جولة في الجنائن المعلقة
باحثة في التاريخ القديم، تعمل في جامعة بغداد، مهتمة بالحضارة البابلية، تبحث عن الجنائن المعلقة أحدى عجائب الدنيا السبع، تريد أن اكتشاف أسرار هذا الصرح العظيم، وتثبت وجوده، وتعرف كيفية بنائه، ثم العمل على صيانته، ليصبح معلمًا أثريًا يذكر الأجيال بتاريخهم المجيد.
لكنها واجهت مشكلة كبيرة. لم تجد أي أثر أو دليل على موقعها، ولا خريطة أو نقش أو وثيقة تشير إلى مكانها. كلّما وجدته بعض الأساطير والخرافات والأحاديث التي تتحدث عنها بطريقة مبهمة وغير مؤكدة؛ شعرت باليأس والإحباط، وظنت أن حلمها قد انتهى، وأن الجنائن المعلقة قد ضاعت إلى الأبد.
في فرصة لم تخطر على بالها؛ حصلت على دعوة لزيارة متحف اللوفر في باريس، الذي يضم مجموعة كبيرة من الآثار البابلية، ولقاء بعض من أشهر الخبراء والعلماء في هذا المجال. وهذه مناسبة رائعة للاطلاع على بعض من أندر وأثمن التماثيل والرُقم التي تتعلق بالحضارة البابلية.
ليلى كانت سعيدة جدًا بهذه الفرصة، رأت فيها فرصة لإحياء حلمها في العثور على الجنائن المعلقة، التي استمرت في البحث عنها عدة سنوات.
سافرت إلى باريس، وزارت المتحف، ووجدته رائعًا وضخمًا، يضم آلاف القطع الفنية والثقافية من جميع أنحاء العالم. لكنها لم تهتم بأي شيء سوى قسم الآثار البابلية. هناك، التقت بالبروفسور "جان"، رئيس قسم الآثار البابلية في المتحف، وهو شخصًا ودودًا ومحترفًا، استقبلها بحفاوة واحترام، ثم قادها إلى غرفة خاصة، حيث كان يخزن أهم الرُقم والمنحوتات التي يملكها المتحف.
دخلت الغرفة الخاصة وشعرت بالدهشة، كأنها دخلت مغارة علي بابا وعثرت على كنوزها، كانت مليئة بمنحوتات وتماثيل ورُقم طينية قديمة، تحمل تاريخًا ومعلومات مهمة لا تقدر بثمن، مليئة بالكنوز التاريخية النادرة، وأسرار وألغاز لم تكشف بعد.
قال البروفسور جان: هذه أهم وأندر الأثآر التي نملكها في المتحف، تعد أهمها في العالم. هي من أصل بابلي، وتعود إلى عصور مختلفة، تفحصت القليل منها، بعضها يتحدث عن الدين والفلسفة والعلوم، وعن السياسة والحروب والسلام، وعن الفن والشعر والموسيقى. هذه الرُقم هي شهادة على عظمة وتنوع تاريخ الحضارة البابلية.
قالت: أنا ممتنة يا بروفسور، على إتاحة هذه الفرصة، فأنا مهتمة جدًا بهذه الرُقم، وأبحث عن شيء معين، شيء يتعلق بالجنائن المعلقة. هل عرفت شيئا عنها؟
قال: أه، الجنائن المعلقة. إنها واحدة من أكبر الألغاز في التاريخ، لقد سمعت عنها كثيرًا، وبحثت عنها ولم أجد شيئًا. هي مثل حلم يأتي في الليل ويختفي في النهار.
ردت: ولكن هل يوجد أي دليل على وجودها؟ هل هناك خريطة أو نقش أو وثيقة تشير إلى مكانها؟
قال: لا، لا يوجد أي دليل ملموس أو موثوق على وجودها، كلّما نملكه هو بعض الأساطير والخرافات والأحاديث التي تتحدث عنها بطريقة مبهمة وغير مؤكدة، بعضها يأتي من اليونانيين والرومان، الذين زاروا بابل في عصور متأخرة، وسمعوا عنها من السكان المحليين. ومن العرب والفرس، الذين حكموا بابل في عصور لاحقة. أو من التجار والمغامرين الذين زاروا بابل في أزمنة مختلفة، وكتبوا عنها في مذكراتهم وسيرهم. لكن كل هذه المصادر ليست كافية أو دقيقة، لا نعرف إذا كانت الجنائن المعلقة حقيقة أم خيال.
قالت: هل حاولت البحث عنها والكشف عن أسرارها؟ ام استسلمت ببساطة؟
رد البروفيسور: لا، لم أستسلم. ما زلت أحاول البحث والكشف عن أسرارها. لكن هذا ليس امراً سهلا، بل يحتاج إلى وقت وجهد وصبر، وإلى حظ ومصادفة وإلهام، وربما يحتاج إلى شيء خارق للطبيعة.
- ماذا تقصد!
- شيء خارق للطبيعة مثل هذا. ثم أخرج من جيبه شيئا صغيرًا ولامعًا، شيئا غريبًا وجميلًا، يشبه قلادة أو تعويذة، مصنوعًا من المعدن وعليه نقوشًا ورموزًا حجرية غامضة وينبعث منه ضوءًا خافتًا وساحرًا.
سألت بدهشة: ما هذا؟
رد: هذا هو المفتاح الذي سوف يأخذنا اليها، إلى الزمن الضائع.
- يا ألهى. وكيف حصلت عليه؟
- من صديق قديم، كان يعمل في حفريات أثرية في بابل؛ وجده في إحدى المقابر القديمة التي تعود إلى عصر نبوخذ نصر الثاني، ملك بابل الأعظم. يعتقد بأنه من شيّد الجنائن المعلقة. أخبرني أن هذا المفتاح هو جزء من جهاز عجيب، يمكنه نقل الشخص إلى زمن الجنائن، وقد جربه مرة وشاهدها بعينيه. يقول هي تجرِبة لا تنسى. لكنه خاف من تكرارها؛ واهداه لي لأنه يعرف عن اهتمامي بها؛ ويأمل أن أستخدمه بحكمة، وحذرني من العواقب الخطيرة لسوء استعماله! ثم أعطاني المفتاح وودعني.
سألته: وهل سافرت اليها، ورأيتها بعينيك؟
قال البروفيسور: كلا، ليس بعد. كنت خائفَا ومترددًا، لكن الآن، حان الوقت السفر. حان الوقت لرؤيتها بعيني وكشف أسرارها بعقلي.
- لكن كيف تستخدم المفتاح للسفر إلى زمن آخر؟
- لا أعرف بالضبط. لكنه أخبرني ببعض التعليمات، وقال أن المفتاح يحتاج إلى مصدر طاقة، مثل الكهرباء أو الضوء أو الحرارة. وتحديد الزمان والمكان، مثل التاريخ والإحداثية، وهو من قام بكل ذلك وجعله جاهز للاستخدام. ويحتاج بالمقابل إلى تأكيد الإرادة والإيمان، والثقة بالنفس. قال لي إذا فعلت كل هذا، سيعمل المفتاح، وينقلني إلى زمن هناك؛ وعندما أصل يجب أن أحمله معي؛ لأنه السبيل الوحيد للعودة إلى زماني الذي غادرت منه.
- هذا يبدو مذهلًا ومخيفًا في نفس الوقت. هل تظن أنه سينجح؟ هل تعتقد أنه آمن؟
- لا أعرف هل ينجح أم لا، لكنه يستحق المحاولة والمخاطرة في كل شيء.
- أتريد مني أن أرافقك؟
- إذا كنت ترغبين في ذلك، وتريدين مشاركتي الشغف والفضول والجرأة، وإذا تثقين بي وبالمفتاح، فأهلا وسهلا بك. لكن عليك أن تعرفي شيئًا، أن هذه الرحلة ليست سهلة أو مضمونة، قد تكون خطرة أو مميتة، وتغير حياتك أو تاريخك، ربما تجعلك ترين ما لم يره احداً من قبل، أو تفقدين ما لا تريدي فقده. عليك أن تعرفي كل هذا وتقبليه، قبل أن تقرري، فلا يمكنك التراجع بعد ذلك.
فكرت برهة، كانت مترددة ومتخوفة، تشعر بالخوف من المجهول والمستحيل، لكنها شعرت أيضا بالشجاعة والحماس، وبالفضول للبحث عن الماضي، وبالحب للجنائن المعلقة وتلك المغامرة التي لم تكن تتخيلها بيوم. ثم قالت: أنا مستعدة لمغامرة حياتي، والسفر عبر الزمن.
قال البروفيسور: حسنا، هيا بنا إذا، دعينا نذهب إلى زمنها، لننطلق إلى زمن الأحلام. ثم أخذ البروفسور جان يدها، وأخذ المفتاح بالأخرى. ضغط على زر المفتاح، وأغلق عينيه. فجأة، شعرا بصدمة كهربائية تجتاح جسديهما، ثم اختفى كل شيء من حولهما، وظهرا في مكان آخر.
جان ظهرا في مكان آخر. كان مكانا جميلًا ورائعًا يشبه الجنة، مكانًا اخضرًا ومزهرًا، يفوح منه عبق الورود والنرجس والعطور والطيب والرياحين، مكانًا مائيًا ونهريًا، يتدفق منه صوت الماء والعصافير. مكانًا هندسيا وفنيًا يزخر بالأشكال والألوان والزخارف.
نظرا حولهما بدهشة. شاهدا أمامهما عجبًا من عجائب الدنيا. أنها الجنائن المعلقة.
مجموعة من الحدائق المتدرجة، ترتفع على شكل أطباق فوق بعضها البعض. مزروعة بأنواع مختلفة من النباتات والزهور والأشجار النادرة؛ التي لم يروها من قبل. تروى بنظام معقد من القنوات والسدود التي تستخدم قوة دفع مياه نهر الفرات في رفع الماء إلى قمتها على شكل شلالات رائعة. مبنية على هيكل ضخم من الطوب والخشب تشكل أساسًا قويًا وثابتًا. ومزينة بأعمال فنية رائعة من التماثيل والنقوش واللوحات، التي تصور مشاهد من التاريخ والأسطورة.
شعرا بالإعجاب والانبهار. كأنهما في حلم، لا في حقيقة. أنهما في عالم وزمان آخر.
قالت: لم اصدق ما تراه عيني! هل كل هذا حقيقة أم خيال؟
- نعم. انها الحقيقة، لقد نجح المفتاح ونقلنا إليها، لقد وصلنا إلى هدفنا.
- هذا رائع ومذهل، شيء لا يصدق. أشكرك يا بروفسور، على مشاركتي هذه التجربة وتحقيق حلم حياتي.
ابتسم البروفسور جان، أخذ يدها، وقال: هيا بنا، لنستمتع بهذا المكان الساحر، ونستكشف العالم الجميل، نعيش هذه اللحظة السحرية بكل تفاصيلها.
سارا بين أغصان أشجارها، يستمعان خرير مياه الشندورات وزقزقه العصافير. شما عطور الورد الزكية. تجولا في طبقات الحدائق وَسَط مشاهد خلابة. تعرفا على النباتات والزهور والأشجار التي تم احضارها من مناطق مختلفة. شاهدا التماثيل والنقوش واللوحات، وتعلما عن التاريخ والأسطورة. شعرا بالسعادة والانسجام والسلام.
ولكن في ذات الوقت، شعرا بشيء آخر. شيء غريب ومزعج، بأن هناك شيئًا خطأ في هذه الصورة. شيئًا ناقصًا في هذه الحكاية. شيئًا مفقودًا في هذه الحقيقة.
قالت ليلى: هل تشعر بشيء غريب ومزعج؟
رد: نعم، أشعر بأن هناك شيئا لا يتناسب مع هذه الجنائن؟
- ما هو هذا الشيء؟
- لا أدري. لكن أظن أنه شيء مهم. حاسم وحيوي.
- مثل ماذا؟
- مثل الناس، ألا تلاحظين بأننا لم نجد أحد فيها! فهي خالية من الناس! لا يوجد من يزرعها أو يسقيها أو يحافظ عليها، ولا من يستمتع بها أو يستفيد منها أو يفخر بها؟
- صحيح. ولكن ما السبب في ذلك؟ أين هم الناس؟
- لا أعرف! ربما هم في مكان أو زمان آخر. ربما هم في حالة أخرى.
- في حالة أخرى، مثل ماذا؟
- مثل الحرب. ألا تعرفين بأننا في زمن الحرب. في زمن الغزو والهجوم. في زمن الصراع والقتل والقتال؟
- أجل، أعرف ذلك. لقد قرأت عن الحروب التي شهدتها بابل وعن الأعداء الذين هاجموها، وعن الملوك الذين حكموها. عن نبوخذ نصر الثاني، وكورش الكبير، والسكندر المقدوني. لقد قرأت عن سقوط بابل ونهاية حضارتها المحزنة.
- نعم لقد قرأتِ عنه في التاريخ، لكن الآن، نحن نعيشه في الحقيقة. نعيش في زمن الحروب والصراعات والموت، في زمن لا يصلح للجنائن المعلقة!
- ولكن هل هذا يعني أنها لا توجد في هذا الزمن؟ هل أنها دمرت أو اختفت يا بروفيسور؟
- لا أعرف. ربما ما زالت توجد في هذا الزمن، لكنها مهجورة ومنسية، ربما قد دمرت أو اختفت!
قالت للبروفسور جان: إذا كان كذلك، فماذا نفعل؟ كيف نعرف الحقيقة؟ أين نجد الجواب؟
رد البروفسور: أظن أنه توجد طريقة واحدة. أعتقد يجب علينا أن نسأل من يعرف، نسأل من صنعها "نبوخذ نصر الثاني" ملك بابل الأعظم، حبيب سميراميس.
- ولكن كيف نسأله؟ أين هو؟ هل هو حي أم ميت؟
- أظن علينا أن نبحث عنه ونجد قصره.
ثم توجها إلى المدينة. تجولوا في شوارعها، شاهدا ميدان واسع محاط بسور ومصاطب للجلوس، في المدخل تمثال أسد بابل بوجهه الكامل، سأل د. جان ليلى عما تعرفه عن النصب فقالت: أنه مصنوع من حجر البازلت الأسود، يظهر فية الأسد كما تراه يقف على جسد إنسان، وهذا يرمز إلى قوة بابل وفرض سيطرتها على بقية الشعوب. تم العثور عليه عام 1776م من قبل بعثة حفريات أثرية المانية، ويرجع أن يكون قد تم نحته في زمن نبوخذ نصر الثاني، الذي حكم من 605- 562 ق.م ويعتبر اليوم رمز وطنيًا للعراق.
- أنه شيء عظيم يدل على الهيبة والقوة حتى في يومنا هذا.
شاهدا في جولتهما في المدينة أبراج وأسوار وبوابات ضخمة، في وسطها قصر نبوخذ نصر الثاني، الذي يزخر بالمجد والفخامة والرعب.
قال الدكتور: لقد بدأت أشعر بالمصير. المصير الذي كتبه التاريخ وحدده الزمن. المصير الذي لا يرحم ولا يغفر لأحد.
- أي مصير تقصد؟
- سقوط بابل على يد الفرس والميديين وكورش الكبير وداريوس الأول. على يد الغزاة والمحتلين. سقوط بابل على يد القدر.
- ولكن هل يمكننا أن نتجنب ذلك؟ هل يمكننا نغيره؟ هل يمكننا أن نحارب ونمنع ذلك؟
- ربما يمكننا أن نغير ذلك؛ لكن هل هذا صحيح؟
- لا أعرف لكن يجب أن نقرر شيئًا.
- حسنًا، ماذا تختارين؟
فكرت ليلى وشعرت بالشجاعة والحب والولاء لبابل، ثم قالت: أخترت البقاء معك يا بروفسور. البقاء في بابل.
قال لها: هل أنت متيقِّنة؟ هل تعرفين ما تقولين وتدركين ما تفعلين؟
أجابت: نعم، هذه هي إرادتي. وهذا قراري.
قال: حسنًا، إذا كان هذه رغبتك، فأنا لن أمنعك، ولن أعترض عليك، وإذا كان هذا خيارك فأنا لن أخذلك. هيا بنا الى رحلة أجمل ما فيها بأنها قد تكون بلا عودة.
فراس عبد الحسين
باحثة في التاريخ القديم، تعمل في جامعة بغداد، مهتمة بالحضارة البابلية، تبحث عن الجنائن المعلقة أحدى عجائب الدنيا السبع، تريد أن اكتشاف أسرار هذا الصرح العظيم، وتثبت وجوده، وتعرف كيفية بنائه، ثم العمل على صيانته، ليصبح معلمًا أثريًا يذكر الأجيال بتاريخهم المجيد.
لكنها واجهت مشكلة كبيرة. لم تجد أي أثر أو دليل على موقعها، ولا خريطة أو نقش أو وثيقة تشير إلى مكانها. كلّما وجدته بعض الأساطير والخرافات والأحاديث التي تتحدث عنها بطريقة مبهمة وغير مؤكدة؛ شعرت باليأس والإحباط، وظنت أن حلمها قد انتهى، وأن الجنائن المعلقة قد ضاعت إلى الأبد.
في فرصة لم تخطر على بالها؛ حصلت على دعوة لزيارة متحف اللوفر في باريس، الذي يضم مجموعة كبيرة من الآثار البابلية، ولقاء بعض من أشهر الخبراء والعلماء في هذا المجال. وهذه مناسبة رائعة للاطلاع على بعض من أندر وأثمن التماثيل والرُقم التي تتعلق بالحضارة البابلية.
ليلى كانت سعيدة جدًا بهذه الفرصة، رأت فيها فرصة لإحياء حلمها في العثور على الجنائن المعلقة، التي استمرت في البحث عنها عدة سنوات.
سافرت إلى باريس، وزارت المتحف، ووجدته رائعًا وضخمًا، يضم آلاف القطع الفنية والثقافية من جميع أنحاء العالم. لكنها لم تهتم بأي شيء سوى قسم الآثار البابلية. هناك، التقت بالبروفسور "جان"، رئيس قسم الآثار البابلية في المتحف، وهو شخصًا ودودًا ومحترفًا، استقبلها بحفاوة واحترام، ثم قادها إلى غرفة خاصة، حيث كان يخزن أهم الرُقم والمنحوتات التي يملكها المتحف.
دخلت الغرفة الخاصة وشعرت بالدهشة، كأنها دخلت مغارة علي بابا وعثرت على كنوزها، كانت مليئة بمنحوتات وتماثيل ورُقم طينية قديمة، تحمل تاريخًا ومعلومات مهمة لا تقدر بثمن، مليئة بالكنوز التاريخية النادرة، وأسرار وألغاز لم تكشف بعد.
قال البروفسور جان: هذه أهم وأندر الأثآر التي نملكها في المتحف، تعد أهمها في العالم. هي من أصل بابلي، وتعود إلى عصور مختلفة، تفحصت القليل منها، بعضها يتحدث عن الدين والفلسفة والعلوم، وعن السياسة والحروب والسلام، وعن الفن والشعر والموسيقى. هذه الرُقم هي شهادة على عظمة وتنوع تاريخ الحضارة البابلية.
قالت: أنا ممتنة يا بروفسور، على إتاحة هذه الفرصة، فأنا مهتمة جدًا بهذه الرُقم، وأبحث عن شيء معين، شيء يتعلق بالجنائن المعلقة. هل عرفت شيئا عنها؟
قال: أه، الجنائن المعلقة. إنها واحدة من أكبر الألغاز في التاريخ، لقد سمعت عنها كثيرًا، وبحثت عنها ولم أجد شيئًا. هي مثل حلم يأتي في الليل ويختفي في النهار.
ردت: ولكن هل يوجد أي دليل على وجودها؟ هل هناك خريطة أو نقش أو وثيقة تشير إلى مكانها؟
قال: لا، لا يوجد أي دليل ملموس أو موثوق على وجودها، كلّما نملكه هو بعض الأساطير والخرافات والأحاديث التي تتحدث عنها بطريقة مبهمة وغير مؤكدة، بعضها يأتي من اليونانيين والرومان، الذين زاروا بابل في عصور متأخرة، وسمعوا عنها من السكان المحليين. ومن العرب والفرس، الذين حكموا بابل في عصور لاحقة. أو من التجار والمغامرين الذين زاروا بابل في أزمنة مختلفة، وكتبوا عنها في مذكراتهم وسيرهم. لكن كل هذه المصادر ليست كافية أو دقيقة، لا نعرف إذا كانت الجنائن المعلقة حقيقة أم خيال.
قالت: هل حاولت البحث عنها والكشف عن أسرارها؟ ام استسلمت ببساطة؟
رد البروفيسور: لا، لم أستسلم. ما زلت أحاول البحث والكشف عن أسرارها. لكن هذا ليس امراً سهلا، بل يحتاج إلى وقت وجهد وصبر، وإلى حظ ومصادفة وإلهام، وربما يحتاج إلى شيء خارق للطبيعة.
- ماذا تقصد!
- شيء خارق للطبيعة مثل هذا. ثم أخرج من جيبه شيئا صغيرًا ولامعًا، شيئا غريبًا وجميلًا، يشبه قلادة أو تعويذة، مصنوعًا من المعدن وعليه نقوشًا ورموزًا حجرية غامضة وينبعث منه ضوءًا خافتًا وساحرًا.
سألت بدهشة: ما هذا؟
رد: هذا هو المفتاح الذي سوف يأخذنا اليها، إلى الزمن الضائع.
- يا ألهى. وكيف حصلت عليه؟
- من صديق قديم، كان يعمل في حفريات أثرية في بابل؛ وجده في إحدى المقابر القديمة التي تعود إلى عصر نبوخذ نصر الثاني، ملك بابل الأعظم. يعتقد بأنه من شيّد الجنائن المعلقة. أخبرني أن هذا المفتاح هو جزء من جهاز عجيب، يمكنه نقل الشخص إلى زمن الجنائن، وقد جربه مرة وشاهدها بعينيه. يقول هي تجرِبة لا تنسى. لكنه خاف من تكرارها؛ واهداه لي لأنه يعرف عن اهتمامي بها؛ ويأمل أن أستخدمه بحكمة، وحذرني من العواقب الخطيرة لسوء استعماله! ثم أعطاني المفتاح وودعني.
سألته: وهل سافرت اليها، ورأيتها بعينيك؟
قال البروفيسور: كلا، ليس بعد. كنت خائفَا ومترددًا، لكن الآن، حان الوقت السفر. حان الوقت لرؤيتها بعيني وكشف أسرارها بعقلي.
- لكن كيف تستخدم المفتاح للسفر إلى زمن آخر؟
- لا أعرف بالضبط. لكنه أخبرني ببعض التعليمات، وقال أن المفتاح يحتاج إلى مصدر طاقة، مثل الكهرباء أو الضوء أو الحرارة. وتحديد الزمان والمكان، مثل التاريخ والإحداثية، وهو من قام بكل ذلك وجعله جاهز للاستخدام. ويحتاج بالمقابل إلى تأكيد الإرادة والإيمان، والثقة بالنفس. قال لي إذا فعلت كل هذا، سيعمل المفتاح، وينقلني إلى زمن هناك؛ وعندما أصل يجب أن أحمله معي؛ لأنه السبيل الوحيد للعودة إلى زماني الذي غادرت منه.
- هذا يبدو مذهلًا ومخيفًا في نفس الوقت. هل تظن أنه سينجح؟ هل تعتقد أنه آمن؟
- لا أعرف هل ينجح أم لا، لكنه يستحق المحاولة والمخاطرة في كل شيء.
- أتريد مني أن أرافقك؟
- إذا كنت ترغبين في ذلك، وتريدين مشاركتي الشغف والفضول والجرأة، وإذا تثقين بي وبالمفتاح، فأهلا وسهلا بك. لكن عليك أن تعرفي شيئًا، أن هذه الرحلة ليست سهلة أو مضمونة، قد تكون خطرة أو مميتة، وتغير حياتك أو تاريخك، ربما تجعلك ترين ما لم يره احداً من قبل، أو تفقدين ما لا تريدي فقده. عليك أن تعرفي كل هذا وتقبليه، قبل أن تقرري، فلا يمكنك التراجع بعد ذلك.
فكرت برهة، كانت مترددة ومتخوفة، تشعر بالخوف من المجهول والمستحيل، لكنها شعرت أيضا بالشجاعة والحماس، وبالفضول للبحث عن الماضي، وبالحب للجنائن المعلقة وتلك المغامرة التي لم تكن تتخيلها بيوم. ثم قالت: أنا مستعدة لمغامرة حياتي، والسفر عبر الزمن.
قال البروفيسور: حسنا، هيا بنا إذا، دعينا نذهب إلى زمنها، لننطلق إلى زمن الأحلام. ثم أخذ البروفسور جان يدها، وأخذ المفتاح بالأخرى. ضغط على زر المفتاح، وأغلق عينيه. فجأة، شعرا بصدمة كهربائية تجتاح جسديهما، ثم اختفى كل شيء من حولهما، وظهرا في مكان آخر.
جان ظهرا في مكان آخر. كان مكانا جميلًا ورائعًا يشبه الجنة، مكانًا اخضرًا ومزهرًا، يفوح منه عبق الورود والنرجس والعطور والطيب والرياحين، مكانًا مائيًا ونهريًا، يتدفق منه صوت الماء والعصافير. مكانًا هندسيا وفنيًا يزخر بالأشكال والألوان والزخارف.
نظرا حولهما بدهشة. شاهدا أمامهما عجبًا من عجائب الدنيا. أنها الجنائن المعلقة.
مجموعة من الحدائق المتدرجة، ترتفع على شكل أطباق فوق بعضها البعض. مزروعة بأنواع مختلفة من النباتات والزهور والأشجار النادرة؛ التي لم يروها من قبل. تروى بنظام معقد من القنوات والسدود التي تستخدم قوة دفع مياه نهر الفرات في رفع الماء إلى قمتها على شكل شلالات رائعة. مبنية على هيكل ضخم من الطوب والخشب تشكل أساسًا قويًا وثابتًا. ومزينة بأعمال فنية رائعة من التماثيل والنقوش واللوحات، التي تصور مشاهد من التاريخ والأسطورة.
شعرا بالإعجاب والانبهار. كأنهما في حلم، لا في حقيقة. أنهما في عالم وزمان آخر.
قالت: لم اصدق ما تراه عيني! هل كل هذا حقيقة أم خيال؟
- نعم. انها الحقيقة، لقد نجح المفتاح ونقلنا إليها، لقد وصلنا إلى هدفنا.
- هذا رائع ومذهل، شيء لا يصدق. أشكرك يا بروفسور، على مشاركتي هذه التجربة وتحقيق حلم حياتي.
ابتسم البروفسور جان، أخذ يدها، وقال: هيا بنا، لنستمتع بهذا المكان الساحر، ونستكشف العالم الجميل، نعيش هذه اللحظة السحرية بكل تفاصيلها.
سارا بين أغصان أشجارها، يستمعان خرير مياه الشندورات وزقزقه العصافير. شما عطور الورد الزكية. تجولا في طبقات الحدائق وَسَط مشاهد خلابة. تعرفا على النباتات والزهور والأشجار التي تم احضارها من مناطق مختلفة. شاهدا التماثيل والنقوش واللوحات، وتعلما عن التاريخ والأسطورة. شعرا بالسعادة والانسجام والسلام.
ولكن في ذات الوقت، شعرا بشيء آخر. شيء غريب ومزعج، بأن هناك شيئًا خطأ في هذه الصورة. شيئًا ناقصًا في هذه الحكاية. شيئًا مفقودًا في هذه الحقيقة.
قالت ليلى: هل تشعر بشيء غريب ومزعج؟
رد: نعم، أشعر بأن هناك شيئا لا يتناسب مع هذه الجنائن؟
- ما هو هذا الشيء؟
- لا أدري. لكن أظن أنه شيء مهم. حاسم وحيوي.
- مثل ماذا؟
- مثل الناس، ألا تلاحظين بأننا لم نجد أحد فيها! فهي خالية من الناس! لا يوجد من يزرعها أو يسقيها أو يحافظ عليها، ولا من يستمتع بها أو يستفيد منها أو يفخر بها؟
- صحيح. ولكن ما السبب في ذلك؟ أين هم الناس؟
- لا أعرف! ربما هم في مكان أو زمان آخر. ربما هم في حالة أخرى.
- في حالة أخرى، مثل ماذا؟
- مثل الحرب. ألا تعرفين بأننا في زمن الحرب. في زمن الغزو والهجوم. في زمن الصراع والقتل والقتال؟
- أجل، أعرف ذلك. لقد قرأت عن الحروب التي شهدتها بابل وعن الأعداء الذين هاجموها، وعن الملوك الذين حكموها. عن نبوخذ نصر الثاني، وكورش الكبير، والسكندر المقدوني. لقد قرأت عن سقوط بابل ونهاية حضارتها المحزنة.
- نعم لقد قرأتِ عنه في التاريخ، لكن الآن، نحن نعيشه في الحقيقة. نعيش في زمن الحروب والصراعات والموت، في زمن لا يصلح للجنائن المعلقة!
- ولكن هل هذا يعني أنها لا توجد في هذا الزمن؟ هل أنها دمرت أو اختفت يا بروفيسور؟
- لا أعرف. ربما ما زالت توجد في هذا الزمن، لكنها مهجورة ومنسية، ربما قد دمرت أو اختفت!
قالت للبروفسور جان: إذا كان كذلك، فماذا نفعل؟ كيف نعرف الحقيقة؟ أين نجد الجواب؟
رد البروفسور: أظن أنه توجد طريقة واحدة. أعتقد يجب علينا أن نسأل من يعرف، نسأل من صنعها "نبوخذ نصر الثاني" ملك بابل الأعظم، حبيب سميراميس.
- ولكن كيف نسأله؟ أين هو؟ هل هو حي أم ميت؟
- أظن علينا أن نبحث عنه ونجد قصره.
ثم توجها إلى المدينة. تجولوا في شوارعها، شاهدا ميدان واسع محاط بسور ومصاطب للجلوس، في المدخل تمثال أسد بابل بوجهه الكامل، سأل د. جان ليلى عما تعرفه عن النصب فقالت: أنه مصنوع من حجر البازلت الأسود، يظهر فية الأسد كما تراه يقف على جسد إنسان، وهذا يرمز إلى قوة بابل وفرض سيطرتها على بقية الشعوب. تم العثور عليه عام 1776م من قبل بعثة حفريات أثرية المانية، ويرجع أن يكون قد تم نحته في زمن نبوخذ نصر الثاني، الذي حكم من 605- 562 ق.م ويعتبر اليوم رمز وطنيًا للعراق.
- أنه شيء عظيم يدل على الهيبة والقوة حتى في يومنا هذا.
شاهدا في جولتهما في المدينة أبراج وأسوار وبوابات ضخمة، في وسطها قصر نبوخذ نصر الثاني، الذي يزخر بالمجد والفخامة والرعب.
قال الدكتور: لقد بدأت أشعر بالمصير. المصير الذي كتبه التاريخ وحدده الزمن. المصير الذي لا يرحم ولا يغفر لأحد.
- أي مصير تقصد؟
- سقوط بابل على يد الفرس والميديين وكورش الكبير وداريوس الأول. على يد الغزاة والمحتلين. سقوط بابل على يد القدر.
- ولكن هل يمكننا أن نتجنب ذلك؟ هل يمكننا نغيره؟ هل يمكننا أن نحارب ونمنع ذلك؟
- ربما يمكننا أن نغير ذلك؛ لكن هل هذا صحيح؟
- لا أعرف لكن يجب أن نقرر شيئًا.
- حسنًا، ماذا تختارين؟
فكرت ليلى وشعرت بالشجاعة والحب والولاء لبابل، ثم قالت: أخترت البقاء معك يا بروفسور. البقاء في بابل.
قال لها: هل أنت متيقِّنة؟ هل تعرفين ما تقولين وتدركين ما تفعلين؟
أجابت: نعم، هذه هي إرادتي. وهذا قراري.
قال: حسنًا، إذا كان هذه رغبتك، فأنا لن أمنعك، ولن أعترض عليك، وإذا كان هذا خيارك فأنا لن أخذلك. هيا بنا الى رحلة أجمل ما فيها بأنها قد تكون بلا عودة.
فراس عبد الحسين