الرواية المسحورة
كان يعاني من الإحباط والضغط النفسي والوحدة، لأنه كاتب موهوب لكنه لم يجد نجاحًا في عالم النشر. فاخذ يبحث عن طريقة للهروب من واقعه وحياته المملة. فقرر أن يكتب رواية جديدة عن عالم يخلقه بنفسه، تعيش فيه مخلوقات سحرية غريبة، عالم خيالي اسماه "زاريا".
بعد أشهر من العمل الشاق والمضني، أنهى أحمد الكاتب روايته وأرسلها إلى دار نشر مشهورة. لكنه لم يتلق أي رد منهم. شعر بالإحباط والغضب والحزن، وقرر أن يقرأ روايته مرة أخيرة قبل أن يتخلى عن حلمه في كتابة رواية. فتح الكتاب وبدأ في قراءة الصفحة الأولى:
"في عالم زاريا، كان هناك ملك عادل وحكيم يسمى سليمان، يحكم شعبه بسلام وعدل. كان لديه قوى سحرية عظيمة، تتمثل بمرآة سحرية تستطيع أن تظهر له أي شيء يريده، يستخدمها لحماية مملكته من الأعداء والشرور." في أثناء قراءته، شعر بشعور غريب، كأن الكتاب يجذبه إلى داخله. شعر بدوار وغثيان، ثم فقد وعيه.
عندما استفاق، وجد نفسه في غرفة فخمة مزخرفة بالذهب والجواهر، وفي وسط الغرفة مرآة كبيرة تلمع بضوء غامض، يقف بجانبها رجل ملكي الهيئة، يرتدي عباءة حريرية وتاجًا من الذهب، هو الملك سليمان.
"أهلًا بك في زاريا، يا صديقي، قال سليمان بابتسامة، أنت ضيف شرف لدي، فأنت من خلقت هذا العالم بقلمك"
لم يستطع تصديق ما يراه ويسمعه. هل كان هذا حلمًا؟ أم كابوسًا؟ أم حقيقة؟
سأل بارتباك: ماذا تقصد؟ أنا لم أخلق هذا العالم، أنا فقط كتبت عنه في روايتي!
قال الساحر بصوت هادئ: أنت مخطئ يا صديقي، أنت لم تكتب عن هذا العالم، بل خلقته بقلمك. فكل كلمة كتبتها في روايتك أصبحت حقيقة في زاريا. كل شخصية خلقتها فيها أصبحت حية في زاريا. وأنا واحد منهم.
سأل بذهول: كيف حدث هذا؟
- هذه قوة المرآة المسحورة. فهي تستطيع أن تجعل الخيال حقيقة، عندما بدأت بقراءة روايتك، استطاعت المرآة أن تجذبك إلى هنا، لترى عالمك بعينيك.
- ولكن لماذا؟ ما الذي تريده مني.
- لا شيء، يا صديقي. أريد أن أشكرك على إنشاء هذا العالم الرائع، وأعرض عليك فرصة لا تعوض، هي أن تعيش فيه كبطل ومغامر وساحر. فرصة لتنسى حياتك البائسة والمحبطة في العالم الحقيقي.
- ولكني لا أريد ذلك، أريد العودة إلى حياتي. إلى عائلتي وأصدقائي وعملي.
- أنت لست جادًا يا صديقي! أنت ألا تدرك ما تفوته؟ هذا هو عالم الأحلام والجمال والسحر والمغامرات. عالم يمكنك فيه أن تفعل كل ما تشاء. عالم يحبك ويرحب بك.
- لا، هذا عالم الوهم، عالم لا يوجد إلا في خيالي، ولا يستطيع أن يعطيني ما أحتاجه حقًا، ولا يستطيع أن يغير مصيري.
- إذًا، عليك أن تختار. إما أن تبقى معي في زاريا كضيف شرف وصديق عزيز، وتستمتع بحياتك الجديدة السعيدة. أو تعود إلى حياتك وتخسر الإلهام، ولم تستطيع كتابة كلمة واحدة في قصة او رواية! فماذا تختار؟
حاول الاستعانة بأصدقائه الذين خلقهم في الرواية، لكنهم كانوا ينظرون إليه ولم يحركوا ساكنًا.
اختار أن يعود إلى حياته الحقيقية، ورفض عرض سليمان. لكن سليمان لم يكن سعيدًا بقراره، وحاول أن يمنعه من الرحيل. وقع بينهما صراع شرس، حيث استخدم كل منهما قواه السحرية للتغلب على الآخر. في النهاية، تمكن من الوصول إلى المرآة المسحورة، وقال كلمة السر التي كتبها في روايته للعودة إلى عالمه: "الواقع" ففتحت المرآة بابًا ضوئيًا، دخل فيه واغلق الباب خلفه. نظر سليمان إليه بنظرة حزينة وقال: وداعًا، يا صديقي. لكني أعلم بانك سوف تعود قريبًا.
إلى غرفته عاد، حيث كان كتابه مفتوحًا على الطاولة. غلق الكتاب بسرعة، ورماه في سلة المهملات، لم يرغب أبدًا في قراءته مرة أخرى. شعر بالارتياح والسعادة لأنه نجا من زاريا، وقرر أن يبدأ حياته من جديد.
رن هاتفه، وكان على الخط محرر من دار النشر التي أرسل إليها روايته. قال له المحرر بحماس: أنا معجب جدًا بروايتك، إنها رائعة ومبتكرة ومثيرة، أود أن أنشرها فورًا، وأتوقع أن تكون نجاحًا باهرًا.
تردد قليلًا، قبل أن يقول للمحرر: شكرًا لك على اهتمامك بروايتي، لكني لا أستطيع نشرها.
- لماذا، هل هناك مشكلة؟ هل تريد المزيد من المال؟ هل تريد تغيير شيء في الرواية؟
- لا، لا شيء من ذلك. أنا فقط لا أريد هذه الرواية أن ترى النور. أنا لا أفتخر بها، واعتبرها خطأً كبيرًا يجب تصحيحه.,
- ولكن كيف يمكنك أن تقول ذلك؟ هذه الرواية عمل فني وإبداع وتخيل أظهرت كل موهبتك فيها. وهي فرصتك لتصبح كاتبًا مشهورًا ومحبوبًا. هي فرصتك لتغير حياتك إلى الأبد.
- لا، هذه الرواية سجن لعقلي وروحي وقلبي.
- أنت تتحدث بجنون. زاريا وسليمان والمرآة المسحورة ليسوا حقيقيين. بل مجرد شخصيات في روايتك، هم مجرد خيال من إبداعك.
- كلا، هي حقيقة في عالم آخر. عالم خطير ومخادع. عالم سحرني وجذبني إليه، ونجوت منه بأعجوبة.
- ما هذا الجنون، أنت تتخيل هذا كله. لابد أنك تعاني من اضطراب نفسي وعقلي، وتحتاج إلى مساعدة طبية.
- لا، أنا بخير. أنا فقط من يعرف الحقيقة. وما يجب فعله.
- وماذا تريد أن تفعل؟
- يجب أن أكسر المرآة المسحورة وأطمس هذا العالم السحري من الوجود. ثم قطع الاتصال بالمحرر.
أخذ الكتاب من سلة المهملات وذهب إلى الشارع، حتى وصل إلى حديقة عامة، حيث كان هناك نافورة كبيرة يسيل منها الماء. وضع الكتاب على حافَة النافورة، وحاول أحراقه بولاعة. لكنه فوجئ بأن الكتاب لم يتأثر بالنار، بل انبعث منه ضوء أزرق ساطع، وسمع صوتًا مألوفًا يقول: "أهلًا بك مجددًا في زاريا، يا صديقي"
لم يستطع الهرب من عالمه الذي خلقه، فالكتاب كان مرتبطًا بروحه، كلما حاول أن يتخلص منه، يعود إليه بطريقة ما. وكلما فتحه يجد نفسه في زاريا، حيث كان الساحر سليمان ينتظره بشوق.
الساحر لم يكن يريد أن يفرض عليه البقاء في زاريا، بل كان يريد أن يقنعه بالانضمام إليه بإرادته. لذلك، كان يظهر له جوانب مختلفة من هذا العالم، ويعرض عليه مغامرات وتحديات وألغاز وأسرار. ويريده أن يشعر بالفضول والإثارة والسعادة في عالمه.
ولكن احمد لم يكن مهتمًا بذلك العالم، بل كان مصممًا على البقاء في عالمه الحقيقي. لذلك كان يبحث عن طريقة لكسر المرآة المسحورة، مصدر قوة سليمان وطريق الصلة بين العالمين. بات يعتقد إذا تمكن من تحطيم المرآة، فسوف يتحرر من سحر زاريا، ويعود إلى عالمه. لكن المرآة لم تكن سهلة المنال، فهي محمية بطبقة من السحر القوي، ومخبأة في غرفة في قصر سليمان، ولا يستطيع أحد دخولها غيره.
حاول أن يستعين ببعض شخصيات روايته، التي كان قد خلقها في عالمه. فهو ابتكر شخصيات مختلفة، مثل أسيل، التي كانت أميرة جميلة وشجاعة وذكية، وزكريا الصديق الوفي والشجاع صاحب الشخصية المرحة، وجاد الساحر القوي الطيب والحكيم.
فقد صور نفسه في روايته كبطل يحب أسيل، ويرافقه زكريا وجاد في مغامراته المختلفة. لكنه عندما التقى بهم في زاريا، لم يتعرفوا عليه، لأن سليمان غير ذكرياتهم وشخصياتهم، وجعلهم خدامًا له، وجعل أسيل الشابة الجميلة خطيبته. وزكريا وجاد وبقية أصدقاءه أصبحوا جنودًا في جيش سليمان، ويطيعون أوامره دون تردد.
حزن كثيرًا على حالهم، وحاول أن يذكرهم بمن هو، وبما كتبه عنهم في روايته. لكنهم لم يصدقون، وظنوا أنه مجنون أو كاذب. بعد أن غسل سليمان عقولهم بسحره، وجعلهم ينسون كل شيء عن حياتهم السابقة.
لم يستسلم، بل واصل محاولاته للتخلص من زاريا. فكر في خطة جديدة، وهي أن يستخدم الكتاب نفسه كسلاح ضد سليمان. فقد اكتشف أن الرواية تتغير باستمرار. فكل ما يكتبه فيها، يتغير عالمها ويصبح حقيقة في زاريا. فقرر أن يكتب فيها
"وفي تلك الليلة، حدث شيء غريب. فقد اختفى القمر من السماء، وساد ظلام دامس في زاريا. وسمع صوتًا عاليًا ينادي باسمه: أحمد، أحمد، أحمد"
وبعد أن كتب هذه الأسطر، حدث ما كتبه في زاريا بالفعل. فاختفى القمر من السماء، وغطى الظلام الأرض فيها. وسمع صوتًا يناديه من بعيد. فتبع الصوت، ووجد نفسه أمام باب مغلق. ومكتوب عليه "هذا باب المرآة المسحورة، لا يستطيع أحد فتحه إلا بكلمة السر. وهي ....."
فرح كثيرًا، فظن أنه وجد طريقة للوصول إلى المرآة المسحورة. لكنه تعجب من أن الكلمة السر لم تكتب بالكامل. فحاول أن يتذكر ما كتبه في روايته عن كلمة السر، فلم يتذكر. فقد نسي كثيرًا من تفاصيل روايته، بعد أن عاش في زاريا فترة طويلة.
فأخذ يجرب كلمات مختلفة، محاولًا فتح الباب. قال: "الخيال؟ الحلم؟ الإبداع؟ القصة" لكن الباب لم يفتح. فزاد من توتره وقلقه، خوفًا من أن يأتي سليمان ويمنعه من الوصول إلى المرآة.
فجأة، سمع صوتًا آخر يقول: أحمد، أحمد. أنا هنا. فالتفت وفوجئ بأنها أسيل. رآها تقف خلفه، تنظر إليه بعينين حزينتين. قالت له: أنا أعرف كلمة السر. أعرف ما كتبته في روايتك، وأذكر كل شيء عن حياتنا السابقة.
اندهش من كلامها، وشعر بالفرح والأمل. قال لها: أسيل، هل هذا حقًا أنتِ؟ هل استعدتِ ذكرياتك؟ هل تذكرين ما كتبته في الرواية؟
قالت له: نعم، أنا هي. لقد استعدت ذكرياتي، وأتذكر ما كتبته في روايتك. وافتقدتك كثيرًا.
شعر بالدهشة والسرور. قال لها: أنا أيضًا أفتقدك، يا أسيل. لكن كيف استعدت ذكرياتك؟ كيف تخلصت من سحر سليمان؟
قالت له: لقد كان بفضلك. فعندما رأيتك تحاول حرق الكتاب، شعرت بشيء يتحرك في قلبي. شعرت بأنني أعرفك من قبل، وبأنني أحبك من قبل. فذهبت إلى مكتبة سليمان، ووجدت نسخة من روايتك. قرأتها بسرية وعرفت الحقيقة. عرفت أنني أميرة في هذا العالم، وأنك بطل روايتك. عرفت أن سليمان خطفني منك، وغير ذكرياتي وشخصيتي. عرفت أن هذا عالم خيالي، وأن الواقع هو عالمك فقط.
- ولكن كيف تمكنت من الهروب من سليمان يا حبيبتي؟
- لقد استخدمت قوة الحب، فهو أقوى من السحر. الحب يا حبيبي جعلني أستعيد ذكرياتي، وأقاوم سحر سليمان، وأجد طريقة للوصول إليك. أنا أعرف كلمة السر وهي "الواقع" تعال معي نفتح الباب معًا، ونكسر المرآة. ونهرب إلى عالمك معًا.
ذهبا إلى الباب، وقالا بصوت واحد: "الواقع" فانفتح الباب وظهرت المرآة المسحورة أمامهما. كانت المرآة تلمع بضوء أزرق، وظهرت صورة سليمان في وسطها. وهو يقف وسطها بشكله الغضب والمخيف. قال لهما بصوت عاتي: ماذا تفعلان؟ كيف تجرؤان على خيانتي؟ كيف وتحاولان تدمير هذا العالم الجميل، هذا العالم هو الواقع وعالمك هناك هو الخيال!
لم يخف منه، بل تحداه وقال له: سليمان، أنت طاغية وكذاب. أنت خطفت أسيل مني، وغيرت ذكرياتها ومحوت شخصيتها. جذبتني إلى هنا وحبستني في عالم خيالي. استخدمت المرآة المسحورة لجعل الخيال حقيقة والواقع خيال.
رد عليه: أنت جاهل وضعيف، أنت لم تخلق زاريا بل أنا الذي خلقته. واستوليت على روايتك، وأضفت إليها ما شئت. جعلت من نفسي ملكًا عادلًا وحكيمًا، وجعلت منك صديقًا عزيزًا، جذبتك إلى هنا وأردت أن أشاركك حياتي السعيدة. لكنك رفضت كل ذلك.
رد عليه: أنت كاذب وملك ظالم. لقد سرقت روايتي وحرفتها عن مضمونها، وجعلت من نفسك طاغية ومخادعًا، وجعلت مني عدوًا لك. أنت جذبتني إلى زاريا، وأردت أن تحبسني في عالم مزيف.
ثم التفت إلى أسيل قال لها: هيا بنا. لنهرب سويًة ونعود إلى عالمي الحقيقي.
جرها بيده وركض نحو المرآة المسحورة محاولًا الخروج منها. لكن سليمان لم يدعه يفلت منه. فأطلق عليهما من عينيه شعاعًا أزرق، فشعرا بصداع شديد، وبدأت ذكرياتهما تتضبب في عقليهما حتى نسيا من هما ما حدث لهما؛ فصارا كالأطفال الصغار لا يعرفون شيئًا عن العالم.
ابتسم سليمان وقال: هكذا يجب أن تكونوا طائعون وسعداء. هكذا يجب أن تكون زاريا خالية من الشر والخيانة والخطأ.
ثم قال للمرآة المسحورة: اغلقي الباب؛ فأغلقته خلفهم وانطفأ ضوؤها.
وبقي أحمد وأسيل حبيسي سحر سليمان في زاريا إلى الآبد. فلم تطبع الرواية، ولم يقرأها احد.
فراس عبد الحسين
كان يعاني من الإحباط والضغط النفسي والوحدة، لأنه كاتب موهوب لكنه لم يجد نجاحًا في عالم النشر. فاخذ يبحث عن طريقة للهروب من واقعه وحياته المملة. فقرر أن يكتب رواية جديدة عن عالم يخلقه بنفسه، تعيش فيه مخلوقات سحرية غريبة، عالم خيالي اسماه "زاريا".
بعد أشهر من العمل الشاق والمضني، أنهى أحمد الكاتب روايته وأرسلها إلى دار نشر مشهورة. لكنه لم يتلق أي رد منهم. شعر بالإحباط والغضب والحزن، وقرر أن يقرأ روايته مرة أخيرة قبل أن يتخلى عن حلمه في كتابة رواية. فتح الكتاب وبدأ في قراءة الصفحة الأولى:
"في عالم زاريا، كان هناك ملك عادل وحكيم يسمى سليمان، يحكم شعبه بسلام وعدل. كان لديه قوى سحرية عظيمة، تتمثل بمرآة سحرية تستطيع أن تظهر له أي شيء يريده، يستخدمها لحماية مملكته من الأعداء والشرور." في أثناء قراءته، شعر بشعور غريب، كأن الكتاب يجذبه إلى داخله. شعر بدوار وغثيان، ثم فقد وعيه.
عندما استفاق، وجد نفسه في غرفة فخمة مزخرفة بالذهب والجواهر، وفي وسط الغرفة مرآة كبيرة تلمع بضوء غامض، يقف بجانبها رجل ملكي الهيئة، يرتدي عباءة حريرية وتاجًا من الذهب، هو الملك سليمان.
"أهلًا بك في زاريا، يا صديقي، قال سليمان بابتسامة، أنت ضيف شرف لدي، فأنت من خلقت هذا العالم بقلمك"
لم يستطع تصديق ما يراه ويسمعه. هل كان هذا حلمًا؟ أم كابوسًا؟ أم حقيقة؟
سأل بارتباك: ماذا تقصد؟ أنا لم أخلق هذا العالم، أنا فقط كتبت عنه في روايتي!
قال الساحر بصوت هادئ: أنت مخطئ يا صديقي، أنت لم تكتب عن هذا العالم، بل خلقته بقلمك. فكل كلمة كتبتها في روايتك أصبحت حقيقة في زاريا. كل شخصية خلقتها فيها أصبحت حية في زاريا. وأنا واحد منهم.
سأل بذهول: كيف حدث هذا؟
- هذه قوة المرآة المسحورة. فهي تستطيع أن تجعل الخيال حقيقة، عندما بدأت بقراءة روايتك، استطاعت المرآة أن تجذبك إلى هنا، لترى عالمك بعينيك.
- ولكن لماذا؟ ما الذي تريده مني.
- لا شيء، يا صديقي. أريد أن أشكرك على إنشاء هذا العالم الرائع، وأعرض عليك فرصة لا تعوض، هي أن تعيش فيه كبطل ومغامر وساحر. فرصة لتنسى حياتك البائسة والمحبطة في العالم الحقيقي.
- ولكني لا أريد ذلك، أريد العودة إلى حياتي. إلى عائلتي وأصدقائي وعملي.
- أنت لست جادًا يا صديقي! أنت ألا تدرك ما تفوته؟ هذا هو عالم الأحلام والجمال والسحر والمغامرات. عالم يمكنك فيه أن تفعل كل ما تشاء. عالم يحبك ويرحب بك.
- لا، هذا عالم الوهم، عالم لا يوجد إلا في خيالي، ولا يستطيع أن يعطيني ما أحتاجه حقًا، ولا يستطيع أن يغير مصيري.
- إذًا، عليك أن تختار. إما أن تبقى معي في زاريا كضيف شرف وصديق عزيز، وتستمتع بحياتك الجديدة السعيدة. أو تعود إلى حياتك وتخسر الإلهام، ولم تستطيع كتابة كلمة واحدة في قصة او رواية! فماذا تختار؟
حاول الاستعانة بأصدقائه الذين خلقهم في الرواية، لكنهم كانوا ينظرون إليه ولم يحركوا ساكنًا.
اختار أن يعود إلى حياته الحقيقية، ورفض عرض سليمان. لكن سليمان لم يكن سعيدًا بقراره، وحاول أن يمنعه من الرحيل. وقع بينهما صراع شرس، حيث استخدم كل منهما قواه السحرية للتغلب على الآخر. في النهاية، تمكن من الوصول إلى المرآة المسحورة، وقال كلمة السر التي كتبها في روايته للعودة إلى عالمه: "الواقع" ففتحت المرآة بابًا ضوئيًا، دخل فيه واغلق الباب خلفه. نظر سليمان إليه بنظرة حزينة وقال: وداعًا، يا صديقي. لكني أعلم بانك سوف تعود قريبًا.
إلى غرفته عاد، حيث كان كتابه مفتوحًا على الطاولة. غلق الكتاب بسرعة، ورماه في سلة المهملات، لم يرغب أبدًا في قراءته مرة أخرى. شعر بالارتياح والسعادة لأنه نجا من زاريا، وقرر أن يبدأ حياته من جديد.
رن هاتفه، وكان على الخط محرر من دار النشر التي أرسل إليها روايته. قال له المحرر بحماس: أنا معجب جدًا بروايتك، إنها رائعة ومبتكرة ومثيرة، أود أن أنشرها فورًا، وأتوقع أن تكون نجاحًا باهرًا.
تردد قليلًا، قبل أن يقول للمحرر: شكرًا لك على اهتمامك بروايتي، لكني لا أستطيع نشرها.
- لماذا، هل هناك مشكلة؟ هل تريد المزيد من المال؟ هل تريد تغيير شيء في الرواية؟
- لا، لا شيء من ذلك. أنا فقط لا أريد هذه الرواية أن ترى النور. أنا لا أفتخر بها، واعتبرها خطأً كبيرًا يجب تصحيحه.,
- ولكن كيف يمكنك أن تقول ذلك؟ هذه الرواية عمل فني وإبداع وتخيل أظهرت كل موهبتك فيها. وهي فرصتك لتصبح كاتبًا مشهورًا ومحبوبًا. هي فرصتك لتغير حياتك إلى الأبد.
- لا، هذه الرواية سجن لعقلي وروحي وقلبي.
- أنت تتحدث بجنون. زاريا وسليمان والمرآة المسحورة ليسوا حقيقيين. بل مجرد شخصيات في روايتك، هم مجرد خيال من إبداعك.
- كلا، هي حقيقة في عالم آخر. عالم خطير ومخادع. عالم سحرني وجذبني إليه، ونجوت منه بأعجوبة.
- ما هذا الجنون، أنت تتخيل هذا كله. لابد أنك تعاني من اضطراب نفسي وعقلي، وتحتاج إلى مساعدة طبية.
- لا، أنا بخير. أنا فقط من يعرف الحقيقة. وما يجب فعله.
- وماذا تريد أن تفعل؟
- يجب أن أكسر المرآة المسحورة وأطمس هذا العالم السحري من الوجود. ثم قطع الاتصال بالمحرر.
أخذ الكتاب من سلة المهملات وذهب إلى الشارع، حتى وصل إلى حديقة عامة، حيث كان هناك نافورة كبيرة يسيل منها الماء. وضع الكتاب على حافَة النافورة، وحاول أحراقه بولاعة. لكنه فوجئ بأن الكتاب لم يتأثر بالنار، بل انبعث منه ضوء أزرق ساطع، وسمع صوتًا مألوفًا يقول: "أهلًا بك مجددًا في زاريا، يا صديقي"
لم يستطع الهرب من عالمه الذي خلقه، فالكتاب كان مرتبطًا بروحه، كلما حاول أن يتخلص منه، يعود إليه بطريقة ما. وكلما فتحه يجد نفسه في زاريا، حيث كان الساحر سليمان ينتظره بشوق.
الساحر لم يكن يريد أن يفرض عليه البقاء في زاريا، بل كان يريد أن يقنعه بالانضمام إليه بإرادته. لذلك، كان يظهر له جوانب مختلفة من هذا العالم، ويعرض عليه مغامرات وتحديات وألغاز وأسرار. ويريده أن يشعر بالفضول والإثارة والسعادة في عالمه.
ولكن احمد لم يكن مهتمًا بذلك العالم، بل كان مصممًا على البقاء في عالمه الحقيقي. لذلك كان يبحث عن طريقة لكسر المرآة المسحورة، مصدر قوة سليمان وطريق الصلة بين العالمين. بات يعتقد إذا تمكن من تحطيم المرآة، فسوف يتحرر من سحر زاريا، ويعود إلى عالمه. لكن المرآة لم تكن سهلة المنال، فهي محمية بطبقة من السحر القوي، ومخبأة في غرفة في قصر سليمان، ولا يستطيع أحد دخولها غيره.
حاول أن يستعين ببعض شخصيات روايته، التي كان قد خلقها في عالمه. فهو ابتكر شخصيات مختلفة، مثل أسيل، التي كانت أميرة جميلة وشجاعة وذكية، وزكريا الصديق الوفي والشجاع صاحب الشخصية المرحة، وجاد الساحر القوي الطيب والحكيم.
فقد صور نفسه في روايته كبطل يحب أسيل، ويرافقه زكريا وجاد في مغامراته المختلفة. لكنه عندما التقى بهم في زاريا، لم يتعرفوا عليه، لأن سليمان غير ذكرياتهم وشخصياتهم، وجعلهم خدامًا له، وجعل أسيل الشابة الجميلة خطيبته. وزكريا وجاد وبقية أصدقاءه أصبحوا جنودًا في جيش سليمان، ويطيعون أوامره دون تردد.
حزن كثيرًا على حالهم، وحاول أن يذكرهم بمن هو، وبما كتبه عنهم في روايته. لكنهم لم يصدقون، وظنوا أنه مجنون أو كاذب. بعد أن غسل سليمان عقولهم بسحره، وجعلهم ينسون كل شيء عن حياتهم السابقة.
لم يستسلم، بل واصل محاولاته للتخلص من زاريا. فكر في خطة جديدة، وهي أن يستخدم الكتاب نفسه كسلاح ضد سليمان. فقد اكتشف أن الرواية تتغير باستمرار. فكل ما يكتبه فيها، يتغير عالمها ويصبح حقيقة في زاريا. فقرر أن يكتب فيها
"وفي تلك الليلة، حدث شيء غريب. فقد اختفى القمر من السماء، وساد ظلام دامس في زاريا. وسمع صوتًا عاليًا ينادي باسمه: أحمد، أحمد، أحمد"
وبعد أن كتب هذه الأسطر، حدث ما كتبه في زاريا بالفعل. فاختفى القمر من السماء، وغطى الظلام الأرض فيها. وسمع صوتًا يناديه من بعيد. فتبع الصوت، ووجد نفسه أمام باب مغلق. ومكتوب عليه "هذا باب المرآة المسحورة، لا يستطيع أحد فتحه إلا بكلمة السر. وهي ....."
فرح كثيرًا، فظن أنه وجد طريقة للوصول إلى المرآة المسحورة. لكنه تعجب من أن الكلمة السر لم تكتب بالكامل. فحاول أن يتذكر ما كتبه في روايته عن كلمة السر، فلم يتذكر. فقد نسي كثيرًا من تفاصيل روايته، بعد أن عاش في زاريا فترة طويلة.
فأخذ يجرب كلمات مختلفة، محاولًا فتح الباب. قال: "الخيال؟ الحلم؟ الإبداع؟ القصة" لكن الباب لم يفتح. فزاد من توتره وقلقه، خوفًا من أن يأتي سليمان ويمنعه من الوصول إلى المرآة.
فجأة، سمع صوتًا آخر يقول: أحمد، أحمد. أنا هنا. فالتفت وفوجئ بأنها أسيل. رآها تقف خلفه، تنظر إليه بعينين حزينتين. قالت له: أنا أعرف كلمة السر. أعرف ما كتبته في روايتك، وأذكر كل شيء عن حياتنا السابقة.
اندهش من كلامها، وشعر بالفرح والأمل. قال لها: أسيل، هل هذا حقًا أنتِ؟ هل استعدتِ ذكرياتك؟ هل تذكرين ما كتبته في الرواية؟
قالت له: نعم، أنا هي. لقد استعدت ذكرياتي، وأتذكر ما كتبته في روايتك. وافتقدتك كثيرًا.
شعر بالدهشة والسرور. قال لها: أنا أيضًا أفتقدك، يا أسيل. لكن كيف استعدت ذكرياتك؟ كيف تخلصت من سحر سليمان؟
قالت له: لقد كان بفضلك. فعندما رأيتك تحاول حرق الكتاب، شعرت بشيء يتحرك في قلبي. شعرت بأنني أعرفك من قبل، وبأنني أحبك من قبل. فذهبت إلى مكتبة سليمان، ووجدت نسخة من روايتك. قرأتها بسرية وعرفت الحقيقة. عرفت أنني أميرة في هذا العالم، وأنك بطل روايتك. عرفت أن سليمان خطفني منك، وغير ذكرياتي وشخصيتي. عرفت أن هذا عالم خيالي، وأن الواقع هو عالمك فقط.
- ولكن كيف تمكنت من الهروب من سليمان يا حبيبتي؟
- لقد استخدمت قوة الحب، فهو أقوى من السحر. الحب يا حبيبي جعلني أستعيد ذكرياتي، وأقاوم سحر سليمان، وأجد طريقة للوصول إليك. أنا أعرف كلمة السر وهي "الواقع" تعال معي نفتح الباب معًا، ونكسر المرآة. ونهرب إلى عالمك معًا.
ذهبا إلى الباب، وقالا بصوت واحد: "الواقع" فانفتح الباب وظهرت المرآة المسحورة أمامهما. كانت المرآة تلمع بضوء أزرق، وظهرت صورة سليمان في وسطها. وهو يقف وسطها بشكله الغضب والمخيف. قال لهما بصوت عاتي: ماذا تفعلان؟ كيف تجرؤان على خيانتي؟ كيف وتحاولان تدمير هذا العالم الجميل، هذا العالم هو الواقع وعالمك هناك هو الخيال!
لم يخف منه، بل تحداه وقال له: سليمان، أنت طاغية وكذاب. أنت خطفت أسيل مني، وغيرت ذكرياتها ومحوت شخصيتها. جذبتني إلى هنا وحبستني في عالم خيالي. استخدمت المرآة المسحورة لجعل الخيال حقيقة والواقع خيال.
رد عليه: أنت جاهل وضعيف، أنت لم تخلق زاريا بل أنا الذي خلقته. واستوليت على روايتك، وأضفت إليها ما شئت. جعلت من نفسي ملكًا عادلًا وحكيمًا، وجعلت منك صديقًا عزيزًا، جذبتك إلى هنا وأردت أن أشاركك حياتي السعيدة. لكنك رفضت كل ذلك.
رد عليه: أنت كاذب وملك ظالم. لقد سرقت روايتي وحرفتها عن مضمونها، وجعلت من نفسك طاغية ومخادعًا، وجعلت مني عدوًا لك. أنت جذبتني إلى زاريا، وأردت أن تحبسني في عالم مزيف.
ثم التفت إلى أسيل قال لها: هيا بنا. لنهرب سويًة ونعود إلى عالمي الحقيقي.
جرها بيده وركض نحو المرآة المسحورة محاولًا الخروج منها. لكن سليمان لم يدعه يفلت منه. فأطلق عليهما من عينيه شعاعًا أزرق، فشعرا بصداع شديد، وبدأت ذكرياتهما تتضبب في عقليهما حتى نسيا من هما ما حدث لهما؛ فصارا كالأطفال الصغار لا يعرفون شيئًا عن العالم.
ابتسم سليمان وقال: هكذا يجب أن تكونوا طائعون وسعداء. هكذا يجب أن تكون زاريا خالية من الشر والخيانة والخطأ.
ثم قال للمرآة المسحورة: اغلقي الباب؛ فأغلقته خلفهم وانطفأ ضوؤها.
وبقي أحمد وأسيل حبيسي سحر سليمان في زاريا إلى الآبد. فلم تطبع الرواية، ولم يقرأها احد.
فراس عبد الحسين