يَعْتَقِدُونَ إِلَّا بِأَفْكَارِهِمْ اَلْمُتَشَدِّدَةِ وَأَلْفَاظِهِمْ اَلْجَافَّةِ ، اَلْحِكَايَاتُ عَنْ متعتِهِم اَلْخَفِيَّةِ كَثِيرَة!! غَيْرَ أَنِّي لَمْ أَتَحَدَّثْ إِلَيْهِمْ مِنْ قَبْل، تَنْعَدِمَ لَدَيَّ اَلثِّقَةُ بِأَيِّ رَجُل من هذا الصنف مَهْمَا كَانَ شَكْلُه أَوْ زِيِّه . اَلْأَفْكَارُ تَتَسَارَعُ فِي رَأْسِي ، وَأَنَامِلِي مَا زَالَتْ تَبْحَثُ عَنْ غَايَتِهَا ، فِي صَفْحَةِ اَلْحَوَادِثِ حِكَايَةً عَنْ اِغْتِصَابِ طِفْلَةٍ فِي اَلسَّادِسَةِ مِنْ عُمْرِهَا ، تَأَفَّفَتْ لَأَلَّفَتْ نَظَره ، صَرَخَتْ بِصَمْتٍ كَيْفَ يَحْدُثُ هَذَا ! . . . سَمِعَتْ صَوْتَهُ اَلْخَافِتَ بَعْدَ أَنْ مَالَ نَاحِيَتِي قَلِيلاً . . . أَظُنُّ أَنَّكَ تَقْرَئِينَ قِصَّةُ اَلطِّفْلَة، وَأَخْذ يتحدث عَلَى اَلْأَخْلَاقِ وَعَنْ تَقْوِيمِ اَلنَّفْسِ بِالْإِيمَانِ ، وَبَدَأَ مُحَاضَرَةً عَنْ اَلْقِيَمِ فِي ثَقَافَته، وَلَوْ أَنَّنَا رَجَعْنَا إِلَيْهَا . . . كُنْتَ أَسْتَمِعُ إِلَيْهِ وَأَتَحَسَّس نَظَرَاتِهِ اَلَّتِي اِزْدَادَتْ حِدَّةً عِنْدَمَا رَأَى جُزْءًا مِنْ شِعْرِيٍّ يظْهِر مِنْ اَلْحِجَاب، وَيَتَأَمَّلَ جَسَدِي اَلَّذِي تظْهر بَعْضَ تَقَاسِيمِهِ مِنْ مَلَابِسِي مِنْ اَلْجُزْءِ اَلْعُلْوِيّ، ظَنَنْتُ أَنَّهُ سَيَطْلُبُ مِنِّي أَنَّ أَعْدَل مِنْ حِجَابِي ، لَكِنَّهُ تَجَاهَلَ وَاسْتَرْسَلَ فِي اَلْحَدِيثِ ، لَمْ أَنْتَبِهْ لِكَلَامِهِ ، فَقَطْ كُنْتَ أَبْحَثُ عَنْ أَشْيَاءَ مُعَيَّنَةٍ ، وَأَهَمُّهَا تَحْدِيدُ جِنْسِيَّتِهِ مِنْ خِلَالِ لَهْجَتِهِ ، لَقَدْ صَدَّقَتْ فِرَاسَتِيَ من جنوب لبنان!!


        يتبع
        https://www.facebook.com/profile.php...ibextid=uzlsIk

        تعليق

        • وفاء حمزة
          أديب وكاتب
          • 11-12-2015
          • 628

          #5
          نَظَرَتْ خَلْفِيٍّ فَوَجَدَتْ أَبِي يَنْظُرُ إِلَى وَكَأَنَّهُ يَعْتَرِضُ عَلَى مَا أَفْعَلُهُ ، تَجَاهَلَتْ نَظْرَةَ اَلتَّأَفُّفِ فِي وَجْهِهِ .بعد ساعة صمت, عَاوَدَتْ اَلنَّظَرَ إِلَى أَبِي وَصَدِيقِهِ فَوَجَدَتْهُمَا قَدْ غَاصًّا فِي نَوْمٍ عَمِيقٍ .
          اِسْمَحْ لِي أُسْتَاذ . . . فَيُجِيبُ بِسُرْعَةٍ . . . اِسْمي حَيْدَرْ ، وَمُقِيمٌ فِي أَمِيرِكَا مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةِ عَشَرَ عَامًا تَقْرِيبًا ، بَعْدُ أَنْ تَزَوَّجَتْ أَمْرِيكِيَّةً أَقْنَعَتْهَا بِالْإِسْلَام، وَلِي مِنْهَا ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ ، حَتَّى قَبْلِ سَبْعِ سَنَوَاتٍ تَزَوَّجَتْ بِمَغْرِبِيَّةٍ تَعَرَّفَتْ عَلَيْهَا فِي أَحَدِ اَلْمَطَاعِمِ وَلِيَّ مِنْهَا ثَلَاثُ بَنَات، لَمْ أَسْتَغْرِبْ مَا قَدَّمَهُ مِنْ نُبْذَةٍ عَنْ حَيَاتِهِ ، لِأَنَّهُ يَتَعَامَلُ بِعَاطِفَةٍ ذُكُورِيَّةٍ ، غَابَ عَنْهُ أَنِّي أُرِيدُ فَقَطْ مَعْرِفَةَ اِسْمِه، حَتَّى أَسْتَطِيعَ اَلْحَدِيث مَعَه، قَاطَعَتْهُ مُتَسَائِلَةٌ . . . مَا هُوَ اَلْفَرْقُ بَيْنَ اَلْعَرَبِيِّ وَغَيْرِهِ فِي عَلَاقَاتِهِ مَعَ اَلنِّسَاءِ ؟ لَمْ يَرُدْ .. تَمَلْمَلَ فِي مَكَانِهِ وَنَظَرَ إِلَيَّ بِاسْتِغْرَاب ، لَمْ يَجِبْ . . . اِبْتَسَمَتْ فِي دَاخِلِي، كَيْفَ لَا يَسْتَطِيعُ اَلْإِجَابَةَ عَلَى سُؤَالٍ كَهَذَا ؟ . هَمَسَتْ مُعْتَذِرَةً ثُمَّ شَكَرَتْهُ عَلَى اَلْجَرِيدَةِ وَالْكِتَابِ . أَخْرَجَتْ مِنْ حَقِيبَتَيْ كِتَابًا وَبَدَأَتْ أَقْرَأُ فِيهِ "اَلطَّرِيقَةَ اَلْأَنْجَحَ لِاسْتِمَالَةِ أَيِّ أُنْثَى لِلْوُصُولِ إِلَى جَسَدِهَا يَكْمُنُ فِي مَهَارَةِ اَلتَّزَلُّجِ عَلَى رَغْوَةِ أَوْجَاعِهَا ! . ." وَبِطَرِيقَةِ مَا أَصْبَحَ اَلْكِتَابُ بَيْنَ يَدَيْ اَلرَّجُلِ اَلَّذِي عَنْ يَسَارِيٍّ ، قَالَ أَعَارَكَ صَدِيقِي كِتَابًا .
          - وَيَحُك ! اِكْتَأَبَ مُقَدَّسٌ هُوَ ؟ وَكِدْتُ اِنْفَجَرَ فِيهِ . . . قَالَ : هَلْ هُوَ سِرِّي ، قَرَأَ فِي اَلصَّفْحَةِ اَلْأُولَى " أَنَّ اَلْأُنْثَى لَا تَأْتِي إِلَى اَلْعَالَمِ اِمْرَأَةً وَإِنَّمَا يُشَكِّلُهَا اَلْمُجْتَمَعُ اِمْرَأَةً " . . . يَفْتَحَ صَفْحَةً ثَانِيَة وَيَقْرَأُ . . . اَلْبَعْضَ يَسْتَغِلُّ مَنْصِبُهُ وَمَالُهُ وَرُبَّمَا جَاهِهِ وَالْكَثِيرُ مِنْ اَلتَّنَازُلَاتِ فِي سَبِيلِ أَنْ يَحْصُلَ عَلَى عَلَاقَةٍ مَعَ اِمْرَأَةٍ عَنِيدَةٍ ، وَالْبَعْضُ اَلْآخَرُ يَسْتَغِلُّ وَسَامَتَهُ وَمَعْسُول اَلْكَلَامِ مَعَ إِظْهَارِ قُدُرَاتِهِ اَلْعَقْلِيَّةِ وَالنَّفْسِيَّةِ فِي اَلتَّأْثِيرِ عَلَى اَلْمَرْأَةِ بِالطَّرِيقَةِ اَلَّتِي يَرَاهَا مُنَاسَبَةً حَتَّى لَوْ كَانَتْ مُلْتَوِيَةً .
          : تَحَرَّكَتْ مَلَامِحِي بِطَرِيقَةِ مَا لِتُعْلِن عَنْ غَضَبِي . . . قَالَ : كَأنَ اَلشَّرْقُ أَخْذَ مِنْ مَعْنَى اِسْمِهِ كُلَّ مَا فِي اَلشَّمْسِ مِنْ غِرُوبِ ! رْدِدْتْ . . . يَا لَكَ مِنْ هَمَجِي ! قَالَ : أُقِيمَ فِي عَالَمٍ هَمَجِي . شَعَرَتْ بِرُعْبٍ حَقِيقِيٍّ . . . مَضَى قَلِيلاً مِنْ اَلْوَقْتِ وَبَدَأَتْ اَلطَّائِرَةُ تَتَرَنَّحُ تَعْلُو وَتَهْبِطُ ، بَدَأَتْ فَوْضًى كَبِيرَةً وَصُرَاخَ اَلْأَطْفَالِ وَبَعْضِ اَلنِّسَاءِ زَادَ اَلْمَوْقِفُ هَلَعًا ، حَتَّى أَعْلَنَ كَابتِنُ اَلطَّائِرَةِ عَنْ وَجَوِّ مَطَبَّاتٍ هَوَائِيَّةٍ قَوِيَّةٍ ، رَأَيْتُ كُل وَاحِد مِنْ اَلرُّكَّابِ حَوْلِي يُعَبِّرُ عَنْ خَوْفِهِ وَقَلَقِهِ ، رَأَيْتُ رَجُلاً يَرْسُمُ صَلِيبًا وَآخَرُ يَكْبُرُ وَآخَرِ تَجَمُّد فِي مَقْعَدِهِ يَكَادَ اَلرُّعْبُ يَقْطَعُ أَوْصَالُهُ . مُنْذُ أَنْ رَأَيْتُ هَذَا اَلَّذِي عَنْ يَسَارِي وَأَنَا مُنْزَعِجَة، مَلَامِحُهُ لَا تُبَشِّرُ بِخَيْر، طَالَعَ اَلنَّحْسِ بِوَجْهِه، خَطَر لِي أَنَّ اِسْأَلْه عَنْ اِسْمِهِ ، قَالَ عَلَى اَلْفَوْرِ : اِسْمِي كُوهِينْ .
          شَعَرَتْ بِخَوْفٍ شَدِيدٍ كَأَنَّهُ يَقْرَأُ أَفْكَارِي ؛ يُجِيبُ قَبْلَ أَنْ أَسْأَل!! فَكَّرَتْ أَنْ أَسْأَلَهُ مِنْ أَيْنَ ؟ . . .
          قَالَ : بِرِيطَانِي . . . اَلطَّائِرَةُ قَدْ تَضْطَرُّ لِهُبُوطٍ مُفَاجِئٍ وَلَا زَالَتْ تَتَلَقَّى ضَرَبَاتٍ قَاسِيَةً يَمِينًا وَيَسَارًا مِنْ قَبَضَاتِ اَلْهَوَاءِ اَلْمُتَتَالِيَةِ ، وَأَنَا فِي صَمْتِي وَدُونَ تَفْكِيرٍ أَجِدُنِي أَلْفِظُ اَلشَّهَادَةُ ، هِيَ عِبَارَةٌ وَاحِدَةٌ تَحْكُمُ هَذَا اَلْعَالَمِ . . . " كُلُّ شَيْءٍ مَكْتُوب" اِهْتِزَازَاتٍ عَنِيفَةً بِجِسْمِ اَلطَّائِرَةِ ، أَمْسَك هذا البريطاني بِيَدِي فَصَحَّتْ بِهِ هِي ! . . . هِي ! بِابْتِسَامَةٍ صَفْرَاءَ قَال: نَحْنُ أَبْنَاءُ عَم ! . وَيْحُك ! أَيَّ صِلَةٍ تَرْبُطُنِي بِك؟ أنا من وطن لَا يغَيرَ أَبْنَائِه، وَلَا يتَخَلَّى عَنْهُمْ عَلَى مَرِّ اَلزَّمَان، قَالَ : بَيْنَ اَلْحَقِيقَةِ وَالْخَيَالِ اَلْكَثِيرِ مِنْ اَلْأَغْلَالِ وَالْقُيُودِ ! . .
          _ لَا تَجْعَلُنِي أَقْسُو عَلَيْك ! . . . وَالِدِي يقول. . . " فِيكَ شَي جَلوى ؟ " . . . أُحَرِّكُ رَأْسِي بِــ لَا ، وَكَأن اَلصَّمْتُ يُغَلَّفنِي فَلَا أَسْتَطِيعُ اَلنُّطْقُ بِكَلِمَة، كَأَنَّنِي أَتَحَرَّك فِي رِوَايَةٍ لَا تَرْوِي اَلْحَقِيقَة، تَهْدَأَ اَلطَّائِرَةُ وَيَعُودُ اِسْتِقْرَارُهَا فِي اَلْجَوِّ مِنْ جَدِيدٍ . اَلْهُدُوءُ يَسُودُ وَلَا يَسْمَعُ سِوَى صَوْتِ اَلْمُحَرِّكَاتِ وَهِيَ تُصَارِعُ اَلرِّيحُ ، تُغَالِبُهَا فِي مُحَاوَلَةٍ لِلْوُصُولِ ، وَمَعَ هَذَا اَلْعَزْفِ اَلْمُتَوَاصِلِ تَتَنَاهَى لِي وَشْوَشَات بَنَاتِ عَمِّي اَلكَبِيرِ وَالْغَيْرَةِ تَفْتِكُ بِهُنَّ ، يَتَغَامَزْنَ يُلْدَغُنَ مِنْ كُلِّ اِتِّجَاهٍ ، أَكَادَ أَسْمِعْهُنَّ وَهْنٌ يُحَرِّضْنَ وَالِدِي حَتَّى لَا يَسْمَحُ لِي بِالسَّفَرِ ، أَتَخَيَّلهُنَّ وَهْنٌ يَتَرَبَّصْنَ لِتَقَدُّمِ كُلٍّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ لَدْغَةً مِنْ حَيْثُ تُصِيب، فَتَقُولُ اَلْعَنُودْ :وشْ تسَوِّي بِنْت بِروحِهَا فِي دَيْرَهْ بوش ؟ فَتَرُد عَلَيْهَا صبْحًا : يُمْكِنَ تُبِي اَتْشُوفْ شَيْءُ مُوبْ شَايِفْتَهْ هناا ! فَتَهْمِسُ عُلْيَا : لَا لَا . . . تُبِي تَرْجِعُ لَنَا مِثْلِ شَكِيرَا ! ) تَرِدَ أُمَّهُنَّ ( إِذَا كَانَ اَلصَّوْتُ لِوَحْدِهِ فِتَنُهُ وَأَيَّ فِتْنَة! . أَشَدَّ مِنْ اَلشَّكْلِ ! . . . دِيرِتْهِمْ شَكْلهَا تجيب اَلْهَنَاءَ ، وَتَدَاوِي حَب اَلشَّبَابِ ، بَسْ أَجْمَلَ مَا فِي وَجْهِ اَلْبِنْتِ حَياهَا ! . . . عَمِّي بِصَوْتِهِ اَلْجَهْوَرِي. . . حَنَّا مَا نَرْضَى ، اَلشَّبَاب فِتْنَهم فِي كل مَكَان ، وَحَرَكَاتُهُمْ مُوبْ صَاحِيَة، لَوْ كَانَتْ عَبَايتَهَا مِتْرَيْنِ وَرَآهَا . لَا أَعْرِفُ مَا يُقْلِقُهُمْ ، مَالُهُمْ وَلِدِرَاسَتِي ؟ أَخْشَى أَنَّ لَا أَلْمَحَ عَلَامَاتِ اَلرِّضَا عَلَى وَجْهِ وَاَلدي . أَخِي أَيْضًا سَلْبِي لَا يَقُول شَيْئًا يدَعمنِي ، أَتَحَدّث إِلَى وَالِدَتِي فَتُطَمْئِننِي وَتعِدنِي بِالْخَيْرِ ، وَأَنَّهَا لَنْ تَتَخَلَّى عَنِّي خَاصَّة وَأَنْ وَاَلَّذِي لَا يَرْفُضُ لَهَا طَلَبًا ، تَرْفَعَ أُمِي رَأْسُهَا وَتَقُول ( أَبُوكْ رَجل وَاقِعِي يَبِيكْ متَعَلِّمَة وَيحِب اَلْعَلَم لكن لازم تعقلين شوي! ) قَبِلَتْ جَبِينَهَا ثُم غَادَرَتْهَا لِلنَّوْم ، وَلَا نَوْم ! أَفَقْتُ عَلَى صَوْتِ اَلْمُضِيفَةِ تَسْأَلُنِي عَنْ نَوْعِ مَشْرُوبَيْ ، أَشَّرَتْ لِلْقَهْوَةِ ، جَهَّزَتْهَا ثُم أَعْطَتْنِي إِيَّاهَا ، - مَنَايرْ تسَال : وَصَلْنَا ؟ .
          – لَا ، هَلْ تَشْرَبِي شَيْئًا - لَقَدْ صَحَوْت مِنْ حُلْم، أَشْرَبُ مَاذَا ؟ كُنْتَ أَتَمَنَّى أَنْ أَرَى نِهَايَةُ حُلْمِي ! . وَبِفُضُولً اِعْتَرَانِي طَلَبَتْ أَنْ تَحْكِيَ لِي مَا رَأَتْ ، قَالَتْ . . . " رَأَيْتُنِي فِي مَكَانٍ جَمِيلٍ عَلَى رَأْسِي تَاج ، وَأَمَامِي نَهْرٍ وَعَلَى اَلضَّفَّةِ اَلْأُخْرَى ، " الرجل الذي احب " يَنْتَظِرُنِي وَإِذَا بِكَ تُوقِظِينَنِي . " كُنْتَ مَعَهَا بِخَيَالِي أَعِيشُ اَلْمَشْهَد، سَأَلَتْهَا . . . مِنْ هو؟ قَالَتْ . . . إِنَّهُ اَلْأَخُ اَلْأَكْبَرُ لِصَدِيقَتِي ( نَاهِدْ ) شَاعِر مَعْرُوفٍ ، يحبنِي كَثِيرًا وَأَنَا أُحِبُّه ، عِنْدَمَا تَقَدَّمَ لِلزَّوَاجِ مُنِيَ رَفضهُ وَاَلدي لِأَنَّه لَيْسَ مِنْ قَبِيلَتِنَا ، سَافَرَتْ لِلْبَعْثَةِ وَلَا أَعْلَمُ شَيْئًا عَنْهُ ، لَكِنَّهُ لَا يَزَالُ عَالِقًا بِقَلْبِي وَفِكْرِي، غَمَزَتْهَا بِعَيْنِي وَضَحِكَتْ . . . قَلَّتْ : اَلشَّاعِرُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ضَحِيَّةً إِلَّا لجنونِه ! . . . اِبْتَسَمَتْ : اَلْمُهِم ألَّا يَكُونَ اَلْكَاذِبُ اَلصَّادِقُ فِي شِعْرِهِ وَالصَّادِقُ اَلْكَاذِبُ فِي مَشَاعِرِهِ!! . . . اَلرِّجَال فِئَتَيْنِ رَجُل يَكْرَهُ وَيَخَافُ اَلْأُنُوثَةَ لَكِنَّهُ يُقَدِّسُ اَلْقِيَمَ اَلتَّقْلِيدِيَّةَ اَلْعَائِلَةَ ، اَلْمَرْأَةُ اَلْأُمُومَة ، بِعَكْسِ اَلشَّاعِرِ اَلَّذِي يَكْرَهُ وَيَخَافُ اَلْمَرْأَةَ لَكِنَّهُ مُحِبًّا لِلْأُنُوثَة وَقِيَاسًا عَلَى هَذَا سَعَادَةَ اَلْمَرْأَةِ لَيْسَتْ فِي حَيَاةِ اَلشُّعَرَاء! . . . قَالَتْ : الْكَوَارِثُ اَلْقَلْبِيَّةُ سَبَبَهَا اَلثِّقَةَ اَلزَّائِدَة فِي اَلْبَيَاض! . . . فِي هَذِهِ اَللَّحْظَةِ الرجل البريطاني يتحدث الي.. قَطَعَتْ كلامه بِسُؤَالِ عَنْ اَلْكِتَابِ اَلَّذِي دَسَّهُ أَمَامَهُ فِي حَافِظَةِ اَلْكُرْسِيِّ ، مَدُّ يَدِهِ وَالْتَقَطَهُ بِسُرْعَةِ وَقَدَمهُ لِي ، أَخَذَتْهُ وَبَدَأَتْ أُقَلِّبُ صَفَحَاتُهُ ، أَقْرَأُ فِي اَلْكِتَابِ " عَلَيْنَا أَنْ نَسْتَغِلَّ اَلْأَقَلِّيَّاتُ اَلدِّينِيَّةُ وَالْعِرْقِيَّةُ فِي صِرَاعِنَا مَعَ اَلْعَرَبِ وَزَعْزَعَةِ اِسْتِقْرَارِ اَلْمِنْطَقَةِ . . . " وَفِي صَفْحَةٍ أُخْرَى " نَحْنُ نُعَبِّرُ عَنْ فَرْحَتِنَا بِالِاجْتِيَاحِ اَلْأَمْرِيكِيِّ لِبَغْدَاد ، لِأَنَّ دُخُولَ اَلْأَمْرِيكَانِ لِلْعَاصِمَةِ اَلْعِرَاقِيَّةِ يُوَافِقُ عِيدَ اَلْفِصْحِ ، وَحَاخَامَاتنَا نَشَرُوا تَعْمِيمًا دِينِيًّا يَنُصُّ عَلَى أَنَّ اَلْعِرَاقَ جُزْءٌ مِنْ أَرْضِ إِسْرَائِيلِ اَلْكُبْرَى ، وَأَنَّ كل يَهُودِيٍّ يُشَاهِدُ بَابِلَ أَنْ يَتْلُوَ صِلَاتِهِ ، مُبَارَك أَنْتَ رَبَّنَا مَلِكَ اَلْعَالَمِ لِأَنَّكَ دَمَّرَتْ بَابِلُ اَلْمُجْرِمَةُ " .أعدت كتابه إليه والتزمت الصمتْ..
          يَأْخُذُنِي فكري إلى سَامِي... وجدته يَمُرّ فِي خَيَالِي!!










          يتبع
          https://www.facebook.com/profile.php...ibextid=uzlsIk

          تعليق

          • وفاء حمزة
            أديب وكاتب
            • 11-12-2015
            • 628

            #6
            لَنْ أَخْبَرَ عَنْ تِمْثَالٍ مَلْفُوفٍ بِالْحَرِيرِ تَعْكِسُهُ عُيُون اَلْبَلُّورِ فِي مِرْآتِي ، فَقَدْ قَرَّرَتْ أَنْ أَرَى جَسَدِي بِالشَّوْقِ اَلْمَدْفُونِ فِي عَيْنِي " سَامِي " اِبْنُ اَلْجِيرَانِ وَهُوَ يُرَاقِبُ دُخُولِي وَخُرُوجِي عَبْرَ نَافِذَتِهِ اَلْمُطِلَّةِ عَلَى حَمَّامِ بَيْتِنَا ، أَتَصَرَّفُ بِفَرَحِ عَارِضَاتِ اَلْأَزْيَاءِ أَمَامَ عُيُونِ اَلْفِلَاشَاتِ ، ثُمَّ أَخْتَفِي مِنْ ضَوْءِ نَظَرَاتِهِ خَلْفَ اَلنَّافِذَةِ ، وَبِكَفَّ اَلْحَيَاءِ اِغْلِقْ اَلنَّافِذَةِ ! وَدَائِمًا أَنْتَهِي بِالْوُضُوءِ ، أَرْتَدِي رُوبْ اَلْحَمَّامِ وَأَخْرَجَ ، أَتْرُك سَامِي يَنْظُر فِي فَضَاءِ اَلْكَوْنِ ، يَحْدُثَ اَلرَّعْدُ وَالْبَرْقُ يَقُصُّ عَلَيْهِمَا حِكَايَةُ اَلضَّوْءِ وَالْمَطَرِ ، يُسَجِّلَ فِي ذَاكِرَةِ اَلْقَلْبِ بَعْضَ اَلصُّوَرِ لِعَفَارِيت اَلرَّغْوَةِ وَهِيَ تُدَاعِبُ صَابُونَة جِنِّيَّةً ، أَرْتَمِي عَلَى سَرِيرِيٍّ وَأَبْتَسِمُ . ودائماً صَوْتُ أمِي. . . فأَنْتَفِضُ وَاقِفَةٌ . . . لَقَدْ تَذَكَّرَتْ اَلصَّلَاة! . . .

            اَلْفَصْلُ اَلثَّانِي

            اَلنِّسْيَانَ.. لَوْحَةً بدُونَ أَلْوَان
            بياض الملح لَا يَكْتَفِي ولا يَرْتَوِي من البحر .
            سَامِي كَيْفَ هُوَ اَلْآنَ ؟ هَلْ مَا زَالَ يُذَكِّرُنِي ؟ أُمّ أَخَذَتْ فِكْرَةً أُخْرَى ؟ ! طَلَبَتْ مَنَابِرَ كُوبَا مِنْ اَلْقَهْوَةِ ، تَرَكَتْهَا تُعَانِقُ حَافته بِشَفَتَيْهَا ، أَسْتَلْقِي بِظَهْرِي فِي اِسْتِرْخَاءِ كَامِل ، أَعِيشُ لَحْظَةُ مُوَافَقَةِ أَبِي عَلِي اَلْبَعْثَةَ بَعْدَ أَنْ اِنْتَظَرَتْهُ حَتَّى أَنْهَى طَعَامُ إِفْطَارِهِ ، بَادَرَنِي . . . " لَا تُحَاوِلِينَ مَعِي أَنَا تُونِي فَاطِر وَمُرُوق أَقْلَقَتْنِي فِي أَمْرِيكَا لَا عَادَ تَحْلُمِينَ فِيهَا " - مَاذَا ؟ . . . وَأُلْجِمَتْنِي اَلدَّهْشَة. . . لَمْ أَتَوَقَّعْ هَذَا مِنْ أَبِي ! . . . مَا اَلَّذِي غَيْرِهِ بِهَذِهِ اَلسُّرْعَةِ ؟ تَجَمَّدَتْ فِي مَكَانِي ، أُرِيدُ أَنْ أَصْرُخَ ، أَنْ أَرْفُضَ ، لَكِنَّنِي لَا أَسْتَطِيعُ ، مِنْ يَفُكّ عُقْدَةَ لِسَانِي ؟ اِبْتَسَمَتْ بِقَلْبِي . . . لَمْ أَسْتَطِيعَ إِخْرَاجٌ غَيْر. . . آهٍ . . . بِحُرْقَةٍ ، يَسْتَخْدِمَ اَلنَّاسُ فِي اَلْأَفْرَاحِ عَادَهُ مُكَبِّرَاتِ اَلصَّوْتِ مَعَ أَنَّهُ كُلَّمَا كَبُرَ اَلْحُزْنُ اِرْتَفَعَ ضَجِيجُ اَلْحَنَاجِرِ ، صَرَخَتْ رَأْسِي ! . . . - ( اِسْمُ اَللَّهِ عَلَيْكَ جُمَايِلْ وِيشْ فِيكَ وَأَنَا أَبُوكْ ) أَشْعُرُ بِقَطَرَاتِ اَلْمَاءِ تَتَسَاقَطُ عَلَى عُيُونِي ، لَا أَرَى شَيْئًا وَلَا أَدْرِي بِمَا يَدُورُ حَوْلِي ، سَارَعَتْ أُمِّيٍّ تَشَمَّمَنِي كُولُونْيَا ، اِنْتَبَهَتْ أَنِّي عَلَى اَلْأَرْضِ ، قَالَتْ بِلَهْفَةٍ . . . " فَدَيْتُ بِنْتِي جَمَاَايلْ لِيَشْفِيَكُمْ تَبُونْ مَوْتُهَا ؟ " ، ثُمَّ صَمَتَتْ بِمُجَرَّدِ أَنَّ نَظَرَ إِلَيْهَا نَظْرَةٌ مَشْحُونَةٌ بِالتَّوَتُّرِ ، جَلَسَتْ بَعْدَ اَلْإِغْمَاءِ فَتْرَةً عَلَى اَلْأَرْضِ ، وَبَعْدٌ أَنْ شَعَرَتْ بِبَعْضِ تَحَسُّنٍ نَهَضَتْ بِاتِّجَاهِ غُرْفَتَيْ وَأُمِّي تُسَانِدنِي حَتَّى اِسْتَلْقَيْتُ عَلَى سَرِيرِيٍّ ، حِينُ أَشْرَقَتْ شَمْسُ اَلْيَوْمِ اَلتَّالِي كُنْتُ وَأَنَا فِي مَكَانِي ، أَتَحَرَّكُ بِكَسَلٍ أَثْقَلَ كُلُّ أَعْضَائِي ، عُدَّتْ مِنْ اَلْحَمَّامِ بَعْدَمَا غُسِلَتْ وَجْهِي ، بَعْدُ إِلْحَاحِ وَالِدَتِي شَرِبَتْ كُوبَ عَصِيرِ مِنْ وَجْبَةِ اَلْإِفْطَارِ اَلَّتِي أَحْضَرَتْهَا إِلَى غُرْفَتَيْ ثُمَّ اِسْتَلْقَيْتُ مِنْ جَدِيدٍ . . . تَسَاوَتْ عِنْدِي اَلْأَمَاكِنُ وَالْأَوْقَاتُ ، لَا أَدْرِي كَمْ بَقِيَتْ عَلَى تِلْكَ اَلْحَالِ ، لَا أَخْرَجَ وَلَا أَتَحَدَّثُ إِلَى أَحَدٍ غَيْرِ أُمِّيٍّ ، وَلَا أَرُدُّ حَتَّى عَلَى قَرِيبَاتِي وَصَدِيقَاتِي ، حَتَّى دَخَلَتْ أُمِّي صَارِخَةً بِي . . . " أَلَمٌ يَكُفُّكَ أُسْبُوعٌ كَامِلٌ مِنْ اَلنَّوْمِ . . . يَا اَللَّهُ قَوْمِيٌّ . . . " وَفَتَحَتْ كُلَّ اَلسَّتَائِرِ وَالشَّبَابِيكِ لِتَدَخُّلِ اَلشَّمْسِ وَتَكْشِفُ عَنْ سَرِيرِيٍّ ، دَخَلَتْ اِبْنَةَ عَمِّي اَلصَّغِيرِ " مَخْزَنُهُ " اَلَّتِي تُشْبِهُنِي كَثِيرًا ، سِنًّا وَشَكْلاً وَأَخْلَاقًا ، لَكِنَّهَا لَمْ تُفْلِحْ كَثِيرًا فِي دِرَاسَتِهَا ، أَظُنُّهَا تَتَمَنَّى اَلْخَيْرَ لِي ؛ فَقَدْ دَعَّمَتْنِي دَائِمًا عَلَنًا فِي دِرَاسَتِي ، كَانَتْ تَقُولُ . . . أَنْتَ فَخْرَنَا ، أَمْسَكَتْ بِيَدِي وَظَلَّتْ تَسْحَبُنِي عَنْ اَلسَّرِيرِ حَتَّى أَوْقَعَتْنِي أَرْضًا ، اِعْتَلَتْنِي وَأَعْلَنَتْ أَنَّهَا ثَبَّتَتنِي بِلَمْسِ اَلْأَكْتَافِ ! صَاحِبَةَ طَرَافَةٍ وَمِزَاحٍ ، اِنْهَارَتْ قُوَايَ مِنْ اَلضَّحِكِ فَاسْتَسْلَمْتُ ، قَالَتْ . . . " جُمَايِلْ يَا قَلْبِي بِطَلْعٍ لِمُجَمَّعِ تَوّهِ جَدِيدٍ وِدَّكَ تَجْنِي مَعِي . . . تَجِيءَ ! . . . مَا تَجِيءُ ! . . . تَجِيءَ . . . مَا تَجِيءُ . . . تَجْنِي ؟ " ، . . . فَفَهِمَتْ أَنِّي لَنْ أَتَخَلَّصَ مِنْهَا بِسُهُولَةٍ ؛ فَهِيَ دَبْكَةٌ جِدًّا فِي مِثْلٍ هَذِهِ اَلْمَوَاضِيعِ . . . كَانَتْ تَجْلِدُ كَسَلِي بِكَلِمَاتِهَا اَلْمُلْتَهِبَةِ ، وَأَنَا أَتَحَرَّكُ بِبُطْءَ سُلَحْفَاةً . عِنْدَمَا خَرَجَتْ مِنْ بَابِ اَلْمَنْزِلِ ، كَانَ اَلْجَوُّ بَارِدًا ، نَظَرَتْ إِلَى اَلْمَدَى . . . إِلَى نَسِيمْ يُجِيد رَقْصَةَ اَلْأَلَمِ بِيَدِ اَلرِّيحِ ، اِسْتَمَعَ لِتَصْفِيقِ أَيَادِي اَلْغُيُومِ وَضِحْكَاتِ اَلْهَوَاءِ تَمْلَأُ فَمَ اَلْأُفُقِ بِثَرْثَرَةِ أَمْطَارٍ . . . قَضَيْتُ مَعَهَا يَوْمًا مُمْتِعًا فِي اَلتَّسَوُّقِ ، نَسِيتُ مَعَهُ مُعْظَمَ اِنْتِكَاسَتِي ، كُمٌّ اِشْتَقْتُ لِمِثْلٍ هَذِهِ اَلصُّحْبَةِ . عِنْدَمَا رَجَعَتْ وَجَدَتْ أَخِي اَلْكَبِيرَ يُتَابِعُ بَرْنَامَجًا رِيَاضِيًّا ، تَفَاءَلَتْ خَيْرًا بِفَوْزِ فَرِيقِهِ ، كَانَ مُبْتَهِجًا يَضْحَكُ وَيُقَهْقِهُ ، يُوَزِّعَ حُلْوٌ اَلْكَلَامِ عَلَى اَلْجَمِيعِ ، يُمَازِحَ اَلْأَطْفَالُ مِنْ أَقَارِبِي ، يَا لَهُ مِنْ مَشْهَدٍ رَائِعٍ ! اِقْتَرَبَتْ مِنْهُ بِلُطْفٍ ، فَاتِحَتُهُ بِمَوْضُوعِ سَفَرِي لِأَمْرِيكَا ، كَانَ اَلْبَحْرُ هَادِئًا صَافِيًا فَمَاجَ وَهَّاج بِلَحْظَةٍ ؛ نَظَرٍ إِلَى مُقَطَّبًا حَاجِبَيْهِ . . . " هَا أَنْتَ شَكْلَكَ تَبَيَّنَ تُجِيبِينَ رَأْسُنَا فِي اَلْأَرْضِ . . . لَا عَادَ أَسْمَعَكَ تُنْطَقِينَ أَمْرِيكَا " . . . دَهِشْتُ ، تَمَنَّيْتُ لَوْ أَنَّ أَخْبِطَ إِنَاءُ رَأْسِهِ اَلصِّينِيِّ بِالْكُرَةِ حَتَّى يَتَكَسَّرَ ، وَتَتَنَاثَرَ مِنْهُ مَجْمُوعَةَ اَلْأَفْكَارِ وَالْجَمَلِ اَلرَّكِيكَةِ ! . . . جَلَسْتُ أُتَابِعُ مَعَهُ فِيلْمًا أَمْرِيكِيًّا بَعْدَ أَنْ اِنْتَهَى مِنْ بَرْنَامَجِ اَلتَّعْلِيقِ عَلَى ( اَلْكُويْرَة ) ، كَانَ لَا بُدَّ مِنْ أَنَّ اِنْتَسَبَ لِفَرِيقٍ رِيَاضِيٍّ يَحْتَرِفُ تَمْرِيرَ اَلْكُرَةِ بِشَكْلٍ دَائِمٍ وَمَوْثُوقٍ كَيْ أَتَمَكَّنَ مِنْ تَسْجِيلِ أَهْدَافًا رَائِعَةً وَأَحْصُلُ عَلَى اَلْفَوْزِ اَلْأَسْهَلِ . . . كُلَّمَا ظَهَرَ مَشْهَدُ فِيهِ شَيْءُ مِنْ اَلرُّومَانْسِيَّةِ يَنْظُرُ إِلَى لِأَنْظُر أَنَا بِدَوْرِيٍّ إِلَى اَلْأَرْضِ ، أَتَأَمَّلُ هَذَا اَلرُّخَامُ اَلْقَوِيُّ اَلصُّلْبُ وَأَتَحَدَّثُ إِلَيْهِ ، كَانَ مِنْ اَلْأَجْدَرِ أَنْ يُطَالِبُوا بِغَلْقِ فَضَائِيَّاتٍ تَبُثُّ عَلَى مَدَارِ اَلشَّهْوَةِ مَا يُسْكِرُ اَلْوَعْيُ ، هَذَا إِنَّ كَانَتْ لَدَيْهِمْ قُدْرَةُ تَمَكُّنِهِمْ مِنْ غَلْقِ وَمَنْعِ فَسَادِ تَجَاوُزِ حُدُودِ اَلْعَيْنِ ، هَكَذَا نَحْنُ . . . لَا نُتْقِنُ إِلَّا فَنُّ اَلصَّمْتِ ، وَإِنْ تَكَلَّمْنَا فَبِلُغَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ اَلْمَنْطِقِ ، وَبَيْنَ اَلصَّمْتِ وَالْكَلَامِ نُصْدِرُ لِأَنْفُسِنَا أَرْوَعَ وَأَجْمَلِ اَلْأَكَاذِيبِ . ذَهَبَتْ إِلَى غُرْفَتَيْ أُرَدِّدْ شِعَارِي فِي اَلْحَيَاةِ ( لَا ) وَخَنْقُ أَنْفَاسٍ ( نَعِمَ ) ، وَمِنْ طَلَبِ اَلضَّوْءِ سَهِرَ اَللَّيَالِيَ وَبَعْد عِدَّةِ أَسَابِيعَ وَالْحُلْمِ نَفْسِهِ مَا زَالَ يُطَارِدُنِي . . . قَرَّرَتْ اَلْمُوَاجَهَةُ . فَالْقُبْحُ يَعْمَل عَلَى اَلْإِفَادَةِ مِنْ اَلْأَقَلِّ قُبْحًا ، وَالْأَقَلَّ قُبْحًا يَعْمَلُ عَلَى أَنْ يُكَوِّنَ اَلْأَكْثَرَ مِنْ اَلْأَقَلِّ قُبْحًا ، وَالنَّتِيجَةُ قَرَار تَرْفُضُ أَنْ تُنَاقِشَهُ اَلصُّدْفَةُ ! أَثْنَاءَ تَنَاوُلِ اَلْغَدَاءِ قَلَّتْ لِوَالِدِي سَوْفَ أُسَافِرُ لِأَمْرِيكَا سَوَاءُ قَبِلَتْ أُمٌّ رَفَضَتْ ، وَلَمْ أُكْمِلْ كَلَامِي حَتَّى قَذَفَنِي أَخِي اَلْأَكْبَرُ بِمِلْعَقَةٍ كَانَ يَتَنَاوَلُ بِهَا طَعَامُهُ ، تَفَادَيْتُهَا بِرَدَّةِ فِعْلٍ تِلْقَائِيَّةٍ . . . وَبِنَفْسَ رَدَّةِ اَلْفِعْلِ رَمْيَتَهُ بِكُوبٍ كَانَ فِي يَدِي فَشَجَّ رَأْسُهُ ، وَسَالَتْ اَلدِّمَاءُ . . . صَرَخَتْ أُمِّي . . . ( أَبُوهَا أَمْرِيكَا . . . وَيَلِي ، رَاحَ وَلَدِي ) . . . صَرَخَتْ فِي وَجْهِ أَخِي ، لَمْ أَعُدْ أَعْرِفُ إِنَّ كَانَتْ تَقُودُكَ اَلْحَقِيقَةُ فَتُبَصَّرهَا ! . . . أُمٌّ أَنَّ اَلْفَرَاغَ هُوَ مِنْ يَقُودُكَ إِلَى اَلضَّيَاعِ ! . . . حَيْثُ تُرِيدُنِي مُمَثِّلَةٌ شَرْعِيَّةٌ لِلتَّفَاهَةِ ، بِقُيُودٍ تَفْرِضُهَا عَلَى حُرِّيَّتِي ، غَرِيب فِي هَذِهِ اَلْحَيَاةِ أَنْ تَكُونَ اَلْعَاقِلَ اَلْوَحِيدَ عَلَى اَلْأَرْضِ وَلَا تُعَانِي مِنْ خَلَلِ مَا ، مَالِي أَنَا إِذَا كَانَتْ رَغْبَةُ اَلْإِيذَاءِ تَتَوَلَّدُ لَدَيْكَ لِرَغْبَةٍ فِي سَعَادَةٍ حَمْقَاءَ ، إِيذَاءٌ مِنْ هُوَ فَوْقَ حُدُودِكَ وَتَعْتَقِدُ اَلْإِيذَاءَ يَرْفَعُكَ وَيُمَجَّدَكَ بِعَالَمِكَ وَقَانُونِهِ اَلْمَوْهُومِ . حَجْزُ وَالِدِي أَخِي عَنِّي فَذَهَبَتْ لِغُرْفَتِي ، شَعَرَتْ بِصُدَاعٍ شَدِيدٍ ، أَمْسَكْتُ بِعُلْبَةِ اَلْمَسْكَنِ وَابْتَلَعَتْ وَاحِدَةً مِنْهَا ! . كُنْتَ كُلَّمَا نَظَرَتْ إِلَى اَلْأَعْلَى بَكَيْتَ وَاضْحَكْ كُلَّمَا نَظَرَتْ إِلَى اَلْأَسْفَلِ ، كَأَنَّنِي اَلْيَوْمِ عَبَرَتْ اَلْحُدُودُ وَوَصَلَتْ إِلَى مَا بَعْدَ اَلضَّحِكِ مَرَّتْ اَلسَّاعَاتُ ، وَعِنْدَمَا اِسْتَيْقَظَتْ وَجَدْتُنِي أَضْحَك فَوْقُ اِحْتِمَالِ اَلْفَرَحِ كَيْ لَا أَحْزَنُ فَوْقُ اِحْتِمَالِ اَلْبُكَاءِ . . . سَعِيدَةً بِوَفَائِي لِعَقْلِيّ اَلسَّلِيمِ مِنْ اَلسُّعَارِ وَإِنْ كَانَ بِهِ أَلَمُ فَبَيْنَ بَيْنِ اَلْجُوعِ اَللَّامُتَنَاهِي وَالشِّبَعِ اَلْمُتَنَاهِي سَفَرُ اَللَّا مَحْدُودٍ حَيْثُ يَخْتَبِئُ اَلْحُزْنُ اَلدَّاخِلِيُّ فِي اَلْفَرَحِ اَلْخَارِجِيِّ . . . اَلْمَاضِي غَابَ وَالْمُسْتَقْبَلُ غَيَّبَ وَالْحَاضِرُ لَدَيَّ سَأَصْنَعُ سَعَادَتِي وَأَرْسُمُهَا عَلَى وَجْهِ اَلْبَقَاءِ . . . اَلْيَوْمُ لَحْظَةَ خُرُوجِي مِنْ غُرْفَتَيْ أَجِدْ عَيْنِي وَاَلَّذِي تَحْتَضِنُنِي بِعَطْفٍ ، وَلِسَانُهُ يَنْطِقُ هَلْ اِسْتَعْدَدْت لِلسَّفَرِ إِلَى أَمِيرِكَا ؟ لَمْ أَتَمَالَكْ نَفْسِي مِنْ اَلْفَرَحِ ، عَانَقَتْ أَبِي بِقُوَّة، سَافَرَتْ
            وَهَا أَنَا اَلْآنَ أَعُودُ بَعْد سَنَةٍ كَامِلَةٍ ! .

            يتبع
            https://www.facebook.com/profile.php...ibextid=uzlsIk

            تعليق

            • وفاء حمزة
              أديب وكاتب
              • 11-12-2015
              • 628

              #7
              وَسَطَ كُل هَذِهِ اَلذِّكْرَيَات أَسْتَفِيق عَلَى صَوْتِ اَلْكَابتِنِ . . . عَلَى جَمِيعِ اَلرُّكَّابِ رَبْطَ اَلْأَحْزِمَة، اَلطَّائِرَةُ اَلْآنِ تَسْتَعِدُّ لِلْهُبُوط، أَنْظُر إِلَى كُل مِنْ حَوْلِي ، أَتَذَكَّرُ كُل مَا مَرَّ مِنْ أَحْدَاثِ دَاخِلِ اَلطَّائِرَةِ ، أَنْظُرُ لِمَلَامِحِ اَلْوُجُوهِ من حَوْلِي ، لَقَدْ اِسْتَعَدُّوا مَعَ صَوْتِ اَلنِّدَاءِ اَلْأَخِيرِ ، هُوَ أَوَّلُ اَلْإِحْسَاسِ بِالْأَمَان، فَنَحْنُ قَدْ نَخْتَلِفُ فِي اَلْفِكْرِ وَالثَّقَافَةِ وَاللُّغَةِ ، وَلَكِنَّ مَلَامِحَ اَلْخَوْفِ وَالأمان وَاحِدَة، نَلْمِسُهَا بِوُضُوحِ مَهْمَا تَغَيَّرَتْ اَلْأَلْوَانُ وَتَقَاسِيمُ اَلْوُجُوه، اَلْكُلَّ يَسْتَعِدُّ لِلنُّزُولِ ، نَرْتَدِي أَنَا وِمْنَايِرْ اَلْعَبَاءَةُ وَالْخِمَار، أَقْرَأُ مَا بِدَاخِلِ اَلْجَمِيعِ وَأَهْرُبُ مِنْ نَظَرَاتِهِمْ ، أَسْمَعُ هَمَسَ صَمْتُهُمْ وَأُتَرْجِمَه . . . أَرَى أَخِي يُلَوِّح لَنَا بِابْتِسَامَةٍ مُشْرِقَةٍ تَرْتَسِمُ عَلَى تَقَاسِيمِ وَجْهِهِ ، تَلْكُزُنِي مَنَايرْ بِطَرْيقَةٍ مُضْطَرِبَةٍ ، سمعَتْ ضَجِيجَ خَافَقْهَا وَهِيَ تَقُول. . . عبد الكريم ! مَاذَا سَيَفْعَلُ وَاَلَّدي ! تَنْظُرُ مَنَايرْ إِلَى وَالِدِهَا تَجِدُهُ يُلَوِّحُ إِلَى عبد الكريم ، أَحْسَسْت اَلدَّهْشَةُ فِي صَوْتِهَا وَهِيَ تَقُولُ . . . هَلْ نَحْنُ فِي حلم ؟ قُلْت: وُجُود كُل مِنَّا يَمْنَحُ لِلْأخر يَقِينَ اَلْحَقِيقَةِ ، تَعَانَقْنَا وَاتَّفَقْنَا عَلَى اَلتَّوَاصُلِ بَعْدَ أَنْ حَمَلَ اَلسَّائِقُ حَقَائِبَنَا وَوَضْعَهَا فِي اَلسَّيَّارَةِ . . . كَانَتْ لَحْظَةُ عِنَاقِ بِشَوْقٍ وَافْتِقَادٍ كَبِيرَيْنِ ، قَدْ تَسَرُّبًا مِنْ جَسَدِ أَخِي لِجَسَدِي . . . وَبَعْدٌ أَنْ تَحَرَّكَ اَلسَّائِقُ بِنَا أَخْفَضُتْ اَلزُّجَاجُ أُتَابِعُ اَلطَّرِيقُ وَأُسَرِّحُ بِنَظَرِي ، وَأُقَارِنُ بَيَّنَ مَدِينَةَ اَلْحُلْمِ بَعْدَ أَنْ خَرَجَتْ مِنْهَا وَمَدِينَةُ اَلْوَاقِعِ اَلَّتِي عُدَّتْ إِلَيْهَا . . . أَتَنَفَّسُ رَائِحَةُ اَلنُّورِ ، وَقُبُلَاتُ اَلْهَوَاءِ تَلَثَّمَ وَجْهِي أَنْظُرُ لِزُرْقَةِ اَلسَّمَاءِ ، اِسْمَعْ نَبْضَ صَوْتِهَا اَلْحَيَاةَ ، عِنْدَ وُصُولِنَا بَدَأَ اَلْعِنَاقُ وَالتَّقْبِيل، تَرَكَتْ اَلْجَمِيعَ وَاتَّجَهَتْ إِلَى أُمي، تَكَاد نَارَ اِشْتِيَاقِهَا تَنْضَجُ اَلدَّمَ فِي عُرُوقِي ، ضَمَمْتُهَا بِقُوَّةٍ وَسَالَتْ دُمُوعُ اَلْسعادة.. تَلْسَعُ وَجَنَّتَيْنَا ، اِلْتَفَتَ إِلَى أَبِي عَيْنَيْهِ تحْتَوِينِي بِابْتِسَامَةٍ ، كَمٌّ كَانَ قَلْبُهُ كَبِيرًا وَكِرِيمًا مَعِي ؛ تَحَدَّى اَلْجَمِيعَ اِسْتِجَابَةً لِحُلْمِي ، وَتَحَمُّلَ اَلنَّقْدِ وَالْمُعَانَاةِ لِأَجْلِي . أَصْعَدُ إِلَى غُرْفَتَيْ فَوَجَدَتْهَا كَمَا هِيَ ، أُلْقِيَتْ نَفْسِي عَلَى اَلسَّرِيرِ وَاسْتَسْلَمَتْ لِنَوْمٍ عَمِيقٍ . أَيْقَظَتْنِي أَشِعَّةُ اَلشَّمْسِ وَقَدْ تَعَامَدَتْ عَلَى وَجْهِي بَعْدَ أَنْ فَتَحَتْ أُمِّي اَلنَّافِذَة. . . " جلوى وشْ ذَا اَلنَّوْمِ نَبِي نجلِس مَعَكِ نشْتَاق سَوَالِفِكَ " . أَقِفُ خَلْفُ نَافِذَتِي وَأَتَسَاءَلُ . . . كُلُّ يَوْمٍ تَأْتِي اَلشَّمْسُ بِدِفْءِ أَكْبَرَ تَنْمُو عَلَى كَتِفِي أَوْرَاق تَتَسَلَّقُ نَافِذَةً مَفْتُوحَةً هادئةً سَتَائِرُهَا اَلْبَيْضَاءُ كَنُدَفِ ثَلْج قَادِمٍ أُفَكِّرُ فِي اَلتَّقَالِيدِ مَعَ أُنْثَى مَعْصُوبَةٍ اَلعواطف لَا تُرِيدُ أَكْثَرَ مِنْ أَنْ تُدَخِّنَ سِيجَارَة حب طَوِيلَةٌ اَلنَّفْسِ ! . . . أَتَذَكَّرُ وُجُه عبد الكريم وَهُوَ يَنْتَظِر مَنَايرْ وَفَرْحَةُ وَالِدِهَا بِوُجُودِهِ ، وَيُثِيرَنِي اَلسُّؤَال . . . مَا اَلسِّرُّ فِي ذَلِكَ ! تَأْخُذُنِي اَلذِّكْرَيَاتُ مَرَّةً أُخْرَى إِلَى قَارِعَةِ اَلضَّجَرِ ، بَيْنَ صَيْفٍ بَارِدٍ وَشِتَاءِ مَجْنُونٍ ، وَأَنَا عَلَى يَقِينِ مِنْ أَنَّنَا لَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُغَيِّرَ اَللَّحْن عَلَى آلَة اَلإحساس نَحْنُ نُغَيِّرُ اَلدَّرَجَةُ اَلَّتِي نَتَقْنَ عَلَيْهَا اَلْعَزْف! . . . أَتَرَقَّبُ قِطَارًا يَمْضِي بِذَاكِرَةٍ عِمْلَاقَةٍ هَارِبَةٍ ، قَوَافِل اَلْغُبَارِ تَزْحَف نَحْوَ هَذَا اَلْفَرَاغِ اَلْهَائِلِ ، يَلُفَّ بِالصبر أيام تَتَسَاقَط لحظاتها على حُدُودِ بَيْتِنَا اَلْمُسَيَّجِ بِرَشِيقِ اَلنَّخِيل ، فِي بَيْتِ اَلْعَائِلَةِ قَبْو لِجَمِيعِ اَلْمُنَاسَبَاتِ اَلْكَبِيرَةِ ، اَلطَّابَق اَلثَّانِي لِاسْتِقْبَالِ اَلضُّيُوفِ ، ثُمَّ طَابَقٍ كَامِلٍ لِغُرَفِ اَلنَّوْمِ ، وَالْأَخِيرُ غُرْفَةٌ بِحَجْمِ اَلْمَنْزِلِ لِأَصْحَابِ وَالِدِي ، وَمُسَبِّحٌ كَبِيرٌ أَنْظُرُ إِلَيْهِ دَائِمًا ، وَمُلْحَق خَارِجِيٍّ وَدَاخِلِيٍّ لِلمعاونات والسائق. يُحَدِّثُنِي عَقْلِي أَنَّ اَلدَّاءَ لَيْسَ فِي عِشْقِ صَدِيقَاتِي أَوْ فُضُولِنَا اَلْمُتَكَرِّرِ فِي مُلَاحَقَةِ أَخْبَارِ أَبْطَالِ اَلْمُسَلْسَلَاتِ اَلْأَجْنَبِيَّةِ وَالْإِعْجَابِ بِوَسَامَتِهِمْ ، بل فِي تَفَاصِيلِ تفكيرنا الخاص وَجُذُورِهِ اَلْمُمْتَدَّة، أَلْقَيْتُ أَفْكَارِي مِنْ نَافِذَةِ اَلزَّمَنِ وَذَهَبْت لِأَتَنَاوَلَ إِفْطَارِي ، مَا زَالَ اَلْوَقْت بَاكِرًا وَمُعْظَمَ أَفْرَادِ عَائِلَتِي قَدْ جَاءُوا لِلسَّلَامِ وَالِاطْمِئْنَانِ عَلَى ، بَعد سَاعَتَيْن مِنْ اَلْجُلُوس مَعَهُمْ أَشَرْت إِلَى اَلْمعاونةِ فَفَهِمَتْ أَنْ تَتَهَيَّأَ هِيَ وَالسَّائِقُ لِمُرَافَقَتِي فِي جَوْلَةٍ أَسْمَيْتُهَا اِسْتِعَادَة اَلذِّكْرَيَاتِ ، مَرَرْنَا بِمَدْرَسَتَيْ وَالشَّارِعِ اَلَّذِي كُنْتُ أَمْرُ فِيهِ دَائِمًا ، تَمَنَّيْتُ لَوْ فَعَلَتْهَا مِنْ جَدِيدٍ ، أَنْ أَتْرُكَ اَلسَّيَّارَةُ وَأَمْشِي فِي خِفَّةٍ أَرْكُلُ اَلْأَحْجَارُ اَلصَّغِيرَةُ بِقَدَمِي ، أُحَلِّقُ فِي فَضَاءِ مُرَاهَقَتِي وَاحلامي اَلْبَسِيطَةُ ، مَرَرْنَا بِالْمَكْتَبَةِ ، طَلَبَتْ مِنْ اَلسَّائِقِ أَنْ يَتَوَقَّفَ ، نَزَلَتْ، دَخَلَتْ إِلَى قَاعَةٍ كَتَبَ اَلتُّرَاثُ ، تَأَمَّلْتُ اَلرُّفُوفُ وَمَا عَلَيْهَا ، كُتُب كَمَا اَلْأَجْسَادِ عَنَاوِينِهَا كَبِيرَة، وَبَيْنَ اَلْأَوْرَاقِ تَتَأَمَّلُ أَنْفَاسَ اَلْحُرُوفِ وَتُفَكِّرُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ ، هُنَا كَتَبَ اَلتَّارِيخُ تَرمقني بنظرة، وَهُنَاك كَتَبَ اَلْفَلْسَفَةَ بِرُمُوزِهَا اَلْعَرَبِيَّةِ اَلْخَالِدَةِ ، وَفِي اَلنَّاحِيَةِ اَلْأُخْرَى كَتَبَ اَلتُّرَاثُ اَلْإِسْلَامِيُّ وَكَتَبَ عِمْلَاقَةٌ مُتَرْجَمَةٌ مِنْ جَمِيعِ اَللُّغَاتِ ، تَأَمَّلْتُ هَذَا اَلْحَجْمِ اَلْهَائِلِ مِنْ اَلتُّرَاثِ وَتَسَاءَلَتْ . . . كَيْفَ اِسْتَطَاعَ هَؤُلَاءِ اَلنَّاسِ رَغْمَ وَسَائِلِهِمْ اَلْبَسِيطَةِ أَنْ يَسْطُرُوا لَنَا هَذِهِ اَلْكُنُوزِ ، وَيُقَدِّمُونَ لَنَا هَذِهِ اَلثَّرْوَةِ اَلضَّخْمَةِ مِنْ عُصَارَةِ أَذْهَانِهِمْ وَعُقُولِهِمْ ، مَا زِلْت أَبْحَثُ بَيْنُ اَلْعَنَاوِينِ عَنْ كَلِمَاتٍ تَرْسُمُ جَمَالَ اَلْقُلُوبِ وَنَقَائِهَا ، عَنْ كُتُبِ أَكْثَرِ حَدَاثَةٍ فِي نَوْعِيَّةِ اَلْأَوْرَاقِ وَطَرِيقَةِ اَلطِّبَاعَةِ ، وَجَدَتْ كُتُبًا قديمةً بِأَسْعَارِ مُخَفَّضَةٍ ، اِبْتَسَمَتْ حِينَ وَجَدَتْ بِجِوَارِهَا أَسْعَارًا عَالِيَةً لِكُتُبِ فَنِّ اَلطَّهْيِ ، أُتَابِعُ بَحْثِيٍّ عَنْ كِتَابٍ يَلْمِسُ مَشَاعِرِي ، فِي اَلرَّفِّ قَبْل اَلْأَخِيرَ وَجَدَتْ كِتَابًا يَبْدُو مِنْ مَلَامِحِهِ أَنَّهُ لَمْ يُقَرِّبْهُ أَحَدًا ، حَتَّى أَنَّ عُمَّالَ اَلنَّظَافَةِ لَا يَهْتَمُّونَ بِالْوُصُولِ إِلَى هَذَا اَلْجُزْءَ اَلْعُلْوِيِّ لِتَنْظِيفِهِ ، طَلَبَتْ مِنْ اَلْقَائِمِ عَلَى اَلْمَكْتَبَةِ أَنْ يَحْضُرَهُ لِي ، دُهِشَ قَلِيلٌ ثُمَّ جَلْبِهِ . . . " رغوة الصابون" نَعِمَ هَذَا هُوَ ! . نَظَرَتْ لِسَاعَتِي فَإِذَا هِيَ اَلثَّالِثَةُ وَالنِّصْف ، لَمْ يَبْقَ عَلَى مِيعَادٍ سَامٍّ إِلَّا نِصْفُ سَاعَةٍ فَقَطْ ، كُنْتَ أُحِسُّ بِحَنِينٍ اَلْمَاضِي يُنَادِينِي بِصَوْتٍ عَالٍ ، طَلَبَتْ مِنْ اَلسَّائِقِ أَنْ يُعِيدَنِيَ إِلَى اَلْبَيْتِ ، وَصَلَتْ قَبْلَ أَنْ تُكْمِلَ اَلسَّاعَةُ دَوْرَتَهَا ، إِنَّهَا اَلرَّابِعَةُ إِلَّا خَمْسَ دَقَائِقَ ، مَازَالَ لَدَيَّ مِنْ اَلْوَقْتِ مَا يَكْفِي لِأَصْلِ إِلَى اَلْحَمَّامِ ، اِتَّجَهَتْ إِلَى اَلنَّافِذَةِ مُبَاشِرَةً ، نَظَرَتْ مِنْ خَلْفِهَا فَوَجَدَ نَافِذَةَ سَامٍّ مُغْلَقَةٍ تَمَامًا ، لَمْ تَكُنْ نَافِذَتُهُ تُغْلِقُ أَبَدًا ، حَتَّى فِي اَللَّيَالِي اَلْبَارِدَةِ كَانَ دَائِم اَلتَّرَقُّبِ لِوُجُودِي ، أَيْنَ هُوَ اَلْآنَ ؟ ، أَتَمَنَّى أَنْ أَعْرِفَ آخِر أَخْبَارِهِ وَلَكِنْ . . . مَعَ صَمْتِ نَافِذَةِ اَلذِّكْرَيَاتِ أَدْخَلَ تَحْتَ اَلدِّشِ بِإِحْسَاسٍ غَرِيبٍ وَبِطَرِيقَةٍ مُخْتَلِفَةٍ ، وَعَيْنِي مَا زَالَتْ تَسْتَرِق اَلنَّظَرَ وَتَتَّجِهُ نَحْوَ نَافِذَتِهِ ، أَلْمَحَ خَيَالاً خَلَّفَهَا ، أَرَى يَدًا تَفَتُّحُهَا ، تَجَمَّدَتْ كُلّ أَعْضَائِي لِتَرَى عَيْنِي مِنْ هُوَ اَلَّذِي يَفْتَحُ اَلنَّافِذَةَ ، ذُهِلَتْ عِنْدَمَا رَأَيْتُ أُم سَامي ، أَغْلَقَتْ اَلْمِيَاهُ وَارْتَدَيْتُ مَلَابِسِي وَخَرَجَتْ ، عُدْتُ إِلَى غُرْفَتَيْ أُجَرْجِرْ أَذْيَالُ اَلْوَهْمِ اَلَّذِي جَعَلَنِي أَعْتَقِدُ أَنَّ سَامِي لَا يَزَالُ يَنْتَظِرُنِي أو يتذكرني! ابتسمت ساخرة من نفسي على ما فعلته، فتحت كتابي لعلي أتعلم لغة جديدة تضاف إلى لغة فكري، اقرأ: تنفست بعمق وأغلقتْ الكتاب.. بعد أن قرأت صفحة : يَا وَيْح رُوحِي كَيْفَ كَيْفَ سَرقتْنِي،حَتَّى بِضَمِّ اَلْوَرْدِ كُم ظَلَّلَتْنِي،وَفَتَنَتْنِي.. وَرَسَمَتْنِي ..
              بِالطَّيْفِ قَدْ لَوَّنَتنِي ، يَا بَدْرٌ قَدْ أَشْعَلَتنِي ،شَمْعًا تُقَطَّر فِي فَمِي، فَهَوِيَتْ حَتَّى سَقَتْنِي ، شَوْقًا إِلَيْكَ رَفَعَتنِي ،وَكَتَبَتْنِي بِالزَّهْرِ بِالرَّيْحَانِ ،رَبِيعًا نَهْرَهُ يَجْرِي .. يَرْسُمُ جَدْوَلاً عَذْبًا مُضِيئًا فِي دَمِي
              أَلَذِيذَة ! . . . أَغْرِقِيهُ ! . . . أَبْدُو كَأَنِّي فِي اَلْوُجُودِ شَرِيدَة ،ضَيَّعَتْنِي .. مِنْ شَهِد مَا أَسْقَيَتنِي، أَيْنَ اِتِّجَاهِي !!يُمْنَةً ! . . . لَا بَلْ يَسَارًا ! . . . أَرْبَعِي.. كُلِّيٍّ لَدَيْكَ أَسَرَتْنِي .
              https://www.facebook.com/profile.php...ibextid=uzlsIk

              تعليق

              يعمل...
              X