الفصل الأول
توقفت المركبةُ العسكرية فجأةً مُحدِثةً جلَبةً مُنكَرة أفزعتْ كلَّ مَن سمعَها. وعلى الرغم من أنَّ كلَّ الجنود فيها كادوا أن يسقطوا، ويتطايروا منها، خاصة أنهم قد ارتطم بعضُهم ببعض، إلا أنهم كانوا يعلمون تمامًا أن مجرد إظهار التأفُّف مما حدث عقوبتُه صارمة. رأوا ذلك بأعينهم في "مركز التهذيب". ومع هذا فليس من رأتْ عيناه كمن صُفِعَت قفاه. ولذا تظاهروا جميعًا بأن شيئًا لم يحدث، وإن صدرت عنهم همهماتٌ أرادوا من ورائها إظهار الثبات واعتياد مثل هذه الأشياء.
- "الرجلُ لا يهتزُّ. الوطنيُّ لا يتأفَّف. الرجولةُ والوطنيةُ يعنيان الانصياعَ التامَّ للأوامر. العصيانُ هو الخيانةُ بعينها".
هكذا كان العَرِّيف (جَمْشَع) يردِّدُ دائمًا. كان يرى نفسَه (وانسو) عظيمًا، بينما لم يكن في حقيقة الأمر سوى (سانبيونغًا) حقيرًا. كان يختال في طابور الصباح كالديك ليلةَ عُرسه، وهو يتخيل دجاجتَه البائسة وقد انحشرت في ركن الحجرة، ولا مفرَّ لها من براثنه ونزعاته الساديَّة. فيعلو صوتُه بهذه العبارات البائسة التي أصبحت محفورةً في عقول الجنود وقلوبهم وأرواحهم من كثرة ما سمعوها. حتى أن منهم من كان ينام فيرى جَمْشَع في منامه يرفع عقيرتَه بهذه الكلمات، فيقوم مفزوعًا يتصبب عرقًا كالفَرْخِ المبلَّل وهو يردِّدُها مثله. ولم تكن هذه الكوابيس ولا بلل الفراش أشياء غير معهودةٍ في عنابر الجند.
ويعلم أهلُ الحارة -حيث توقفت المركبةُ- أنَّ التلفظ بكلمة واحدة على سبيل الاعتراض، أو الامتعاض، أو إبداء الاستياء من ذلك الإزعاج الوقح غيرِ المبرر سيكون مصيرُ المتكلم بها هو الاختفاءَ التام من "سِجِلَّاتِ الحارة". وما أدراك ما تلك السجلات؟! أحياء وأموات، رموز وإشارات، ترفع أقوامًا وتضع آخرين.
الأمر إذَنْ خطير. ولذا لم يكن أحدٌ ليجرؤَ أن يسألَ عن مصير من يأتي الجنودُ لأخذه، حتى ولو كانوا أهله. لم يكنِ الخوفُ من المصير المجهول فحسب هو الذي يُلْجِمُ ألسنتَهم، بل الجبنُ. أَلْبَسَهُمُ الجبنُ ثوبَ المذلة، فأصبحوا كالمطيَّة لا تَرُدُّ راكبًا، أو كالعاهرِ لا تَمْتَنِعُ من يَدِ مُتَحَرِّشِ.
مجردُ السؤال جريمةٌ أخرى. هي جريمةُ خيانة للوطن. الوطنُ يأخذُ مَن يشاء، ويتركُ من يشاء. يخفي من يشاء، ويعيد من يشاء. كلنا تحت حذاءِ الوطن -أو بيادته- سواء.
وقبل الوطن، وفوق الوطن هناك القائد الأعظم "إل سيلغيلون" المحفوف اسمه بهالات الرفعة والحكمة والهيبة والجلال. إنْ سوَّلتْ لك نفسُك السؤالَ عمن يختفون، يذهبون فلا يرجعون، فهذه جريمةٌ في حقِّه. نعم، في حقِّه شخصيًّا. اخْفِض بصرَك، وأَحْنِ رأسَك، وليملأ الطينُ فمَك، ولا مانعَ أن تُبْدِيَ تلذُّذًا به. إذَن، لا صوتَ يعلو فوقَ صوتِ المركبة، ولا رأسَ يعلو فوق نعل البيادة.
وكان السائق (غـوك) يعلم هذا جيدًا. الكلُّ يعيش في رعبٍ، وترقُّب، بمن فيهم هو ذاتُه. جنديٌّ بائس، مجرد رقم في دفتر، أو "نِمْرة" كما يحلو للقادة أن ينادوا الجنود. وشتَّان بين الرقم والنِّمرة. بلغ من احتقار رؤسائه له أنهم لا يذكرون اسمَه، بل ينادونه في كلِّ مرةٍ باسمٍ مختلفٍ. هذا إن عاملوه برفق. أما غالب الأمر فكانوا ينادونه بألفاظِ السبِّ والشتم المحفوظةِ والمنحولة. لكن البزَّة العسكرية تزيدُ من الرهبة في نفوس العامِّة. لذا لم يكن يؤرِّقُه في مثل هذه الزياراتِ أن يعترضَ أحدٌ على طريقته في قيادة مركبة "جيش الشعب" العتيقة، ولا على طريقة دعسِه المفاجئ لمكابحها. بل لو صدم بمركبته أحدًا، فللمصدوم أن يفخرَ بأن البركةَ قد حلَّت عليه إلى سابع جدِّ، وإن حُلَّتْ مفاصلُه، وتكسَّرت عظامه. وإن اعترض المصدومُ فسيكفي ضربُ القفا لينسيَه الهموم، وسيطفئُ لهيبُ الصفع كلَّ شعور بجرح الكرامة. ومن ثم كان أهل الحارة يتظاهرون بالانشغال، فيشيحون بأبصارهم، ويبالغون في إحناء رؤوسَهم كلما أتت المركَبةُ، وكأنهم لا يرونها، وأما حُماة الحِمى من الجنودُ البواسل فيتظاهرون بعدم الاكتراث؛ لأن هذا في أعراف الجندية دليلُ قوةٍ وثباتٍ وجَلَدٍ.
"الرجلُ لا يهتزُّ. الوطنيُّ لا يتأفَّف." لقد حفظوا هذا جيدًا.
هُرعِ َالجنودُ من المركبة إلى رأس الحارة. ووقفوا وقفةَ نظامٍ في انتظار سماعِ الأوامر. هم يعرفون بكل تأكيد ما سيُقال، وما عليهم أن يفعلوه. فقد سمعوها مئات المرات. ولكنَّ الضبطَ والربطَ يستلزمان الانتظار حتى يعطيَهم قائدُ المجموعة إشارةَ البدء، إشارةَ الهجوم والاكتساح والاجتياح. ولم يطل انتظارُهم كثيرًا، فانطلقوا من بيت إلى بيت لأداء تلك المهمة التي يحفظون تفاصيلَها عن ظهرِ قلب.
طارت الأخبارُ كعادتها إلى جميع أرجاء الحارة كالنَّارِ في القشِّ اليابس. علا صوتُ الهمس.
- وصلتْ خفافيشُ النهار.
- على مَنِ الدَّوْرُ اليومَ؟
- سنعلمُ بعد قليل.
- لعنةُ اللهِ عليهم.
- اسكتْ، لا يسمعوك. ستصبحُ ساعتَها في خبر كان.
- وفي أيِّ خبرٍ نحن الآن؟
- هل هذا وقتُ دروسِ الأستاذ قمحاوي يا سيبويهِ زمانِك؟!
في بيتٍ كالحٍ في زقاق (شَقِّ العقرب) متفرعٍ من حارة (البجايا)، كان (أوليساغا) واقفًا أمام أمِّه، وهي راقدةٌ على ما تسميه "فراشَ مرضِها الأخير". كانت قد بدأتْ -للمرة الأَلْف- تتمارضُ منذ بضعة أيام مضت. وكانت تلك طريقتَها في تجنُّب رعايتها لشؤون بيتها. وصلتْها الأخبارُ سريعًا. كانت تنتظرُ هذا اليوم بفارغ الصبر؛ فقد سأمتْ من تربية ابنها، وطولِ مصاحبته لها.
كان المحروس يلتصقُ بها كالبنت التي تخاف من ظلِّها. فكانت تأخذه معها أينما ذهبت، وخاصة في زياراتها لبيوت صديقاتها اللآئي لم تكن بينهن واحدةٌ حسنة السمعة. فنشأ أوليساغا متكسِّرًا في مشيته، مُتخنِّـثًا في طباعِه، رقيعًا في تصرفاته، مُعْوَجًّا في فكرِهِ، منفلتًا في أخلاقِه، يكتنف سلوكَه الترددُ، والميل للكيد في ضِعةٍ وذِلَّة. حتى حديثه الأخرق كان يشبه حديثَ الساقطات قليلات التعليم. وكم كان هذا مثار سخرية كل مَنْ حوله!
وكان فوق ذلك أشبهَ بالمسخ، فهو في حجمِ ثورٍ صغير، طولُه مثلُ عَرضِه، نَبَتَ له شاربٌ ولحيةٌ خَشِنَيْن مع بداية سِنِـيِّ مراهقته، لكن طباعَه النسوية أَبَتْ عليه الاحتفاظَ بهما من جانب، ومنعَه طموحُ أسرته البائسة في التحاقه بالعسكر حين يكبُر من أن يفكرَ مجرد تفكير في تركهما طليقيْن من جانب آخر. فالعسكر لا يحبُّون اللحى. والحقيقة أن هذا لم يكن يخطر له ببال ابتداءً. لم تحاول الأسرة أن تجعل منه رجلاً، لكنه بطبيعة المولد لم يكن ليتحولَ بين ليلةٍ وضحاها من ذكرٍ إلى أنثى، وخاصة أن ملامحه كانت لتفضحَه إن حاول ذلك.
خاطبتْ (ماليخا) المتمارضةُ ابنَها أوليساغا بنبرةٍ واهنة، وقد بدا عليها من براعتِها أنَّ المرضَ أنهكها. سَعَلَتْ وزَفَرَت، ثم تماسكتْ لتعطيَه دفعةً من القوة الزائفة. قالت:
- أوليساغا، ولدِي. اقتربْ مِنِّي. لَعَلِّي دلَّلْتُك زيادة.كنت أَحُثُّ أباك على أن يجلدَك بالحزام أكثر من خمِس مرات في الأسبوع. لكنه كان مشغولًا. كان الآباء الآخرون من جيراننا يجلدون أبناءَهم كلَّ يوم، ومنهم من كان يفعلُ هذا مرتين أو ثلاثًا في اليوم الواحد. لا أشكُّ أنَّ أبناءَهم سيصبحون ضباطًا كبارًا. أما أنت فلا تتقدمُ خطوةً حتى تتراجعَ خطوات. هو الدلعُ الزائد لا محالة. لكنَّ عزائي أنك نشأتَ بطئ الفهم، بطئ التصرف، واسع الخطوة إلى الحماقة رغم قِصَر قامتِك، طائشًا، أرعنًا في بلاهة لا تُحمَدُ في أقرانك. وهذه كلها صفاتٌ تؤهلك للحاق بركب من سبقوك.
لم يبد على وجه أوليساغا أيُّ علامات تُنبيءُ عن فهمِه لكلامِ أمِّه. أما هي فلم تهتم، ومن ثم واصلتْ حديثَها:
- لقد أَتَتْ مركبةُ الخفافيش، وظنِّـي أنَّ اليومَ يومُك، فلم يعد في الحارة كلِّها إلا عددٌ قليل من الشباب في سنِّك. وأراهم سيأخذونك اليومَ لتلتحقَ بمركز التهذيب. ستتعلمُ هناك أشياءَ لم تتعلمْ مثلَها من قبل، ولن تتعلمَها في مكان آخر. وكلِّي ثقة أنك ستبلي بلاءً حسنًا. كن لهم مطيعًا يا بنيَّ. افعل كلَّ ما يأمرونك به، كلَّ شيء، مهما فعلوا بك، ومهما كان ما يأمرون. وافعله بفخر. لا تعترضْ أو تجادل أو تردَّ مهما قيل لك؛ هذا هو طوقُ نجاتِك، وسيكون شأنُك بينهم عظيمًا.
ردَّ أوليساغا متأفِّفًا:
- لكني يا أمي، لا أريدُ الذهاب. أريد البقاءَ معك. أريد العملَ في جمع الروبابكيا مثل أبي.
ردَّت ماليخا بنبرةٍ حادة:
- لا وقتَ لهذا الكلام. اسمع كلامَ أمِّك.
ثم أردفت ْبوهن:
- أنا مريضةٌ، فلا تتعبني معك. اذهب واستعد.
قال متحيِّرًا: أستعدّ؟ كيف؟
أجابت في ترددٍ واضح:
- نعم، كيف؟ اذهب فتَنَظَّف. لا أدري كيف تطيقُ رائحتَك! على الأقل اغسل وجهَك ببعض الماء، وانتظر. اترك البابَ مفتوحًا ... حتى لا يركلَه الخفافيش.
- إني جائعٌ، وليس عندنا في الثلاجة سوى الماء.
- اشكر ربَّك أنَّ لدينا ثلاجة. لا طعامَ بالبيت. لكن لا بأس، سيطعمونك في المركز.
انصرف أوليساغا في تخاذلٍ وقد طأطأ رأسَه وأذنيْه، وبقيت ماليخا تنتظر وقد سحبتْ من تحت وسادتها آخرَ سيجارة لديها. أشعلتْها وهي تعسل كالموتور المعطوب. وما هي إلا دقائق معدودة حتى سمعت دبيبَ الجنود على الدَّرَج، وخرقت آذانَها صيحاتُهم. وقبل أن تُخرج نَفَسَ السيجارة الثاني، كانت مجموعةٌ من الجنود قد اقتحمت عليها الغرفةَ.
صرخ أحدُهم:
- باسم القائدِ الأعظم، حامي جيش الشعب ...
وقبل أن يتمَّ كلامَه، أشارت ماليخا إلى دورة المياه، فانطلق جنديُّ كالسهم إلى حيث أشارت، وعاد وهو يمسك أوليساغا بثوبه الرَّث من قفاه، وقد صعد سروالُه إلى صدره، وبدا أمامهم كالفأر المذعور سقط في سطل ماء آسِن.
دخل ضابطٌ شاب برتبة (غونْيِي) في عجرفة وقحة، فوقف الجنود وقفةَ انتباه. كان اسمه (يونغسُن)، لكن لم يكن له من اسمه نصيب، فالشجاعة والاحترام الَّذَيْن يحملانهما اسمه كانا أبعد الصفات عنه. بدا اللؤم على وجهه، وهو يصيح بصورة ميكانيكية:
جاءت الإجابةُ بصوت مرتجف:
وقعتِ الكلماتُ كالصاعقةِ على أذنيِّ يونغسُن، فصرخَ في غضبٍ:
ردَّ أوليساغا مرتعدًا:
وقبل أن يكملَ كلامَه كانت كفُّ الجندي (سونغوهانِن) تُلهب قفاه، فَأَحْنَتْهُ من وسطه أمام الضابط يونغسُن حتى كادت رأسُه أن تمسَّ أطرافُ قدميه الحافيتين، فبدا كأنه يركع اعتذرًا عن هذا الخطأ الفاحش.
ولم يَبدُ على ماليخا أيُّ تأثُّرٍ بما يحدث؛ كانت ترى أن هذا هو جيشُ الخلاص بالنسبة لها. لقد خدمَتْ هي نفسُها أيام شبابها في جيش (الموشائيِّين)، أيام كان العداءُ مستعرًا مع سِيرِيكِيستان، لكنها انتقلت إلى بلد أعدائها القدامى حين راقتْ لها فكرةُ النوم في أحضانِ العدو، والتمرغ في عهر الخيانة، وتمكنت من تغيير اسمها وجنسيتها في تلك الفترة التي اختلطت فيها الأوراقُ النقدية وذِمَمَ العسكر الحاكم. كان الفسادُ هو عنوان المرحلة، والأبوابُ مُشْرَعةٌ لمن تدفع بمالها أو بجسدها. ولم تكن هي من النوع الذي يفرِّطُ في المال بسهولة.
كان زوجها (شولانْـمَي) يجمعُ بين العملِ في العطارة، والمتاجرةِ في مخلفات الجيش، ولم يكن له ولاءٌ لشيء سوى المال، ولا مَيْلٌ إلا للنساء سيئات السمعة. وكم جرَّبَ معهن وفي نفسِه وصْفاتِه الطبية، وخلطاتِه الإبليسية التي ما أنزل أيُّ قائدٍ أعلى بها من سلطان. وإذا كانت مرآةُ الحب عمياءَ، فإنَّ مرآةَ الشبق الرخيصِ أشدُّ عمًى. لكن لم تمر سنواتٌ طويلة، حتى تغيرت الأحوالُ، ونَفِدَ المالُ، وبقي القردان على حالهما وقد ذهب جمال الأولى ولم يبق إلا تبذُّلها، وفَنِـيَ مالُ الثاني ولم يبق إلا دناءةُ أخلاقه، فتحوَّل إلى الاتجار في الروبابكيا.
قال الضابط:
لم يدْرِ أوليساغا أيردُّ أم لا. فعاجله سونغوهانِن بصفعة أخرى قطعت عليه تردُّدَه، وأخرجته عن صمتِه، فأجاب من فوره:
لم يتردد سونغوهانِن في صفع قفاه مرةً ثالثة. فالرد على الضابط لا يكون إلا بكلمة واحدة.
قال الضابط يونغسُن، وهو يقهقه كالدبِّ بصوت غليظ:
ثم نظر إلى ماليخا متفرِّسًا، وصرخ في الجنود:
- سألحق بكم.
سحب الجنودُ أوليساغا إلى الخارج، ونزلوا الدَّرَجَ في عنفِهم المعتاد، بينما تخلَّفَ يونغسُن بعضَ الوقت.
وضعت ماليخا السيجارةَ جانبًا، ثم التفتت مبتسمةً لضيفها الشاب ابتسامةً يعرفُ كلاهما مغزاها حقَّ المعرفة؛ فقد كانت سمعتُها تسبقُها، ولم يكن يونغسُن ليفوِّت هذه الفرصة.
توقفت المركبةُ العسكرية فجأةً مُحدِثةً جلَبةً مُنكَرة أفزعتْ كلَّ مَن سمعَها. وعلى الرغم من أنَّ كلَّ الجنود فيها كادوا أن يسقطوا، ويتطايروا منها، خاصة أنهم قد ارتطم بعضُهم ببعض، إلا أنهم كانوا يعلمون تمامًا أن مجرد إظهار التأفُّف مما حدث عقوبتُه صارمة. رأوا ذلك بأعينهم في "مركز التهذيب". ومع هذا فليس من رأتْ عيناه كمن صُفِعَت قفاه. ولذا تظاهروا جميعًا بأن شيئًا لم يحدث، وإن صدرت عنهم همهماتٌ أرادوا من ورائها إظهار الثبات واعتياد مثل هذه الأشياء.
- "الرجلُ لا يهتزُّ. الوطنيُّ لا يتأفَّف. الرجولةُ والوطنيةُ يعنيان الانصياعَ التامَّ للأوامر. العصيانُ هو الخيانةُ بعينها".
هكذا كان العَرِّيف (جَمْشَع) يردِّدُ دائمًا. كان يرى نفسَه (وانسو) عظيمًا، بينما لم يكن في حقيقة الأمر سوى (سانبيونغًا) حقيرًا. كان يختال في طابور الصباح كالديك ليلةَ عُرسه، وهو يتخيل دجاجتَه البائسة وقد انحشرت في ركن الحجرة، ولا مفرَّ لها من براثنه ونزعاته الساديَّة. فيعلو صوتُه بهذه العبارات البائسة التي أصبحت محفورةً في عقول الجنود وقلوبهم وأرواحهم من كثرة ما سمعوها. حتى أن منهم من كان ينام فيرى جَمْشَع في منامه يرفع عقيرتَه بهذه الكلمات، فيقوم مفزوعًا يتصبب عرقًا كالفَرْخِ المبلَّل وهو يردِّدُها مثله. ولم تكن هذه الكوابيس ولا بلل الفراش أشياء غير معهودةٍ في عنابر الجند.
ويعلم أهلُ الحارة -حيث توقفت المركبةُ- أنَّ التلفظ بكلمة واحدة على سبيل الاعتراض، أو الامتعاض، أو إبداء الاستياء من ذلك الإزعاج الوقح غيرِ المبرر سيكون مصيرُ المتكلم بها هو الاختفاءَ التام من "سِجِلَّاتِ الحارة". وما أدراك ما تلك السجلات؟! أحياء وأموات، رموز وإشارات، ترفع أقوامًا وتضع آخرين.
الأمر إذَنْ خطير. ولذا لم يكن أحدٌ ليجرؤَ أن يسألَ عن مصير من يأتي الجنودُ لأخذه، حتى ولو كانوا أهله. لم يكنِ الخوفُ من المصير المجهول فحسب هو الذي يُلْجِمُ ألسنتَهم، بل الجبنُ. أَلْبَسَهُمُ الجبنُ ثوبَ المذلة، فأصبحوا كالمطيَّة لا تَرُدُّ راكبًا، أو كالعاهرِ لا تَمْتَنِعُ من يَدِ مُتَحَرِّشِ.
مجردُ السؤال جريمةٌ أخرى. هي جريمةُ خيانة للوطن. الوطنُ يأخذُ مَن يشاء، ويتركُ من يشاء. يخفي من يشاء، ويعيد من يشاء. كلنا تحت حذاءِ الوطن -أو بيادته- سواء.
وقبل الوطن، وفوق الوطن هناك القائد الأعظم "إل سيلغيلون" المحفوف اسمه بهالات الرفعة والحكمة والهيبة والجلال. إنْ سوَّلتْ لك نفسُك السؤالَ عمن يختفون، يذهبون فلا يرجعون، فهذه جريمةٌ في حقِّه. نعم، في حقِّه شخصيًّا. اخْفِض بصرَك، وأَحْنِ رأسَك، وليملأ الطينُ فمَك، ولا مانعَ أن تُبْدِيَ تلذُّذًا به. إذَن، لا صوتَ يعلو فوقَ صوتِ المركبة، ولا رأسَ يعلو فوق نعل البيادة.
وكان السائق (غـوك) يعلم هذا جيدًا. الكلُّ يعيش في رعبٍ، وترقُّب، بمن فيهم هو ذاتُه. جنديٌّ بائس، مجرد رقم في دفتر، أو "نِمْرة" كما يحلو للقادة أن ينادوا الجنود. وشتَّان بين الرقم والنِّمرة. بلغ من احتقار رؤسائه له أنهم لا يذكرون اسمَه، بل ينادونه في كلِّ مرةٍ باسمٍ مختلفٍ. هذا إن عاملوه برفق. أما غالب الأمر فكانوا ينادونه بألفاظِ السبِّ والشتم المحفوظةِ والمنحولة. لكن البزَّة العسكرية تزيدُ من الرهبة في نفوس العامِّة. لذا لم يكن يؤرِّقُه في مثل هذه الزياراتِ أن يعترضَ أحدٌ على طريقته في قيادة مركبة "جيش الشعب" العتيقة، ولا على طريقة دعسِه المفاجئ لمكابحها. بل لو صدم بمركبته أحدًا، فللمصدوم أن يفخرَ بأن البركةَ قد حلَّت عليه إلى سابع جدِّ، وإن حُلَّتْ مفاصلُه، وتكسَّرت عظامه. وإن اعترض المصدومُ فسيكفي ضربُ القفا لينسيَه الهموم، وسيطفئُ لهيبُ الصفع كلَّ شعور بجرح الكرامة. ومن ثم كان أهل الحارة يتظاهرون بالانشغال، فيشيحون بأبصارهم، ويبالغون في إحناء رؤوسَهم كلما أتت المركَبةُ، وكأنهم لا يرونها، وأما حُماة الحِمى من الجنودُ البواسل فيتظاهرون بعدم الاكتراث؛ لأن هذا في أعراف الجندية دليلُ قوةٍ وثباتٍ وجَلَدٍ.
"الرجلُ لا يهتزُّ. الوطنيُّ لا يتأفَّف." لقد حفظوا هذا جيدًا.
هُرعِ َالجنودُ من المركبة إلى رأس الحارة. ووقفوا وقفةَ نظامٍ في انتظار سماعِ الأوامر. هم يعرفون بكل تأكيد ما سيُقال، وما عليهم أن يفعلوه. فقد سمعوها مئات المرات. ولكنَّ الضبطَ والربطَ يستلزمان الانتظار حتى يعطيَهم قائدُ المجموعة إشارةَ البدء، إشارةَ الهجوم والاكتساح والاجتياح. ولم يطل انتظارُهم كثيرًا، فانطلقوا من بيت إلى بيت لأداء تلك المهمة التي يحفظون تفاصيلَها عن ظهرِ قلب.
طارت الأخبارُ كعادتها إلى جميع أرجاء الحارة كالنَّارِ في القشِّ اليابس. علا صوتُ الهمس.
- وصلتْ خفافيشُ النهار.
- على مَنِ الدَّوْرُ اليومَ؟
- سنعلمُ بعد قليل.
- لعنةُ اللهِ عليهم.
- اسكتْ، لا يسمعوك. ستصبحُ ساعتَها في خبر كان.
- وفي أيِّ خبرٍ نحن الآن؟
- هل هذا وقتُ دروسِ الأستاذ قمحاوي يا سيبويهِ زمانِك؟!
في بيتٍ كالحٍ في زقاق (شَقِّ العقرب) متفرعٍ من حارة (البجايا)، كان (أوليساغا) واقفًا أمام أمِّه، وهي راقدةٌ على ما تسميه "فراشَ مرضِها الأخير". كانت قد بدأتْ -للمرة الأَلْف- تتمارضُ منذ بضعة أيام مضت. وكانت تلك طريقتَها في تجنُّب رعايتها لشؤون بيتها. وصلتْها الأخبارُ سريعًا. كانت تنتظرُ هذا اليوم بفارغ الصبر؛ فقد سأمتْ من تربية ابنها، وطولِ مصاحبته لها.
كان المحروس يلتصقُ بها كالبنت التي تخاف من ظلِّها. فكانت تأخذه معها أينما ذهبت، وخاصة في زياراتها لبيوت صديقاتها اللآئي لم تكن بينهن واحدةٌ حسنة السمعة. فنشأ أوليساغا متكسِّرًا في مشيته، مُتخنِّـثًا في طباعِه، رقيعًا في تصرفاته، مُعْوَجًّا في فكرِهِ، منفلتًا في أخلاقِه، يكتنف سلوكَه الترددُ، والميل للكيد في ضِعةٍ وذِلَّة. حتى حديثه الأخرق كان يشبه حديثَ الساقطات قليلات التعليم. وكم كان هذا مثار سخرية كل مَنْ حوله!
وكان فوق ذلك أشبهَ بالمسخ، فهو في حجمِ ثورٍ صغير، طولُه مثلُ عَرضِه، نَبَتَ له شاربٌ ولحيةٌ خَشِنَيْن مع بداية سِنِـيِّ مراهقته، لكن طباعَه النسوية أَبَتْ عليه الاحتفاظَ بهما من جانب، ومنعَه طموحُ أسرته البائسة في التحاقه بالعسكر حين يكبُر من أن يفكرَ مجرد تفكير في تركهما طليقيْن من جانب آخر. فالعسكر لا يحبُّون اللحى. والحقيقة أن هذا لم يكن يخطر له ببال ابتداءً. لم تحاول الأسرة أن تجعل منه رجلاً، لكنه بطبيعة المولد لم يكن ليتحولَ بين ليلةٍ وضحاها من ذكرٍ إلى أنثى، وخاصة أن ملامحه كانت لتفضحَه إن حاول ذلك.
خاطبتْ (ماليخا) المتمارضةُ ابنَها أوليساغا بنبرةٍ واهنة، وقد بدا عليها من براعتِها أنَّ المرضَ أنهكها. سَعَلَتْ وزَفَرَت، ثم تماسكتْ لتعطيَه دفعةً من القوة الزائفة. قالت:
- أوليساغا، ولدِي. اقتربْ مِنِّي. لَعَلِّي دلَّلْتُك زيادة.كنت أَحُثُّ أباك على أن يجلدَك بالحزام أكثر من خمِس مرات في الأسبوع. لكنه كان مشغولًا. كان الآباء الآخرون من جيراننا يجلدون أبناءَهم كلَّ يوم، ومنهم من كان يفعلُ هذا مرتين أو ثلاثًا في اليوم الواحد. لا أشكُّ أنَّ أبناءَهم سيصبحون ضباطًا كبارًا. أما أنت فلا تتقدمُ خطوةً حتى تتراجعَ خطوات. هو الدلعُ الزائد لا محالة. لكنَّ عزائي أنك نشأتَ بطئ الفهم، بطئ التصرف، واسع الخطوة إلى الحماقة رغم قِصَر قامتِك، طائشًا، أرعنًا في بلاهة لا تُحمَدُ في أقرانك. وهذه كلها صفاتٌ تؤهلك للحاق بركب من سبقوك.
لم يبد على وجه أوليساغا أيُّ علامات تُنبيءُ عن فهمِه لكلامِ أمِّه. أما هي فلم تهتم، ومن ثم واصلتْ حديثَها:
- لقد أَتَتْ مركبةُ الخفافيش، وظنِّـي أنَّ اليومَ يومُك، فلم يعد في الحارة كلِّها إلا عددٌ قليل من الشباب في سنِّك. وأراهم سيأخذونك اليومَ لتلتحقَ بمركز التهذيب. ستتعلمُ هناك أشياءَ لم تتعلمْ مثلَها من قبل، ولن تتعلمَها في مكان آخر. وكلِّي ثقة أنك ستبلي بلاءً حسنًا. كن لهم مطيعًا يا بنيَّ. افعل كلَّ ما يأمرونك به، كلَّ شيء، مهما فعلوا بك، ومهما كان ما يأمرون. وافعله بفخر. لا تعترضْ أو تجادل أو تردَّ مهما قيل لك؛ هذا هو طوقُ نجاتِك، وسيكون شأنُك بينهم عظيمًا.
ردَّ أوليساغا متأفِّفًا:
- لكني يا أمي، لا أريدُ الذهاب. أريد البقاءَ معك. أريد العملَ في جمع الروبابكيا مثل أبي.
ردَّت ماليخا بنبرةٍ حادة:
- لا وقتَ لهذا الكلام. اسمع كلامَ أمِّك.
ثم أردفت ْبوهن:
- أنا مريضةٌ، فلا تتعبني معك. اذهب واستعد.
قال متحيِّرًا: أستعدّ؟ كيف؟
أجابت في ترددٍ واضح:
- نعم، كيف؟ اذهب فتَنَظَّف. لا أدري كيف تطيقُ رائحتَك! على الأقل اغسل وجهَك ببعض الماء، وانتظر. اترك البابَ مفتوحًا ... حتى لا يركلَه الخفافيش.
- إني جائعٌ، وليس عندنا في الثلاجة سوى الماء.
- اشكر ربَّك أنَّ لدينا ثلاجة. لا طعامَ بالبيت. لكن لا بأس، سيطعمونك في المركز.
انصرف أوليساغا في تخاذلٍ وقد طأطأ رأسَه وأذنيْه، وبقيت ماليخا تنتظر وقد سحبتْ من تحت وسادتها آخرَ سيجارة لديها. أشعلتْها وهي تعسل كالموتور المعطوب. وما هي إلا دقائق معدودة حتى سمعت دبيبَ الجنود على الدَّرَج، وخرقت آذانَها صيحاتُهم. وقبل أن تُخرج نَفَسَ السيجارة الثاني، كانت مجموعةٌ من الجنود قد اقتحمت عليها الغرفةَ.
صرخ أحدُهم:
- باسم القائدِ الأعظم، حامي جيش الشعب ...
وقبل أن يتمَّ كلامَه، أشارت ماليخا إلى دورة المياه، فانطلق جنديُّ كالسهم إلى حيث أشارت، وعاد وهو يمسك أوليساغا بثوبه الرَّث من قفاه، وقد صعد سروالُه إلى صدره، وبدا أمامهم كالفأر المذعور سقط في سطل ماء آسِن.
دخل ضابطٌ شاب برتبة (غونْيِي) في عجرفة وقحة، فوقف الجنود وقفةَ انتباه. كان اسمه (يونغسُن)، لكن لم يكن له من اسمه نصيب، فالشجاعة والاحترام الَّذَيْن يحملانهما اسمه كانا أبعد الصفات عنه. بدا اللؤم على وجهه، وهو يصيح بصورة ميكانيكية:
- أين الغلام؟ حان وقتُ التحاقه بخدمة القائد الأعظم، حامي جيش الشعب.
جاءت الإجابةُ بصوت مرتجف:
- أنا هنا يا سيدى.
وقعتِ الكلماتُ كالصاعقةِ على أذنيِّ يونغسُن، فصرخَ في غضبٍ:
- من ذا الذي يتكلمُ دون إذني؟
ردَّ أوليساغا مرتعدًا:
- أنا يا سَـــيِّــــ ..
وقبل أن يكملَ كلامَه كانت كفُّ الجندي (سونغوهانِن) تُلهب قفاه، فَأَحْنَتْهُ من وسطه أمام الضابط يونغسُن حتى كادت رأسُه أن تمسَّ أطرافُ قدميه الحافيتين، فبدا كأنه يركع اعتذرًا عن هذا الخطأ الفاحش.
ولم يَبدُ على ماليخا أيُّ تأثُّرٍ بما يحدث؛ كانت ترى أن هذا هو جيشُ الخلاص بالنسبة لها. لقد خدمَتْ هي نفسُها أيام شبابها في جيش (الموشائيِّين)، أيام كان العداءُ مستعرًا مع سِيرِيكِيستان، لكنها انتقلت إلى بلد أعدائها القدامى حين راقتْ لها فكرةُ النوم في أحضانِ العدو، والتمرغ في عهر الخيانة، وتمكنت من تغيير اسمها وجنسيتها في تلك الفترة التي اختلطت فيها الأوراقُ النقدية وذِمَمَ العسكر الحاكم. كان الفسادُ هو عنوان المرحلة، والأبوابُ مُشْرَعةٌ لمن تدفع بمالها أو بجسدها. ولم تكن هي من النوع الذي يفرِّطُ في المال بسهولة.
كان زوجها (شولانْـمَي) يجمعُ بين العملِ في العطارة، والمتاجرةِ في مخلفات الجيش، ولم يكن له ولاءٌ لشيء سوى المال، ولا مَيْلٌ إلا للنساء سيئات السمعة. وكم جرَّبَ معهن وفي نفسِه وصْفاتِه الطبية، وخلطاتِه الإبليسية التي ما أنزل أيُّ قائدٍ أعلى بها من سلطان. وإذا كانت مرآةُ الحب عمياءَ، فإنَّ مرآةَ الشبق الرخيصِ أشدُّ عمًى. لكن لم تمر سنواتٌ طويلة، حتى تغيرت الأحوالُ، ونَفِدَ المالُ، وبقي القردان على حالهما وقد ذهب جمال الأولى ولم يبق إلا تبذُّلها، وفَنِـيَ مالُ الثاني ولم يبق إلا دناءةُ أخلاقه، فتحوَّل إلى الاتجار في الروبابكيا.
قال الضابط:
- ياللرائحة! ما اسمك أيها الكائن النَّتِن؟
لم يدْرِ أوليساغا أيردُّ أم لا. فعاجله سونغوهانِن بصفعة أخرى قطعت عليه تردُّدَه، وأخرجته عن صمتِه، فأجاب من فوره:
- أوليساغا، يا سيدي، أوليساغا شولانْـمَي.
لم يتردد سونغوهانِن في صفع قفاه مرةً ثالثة. فالرد على الضابط لا يكون إلا بكلمة واحدة.
قال الضابط يونغسُن، وهو يقهقه كالدبِّ بصوت غليظ:
- أوليساغا؟ اسمك أوليساغا. أنت إذَن أحمقُ هذه الحارة. اسمٌ على مسمَّى. أنت مَن نريد. خذوه، وانصرفوا.
ثم نظر إلى ماليخا متفرِّسًا، وصرخ في الجنود:
- سألحق بكم.
سحب الجنودُ أوليساغا إلى الخارج، ونزلوا الدَّرَجَ في عنفِهم المعتاد، بينما تخلَّفَ يونغسُن بعضَ الوقت.
وضعت ماليخا السيجارةَ جانبًا، ثم التفتت مبتسمةً لضيفها الشاب ابتسامةً يعرفُ كلاهما مغزاها حقَّ المعرفة؛ فقد كانت سمعتُها تسبقُها، ولم يكن يونغسُن ليفوِّت هذه الفرصة.
تعليق