حصل شخص اسمه معين على وظيفة جديدة وهي حارس لدورة مياه وحيدة في احدى القرى ومهمته منع اي شخص من الدخول اليها الا بإذن رسمي موقع من الادارة المختصة
وهذه الادارة تقع في مدينة تبعد قرابة ساعتين بالسيارة من هذه القرية
ومديرها المسؤول عن التوقيع على هكذا إذن وتعتبر أي ورقة تخرج من ادارته دون توقيعه لاغية لا يحضر سوى يومين في الاسبوع حيث نصحه الطبيب بالابتعاد قدر الامكان عن هذه الادارة سيئة السمعة ذات الرائحة الكريهة غير معلومة المصدر
رغم ان وزير البيئة كان قد شكل عدة لجان تحقيق لا تخرج سوى بنتيجة واحدة (نقص التهوية لقلة خبرة المهندس باني المبنى)
يحبس المهندس ويتم الانتقال لمبنى جديد وتنتقل اليه الرائحة كما هي حتى بدأ الاعلام الحكومي بمناقشة رش المنطقة بنفايات نووية من قبل سلطنة معاديه باستخدام سلاح هارب حيث ترش الطائرات وتهرب سريعا دون ان يلحظها احد
ازعجت هذه الرائحة مدير الادارة ولم يعد يحتمل وعلاجه وفق التقرير الطبي الموقع والمختوم بعدة اختام ان يقضي عدة ايام اسبوعيا على شاطئ البحر حيث الطبيعة والجمال والهواء النقي وأن لا يلتحق بعمله في الادارة سوى يومين في الاسبوع
كان معين حارس الحمام الوحيد في القرية مصمما على ان يكون موظفا ملتزما ومثاليا والموظف المثالي هو المواطن الصالح الذي تحبه السلطنة وتكرمه وتهديه شهادة تقدير وثلاجة كما رأى في أحد المسلسلات
حاول الالتزام في البداية ومنع الاول ثم الثاني ثم الثالث ثم تفاجأ بأن جميع من في القرية قد شرعوا في الهجوم عليه وتبدو عليهم علامات الغضب والتنديد فدخل الحمام واغلق الباب باحكام ثم سمع طرقا رزينا على الباب فقال من؟ فرد الطارق انا ابو سلامة وهذا هو كبير القرية الوقور مسموع الكلمة
ففتح معين وقال تفضل بالدخول لنشرب الشاي ثم استدرك واعتذر لهول الموقف وتهللت اساريره عندما سأله ابو سلامة عن الشروط والاجراءات الرسمية الواجبة للدخول الى الحمام
وبعد ان اجابه الحارس طلب أبو سلامة من بعض شباب القرية أن يتطوعوا لحماية الحمام من كل من يحاول تخريبه أو اقتحامه دون حمل مستند شرعي يؤهله للدخول فوافقوه على ذلك
وانصرف هو واهل القرية
مر اسبوع واسبوعان وعجز اهل القرية عن المجيء سريعا بالاذن الرسمي الموقع من الادارة كلما اراد احدهم الدخول الى الحمام خاصة ان المدير ابن الناس غير المعتاد على رائحة الادارة الكريهة قد امره الطبيب هذه المره بالسفر الى النرويج للاستجمام والاستمتاع بمزيد من الهواء النقي لمدة لا تقل عن ثلاثة اشهر
ملأت الرائحة الكريهة القرية فشعر الحارس معين بدوار وقرر ان يذهب الى طبيب المدير بعد ان سمع انه متخصص في مثل هذه الحالات وجمع المال اللازم من اهل القرية الذين حزنوا عليه واخذوا يتضرعون الى الله لشفائه إذ وعدهم خيرا وذهب الى الطبيب وطلب منه ان يأمره بالسفر الى كندا للعلاج وأن لا يسمح له بالعوده فوبخه الطبيب بشده لمخالفة هذا لضميره المهني وقسمه كطبيب وطرده
وفي احدى المرات كان معين يجلس الى مكتبه قرب باب الحمام حزينا مهموما يفكر في خطيبته التي تركته وتزوجت لصا يسكن في قرية بعيده ومستاء من الرائحة التي لا تطاق ومانعا كل من يحاول دخول الحمام دون اذن وحالما بثلاجة تحفظ له طبخ أمه لعدة ايام ليريحها من الطبخ كل يوم كما وعدها مستذكرا فرحتها بوعده واستبشارها بوظيفته الجديده بعد طول بطالة وغاضبا من خصم الكثير من راتبه كل شهر بسبب الشكاوى التي تصل الى المحافظ عن عفونة هذه القرية وهو المسؤول الوحيد عن الصرف الصحي فيها..
مرت الايام وصار اهل القرية يقفون سعداء في طابور طويل جدا امام باب الحمام وهناك عدد من العمال الذين عينهم معين ينظمون صفوف الاهالي ودخولهم الى الحمام دون الحاجة لإذن كتابي من المدينة وقد قلت الرائحة الكريهة بشكل كبير الا انها لا تزال موجوده ويشرف معين على العمال من وقت لأخر فقد بات مشغولا بمطعم اشتراه في قرية مجاورة
انتهت رحلة الاستجمام الطبية في النرويج لمدير الاداره المسؤولة عن منح الاذن الكتابي الموقع لكل من يريد دخول الحمام الوحيد في القرية فاتصل بالطبيب من النرويج وتحدث معه طويلا ثم سافر الى فرنسا وشوهد وهو يرقص سكرانا في احد البارات هناك وفي يده سيجار كوبي وحول رقبته سلسلة ذهب مرصعة بالالماس وحالقا شعره على الزيرو
وصل الخبر الى السلطات في بلاده فشكلت لجنة تحقيق وتم استدعاء الطبيب والتحقيق معه
فقال الطبيب ان الرقص اسلوب علاجي حديث يهدف الى تنشيط الدورة الدموية خاصه بعد رحلات الاستجمام الطويلة
فسئل عن السكر فقال هذه سهله فالخمر كما سمعت مفيد لصحة القلب
فسئل لماذا فرنسا بالذات؟
هنا ارتبك الطبيب وتصبب عرقا وقال لقد أمرته بالذهاب الى ايطاليا فخالف تعليماتي واخذ يصرخ انا بريء انا بريء
تم حبس الطبيب على ذمة القضيه وبعد البحث والتدقيق تبين انه حاصل على شهادة طب مزورة من جامعة السوربون
استمر التحقيق لعدة اشهر وتم حبس معين حارس الحمام والعمال الذين عينهم وابو سلامة كبير القرية ومؤمن مجذوب القرية ومبروكها لأنه شتم الحكومة عندما رآها ونائب مدير الاداره المسؤولة بصفته شيطان اخرس رغم انه كان يقسم ان المدير اصدر قرارا بأنه المخول الوحيد بالتوقيع على الاذن الكتابي قبل سفره خشية ازدياد نفوذ نائب المدير فيحل محله وانه كنائب كان يرسل الموظفين يوميا الى القرية لتوعيتهم بأهمية النظافة وضرورة التقيد بالاشتراطات الرسمية اللازمة لدخول الحمام وتحقيق النظافة والعيش بود وسلام وتآخي بين افراد المجتمع..
أما المدير فقد احتيج الى وقت طويل ليقبض عليه من قبل الانتربول فقد عاش متنكرا بزي رحالة من المشرق يهدف الى الاطلاع على احدث ما توصل اليه الغرب من تقنيات خاصة بالصرف الصحي لنقلها الى الشرق وغير اسمه من سعيد الى سعد وارتدى قبعة مكسيكية وشورت جنوب افريقي مخطط باللونين الوردي والاخضر وتيشيرت بألوان مختلفة ومليء بصور تؤكد لأي ناظر ان التيشيرت من جزر هاواي وحذاء اصفر فسفوري وجورب احمر مرسوم عليه ميكي ماوس ونظارة شمسية يلبسها ليل نهار بحجة ان طبيبا نمساويا قد أمره بذلك وصادق كبار مسؤولي شركات الادوات الصحية في اوروبا مدعيا انه سليل احدى الاسر المالكة في الشرق الاوسط فصدقوه دون ان يطلبوا منه اي دليل
وبينما كان يتجول في أحد معارض بلجيكا رفقة صديقه بيتر لفت انتباهه مرحاض اليكتروني يعمل بواسطة جهاز تحكم عن بعد مسكه سعد وضغط الزر الاول فانفتح غطاء المرحاض وضغط الثاني فنظف المرحاض نفسه بنفسه ثم الثالث فانغلق الغطاء ثم ضغط الرابع فسمع أغنية ثم الخامس فنفث المرحاض رائحة زكيه وهكذا وسعد يضحك ضحكة بلهاء مع كل ضغطة زر واستقر أخيرا على زرين زر فتح الغطاء وزر اغلاقه وجعل يتناوب عليهما متلفتا على جمهور المعرض وعلى وجهه ابتسامة تحقيق انجاز عظيم حتى شعر بيتر بالحرج وقال له هذا يكفي فيرد سعد انه دوري أكلما وقع شيء في يدي تريد أن تأخذه سأعطيك الجهاز عندما يحين دورك ويستمر في الضغط على الازرار
حتى ضغط زر الغلق واراد ان يفتح من جديد فلم يفلح فتحولت ابتسامة تحقيق الانجاز الى ابتسامة ورطة واخفى الامر عن الجميع معيدا الجهاز الى موظف الشركة صاحبة الاختراع وقائلا انه يفكر في استيراد ثلاثة آلاف مرحاض من هذا النوع العجيب تحديدا
وفي يوم دخل سعد الى احد محلات الزهور في هولندا وأخذ يغازل البائعة ويقول انه يريدها زوجة ثالثة له بشرط ان تستيقظ قبله في الصباح لتعد له الافطار وان تحترمه ولا ترفع صوتها عليه ولا تناديه الا بسي السيد مستخدما ترجمة جوجل
فقالت حسنا ولكن دعني اتصل بوالدي لأخبره بالامر فيبدو أنك عريس لا تعوض
قال تفضلي
وبدأ في هذه الاثناء البحث من خلال الانترنت عن اسعار الفنادق في ساوباولو لقضاء شهر العسل هناك مرتديا هذه المرة تيشيرت أبيض عادي ولكنه مليء بقلوب الحب وشورت اسود عادي ايضا إلا انه من شركة تتخذ من شعار القراصنة علامة تجارية لها وحذاء اخضر فسفوري وجورب وردي مكتوب عليه عبارة (I love you) بأحجام مختلفة وقبعة سوداء لا لبس فيها أو عيب ولا حتى أي علامة تجارية إلا انها تشبه قبعة ساحر ألعاب الخفة وارتداها بعد أن أخبره أصدقاؤه أن قبعته المكسيكية عريضة جدا
وكان قد رش ملابسه بعطر سويسري له مفعول السحر ولا يمكن لأي فتاة مقاومته
وما هي الا لحظات حتى دخلت الشرطة لتقبض عليه فبادر سعد الى القول بصوت عال بيتر هو من أتلف المرحاض وليس أنا
فقال الشرطي عن أي مرحاض تتحدث؟ لقد جئنا بناء على اتصال من هذه الشابة تدعي فيه انك ازعجتها قرابة الثلاث ساعات وكلما طردتك قطفت زهورا من الشارع وجئتها تقول الا تشمين العطر الذي اضعه؟ ألا ترين قلوب الحب؟ وترفع قدمك الى وجهها وتقول اقرئي ما هو مكتوب في الجورب من فضلك
ألا تستحي؟
هنا نظر سعد الى البائعة وقال مقتبسا أغنية لعبدالوهاب كان قد حفظ أجزاء منها منذ فترة مراهقته لاستخدامها وقت اللزوم…
((ماذا أقول لأدمع سفحتها أشواقي إليك
ماذا أقول لأضلع مزقتها خوفا عليك
أأقول هانت؟.. أأقول خانت
أأقولها؟..))
فتكلمت البائعة بكلام لم يفهمه سعد فقال غاضبا:
((لا تكذبي إني رأيتكما معا))
وهذا الشرطي وهذه أنت
ثم قال..
((أيظن أني لعبة بيديه))
وهو يخرج من جيبه شهادة طبية معتمده تثبت انه (فاقد لكامل قواه العقلية ومن حقه فعل ما يريد لانه غير مسؤول عن تصرفاته) وسلمها للشرطي وفي اثناء قراءة الشرطي للشهادة كان سعد ينظر الى البائعة بابتسامة (المنتصر بعد تعرضه لطعنة في الظهر) وبعد انتهاء الشرطي قال له ماهذا؟
قال سعد سأوضح لك
واخرج من جيبه الآخر صافرة وبطاقة حمراء وصفر وهو يرفع البطاقة الحمراء على الشرطي الذي استغرب وسأله مرة أخرى ماذا تفعل؟
فقال سعد من أي المدن انت؟
فرد الشرطي انا من فوليندام
فضحك سعد قائلا لذلك لم تفهم فلقد طردتك للتو من الملعب بسبب معاناتي من خلل جيني في الدماغ يجعلني اعتقد أنني حكم في مباراة كرة قدم طوال الوقت وأنا مستمر في العلاج ولدي الآن موعد مع الطبيب
good bye وبدأ يهرب حتى تم الامساك به وسعد يصيح:
Don't you know who I am?
Don't you know who my grandfather is?
Something bad will inevitably happen to you
فتركه الشرطي بعد أن ظن أنه عضو في العائلة الملكية الهولندية وطلب منه ابراز هويته
استغل سعد الموقف وخطف قبعة الشرطي وبدأ يجري ملقيا قبعة الساحر التي كان يرتديها على الارض وارتدى قبعة الشرطي وأخذ يصفر بصافرته أثناء هروبه
واستمرت الملاحقة لفترة وكان الناس المتجمهرون على جانبي الشارع يصفقون ويضحكون بسعادة معتقدين أن هذا الحدث هو أحد فقرات مهرجان الزهور السنوي الذي يقام في أمستردام خاصة ان سعد كان لا يزال ممسكا بالزهور التي قطفها من الشارع وهو يجري ويصفر والشرطي يجري خلفه
حتى دخل سعد مطعما وانضم لأسرة كانت تحتفل بعيد ميلاد طفلها وخلع قبعة الشرطي وارتدى طرطورا
وصل الشرطي الى المكان وبحث طويلا في الشارع القريب من المطعم واقترب منه ولم يجد أثرا لسعد حتى هم بالانصراف وفي أثناء ذلك تم اطفاء شموع الكعكة وسط التصفيق الحار واندمج سعد متأثرا بفرحة الطفل وصفر بصافرته المميزة بقوة فسمعها الشرطي ودخل بهدوء وحذر مقتربا من سعد الذي كان معطيا ظهره للشرطي ويتودد الى خالة الطفل وبينما كان يخرج هاتفه من جيبة ليبدأ في استخدام ترجمة جوجل انقض عليه الشرطي وقيده
لم تقتنع الشرطه بالشهادة الطبية لسعد ولا بتصرفاته المخبولة التي تمادت اثناء احتجازه وبعد التحري والتحقيق الطويل كشفت هويته الحقيقية فأرسل الى بلاده وحكم عليه وسجن مع المجموعة
تحسر الحارس معين الذي سيقضي بقية حياته في السجن ودمعت عيناه بعد ان علم ان اللص صابر الذي سرق خطيبته وتزوجها سيخرج من السجن في الغد بعد ان قضى ستة اشهر فقط لسرقته تيارا كهربائيا لإنارة المصلى الذي يعمل مؤذنا فيه براتب شهري مقدم من اهالي قريته وهو مضطر لهذا ومعتاد عليه حتى عرف في اوساط قريته باللص الشريف فمسجد القرية الفخم بعيد وقد بناه أثرى اثرياء القرية بجوار سوق تملكه حماة مسؤول الحي الذي يقطع الكهرباء عن المصلى دون سبب وجيه
وقرر المصلون في يوم الذهاب الى مسؤول الحي للتفاهم معه والاستفسار عن سبب قطع الكهرباء عن المصلى دون وجه حق
ولما دخلوا عليه في مكتبه وجدوا صورة كبيرة لحماته معلقة على الحائط وبجانب الصورة لوحة عليها شعار صممته حماته كبديل عن شعار السلطنة ومن رموزه عصا ونعال وشرفة منزل بها سلاسل وكرسي متحرك وكل هذا محاط بنجوم وفي أسفل اللوحة ملحوظة تخص النجوم وهي أنها (نجوم ليل في عز الظهر)
وهو مرتد نظارة قراءة ومنكب على قراءة كتاب (كيف تتخلص من حماتك في ظرف ثلاثة ايام) فأخفاه سريعا في الدرج فور رؤيتهم وسألهم عن سبب مجيئهم وتعطيلهم له وهو المشغول بمصالح العباد والبلاد
ولما اخبروه تجاهل الموضوع الأصلي وصار يتحدث عن أهمية صون الاسرة وحفظها من التشتت والضياع فهي لبنة من لبنات المجتمع وقوامه المتين وان من أسمى ما يصبو اليه المرء من نجاحات في حياته هو ان يقود سفينتها هادئة مطمئنة الى بر الامان وهو ينظر بعينيه المذعورتين تارة اليهم وتارة الى صورة حماته وأطال الحديث حتى سئموا وخرجوا ضاربين كفا بكف وقائلا احدهم عليه العوض ومنه العوض
والمسؤول مازال يتحدث وهو ينهض ويقترب من كاميرا مثبتة في زاوية الغرفة ليكمل حديثه اليها
ولا تنحل المشكلة ولا تعود الكهرباء
ويظل يقبض على المؤذن صابر(سارق الكهرباء) موظف بلديه شريف ملتزم بالقانون أحيانا ويتغاضى عنه في احيان اخرى موظف خائن لا يعبأ بأملاك السلطنة
اما قضية الحارس معين فخطيرة وتمس الامن القومي ولا مجال للتساهل فيها
وأسوأ المتهمين حظا فكان مؤمن مبروك القرية فقد سجن في زنزانة انفرادية وعومل ابشع معاملة لإدانته بأنه (العقل المدبر لعصابة اتخذته قائدا وموجها وعرابا وقد حجب نفسه عن أعين العدالة بستار المسكنة والدروشة تقليدا لأحد الأفلام الأجنبية) وفق حيثيات حكم المحكمة
وللأسف اذ كان قد بصم موافقا على جميع محاضر النيابة التي تتهمه بذلك طالبا المزيد وسط دهشة وفرحة المحقق الذي اهداه مكافأة له محبرة تبصيم ودفتر فارغ ليتسلى بالتبصيم عليه اثناء مكوثه في الزنزانة معتقدا انها لعبة ممتعة ومفيدة
مرت الايام والاسابيع والشهور وتحولت سعادة مؤمن بالمحبرة والدفتر والتبصيم الى صمت مطبق وهذيان كئيب لا هذيان مبهج مضحك كما اعتاد منه اهل قريته يتخلله بكاء كبكاء الاطفال من حين لآخر في زنزانة انفرادية موحشه ومازال يسأل في كل يوم الشاويش الذي يأتيه بالطعام عن موعد سفره الى الحج سواء كنا في محرم او ربيع الثاني فلا يعلم اصلا متى هو شهر الحج ولا كيفية اداء هذه الفريضه ولكنه وجد ان هناك من ينادى في قريته بالحاج فلان والحاج علان
فدخل مقهى القرية في يوم مرتديا ملابس الاحرام متوعدا كل من لا يلقبه بالحاج مؤمن برش الماء على ملابسه المنشورة على حبل الغسيل كلما اقتربت أن تجف فأفهمه صاحب المقهى ان عليه ان يحج ليصبح الحاج مؤمن وسط ضحكات رواد المقهى ونال ما جادت به انفس بعضهم من مال
ولا يعرف الآن سوى انه في غرفة جمع الحجاج تمهيدا لسفرهم ويتساءل عقله الصغير عن سبب وحدته وسبب تاخر السفر وقد بصم على الكثير من الاوراق والجدران والملابس وحتى الطعام المقدم له وكل ما يلزم لسفره للحج كما قيل له
ولا يملك الشاويش حين سماعه لسؤاله اليومي هذا أو الحاحه باكيا لأن يعود اذن الى غرفته البالية المهترئة والاستمتاع بالتجول في طرقات قريته بثوب مرقع رث ملاعبا ومسعدا لأطفالها سوى ان يحوقل ويسترجع بصوت خافت ويخرج سريعا بعدها وهو راض عن نفسه تمام الرضا لإحضاره رغيف خبز اضافي مع الوجبة دون علم رؤسائه حبا في هذا الرجل الطيب
ويغلق باب الزنزانة
ويدفع المزلاج الحديدي الصدئ ذا الصرير المزعج وهو يدعو الله في سره أن ينقذ مؤمن
ويدخل الطرف المعدني في ثقب القفل الضخم راجيا الله أن ينزل ملاكا لكسره فيرتاح مؤمن
ويتنهد تنهيدة عميقة متفحصا إحكام الاغلاق ويذهب معاودا التفكير..
أصالح هو حقا أم ممثل خطير كما تقول المحكمة ويريد أن يستعطفني؟ وكيف لمسكين أن يمتلك ضرسا ذهبيا؟ ولم أخذ يضرب فكه بكل ما امتلك من أدوات حين رحمه الضابط ووعده بالافراج عنه مقابل خلع ضرسه الذهبي الذي تبين أنه وسيلة لغسل الأموال؟
ألا يعد هذا اعترافا بالذنب واستعدادا لدفع الثمن؟
ولماذا ضحك الضابط عندما فشل مؤمن في أن يخلع ضرسه الذهبي؟ ولماذا لم يخلعه الضابط بنفسه؟ أليس حقا من حقوق الشعب كما قال وأنا من ضمنهم؟
يغلب على ظني أنه مجرم خطير وهم أدرى
وتنتهي رحلة تفكيره كالعادة بمجموعة أمثال شعبية تشربها في صغره من خلال مشاهدته للقناة التلفزيونية الحكومية الأرضية والمعلمين في مدرسته وواعظ يحث على القناعة والرضا بما قسمه الله تعالى محذرا من الطموحات السياسية وسمعها حتى في مسرح العرائس حين دخله رفقة والده وهذه الامثال من مثل (لا تعلو العين على الحاجب) و (مد رجليك على قدر لحافك) و(عش جبانا تمت مستورا) الخ الخ
مرت السنوات وتغير حال قرية حارس الحمام معين واصبحت من اجمل القرى حتى انها فازت في العام الماضي بجائزة ملكة جمال القرى وهي جائزة مقدمة من منظمة عالمية معنية بالحفاظ على البيئة ومقاومة الاحتباس الحراري وقد كانت القرية قد اكتظت بدورات المياه لدرجة انه قد قيل فيها لو سقطت ابرة على القرية لسقطت على دورة مياه او منتجع ترفيهي وبات يرى من وقت لآخر طائرات هيلوكبتر تدور في الاجواء ناشرة البخور درءا لعين الحسود
وهناك اخبار تتداول همسا بين الناس بأن معظم اراضي القرية قد بيعت برخص التراب لسوء سمعة رائحتها وهجرة السكان منها الى شركة يملكها أخو السلطان من الرضاعة لتتحول الى منتجعات سياحية وجنة من جنان الارض وما يؤكد هذا الشائعات بناء فندق كبير بسبعة نجوم في قرية الحارس السياحية والمساهم الاكبر فيه ابن عم اخو السلطان من الرضاعة
هذا ويذكر ان المدير السابق سعد والذي عاد الى اسمه الحقيقي سعيد قد خرج من السجن بعد مده بسيطه من سجنه بعفو انساني لمعاناته من مشاكل صحية وفق تقرير صادر من طبيب السجن وسافر الى اليونان وانقطعت اخباره منذ ذلك الحين
وهذه الادارة تقع في مدينة تبعد قرابة ساعتين بالسيارة من هذه القرية
ومديرها المسؤول عن التوقيع على هكذا إذن وتعتبر أي ورقة تخرج من ادارته دون توقيعه لاغية لا يحضر سوى يومين في الاسبوع حيث نصحه الطبيب بالابتعاد قدر الامكان عن هذه الادارة سيئة السمعة ذات الرائحة الكريهة غير معلومة المصدر
رغم ان وزير البيئة كان قد شكل عدة لجان تحقيق لا تخرج سوى بنتيجة واحدة (نقص التهوية لقلة خبرة المهندس باني المبنى)
يحبس المهندس ويتم الانتقال لمبنى جديد وتنتقل اليه الرائحة كما هي حتى بدأ الاعلام الحكومي بمناقشة رش المنطقة بنفايات نووية من قبل سلطنة معاديه باستخدام سلاح هارب حيث ترش الطائرات وتهرب سريعا دون ان يلحظها احد
ازعجت هذه الرائحة مدير الادارة ولم يعد يحتمل وعلاجه وفق التقرير الطبي الموقع والمختوم بعدة اختام ان يقضي عدة ايام اسبوعيا على شاطئ البحر حيث الطبيعة والجمال والهواء النقي وأن لا يلتحق بعمله في الادارة سوى يومين في الاسبوع
كان معين حارس الحمام الوحيد في القرية مصمما على ان يكون موظفا ملتزما ومثاليا والموظف المثالي هو المواطن الصالح الذي تحبه السلطنة وتكرمه وتهديه شهادة تقدير وثلاجة كما رأى في أحد المسلسلات
حاول الالتزام في البداية ومنع الاول ثم الثاني ثم الثالث ثم تفاجأ بأن جميع من في القرية قد شرعوا في الهجوم عليه وتبدو عليهم علامات الغضب والتنديد فدخل الحمام واغلق الباب باحكام ثم سمع طرقا رزينا على الباب فقال من؟ فرد الطارق انا ابو سلامة وهذا هو كبير القرية الوقور مسموع الكلمة
ففتح معين وقال تفضل بالدخول لنشرب الشاي ثم استدرك واعتذر لهول الموقف وتهللت اساريره عندما سأله ابو سلامة عن الشروط والاجراءات الرسمية الواجبة للدخول الى الحمام
وبعد ان اجابه الحارس طلب أبو سلامة من بعض شباب القرية أن يتطوعوا لحماية الحمام من كل من يحاول تخريبه أو اقتحامه دون حمل مستند شرعي يؤهله للدخول فوافقوه على ذلك
وانصرف هو واهل القرية
مر اسبوع واسبوعان وعجز اهل القرية عن المجيء سريعا بالاذن الرسمي الموقع من الادارة كلما اراد احدهم الدخول الى الحمام خاصة ان المدير ابن الناس غير المعتاد على رائحة الادارة الكريهة قد امره الطبيب هذه المره بالسفر الى النرويج للاستجمام والاستمتاع بمزيد من الهواء النقي لمدة لا تقل عن ثلاثة اشهر
ملأت الرائحة الكريهة القرية فشعر الحارس معين بدوار وقرر ان يذهب الى طبيب المدير بعد ان سمع انه متخصص في مثل هذه الحالات وجمع المال اللازم من اهل القرية الذين حزنوا عليه واخذوا يتضرعون الى الله لشفائه إذ وعدهم خيرا وذهب الى الطبيب وطلب منه ان يأمره بالسفر الى كندا للعلاج وأن لا يسمح له بالعوده فوبخه الطبيب بشده لمخالفة هذا لضميره المهني وقسمه كطبيب وطرده
وفي احدى المرات كان معين يجلس الى مكتبه قرب باب الحمام حزينا مهموما يفكر في خطيبته التي تركته وتزوجت لصا يسكن في قرية بعيده ومستاء من الرائحة التي لا تطاق ومانعا كل من يحاول دخول الحمام دون اذن وحالما بثلاجة تحفظ له طبخ أمه لعدة ايام ليريحها من الطبخ كل يوم كما وعدها مستذكرا فرحتها بوعده واستبشارها بوظيفته الجديده بعد طول بطالة وغاضبا من خصم الكثير من راتبه كل شهر بسبب الشكاوى التي تصل الى المحافظ عن عفونة هذه القرية وهو المسؤول الوحيد عن الصرف الصحي فيها..
مرت الايام وصار اهل القرية يقفون سعداء في طابور طويل جدا امام باب الحمام وهناك عدد من العمال الذين عينهم معين ينظمون صفوف الاهالي ودخولهم الى الحمام دون الحاجة لإذن كتابي من المدينة وقد قلت الرائحة الكريهة بشكل كبير الا انها لا تزال موجوده ويشرف معين على العمال من وقت لأخر فقد بات مشغولا بمطعم اشتراه في قرية مجاورة
انتهت رحلة الاستجمام الطبية في النرويج لمدير الاداره المسؤولة عن منح الاذن الكتابي الموقع لكل من يريد دخول الحمام الوحيد في القرية فاتصل بالطبيب من النرويج وتحدث معه طويلا ثم سافر الى فرنسا وشوهد وهو يرقص سكرانا في احد البارات هناك وفي يده سيجار كوبي وحول رقبته سلسلة ذهب مرصعة بالالماس وحالقا شعره على الزيرو
وصل الخبر الى السلطات في بلاده فشكلت لجنة تحقيق وتم استدعاء الطبيب والتحقيق معه
فقال الطبيب ان الرقص اسلوب علاجي حديث يهدف الى تنشيط الدورة الدموية خاصه بعد رحلات الاستجمام الطويلة
فسئل عن السكر فقال هذه سهله فالخمر كما سمعت مفيد لصحة القلب
فسئل لماذا فرنسا بالذات؟
هنا ارتبك الطبيب وتصبب عرقا وقال لقد أمرته بالذهاب الى ايطاليا فخالف تعليماتي واخذ يصرخ انا بريء انا بريء
تم حبس الطبيب على ذمة القضيه وبعد البحث والتدقيق تبين انه حاصل على شهادة طب مزورة من جامعة السوربون
استمر التحقيق لعدة اشهر وتم حبس معين حارس الحمام والعمال الذين عينهم وابو سلامة كبير القرية ومؤمن مجذوب القرية ومبروكها لأنه شتم الحكومة عندما رآها ونائب مدير الاداره المسؤولة بصفته شيطان اخرس رغم انه كان يقسم ان المدير اصدر قرارا بأنه المخول الوحيد بالتوقيع على الاذن الكتابي قبل سفره خشية ازدياد نفوذ نائب المدير فيحل محله وانه كنائب كان يرسل الموظفين يوميا الى القرية لتوعيتهم بأهمية النظافة وضرورة التقيد بالاشتراطات الرسمية اللازمة لدخول الحمام وتحقيق النظافة والعيش بود وسلام وتآخي بين افراد المجتمع..
أما المدير فقد احتيج الى وقت طويل ليقبض عليه من قبل الانتربول فقد عاش متنكرا بزي رحالة من المشرق يهدف الى الاطلاع على احدث ما توصل اليه الغرب من تقنيات خاصة بالصرف الصحي لنقلها الى الشرق وغير اسمه من سعيد الى سعد وارتدى قبعة مكسيكية وشورت جنوب افريقي مخطط باللونين الوردي والاخضر وتيشيرت بألوان مختلفة ومليء بصور تؤكد لأي ناظر ان التيشيرت من جزر هاواي وحذاء اصفر فسفوري وجورب احمر مرسوم عليه ميكي ماوس ونظارة شمسية يلبسها ليل نهار بحجة ان طبيبا نمساويا قد أمره بذلك وصادق كبار مسؤولي شركات الادوات الصحية في اوروبا مدعيا انه سليل احدى الاسر المالكة في الشرق الاوسط فصدقوه دون ان يطلبوا منه اي دليل
وبينما كان يتجول في أحد معارض بلجيكا رفقة صديقه بيتر لفت انتباهه مرحاض اليكتروني يعمل بواسطة جهاز تحكم عن بعد مسكه سعد وضغط الزر الاول فانفتح غطاء المرحاض وضغط الثاني فنظف المرحاض نفسه بنفسه ثم الثالث فانغلق الغطاء ثم ضغط الرابع فسمع أغنية ثم الخامس فنفث المرحاض رائحة زكيه وهكذا وسعد يضحك ضحكة بلهاء مع كل ضغطة زر واستقر أخيرا على زرين زر فتح الغطاء وزر اغلاقه وجعل يتناوب عليهما متلفتا على جمهور المعرض وعلى وجهه ابتسامة تحقيق انجاز عظيم حتى شعر بيتر بالحرج وقال له هذا يكفي فيرد سعد انه دوري أكلما وقع شيء في يدي تريد أن تأخذه سأعطيك الجهاز عندما يحين دورك ويستمر في الضغط على الازرار
حتى ضغط زر الغلق واراد ان يفتح من جديد فلم يفلح فتحولت ابتسامة تحقيق الانجاز الى ابتسامة ورطة واخفى الامر عن الجميع معيدا الجهاز الى موظف الشركة صاحبة الاختراع وقائلا انه يفكر في استيراد ثلاثة آلاف مرحاض من هذا النوع العجيب تحديدا
وفي يوم دخل سعد الى احد محلات الزهور في هولندا وأخذ يغازل البائعة ويقول انه يريدها زوجة ثالثة له بشرط ان تستيقظ قبله في الصباح لتعد له الافطار وان تحترمه ولا ترفع صوتها عليه ولا تناديه الا بسي السيد مستخدما ترجمة جوجل
فقالت حسنا ولكن دعني اتصل بوالدي لأخبره بالامر فيبدو أنك عريس لا تعوض
قال تفضلي
وبدأ في هذه الاثناء البحث من خلال الانترنت عن اسعار الفنادق في ساوباولو لقضاء شهر العسل هناك مرتديا هذه المرة تيشيرت أبيض عادي ولكنه مليء بقلوب الحب وشورت اسود عادي ايضا إلا انه من شركة تتخذ من شعار القراصنة علامة تجارية لها وحذاء اخضر فسفوري وجورب وردي مكتوب عليه عبارة (I love you) بأحجام مختلفة وقبعة سوداء لا لبس فيها أو عيب ولا حتى أي علامة تجارية إلا انها تشبه قبعة ساحر ألعاب الخفة وارتداها بعد أن أخبره أصدقاؤه أن قبعته المكسيكية عريضة جدا
وكان قد رش ملابسه بعطر سويسري له مفعول السحر ولا يمكن لأي فتاة مقاومته
وما هي الا لحظات حتى دخلت الشرطة لتقبض عليه فبادر سعد الى القول بصوت عال بيتر هو من أتلف المرحاض وليس أنا
فقال الشرطي عن أي مرحاض تتحدث؟ لقد جئنا بناء على اتصال من هذه الشابة تدعي فيه انك ازعجتها قرابة الثلاث ساعات وكلما طردتك قطفت زهورا من الشارع وجئتها تقول الا تشمين العطر الذي اضعه؟ ألا ترين قلوب الحب؟ وترفع قدمك الى وجهها وتقول اقرئي ما هو مكتوب في الجورب من فضلك
ألا تستحي؟
هنا نظر سعد الى البائعة وقال مقتبسا أغنية لعبدالوهاب كان قد حفظ أجزاء منها منذ فترة مراهقته لاستخدامها وقت اللزوم…
((ماذا أقول لأدمع سفحتها أشواقي إليك
ماذا أقول لأضلع مزقتها خوفا عليك
أأقول هانت؟.. أأقول خانت
أأقولها؟..))
فتكلمت البائعة بكلام لم يفهمه سعد فقال غاضبا:
((لا تكذبي إني رأيتكما معا))
وهذا الشرطي وهذه أنت
ثم قال..
((أيظن أني لعبة بيديه))
وهو يخرج من جيبه شهادة طبية معتمده تثبت انه (فاقد لكامل قواه العقلية ومن حقه فعل ما يريد لانه غير مسؤول عن تصرفاته) وسلمها للشرطي وفي اثناء قراءة الشرطي للشهادة كان سعد ينظر الى البائعة بابتسامة (المنتصر بعد تعرضه لطعنة في الظهر) وبعد انتهاء الشرطي قال له ماهذا؟
قال سعد سأوضح لك
واخرج من جيبه الآخر صافرة وبطاقة حمراء وصفر وهو يرفع البطاقة الحمراء على الشرطي الذي استغرب وسأله مرة أخرى ماذا تفعل؟
فقال سعد من أي المدن انت؟
فرد الشرطي انا من فوليندام
فضحك سعد قائلا لذلك لم تفهم فلقد طردتك للتو من الملعب بسبب معاناتي من خلل جيني في الدماغ يجعلني اعتقد أنني حكم في مباراة كرة قدم طوال الوقت وأنا مستمر في العلاج ولدي الآن موعد مع الطبيب
good bye وبدأ يهرب حتى تم الامساك به وسعد يصيح:
Don't you know who I am?
Don't you know who my grandfather is?
Something bad will inevitably happen to you
فتركه الشرطي بعد أن ظن أنه عضو في العائلة الملكية الهولندية وطلب منه ابراز هويته
استغل سعد الموقف وخطف قبعة الشرطي وبدأ يجري ملقيا قبعة الساحر التي كان يرتديها على الارض وارتدى قبعة الشرطي وأخذ يصفر بصافرته أثناء هروبه
واستمرت الملاحقة لفترة وكان الناس المتجمهرون على جانبي الشارع يصفقون ويضحكون بسعادة معتقدين أن هذا الحدث هو أحد فقرات مهرجان الزهور السنوي الذي يقام في أمستردام خاصة ان سعد كان لا يزال ممسكا بالزهور التي قطفها من الشارع وهو يجري ويصفر والشرطي يجري خلفه
حتى دخل سعد مطعما وانضم لأسرة كانت تحتفل بعيد ميلاد طفلها وخلع قبعة الشرطي وارتدى طرطورا
وصل الشرطي الى المكان وبحث طويلا في الشارع القريب من المطعم واقترب منه ولم يجد أثرا لسعد حتى هم بالانصراف وفي أثناء ذلك تم اطفاء شموع الكعكة وسط التصفيق الحار واندمج سعد متأثرا بفرحة الطفل وصفر بصافرته المميزة بقوة فسمعها الشرطي ودخل بهدوء وحذر مقتربا من سعد الذي كان معطيا ظهره للشرطي ويتودد الى خالة الطفل وبينما كان يخرج هاتفه من جيبة ليبدأ في استخدام ترجمة جوجل انقض عليه الشرطي وقيده
لم تقتنع الشرطه بالشهادة الطبية لسعد ولا بتصرفاته المخبولة التي تمادت اثناء احتجازه وبعد التحري والتحقيق الطويل كشفت هويته الحقيقية فأرسل الى بلاده وحكم عليه وسجن مع المجموعة
تحسر الحارس معين الذي سيقضي بقية حياته في السجن ودمعت عيناه بعد ان علم ان اللص صابر الذي سرق خطيبته وتزوجها سيخرج من السجن في الغد بعد ان قضى ستة اشهر فقط لسرقته تيارا كهربائيا لإنارة المصلى الذي يعمل مؤذنا فيه براتب شهري مقدم من اهالي قريته وهو مضطر لهذا ومعتاد عليه حتى عرف في اوساط قريته باللص الشريف فمسجد القرية الفخم بعيد وقد بناه أثرى اثرياء القرية بجوار سوق تملكه حماة مسؤول الحي الذي يقطع الكهرباء عن المصلى دون سبب وجيه
وقرر المصلون في يوم الذهاب الى مسؤول الحي للتفاهم معه والاستفسار عن سبب قطع الكهرباء عن المصلى دون وجه حق
ولما دخلوا عليه في مكتبه وجدوا صورة كبيرة لحماته معلقة على الحائط وبجانب الصورة لوحة عليها شعار صممته حماته كبديل عن شعار السلطنة ومن رموزه عصا ونعال وشرفة منزل بها سلاسل وكرسي متحرك وكل هذا محاط بنجوم وفي أسفل اللوحة ملحوظة تخص النجوم وهي أنها (نجوم ليل في عز الظهر)
وهو مرتد نظارة قراءة ومنكب على قراءة كتاب (كيف تتخلص من حماتك في ظرف ثلاثة ايام) فأخفاه سريعا في الدرج فور رؤيتهم وسألهم عن سبب مجيئهم وتعطيلهم له وهو المشغول بمصالح العباد والبلاد
ولما اخبروه تجاهل الموضوع الأصلي وصار يتحدث عن أهمية صون الاسرة وحفظها من التشتت والضياع فهي لبنة من لبنات المجتمع وقوامه المتين وان من أسمى ما يصبو اليه المرء من نجاحات في حياته هو ان يقود سفينتها هادئة مطمئنة الى بر الامان وهو ينظر بعينيه المذعورتين تارة اليهم وتارة الى صورة حماته وأطال الحديث حتى سئموا وخرجوا ضاربين كفا بكف وقائلا احدهم عليه العوض ومنه العوض
والمسؤول مازال يتحدث وهو ينهض ويقترب من كاميرا مثبتة في زاوية الغرفة ليكمل حديثه اليها
ولا تنحل المشكلة ولا تعود الكهرباء
ويظل يقبض على المؤذن صابر(سارق الكهرباء) موظف بلديه شريف ملتزم بالقانون أحيانا ويتغاضى عنه في احيان اخرى موظف خائن لا يعبأ بأملاك السلطنة
اما قضية الحارس معين فخطيرة وتمس الامن القومي ولا مجال للتساهل فيها
وأسوأ المتهمين حظا فكان مؤمن مبروك القرية فقد سجن في زنزانة انفرادية وعومل ابشع معاملة لإدانته بأنه (العقل المدبر لعصابة اتخذته قائدا وموجها وعرابا وقد حجب نفسه عن أعين العدالة بستار المسكنة والدروشة تقليدا لأحد الأفلام الأجنبية) وفق حيثيات حكم المحكمة
وللأسف اذ كان قد بصم موافقا على جميع محاضر النيابة التي تتهمه بذلك طالبا المزيد وسط دهشة وفرحة المحقق الذي اهداه مكافأة له محبرة تبصيم ودفتر فارغ ليتسلى بالتبصيم عليه اثناء مكوثه في الزنزانة معتقدا انها لعبة ممتعة ومفيدة
مرت الايام والاسابيع والشهور وتحولت سعادة مؤمن بالمحبرة والدفتر والتبصيم الى صمت مطبق وهذيان كئيب لا هذيان مبهج مضحك كما اعتاد منه اهل قريته يتخلله بكاء كبكاء الاطفال من حين لآخر في زنزانة انفرادية موحشه ومازال يسأل في كل يوم الشاويش الذي يأتيه بالطعام عن موعد سفره الى الحج سواء كنا في محرم او ربيع الثاني فلا يعلم اصلا متى هو شهر الحج ولا كيفية اداء هذه الفريضه ولكنه وجد ان هناك من ينادى في قريته بالحاج فلان والحاج علان
فدخل مقهى القرية في يوم مرتديا ملابس الاحرام متوعدا كل من لا يلقبه بالحاج مؤمن برش الماء على ملابسه المنشورة على حبل الغسيل كلما اقتربت أن تجف فأفهمه صاحب المقهى ان عليه ان يحج ليصبح الحاج مؤمن وسط ضحكات رواد المقهى ونال ما جادت به انفس بعضهم من مال
ولا يعرف الآن سوى انه في غرفة جمع الحجاج تمهيدا لسفرهم ويتساءل عقله الصغير عن سبب وحدته وسبب تاخر السفر وقد بصم على الكثير من الاوراق والجدران والملابس وحتى الطعام المقدم له وكل ما يلزم لسفره للحج كما قيل له
ولا يملك الشاويش حين سماعه لسؤاله اليومي هذا أو الحاحه باكيا لأن يعود اذن الى غرفته البالية المهترئة والاستمتاع بالتجول في طرقات قريته بثوب مرقع رث ملاعبا ومسعدا لأطفالها سوى ان يحوقل ويسترجع بصوت خافت ويخرج سريعا بعدها وهو راض عن نفسه تمام الرضا لإحضاره رغيف خبز اضافي مع الوجبة دون علم رؤسائه حبا في هذا الرجل الطيب
ويغلق باب الزنزانة
ويدفع المزلاج الحديدي الصدئ ذا الصرير المزعج وهو يدعو الله في سره أن ينقذ مؤمن
ويدخل الطرف المعدني في ثقب القفل الضخم راجيا الله أن ينزل ملاكا لكسره فيرتاح مؤمن
ويتنهد تنهيدة عميقة متفحصا إحكام الاغلاق ويذهب معاودا التفكير..
أصالح هو حقا أم ممثل خطير كما تقول المحكمة ويريد أن يستعطفني؟ وكيف لمسكين أن يمتلك ضرسا ذهبيا؟ ولم أخذ يضرب فكه بكل ما امتلك من أدوات حين رحمه الضابط ووعده بالافراج عنه مقابل خلع ضرسه الذهبي الذي تبين أنه وسيلة لغسل الأموال؟
ألا يعد هذا اعترافا بالذنب واستعدادا لدفع الثمن؟
ولماذا ضحك الضابط عندما فشل مؤمن في أن يخلع ضرسه الذهبي؟ ولماذا لم يخلعه الضابط بنفسه؟ أليس حقا من حقوق الشعب كما قال وأنا من ضمنهم؟
يغلب على ظني أنه مجرم خطير وهم أدرى
وتنتهي رحلة تفكيره كالعادة بمجموعة أمثال شعبية تشربها في صغره من خلال مشاهدته للقناة التلفزيونية الحكومية الأرضية والمعلمين في مدرسته وواعظ يحث على القناعة والرضا بما قسمه الله تعالى محذرا من الطموحات السياسية وسمعها حتى في مسرح العرائس حين دخله رفقة والده وهذه الامثال من مثل (لا تعلو العين على الحاجب) و (مد رجليك على قدر لحافك) و(عش جبانا تمت مستورا) الخ الخ
مرت السنوات وتغير حال قرية حارس الحمام معين واصبحت من اجمل القرى حتى انها فازت في العام الماضي بجائزة ملكة جمال القرى وهي جائزة مقدمة من منظمة عالمية معنية بالحفاظ على البيئة ومقاومة الاحتباس الحراري وقد كانت القرية قد اكتظت بدورات المياه لدرجة انه قد قيل فيها لو سقطت ابرة على القرية لسقطت على دورة مياه او منتجع ترفيهي وبات يرى من وقت لآخر طائرات هيلوكبتر تدور في الاجواء ناشرة البخور درءا لعين الحسود
وهناك اخبار تتداول همسا بين الناس بأن معظم اراضي القرية قد بيعت برخص التراب لسوء سمعة رائحتها وهجرة السكان منها الى شركة يملكها أخو السلطان من الرضاعة لتتحول الى منتجعات سياحية وجنة من جنان الارض وما يؤكد هذا الشائعات بناء فندق كبير بسبعة نجوم في قرية الحارس السياحية والمساهم الاكبر فيه ابن عم اخو السلطان من الرضاعة
هذا ويذكر ان المدير السابق سعد والذي عاد الى اسمه الحقيقي سعيد قد خرج من السجن بعد مده بسيطه من سجنه بعفو انساني لمعاناته من مشاكل صحية وفق تقرير صادر من طبيب السجن وسافر الى اليونان وانقطعت اخباره منذ ذلك الحين