حبه للفن والجمال دفعه أن يعمل حارسًا في متحف الفنون في المدينة. يشاهد اللوحات الفنية طوال الليل، يتعرف على قصصها ورساميها، يتفاعل معها بشكل غريب ويتخيل نفسه بين أطرها ويعيش بين طيف ألوانها.
رأى لوحة فنية جديدة لم يرها من قبل. كانت تصور مشهدًا ريفيًا، بألوان زاهية وتفاصيل دقيقة. تظهر فيها مزرعة صغيرة، محاطة بالأشجار والزهور والحيوانات، وعائلة وجوههم مبتسمة، تعمل وتلعب وتضحك. غيوم متناثرة في السماء، تشرق من بينها الشمس بأشعتها الباهتة تحتها قوس قزح رائع.
دهش باللوحة، وشعر بالإعجاب بالرسام الذي رسمها. فقرأ الوصف الذي كان مكتوبًا على لافتة بجانبها:
(هذه اللوحة، عمل فني للرسام والروائي علاء مشذوب، الذي عُرف بأعماله الفنية والأدبية. هي جزء من سلسلة لوحات اسمها "12 إطار"، التي رسمها قبل مقتله في عام 2019. وهي تستكشف فكرة الزمن والذاكرة والخيال في الفن. اختار 12 لوحة فنية من مختلف العصور والثقافات، وأضاف إليها حركة وصوت باستخدام التقنية الرقمية. هذه اللوحات تصبح حية، وتروي قصصًا جديدة، لا تخضع لقوانين المنطق أو الواقع. هي نسخة معدلة من لوحة "الطبيعة المثالية" للرسام بول سيزان. تصور مشهدًا رائعًا من الطبيعة، يجسد فكرة الجنة على الأرض. أضاف إليها حركات دقيقة للغيوم والطيور والأوراق، مع انغامًا موسيقية هادئة، تناسب المشهد الهادئ. تدعو المشاهد إلى الاستمتاع بالجمال والسلام والبساطة)
قرأ الوصف بانتباه، وشعر بالفضول. فقرر أن يجرب التقنية الرقمية التي استخدمها مشذوب. أخذ سماعات الأذن والنظارات الذكية التي كانت بجانب اللوحة، ارتداها ونظر اليها مرة أخرى.
فوجئ بما شاهده، لم تبقَ الرسوم ثابتة أو صامتة؛ بل صارت متحركة ومسموعة، تعرض فيلمًا قصيرًا، يستمر لأربع دقائق ونصف. في هذا الفيلم يمكن رؤية التغيرات الطفيفة في اللوحة، وسماع الموسيقى الجميلة التي اختارها مشذوب.
شعر بالإعجاب والدهشة. وكأنه يدخل في عالم آخر من الفن والخيال، ويعيش في اللوحة، ويشارك في قصتها. وكأنه يزور الجنة دقائق معدودة.
ولكن هذا الشعور لم يدم طويلًا؛ بعد أن انتهى الفيلم، حدث شيء غير متوقع، بدلًا من أن تعود اللوحة إلى حالتها الأصلية، تغيرت تمامًا. صارت تصور مشهدًا مختلفًا، رأى فيها مدينة عصرية ومزدحمة، بألوان باهتة وتفاصيل قبيحة، فيها مباني عالية والكثير من السيارات والقليل من البشر، وسماء مغبرة وشمس باهتة وقوس قزح بألوان شاحبة، ولون الدم يغطي كل تفاصيلها.
كان مرتبكًا وغاضبًا وحزينًا، ويشعر بأنه في كابوس، كأنه خرج من الجنة إلى الجحيم، ولم يكن هذا كل شيء. فقد سمع صوتًا يناديه:
"أهلًا بك في عالم الروح، أنا علاء مشذوب رسام هذه اللوحة. حضرت هنا لإخبارك بسرها، هي ليست لوحة عادية، بل هي سحرية، تستطيع أن تقرأ أفكارك ومشاعرك، وتظهرها على القماش. وتأخذك إلى عالم آخر، عالم من خيالك. تجعلك تعيش قصة من اختيارك. عندما نظرت اليها أول مرة، رأيت مشهدًا رائعًا من الطبيعة، يجسد فكرة الجنة على الأرض؛ هذا لأنك كنت سعيدًا ومبتهجًا ومتفائلًا، وتحب الفن والتاريخ والجمال، تحب الحياة.
ولكن عندما نظرت اليها في المرة الثانية، رأيت مشهدًا مختلفًا. رأيت مدينة عصرية ومزدحمة، بألوان باهتة وتفاصيل قبيحة. هذا لأنك كنت حزينًا وغاضبًا ومحبطًا، وتكره الفن والتاريخ والجمال. تكره الحياة. هذه هي حقيقة اللوحة. لأنها مرآة لروحك واختبار لإنسانيتك. إذا كنت ترغب في رؤية الجنة مرة أخرى، فعليك أن تغير نفسك، وتصبح أكثر سعادة وإبداعًا وإيجابية. وأكثر حبًا وسلامًا وبساطة. اما إذا اردت القاء في الجحيم؛ فعليك أن تبقى كما أنت، بل تكون أكثر حزنًا وغضبًا وإحباطًا. الخِيار لك."
شعر بالدهشة والخوف، وبقي صامتًا لا يستطيع التفكير. كأنه في امتحان تقرير المصير. قرر أن يجرب نفسه في اللوحة. وضع السماعات في أذنه والنظارات الذكية على عينيه، ثم نظر اليها مرة أخرى.
لم تعد كما كانت؛ بل باتت تصور مشهدًا جديدًا يجمع بين الجنة والجحيم، تصور مدينة عصرية وريفية، بألوان زاهية وباهتة وتفاصيل جميلة وقبيحة. تظهر مزارع ومباني وسيارات وحيوانات وناس. سماء صافية ومغبرة وشمس مشرقة وباهتة وقوس قزح رائع ومختفي.
كان مرتابًا ومستغربًا ومتعجبًا، فقال: ما هذا المشهد؟ ما هذه اللوحة؟ ما هذا العالم؟ لكنه لم يجد إجابة؛ فقد سكت مشذوب وظلت اللوحة كما هي. بقي حائرًا، ولا يستطيع فهم ما يجري. شعر بأنه يدور وسط سؤال صعب، ولغز لا يحل.
لم يستسلم للحيرة والجهل بل بحث عن الإجابة. أخذ الكتاب الموجود بجانب اللوحة وفتحه. كان يحتوي على مقالات ومقابلات ونقد عن الفنان وأعماله الفنية والأدبية. قرأه بشغف، وحاول أن يفهم رؤيته وفلسفته.
فوجد أنه كان فنانًا مبدعًا ومثيرًا للجدل؛ يهتم بالعلاقة بين الفن والواقع، وبين المشاهد والعمل الفني. ويسعى إلى خلق أعمال فنية تحفز التفكير والتخيل والتعاطف، باستخدام التقنية الرقمية لإضافة حركة وصوت إلى اللوحات الثابتة، وإنشاء عوالم جديدة من خياله. كان علاء يرى أن الفن بأنواعه هو لغة عالمية تتجاوز الحدود والثقافات.
أعجب بالفنان وأعماله، وشعر بأنه قد تعلم شيئًا مهمًا جديدًا.
لكن هذا لم يكن كل شيء، فبعد أن انتهى من قراءة الكتاب؛ حدث شيء آخر. فبدلًا من أن تبقى اللوحة كما هي، تغيرت مرة أخرى. أصبحت تصور مشهدًا آخر، يجسد فكرة الفن على الأرض. وتصور مدينة عصرية وثقافية، بألوان متنوعة وتفاصيل رائعة، فيها متاحف وجسور وساحات وفنانين وزوار. وسمع مرة أخرى.
"أهلًا بك في عالم الروح. أنا علاء مشذوب، رسام هذه اللوحة. هي ليست لوحة سحرية، بل هي لوحة فنية. هي لا تستطع أن تقرأ أفكارك ومشاعرك، بل تعبر عن أفكاري ومشاعري. ولا تأخذك إلى عالم آخر، بل تدعوك إلى عالمي. ولا تجعلك تعيش قصة، بل هي تروي قصتي. عندما صنعتها، كنت في مرحلة صعبة من حياتي. كنت مريضًا بالسرطان، وأعلم أنني سأموت قريبًا. كنت حزينًا وخائفًا ومتشائمًا، وأشعر بأن حياتي لا معنى لها، وأن عملي الفني لا قيمة له. ولكن في الوقت نفسه، كنت أشعر بالشوق والحنين والأمل، وأن هناك شيئًا جميلًا ومهمًا في الحياة، يستحق العيش من أجله. شيئًا عظيمًا وساميًا في الفن، يستحق الإبداع من أجله. فقررت أن أرسم لوحة تجسد هذه المشاعر المتضاربة. تجمع بين الجنة والجحيم، بين الفرح والحزن، بين الحق والباطل. لوحة تسأل عن معاني الحياة والموت، هذه حقيقتها. هي رسالة من روحي إلى روحك. ودعوة لإنسانيتك. إذا كنت ترغب في فهمها، فعليك أن تغير نظرتك، وتصبح أكثر اهتمامًا وفهمًا وانفتاحًا. وأكثر تفكيرًا وتخيلًا وتعاطفًا. ولكن إذا كنت ترغب في نسيانها، فعليك أن تبقى كما أنت. عليك أن تصبح أكثر جهلًا وغفلًا. وأكثر سطحية ولا مبالات. الخِيار لك."
ثم اختفى صوت علاء مشذوب، وظلت اللوحة كما هي.
فراس عبد الحسين
رأى لوحة فنية جديدة لم يرها من قبل. كانت تصور مشهدًا ريفيًا، بألوان زاهية وتفاصيل دقيقة. تظهر فيها مزرعة صغيرة، محاطة بالأشجار والزهور والحيوانات، وعائلة وجوههم مبتسمة، تعمل وتلعب وتضحك. غيوم متناثرة في السماء، تشرق من بينها الشمس بأشعتها الباهتة تحتها قوس قزح رائع.
دهش باللوحة، وشعر بالإعجاب بالرسام الذي رسمها. فقرأ الوصف الذي كان مكتوبًا على لافتة بجانبها:
(هذه اللوحة، عمل فني للرسام والروائي علاء مشذوب، الذي عُرف بأعماله الفنية والأدبية. هي جزء من سلسلة لوحات اسمها "12 إطار"، التي رسمها قبل مقتله في عام 2019. وهي تستكشف فكرة الزمن والذاكرة والخيال في الفن. اختار 12 لوحة فنية من مختلف العصور والثقافات، وأضاف إليها حركة وصوت باستخدام التقنية الرقمية. هذه اللوحات تصبح حية، وتروي قصصًا جديدة، لا تخضع لقوانين المنطق أو الواقع. هي نسخة معدلة من لوحة "الطبيعة المثالية" للرسام بول سيزان. تصور مشهدًا رائعًا من الطبيعة، يجسد فكرة الجنة على الأرض. أضاف إليها حركات دقيقة للغيوم والطيور والأوراق، مع انغامًا موسيقية هادئة، تناسب المشهد الهادئ. تدعو المشاهد إلى الاستمتاع بالجمال والسلام والبساطة)
قرأ الوصف بانتباه، وشعر بالفضول. فقرر أن يجرب التقنية الرقمية التي استخدمها مشذوب. أخذ سماعات الأذن والنظارات الذكية التي كانت بجانب اللوحة، ارتداها ونظر اليها مرة أخرى.
فوجئ بما شاهده، لم تبقَ الرسوم ثابتة أو صامتة؛ بل صارت متحركة ومسموعة، تعرض فيلمًا قصيرًا، يستمر لأربع دقائق ونصف. في هذا الفيلم يمكن رؤية التغيرات الطفيفة في اللوحة، وسماع الموسيقى الجميلة التي اختارها مشذوب.
شعر بالإعجاب والدهشة. وكأنه يدخل في عالم آخر من الفن والخيال، ويعيش في اللوحة، ويشارك في قصتها. وكأنه يزور الجنة دقائق معدودة.
ولكن هذا الشعور لم يدم طويلًا؛ بعد أن انتهى الفيلم، حدث شيء غير متوقع، بدلًا من أن تعود اللوحة إلى حالتها الأصلية، تغيرت تمامًا. صارت تصور مشهدًا مختلفًا، رأى فيها مدينة عصرية ومزدحمة، بألوان باهتة وتفاصيل قبيحة، فيها مباني عالية والكثير من السيارات والقليل من البشر، وسماء مغبرة وشمس باهتة وقوس قزح بألوان شاحبة، ولون الدم يغطي كل تفاصيلها.
كان مرتبكًا وغاضبًا وحزينًا، ويشعر بأنه في كابوس، كأنه خرج من الجنة إلى الجحيم، ولم يكن هذا كل شيء. فقد سمع صوتًا يناديه:
"أهلًا بك في عالم الروح، أنا علاء مشذوب رسام هذه اللوحة. حضرت هنا لإخبارك بسرها، هي ليست لوحة عادية، بل هي سحرية، تستطيع أن تقرأ أفكارك ومشاعرك، وتظهرها على القماش. وتأخذك إلى عالم آخر، عالم من خيالك. تجعلك تعيش قصة من اختيارك. عندما نظرت اليها أول مرة، رأيت مشهدًا رائعًا من الطبيعة، يجسد فكرة الجنة على الأرض؛ هذا لأنك كنت سعيدًا ومبتهجًا ومتفائلًا، وتحب الفن والتاريخ والجمال، تحب الحياة.
ولكن عندما نظرت اليها في المرة الثانية، رأيت مشهدًا مختلفًا. رأيت مدينة عصرية ومزدحمة، بألوان باهتة وتفاصيل قبيحة. هذا لأنك كنت حزينًا وغاضبًا ومحبطًا، وتكره الفن والتاريخ والجمال. تكره الحياة. هذه هي حقيقة اللوحة. لأنها مرآة لروحك واختبار لإنسانيتك. إذا كنت ترغب في رؤية الجنة مرة أخرى، فعليك أن تغير نفسك، وتصبح أكثر سعادة وإبداعًا وإيجابية. وأكثر حبًا وسلامًا وبساطة. اما إذا اردت القاء في الجحيم؛ فعليك أن تبقى كما أنت، بل تكون أكثر حزنًا وغضبًا وإحباطًا. الخِيار لك."
شعر بالدهشة والخوف، وبقي صامتًا لا يستطيع التفكير. كأنه في امتحان تقرير المصير. قرر أن يجرب نفسه في اللوحة. وضع السماعات في أذنه والنظارات الذكية على عينيه، ثم نظر اليها مرة أخرى.
لم تعد كما كانت؛ بل باتت تصور مشهدًا جديدًا يجمع بين الجنة والجحيم، تصور مدينة عصرية وريفية، بألوان زاهية وباهتة وتفاصيل جميلة وقبيحة. تظهر مزارع ومباني وسيارات وحيوانات وناس. سماء صافية ومغبرة وشمس مشرقة وباهتة وقوس قزح رائع ومختفي.
كان مرتابًا ومستغربًا ومتعجبًا، فقال: ما هذا المشهد؟ ما هذه اللوحة؟ ما هذا العالم؟ لكنه لم يجد إجابة؛ فقد سكت مشذوب وظلت اللوحة كما هي. بقي حائرًا، ولا يستطيع فهم ما يجري. شعر بأنه يدور وسط سؤال صعب، ولغز لا يحل.
لم يستسلم للحيرة والجهل بل بحث عن الإجابة. أخذ الكتاب الموجود بجانب اللوحة وفتحه. كان يحتوي على مقالات ومقابلات ونقد عن الفنان وأعماله الفنية والأدبية. قرأه بشغف، وحاول أن يفهم رؤيته وفلسفته.
فوجد أنه كان فنانًا مبدعًا ومثيرًا للجدل؛ يهتم بالعلاقة بين الفن والواقع، وبين المشاهد والعمل الفني. ويسعى إلى خلق أعمال فنية تحفز التفكير والتخيل والتعاطف، باستخدام التقنية الرقمية لإضافة حركة وصوت إلى اللوحات الثابتة، وإنشاء عوالم جديدة من خياله. كان علاء يرى أن الفن بأنواعه هو لغة عالمية تتجاوز الحدود والثقافات.
أعجب بالفنان وأعماله، وشعر بأنه قد تعلم شيئًا مهمًا جديدًا.
لكن هذا لم يكن كل شيء، فبعد أن انتهى من قراءة الكتاب؛ حدث شيء آخر. فبدلًا من أن تبقى اللوحة كما هي، تغيرت مرة أخرى. أصبحت تصور مشهدًا آخر، يجسد فكرة الفن على الأرض. وتصور مدينة عصرية وثقافية، بألوان متنوعة وتفاصيل رائعة، فيها متاحف وجسور وساحات وفنانين وزوار. وسمع مرة أخرى.
"أهلًا بك في عالم الروح. أنا علاء مشذوب، رسام هذه اللوحة. هي ليست لوحة سحرية، بل هي لوحة فنية. هي لا تستطع أن تقرأ أفكارك ومشاعرك، بل تعبر عن أفكاري ومشاعري. ولا تأخذك إلى عالم آخر، بل تدعوك إلى عالمي. ولا تجعلك تعيش قصة، بل هي تروي قصتي. عندما صنعتها، كنت في مرحلة صعبة من حياتي. كنت مريضًا بالسرطان، وأعلم أنني سأموت قريبًا. كنت حزينًا وخائفًا ومتشائمًا، وأشعر بأن حياتي لا معنى لها، وأن عملي الفني لا قيمة له. ولكن في الوقت نفسه، كنت أشعر بالشوق والحنين والأمل، وأن هناك شيئًا جميلًا ومهمًا في الحياة، يستحق العيش من أجله. شيئًا عظيمًا وساميًا في الفن، يستحق الإبداع من أجله. فقررت أن أرسم لوحة تجسد هذه المشاعر المتضاربة. تجمع بين الجنة والجحيم، بين الفرح والحزن، بين الحق والباطل. لوحة تسأل عن معاني الحياة والموت، هذه حقيقتها. هي رسالة من روحي إلى روحك. ودعوة لإنسانيتك. إذا كنت ترغب في فهمها، فعليك أن تغير نظرتك، وتصبح أكثر اهتمامًا وفهمًا وانفتاحًا. وأكثر تفكيرًا وتخيلًا وتعاطفًا. ولكن إذا كنت ترغب في نسيانها، فعليك أن تبقى كما أنت. عليك أن تصبح أكثر جهلًا وغفلًا. وأكثر سطحية ولا مبالات. الخِيار لك."
ثم اختفى صوت علاء مشذوب، وظلت اللوحة كما هي.
فراس عبد الحسين