اَلْفَصْل اَلْأَوَّل
أَبْحَثُ عَنْ اَلْحَمَاسِ اَلَّذِي كَانَ مُتَوَهِّجًا بِدَاخِلِي وَأَنَا عَلَى سُلَّمِ اَلطَّائِرَةِ فَلَا أَجِدُهُ ، تَخْتَنِق قَدَمَايَ ، أَتَقَدَّمُ بِصُعُوبَةٍ ، لَعَلَّهُ اَلْأَلَمُ اَلَّذِي رَأَيْتُهُ عَلَى صَفْحَةِ يَدِي عِنْدَمَا رَفَعَتْهَا فِي تَلْوِيحِهِ وَدَاعٍ وَوَجَدَتْنِي أَوْدَعُ نَفْسِي . . . أَوْ لَعَلَّهَا اَلصُّورَةُ اَلْأَخِيرَةُ لِلنِّسْيَان، لِلنِّسْيَانِ صُورَةَ اَلنَّظْرَةِ اَلْوَاحِدَةِ لَا تَكْفِي ، وَلِلْعَقْلِ عَدَسَةٌ خَاصَّةٌ تَتَأَمَّلُ قَبْلَ أَنْ تَلْتَقِطَ اَلصُّوَر، اِمْتَزَجَ بَعْضُ دَمْعِ بِكُحْلٍ عَلَى تَقَاسِيمِ وَجْهِي أَخْفَاهَا " اَلْخِمَار " . لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أُفَارِقُ بَلَدِي لَأَسْكَنَ عَالِمًا لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْل، إِلَّا مِنْ خِلَالِ مَا يَصْدُر إِلَيْنَا مِنْ إِعْلَامِ عَبْرَ أَفْلَامِ هُولْيُود ، تَحْتَلُّنِي اَلْحَيْرَةُ بَيْنَ حُلْمَيْنِ ؛ حُلْمَ اَلسَّفَرِ إِلَى عَالَم جَدِيد لَا أَعْرِفُهُ ، وَحُلْمَ اَلْبَقَاءِ دَاخِلَ مَشَاعِرِي ، مِنْ يَرَى ظَاهِرِي لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَخَيَّلَ حُزْنِي اَلدَّفِينُ وَجُرْحِي اَلْعَمِيقُ لِوَدَاعِ اَلْوَطَن!
اَلْبَارِحَة مَرَّرَتْ بِشَوَارِعِهِ ، وَعِنْدَمَا رَجَعَتْ لِلْبَيْتِ سُمِعَتْ مَا يُدْمِي اَلْقَلْب ؛ كَانَتْ أمِي تَبْكِي بِحُرْقَةٍ فِي غُرْفَتِهَا ، اَلْآنُ أَرَى صُورَتُهَا وهي بَعِيدَةً.. تَفْصِلُنِي عَنْهَا مَسَافَاتٌ طَوِيلَةٌ ، شَعَرَتْ بِحَرَارَةٍ تَلْسَعُ خَدِّي وَمَذَاقٌ مَالِحٌ فِي أَسْفَلِ جَوْفِي . . . هَكَذَا ذَابَتْ فِي أَتُونِ اَلتَّذَكُّرِ سَاعَاتٍ ، دُونَ أَنْ أَعْلَمَ عَدَدُهَا ، حَتَّى شَعَرَتْ بِالطَّائِرَةِ تَحُطُّ فِي مَطَارِ " هِيثْرُو " ، وَبَعْد إِقْلَاعِهَا مَرَّةً أُخْرَى تَغَيَّرَ بَعْضُ اَلرُّكَّابِ ، وَكَذَلِكَ مَشَاعِرِي ، شَعَرَتْ بِغُرْبَةٍ تَتَعَاظَمُ فِي نَفْسِي . مُتَّكِئًا يَجْلِسُ وَاَلَّدي عَلَى كُرْسِيِّهِ شَارِدًا حَزِينًا ، فِي اَلْخَمْسِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ ، أَبْيَض اَلْوَجْهِ ، مُتَوَسِّطُ اَلْقَامَة، يَعْتَمِرَ شَمَاغَا نَقِيًّا يُزَيِّنُهُ عِقَالٌ أَسْوَد، قَلِيل اَلشَّيْبِ ، فَوْقَ شَارِبِهِ شَامَةً زَادَتْ مِنْ وَسَامَتِهِ ، فِي طَلْعَتِهِ رُجُولَةً وَوَقَار، وَفِي رُوحِهِ شَهَامَةً وَهُدُوءً وَحَنَان ، يُدِيرَ عَيْنَيْهِ فِي أَرْجَاءِ اَلطَّائِرَةِ اَلَّتِي تَمْخُرُ عُبَابَ اَلسَّمَاءِ ، هَمَمْت بِأَنَّ أَحْدَثَهُ وَلَكِنِّي تَرَاجَعَتْ كَيْ لَا أَفْسَدَ تَفْكِيرُهُ ، تَرَكَتْهُ لِتَدَاعِيَاتهَ وَعَدَتْ أَطُوفُ بِذَاكِرَتِي مِنْ جَدِيدٍ . تَهْبِطَ اَلطَّائِرَةُ فِي مَطَارِ أُوهِيرْ اَلدَّوْلِي وَمَعَهَا يَهْبِط إِحْسَاسٌ غَرِيبٌ ، كَأَنَّهُ لِكِيَان يصاحبني لَا أَعْرِفُهُ أَجْهَلُهُ ، والدي يَلْتَقِطُ يَدِي ، يَجْذِبُنِي بِرِفْقِ لِأَهْبِط مَعَهُ . . . أَنْظُرُ تَحْتِيٍّ ، يُثِيرُنِي وُجُودُ صُورَتِي عَلَى بَلَاطِ اَلْمَطَار ، أَتَسَاءَلُ كَيْفَ نَرَى أَنْفُسُنَا وَنَدُوسهَا بِأَقْدَامِنَا هه
كَانَ أَضْخَمَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَصَوَّرْتُهُ ، أَتَنَقَّلُ بِنَظَرِي فِي مَحَالِّ اَلسُّوقِ اَلْحُرَّةِ وَصَالَاتُ اَلتِّرَانْزِيت ، " جَرْسُونَات " يُهَرْوِلُونَ فِي اِزْدِحَامِ اَلْمَطَاعِمِ ، أَلْوَان مِنْ بَشَرٍ وَلُغَاتٍ تَرْكُضُ أو تسير ، أَضْحَكَ بِدَاخِلِي وَأَمْضِي حَيْثُ يُرِيدُ وَاَلَّذِي . صَعِدْنَا سَيَّارَةُ أُجْرَةٍ لِتُقِلّنَا إِلَى شَارِعِ مِيرِيلَانْد ، وَفِي اَلطَّرِيقِ اِتَّصَلَ بِبَعْضِ أَوْلِيَاءِ أُمُورِ طَالِبَاتٍ حَصَلْنَ عَلَى مِنْحَةٍ دِرَاسِيَّةٍ مَعِي ، وَكَانُوا قَدْ سَبَقُونَا إِلَى هُنَا . كَانَ فِي اِسْتِقْبَالِنَا حَمْدَانْ اَلَّذِي تَحَدَّثَ مَعَهُ وَالِدِي ، أَخْذُنَا إِلَى اَلسَّكَنِ اَلْمُؤْمِنِ لِي مَعَ زَمِيلَاتِي اَلْمُبتعثَاتِ ، بَعْدُ أَيَّامٌ سَيُجَهِّزُ وَالِدِي نَفْسَهُ لِلرُّجُوعِ إِلَى أَرْضِ اَلْوَطَنِ ، فَقَدْ تَمَّ اَلِاتِّفَاقُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ اَلْأُمُورِ عَلَى أَنْ يَبْقَى أَحَدُهُمْ لِرِعَايَتِنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ يَتم اَلتَّبَادُلُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَدَارِ اَلسَّنَوَاتِ اَلْقَادِمَةِ . أَمْرِيكَا . . . هَذِهِ اَلسَّاحِرَةِ ، اَلْأُسْطُورَةُ اَلَّتِي طَالَمَا شَبَّهُوهَا لَنَا بِمَدِينَةِ اَلْأَحْلَام. . . وَحْدَهَا اَلْأَحْلَامَ تَعْرِفُ كَيْفَ تَنَامُ بِنَا ، إِنَّهَا حَقًّا كَابُوس مُزْعِجٍ ، أَرَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بُرُودَةِ عَوَاطِفِهِمْ !!
فِي نُفُورِهِمْ اَلدَّائِم مِنْ اِمْرَأَةٍ تَرْتَدِي اَلْحِجَابَ!! أَوْ رَجُلٍ تَوَسَّمَ بِاللِّحْيَةِ ، وَخَاصَّةَ بَعْدَ أَحْدَاثِ " 11 " سِبْتَمْبِرَ ، أَرَاهَا فِيلْمَ رُعْبٍ اِخْتَرَعُوهُ وَجَعَلُوا نِهَايَتَهُ مَفْتُوحَةً ، لَا أَجِدُ شَيْئًا غَرِيبًا سِوَى اَلْفِكْرِ ، لَا أَنْكَرَ اِنْبِهَارِي وَإِعْجَابِي بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ حَدَاثَةٍ وَإِنْ كَانَتْ جَامِدَةً لا روح فيها، عَلَى أَمَلِ أَنْ أَهْضِمَهَا يَوْمًا مَا!! فِي كُلِّ يَوْمٍ أَتَشَبَّثُ بِخُيُوطِ اَلْفَجْرِ لَعَلَّهَا تَحْمِلُ فِي نَسَائِمِهَا بَعْضًا مِنْ اَلسَّعَادَة!!
أَلْمَحَ شَيْئًا مِنْ اَلرَّفْضِ وَتَوَجُّسًا ، أفكارهم اَلْمَحْفُورَةِ عَلَى جُدْرَانِ عُقُولِهِمْ خاطئة . عِدَّةُ شُهُورٍ مَضَتْ وَصُورَةُ سَامي لَا تَزَالُ عَالِقَةً فِي خَيَالِي ، مَوَاعِيد حَمَّامِي اَلْيَوْمِي أَسْمَعَهَا فِي دَقَّاتِ اَلسَّاعَةِ لِتُعْلِنَ أَنَّهَا اَلرَّابِعَةُ مَسَاءً ، فَأَتَذَكَّرُ كُم كَانَ نَبْضُ اَلْهَوَاءِ جَمِيلاً مُعَطَّرًا بِفُقَّاعَاتِ صَابُونٍ فَوَّاحٍ ، أَرْمِي حَقِيبَةُ كُتُبِي وَأَرْكُضُ مُسْرِعَةً كَيْ لَا أُفَوِّت كمراهقة صغيرة اَلْمَشْهَد ، فَمَعَ بِدَايَةِ كُلِّ نَهَارٍ أَشْعُرُ أَنَّ اَلْحَيَاةَ كَطَائِرِ أَضَاعَ بُوصَلَةَ عَقْلِهِ وَيُحْسَبُ أَنَّ اَلتَّحْلِيقَ فِي غُرْفَةٍ مُغْلَقَةٍ هُوَ اَلْفَضَاء، يَتَخَبَّطَ بِجَنَاحَيْهِ فِي جُدْرَانِهَا ، يَتَوَهَّمَ مَلَامِحَ أُفُقِ مُسَافِرِ وَيُرَفْرِفُ ، وَإِذَا جُنَّ اَللَّيْلُ تَتَّشِحُ أَجْنِحَتَهُ بِسَوَادِ اَلْوَحْدَةِ . هَذَا اَلصَّبَاحِ أَتَضَوَّرُ جُوعًا لِصُورَةِ مَدِينَتَيْ " اَلْخَبَر " ، هَبَّتْ رِيَاحُ اَلْبَحْرِ تَفُورُ بِدَاخِلِي ، تَقَلُّبُ أَعْمَاقِي ، لَمْ تَنْتَظِرْ أَنْ أَسْتَعِيدَ أَنْفَاسِي ، مَا أَجْمَلُ نَسِيمْ صَبَاحِهَا "بلدي" اَلْعَبَقِ بِرَائِحَةِ اَلْبَحْرِ ، كَمْ كَانَتْ تُسَاعِدُنِي هَذِهِ اَلصُّوَرِ عَلَى اَلْإِبْحَارِ فِي عُمْقٍ رُوحِيٍّ ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ أَوْقَاتِ عَقْلَانِيَّتَيْن وَجُنُونِيّ . إِنَّهَا اَلسَّابِعَةُ صَبَاحًا ، أَلْتَقِطُ كُتُبُ اَلدِّرَاسَةِ اَلْمُبَعْثَرَةِ فِي أَنْحَاءِ اَلْغُرْفَةِ ، أُهَرْوِلُ بِاتِّجَاهِ اَلشَّارِعِ اَلْمُؤَدِّي إِلَى قَاعَةِ اَلْمُحَاضَرَاتِ ، بَوَّابَةُ اَلدُّخُولِ مُزْدَحِمَةً جِدًّا ، صَدَمَتْ شَابًّا مِنْ اَلْخَلْفِ ، كَانَ اَلتَّدَافُعُ قَوِيًّا ، دَخَلَتْ فِي نَوْبَةٍ مِنْ اَلضَّحِكِ عِنْدَمَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ بِعَيْنَيْهِ مَا أَجْمَلَكَ . . . خَيَّمَ اَلصَّمْتُ ، لَمْ أَدْرِ كَم مِنْ اَلْوَقْتِ مَرَّ بَيْنَ عُيُونِنَا فِي هَذَا اَلسُّكُونِ اَلْمُخْتَلِطِ بِزَحْمَةِ اَلتَّدَافُعِ ، شَفَتَاهُ تَتَحَرَّكَانِ ، أَحَسَّهُمَا قَبْل أَنْ تَنْطِقَا ، أَسْمَعهُمَا قَبْلَ أَنْ تَتَحَرَّكَا . . . - لَعَلَّكِ بِخَيْرٍ . أُومِئُ بِرَأْسِي مَرَّتَيْنِ ، تَتَجَمَّدَ شَفَتَايَ ، لَا أَسْتَطِيعُ اَلنُّطْقُ ، فَيُرَدِّدُهَا مَرَّةٌ أُخْرَى وَأَنَا أَهْمِسُ بِدَاخِلِي . . . يا لهذا اَلْوَسِيمِ . طَلَب مُرَافَقَتِي إِلَى اَلْكَافِتِيرْيَا ، عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ مِنْ اَلْبَوَّابَةِ ، وَافَقَتْ بتَرَدَّدَ ، أَسْتَعِيدُ أَنْفَاسِي بَيْنَمَا أَحْتَسِي كُوبَا مِنْ اَلْقَهْوَةِ ، كَسَيِّدٍ مُهَذَّبٍ جَذْبِ اَلْكُرْسِيِّ وَطَلَبَ مَنِيُّ اَلْجُلُوسِ إِلَى اَلطَّاوِلَةِ . . . جَلْب كُوبَيْنِ مِنْ اَلْقَهْوَةِ وَجَلَسَ فِي مُوَاجَهَتِي تَمَامًا ، شَعَرَتْ بِسُخُونَة تَسْرِي فِي جَسَدِيٍّ ، وَمَعَ أَوَّلُ رَشْفَةٍ ذَابَ جَلِيدُ شَفَتِي . . . سالت مَا اِسْمُكَ ؟ رَدُّ بِسُرْعَةٍ . . . جَانِسانِ ، لَمٌّ أَلْمَحَ شَفَتَيْهِ وَهُمَا تَتَحَرَّكَانِ مِنْ سُرْعَةِ تَوَالِي اَلْحُرُوفِ ، صَمْت قَلِيلاً ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ . . . أَمْرِيكِي مِنْ أُمٍّ لُبْنَانِيَّةٍ ، شَاعِرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَمَعْرُوفَةٌ . . . اِخْتَصَرَتْ اَلْمَسَافَةُ وَقُلْتُ دُونُ تَرَدَّدَ . . . وَأَنَا جلوى . . . تَبَادَلْنَا بَعْضُ اَلْكَلِمَاتِ فَوَجَدْتُهُ يَتَكَلَّم اَلْعَرَبِيَّةَ بِطَلَاقَةٍ - مَا هِيَ دِرَاسَتُكِ ؟ - اَلطِّبُّ اَلنَّفْسِي - وَأَنْتَ ؟ - اَلْهَنْدَسَة! اِقْتَطَعَ وَرَقَةً صَغِيرَةً مِنْ مُذَكِّرَةٍ كَانَتْ فِي جَيْبِهِ ، كَتَبَ عَلَيْهَا شَيْئًا ، وَقَبْل أَنْ أَنْهَى كُوبُ اَلْقَهْوَةِ قَدَّمَهَا لَي، ثُمَّ اِسْتَأْذَنَ وَغَادَرَ
يتبع
أَبْحَثُ عَنْ اَلْحَمَاسِ اَلَّذِي كَانَ مُتَوَهِّجًا بِدَاخِلِي وَأَنَا عَلَى سُلَّمِ اَلطَّائِرَةِ فَلَا أَجِدُهُ ، تَخْتَنِق قَدَمَايَ ، أَتَقَدَّمُ بِصُعُوبَةٍ ، لَعَلَّهُ اَلْأَلَمُ اَلَّذِي رَأَيْتُهُ عَلَى صَفْحَةِ يَدِي عِنْدَمَا رَفَعَتْهَا فِي تَلْوِيحِهِ وَدَاعٍ وَوَجَدَتْنِي أَوْدَعُ نَفْسِي . . . أَوْ لَعَلَّهَا اَلصُّورَةُ اَلْأَخِيرَةُ لِلنِّسْيَان، لِلنِّسْيَانِ صُورَةَ اَلنَّظْرَةِ اَلْوَاحِدَةِ لَا تَكْفِي ، وَلِلْعَقْلِ عَدَسَةٌ خَاصَّةٌ تَتَأَمَّلُ قَبْلَ أَنْ تَلْتَقِطَ اَلصُّوَر، اِمْتَزَجَ بَعْضُ دَمْعِ بِكُحْلٍ عَلَى تَقَاسِيمِ وَجْهِي أَخْفَاهَا " اَلْخِمَار " . لِأَوَّلِ مَرَّةٍ أُفَارِقُ بَلَدِي لَأَسْكَنَ عَالِمًا لَمْ أَرَهُ مِنْ قَبْل، إِلَّا مِنْ خِلَالِ مَا يَصْدُر إِلَيْنَا مِنْ إِعْلَامِ عَبْرَ أَفْلَامِ هُولْيُود ، تَحْتَلُّنِي اَلْحَيْرَةُ بَيْنَ حُلْمَيْنِ ؛ حُلْمَ اَلسَّفَرِ إِلَى عَالَم جَدِيد لَا أَعْرِفُهُ ، وَحُلْمَ اَلْبَقَاءِ دَاخِلَ مَشَاعِرِي ، مِنْ يَرَى ظَاهِرِي لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَتَخَيَّلَ حُزْنِي اَلدَّفِينُ وَجُرْحِي اَلْعَمِيقُ لِوَدَاعِ اَلْوَطَن!
اَلْبَارِحَة مَرَّرَتْ بِشَوَارِعِهِ ، وَعِنْدَمَا رَجَعَتْ لِلْبَيْتِ سُمِعَتْ مَا يُدْمِي اَلْقَلْب ؛ كَانَتْ أمِي تَبْكِي بِحُرْقَةٍ فِي غُرْفَتِهَا ، اَلْآنُ أَرَى صُورَتُهَا وهي بَعِيدَةً.. تَفْصِلُنِي عَنْهَا مَسَافَاتٌ طَوِيلَةٌ ، شَعَرَتْ بِحَرَارَةٍ تَلْسَعُ خَدِّي وَمَذَاقٌ مَالِحٌ فِي أَسْفَلِ جَوْفِي . . . هَكَذَا ذَابَتْ فِي أَتُونِ اَلتَّذَكُّرِ سَاعَاتٍ ، دُونَ أَنْ أَعْلَمَ عَدَدُهَا ، حَتَّى شَعَرَتْ بِالطَّائِرَةِ تَحُطُّ فِي مَطَارِ " هِيثْرُو " ، وَبَعْد إِقْلَاعِهَا مَرَّةً أُخْرَى تَغَيَّرَ بَعْضُ اَلرُّكَّابِ ، وَكَذَلِكَ مَشَاعِرِي ، شَعَرَتْ بِغُرْبَةٍ تَتَعَاظَمُ فِي نَفْسِي . مُتَّكِئًا يَجْلِسُ وَاَلَّدي عَلَى كُرْسِيِّهِ شَارِدًا حَزِينًا ، فِي اَلْخَمْسِينِيَّاتِ مِنْ عُمْرِهِ ، أَبْيَض اَلْوَجْهِ ، مُتَوَسِّطُ اَلْقَامَة، يَعْتَمِرَ شَمَاغَا نَقِيًّا يُزَيِّنُهُ عِقَالٌ أَسْوَد، قَلِيل اَلشَّيْبِ ، فَوْقَ شَارِبِهِ شَامَةً زَادَتْ مِنْ وَسَامَتِهِ ، فِي طَلْعَتِهِ رُجُولَةً وَوَقَار، وَفِي رُوحِهِ شَهَامَةً وَهُدُوءً وَحَنَان ، يُدِيرَ عَيْنَيْهِ فِي أَرْجَاءِ اَلطَّائِرَةِ اَلَّتِي تَمْخُرُ عُبَابَ اَلسَّمَاءِ ، هَمَمْت بِأَنَّ أَحْدَثَهُ وَلَكِنِّي تَرَاجَعَتْ كَيْ لَا أَفْسَدَ تَفْكِيرُهُ ، تَرَكَتْهُ لِتَدَاعِيَاتهَ وَعَدَتْ أَطُوفُ بِذَاكِرَتِي مِنْ جَدِيدٍ . تَهْبِطَ اَلطَّائِرَةُ فِي مَطَارِ أُوهِيرْ اَلدَّوْلِي وَمَعَهَا يَهْبِط إِحْسَاسٌ غَرِيبٌ ، كَأَنَّهُ لِكِيَان يصاحبني لَا أَعْرِفُهُ أَجْهَلُهُ ، والدي يَلْتَقِطُ يَدِي ، يَجْذِبُنِي بِرِفْقِ لِأَهْبِط مَعَهُ . . . أَنْظُرُ تَحْتِيٍّ ، يُثِيرُنِي وُجُودُ صُورَتِي عَلَى بَلَاطِ اَلْمَطَار ، أَتَسَاءَلُ كَيْفَ نَرَى أَنْفُسُنَا وَنَدُوسهَا بِأَقْدَامِنَا هه
كَانَ أَضْخَمَ بِكَثِيرٍ مِمَّا تَصَوَّرْتُهُ ، أَتَنَقَّلُ بِنَظَرِي فِي مَحَالِّ اَلسُّوقِ اَلْحُرَّةِ وَصَالَاتُ اَلتِّرَانْزِيت ، " جَرْسُونَات " يُهَرْوِلُونَ فِي اِزْدِحَامِ اَلْمَطَاعِمِ ، أَلْوَان مِنْ بَشَرٍ وَلُغَاتٍ تَرْكُضُ أو تسير ، أَضْحَكَ بِدَاخِلِي وَأَمْضِي حَيْثُ يُرِيدُ وَاَلَّذِي . صَعِدْنَا سَيَّارَةُ أُجْرَةٍ لِتُقِلّنَا إِلَى شَارِعِ مِيرِيلَانْد ، وَفِي اَلطَّرِيقِ اِتَّصَلَ بِبَعْضِ أَوْلِيَاءِ أُمُورِ طَالِبَاتٍ حَصَلْنَ عَلَى مِنْحَةٍ دِرَاسِيَّةٍ مَعِي ، وَكَانُوا قَدْ سَبَقُونَا إِلَى هُنَا . كَانَ فِي اِسْتِقْبَالِنَا حَمْدَانْ اَلَّذِي تَحَدَّثَ مَعَهُ وَالِدِي ، أَخْذُنَا إِلَى اَلسَّكَنِ اَلْمُؤْمِنِ لِي مَعَ زَمِيلَاتِي اَلْمُبتعثَاتِ ، بَعْدُ أَيَّامٌ سَيُجَهِّزُ وَالِدِي نَفْسَهُ لِلرُّجُوعِ إِلَى أَرْضِ اَلْوَطَنِ ، فَقَدْ تَمَّ اَلِاتِّفَاقُ بَيْنَ أَوْلِيَاءِ اَلْأُمُورِ عَلَى أَنْ يَبْقَى أَحَدُهُمْ لِرِعَايَتِنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ يَتم اَلتَّبَادُلُ بَيْنَهُمْ عَلَى مَدَارِ اَلسَّنَوَاتِ اَلْقَادِمَةِ . أَمْرِيكَا . . . هَذِهِ اَلسَّاحِرَةِ ، اَلْأُسْطُورَةُ اَلَّتِي طَالَمَا شَبَّهُوهَا لَنَا بِمَدِينَةِ اَلْأَحْلَام. . . وَحْدَهَا اَلْأَحْلَامَ تَعْرِفُ كَيْفَ تَنَامُ بِنَا ، إِنَّهَا حَقًّا كَابُوس مُزْعِجٍ ، أَرَاهُ كُلَّ لَيْلَةٍ فِي بُرُودَةِ عَوَاطِفِهِمْ !!
فِي نُفُورِهِمْ اَلدَّائِم مِنْ اِمْرَأَةٍ تَرْتَدِي اَلْحِجَابَ!! أَوْ رَجُلٍ تَوَسَّمَ بِاللِّحْيَةِ ، وَخَاصَّةَ بَعْدَ أَحْدَاثِ " 11 " سِبْتَمْبِرَ ، أَرَاهَا فِيلْمَ رُعْبٍ اِخْتَرَعُوهُ وَجَعَلُوا نِهَايَتَهُ مَفْتُوحَةً ، لَا أَجِدُ شَيْئًا غَرِيبًا سِوَى اَلْفِكْرِ ، لَا أَنْكَرَ اِنْبِهَارِي وَإِعْجَابِي بِكُلِّ مَا فِيهَا مِنْ حَدَاثَةٍ وَإِنْ كَانَتْ جَامِدَةً لا روح فيها، عَلَى أَمَلِ أَنْ أَهْضِمَهَا يَوْمًا مَا!! فِي كُلِّ يَوْمٍ أَتَشَبَّثُ بِخُيُوطِ اَلْفَجْرِ لَعَلَّهَا تَحْمِلُ فِي نَسَائِمِهَا بَعْضًا مِنْ اَلسَّعَادَة!!
أَلْمَحَ شَيْئًا مِنْ اَلرَّفْضِ وَتَوَجُّسًا ، أفكارهم اَلْمَحْفُورَةِ عَلَى جُدْرَانِ عُقُولِهِمْ خاطئة . عِدَّةُ شُهُورٍ مَضَتْ وَصُورَةُ سَامي لَا تَزَالُ عَالِقَةً فِي خَيَالِي ، مَوَاعِيد حَمَّامِي اَلْيَوْمِي أَسْمَعَهَا فِي دَقَّاتِ اَلسَّاعَةِ لِتُعْلِنَ أَنَّهَا اَلرَّابِعَةُ مَسَاءً ، فَأَتَذَكَّرُ كُم كَانَ نَبْضُ اَلْهَوَاءِ جَمِيلاً مُعَطَّرًا بِفُقَّاعَاتِ صَابُونٍ فَوَّاحٍ ، أَرْمِي حَقِيبَةُ كُتُبِي وَأَرْكُضُ مُسْرِعَةً كَيْ لَا أُفَوِّت كمراهقة صغيرة اَلْمَشْهَد ، فَمَعَ بِدَايَةِ كُلِّ نَهَارٍ أَشْعُرُ أَنَّ اَلْحَيَاةَ كَطَائِرِ أَضَاعَ بُوصَلَةَ عَقْلِهِ وَيُحْسَبُ أَنَّ اَلتَّحْلِيقَ فِي غُرْفَةٍ مُغْلَقَةٍ هُوَ اَلْفَضَاء، يَتَخَبَّطَ بِجَنَاحَيْهِ فِي جُدْرَانِهَا ، يَتَوَهَّمَ مَلَامِحَ أُفُقِ مُسَافِرِ وَيُرَفْرِفُ ، وَإِذَا جُنَّ اَللَّيْلُ تَتَّشِحُ أَجْنِحَتَهُ بِسَوَادِ اَلْوَحْدَةِ . هَذَا اَلصَّبَاحِ أَتَضَوَّرُ جُوعًا لِصُورَةِ مَدِينَتَيْ " اَلْخَبَر " ، هَبَّتْ رِيَاحُ اَلْبَحْرِ تَفُورُ بِدَاخِلِي ، تَقَلُّبُ أَعْمَاقِي ، لَمْ تَنْتَظِرْ أَنْ أَسْتَعِيدَ أَنْفَاسِي ، مَا أَجْمَلُ نَسِيمْ صَبَاحِهَا "بلدي" اَلْعَبَقِ بِرَائِحَةِ اَلْبَحْرِ ، كَمْ كَانَتْ تُسَاعِدُنِي هَذِهِ اَلصُّوَرِ عَلَى اَلْإِبْحَارِ فِي عُمْقٍ رُوحِيٍّ ، وَعَلَى مَعْرِفَةِ أَوْقَاتِ عَقْلَانِيَّتَيْن وَجُنُونِيّ . إِنَّهَا اَلسَّابِعَةُ صَبَاحًا ، أَلْتَقِطُ كُتُبُ اَلدِّرَاسَةِ اَلْمُبَعْثَرَةِ فِي أَنْحَاءِ اَلْغُرْفَةِ ، أُهَرْوِلُ بِاتِّجَاهِ اَلشَّارِعِ اَلْمُؤَدِّي إِلَى قَاعَةِ اَلْمُحَاضَرَاتِ ، بَوَّابَةُ اَلدُّخُولِ مُزْدَحِمَةً جِدًّا ، صَدَمَتْ شَابًّا مِنْ اَلْخَلْفِ ، كَانَ اَلتَّدَافُعُ قَوِيًّا ، دَخَلَتْ فِي نَوْبَةٍ مِنْ اَلضَّحِكِ عِنْدَمَا نَظَرَتْ إِلَيْهِ ، كَأَنَّهُ قَالَ بِعَيْنَيْهِ مَا أَجْمَلَكَ . . . خَيَّمَ اَلصَّمْتُ ، لَمْ أَدْرِ كَم مِنْ اَلْوَقْتِ مَرَّ بَيْنَ عُيُونِنَا فِي هَذَا اَلسُّكُونِ اَلْمُخْتَلِطِ بِزَحْمَةِ اَلتَّدَافُعِ ، شَفَتَاهُ تَتَحَرَّكَانِ ، أَحَسَّهُمَا قَبْل أَنْ تَنْطِقَا ، أَسْمَعهُمَا قَبْلَ أَنْ تَتَحَرَّكَا . . . - لَعَلَّكِ بِخَيْرٍ . أُومِئُ بِرَأْسِي مَرَّتَيْنِ ، تَتَجَمَّدَ شَفَتَايَ ، لَا أَسْتَطِيعُ اَلنُّطْقُ ، فَيُرَدِّدُهَا مَرَّةٌ أُخْرَى وَأَنَا أَهْمِسُ بِدَاخِلِي . . . يا لهذا اَلْوَسِيمِ . طَلَب مُرَافَقَتِي إِلَى اَلْكَافِتِيرْيَا ، عَلَى بُعْدِ خُطُوَاتٍ مِنْ اَلْبَوَّابَةِ ، وَافَقَتْ بتَرَدَّدَ ، أَسْتَعِيدُ أَنْفَاسِي بَيْنَمَا أَحْتَسِي كُوبَا مِنْ اَلْقَهْوَةِ ، كَسَيِّدٍ مُهَذَّبٍ جَذْبِ اَلْكُرْسِيِّ وَطَلَبَ مَنِيُّ اَلْجُلُوسِ إِلَى اَلطَّاوِلَةِ . . . جَلْب كُوبَيْنِ مِنْ اَلْقَهْوَةِ وَجَلَسَ فِي مُوَاجَهَتِي تَمَامًا ، شَعَرَتْ بِسُخُونَة تَسْرِي فِي جَسَدِيٍّ ، وَمَعَ أَوَّلُ رَشْفَةٍ ذَابَ جَلِيدُ شَفَتِي . . . سالت مَا اِسْمُكَ ؟ رَدُّ بِسُرْعَةٍ . . . جَانِسانِ ، لَمٌّ أَلْمَحَ شَفَتَيْهِ وَهُمَا تَتَحَرَّكَانِ مِنْ سُرْعَةِ تَوَالِي اَلْحُرُوفِ ، صَمْت قَلِيلاً ثُمَّ قَالَ بِهُدُوءٍ . . . أَمْرِيكِي مِنْ أُمٍّ لُبْنَانِيَّةٍ ، شَاعِرَةٌ مَشْهُورَةٌ وَمَعْرُوفَةٌ . . . اِخْتَصَرَتْ اَلْمَسَافَةُ وَقُلْتُ دُونُ تَرَدَّدَ . . . وَأَنَا جلوى . . . تَبَادَلْنَا بَعْضُ اَلْكَلِمَاتِ فَوَجَدْتُهُ يَتَكَلَّم اَلْعَرَبِيَّةَ بِطَلَاقَةٍ - مَا هِيَ دِرَاسَتُكِ ؟ - اَلطِّبُّ اَلنَّفْسِي - وَأَنْتَ ؟ - اَلْهَنْدَسَة! اِقْتَطَعَ وَرَقَةً صَغِيرَةً مِنْ مُذَكِّرَةٍ كَانَتْ فِي جَيْبِهِ ، كَتَبَ عَلَيْهَا شَيْئًا ، وَقَبْل أَنْ أَنْهَى كُوبُ اَلْقَهْوَةِ قَدَّمَهَا لَي، ثُمَّ اِسْتَأْذَنَ وَغَادَرَ
يتبع
تعليق