ابو رمضان الاحمق...ابو رمضان الحكيم

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • دريسي مولاي عبد الرحمان
    أديب وكاتب
    • 23-08-2008
    • 1049

    ابو رمضان الاحمق...ابو رمضان الحكيم


    بين أزقة البلدة المتقاطعة بالتواءات عشوائية,ترى أبو رمضان متلفعا بملابس مرقعة.صورة أسمال التصقت بجلده لزمان طويل,يعكرها مزيج من ألوان غريبة.بقع غائط متيبسة وايدام مرق اصفر وغبار يغطي سحنة وجهه المنسجمة مع غرابة هيئته.كل هذا الخليط يتضافر ليكون لوحة سريالية لأحمق البلدة ,الذي شهد ذاكرتها المنسية,أيامها ولياليها بروح تفانت في اختيار مسارها.بحكمة الجنون تارة والرغبة الذاتية في الحمق طورا آخر.انه اختيار بديل لحياة ربما هي سوية بالنسبة له...




    يجوب الأحياء بأسرها,يطرق الأبواب الموصدة وينادي بنبرة مألوفة على أهالي الديار لما يجد فسحة توصل نداءه للداخل.يقبع رابضا متربصا مداخل البيوت عسى كوب شاي وكسرة خبز تطل,او صحن كسكس يهل.يلتحف ملاءة مغبرة,سرواله يصل الى مستوى الركبتين كاشفا ندوبا وخدوشا على سيقان مثخنة بالجراح,وفوقه بقليل يتدلى عضوه التناسلي الذي يتمايل في انسلال لا إرادي يعيده للداخل حالما ينتبه لنظرات الناس تحدجه بنفور مريب.أصلع الرأس وحليق الذقن دوما.تعلو تقاسيم وجهه رتوشات الزمن,نقشتها تغضنات السنون المتراكمة وثبتتها لسعات الطبيعة القاسية.اختلط جنونه الاختياري بامتهان التسول.يمد يده سائلا الغرباء العابرين للبلدة,كما يتعمد القصد لأهلها القادمين من بعيد..يكرر لازمته الشهيرة بتلطف فائق في وجه كل من يلتقيه:




    - لله.على ربي يا لمومنين.شي بركة أيها الكريم




    الوجه القاتم,والجسد المقاتل,تحديا تحديا اخرق الحياة بكل معانيها.باختياره الذي اعتمد الحمق كتجربة تعاش,الذي شكل منه نموذجا استثنائيا بين صفوف ركاب سفينة الحمقى التي حطت رحالها في هذه البلدة الهامشية.لقد استانست به اوساط الناس لتصبح هذه الا لفة مع مرور الايام لا مبالاة,استشعرها بحدسه اليقظ ليروضها كي تصير احترافا في المكر والسخرية منهم...




    رغم كل هذا,فهو يستطيع ان يلملم دراهم معددات من هنا ومن هناك,يؤمن بها سيجارته الرخيصة ويضيف إليها قطعة حشيش ان كانت دورته المعتادة مربحة,يصنعها لفافة في طقوس احتفالية يشوبها حديث مع النفس.فيحس لحظات الانتشاء وهو غارق في تأملاته الغامضة بنظرات تسخر من الناس كما تستهزئ بالحياة...




    كنت جالسا في المقهى مساء.لمحت طيفه الشبحي يتمايل نازعا عنه لحافه,واضعا إياه على ظهره.ينتعل حذاء انفرطت مقدمته فاتحة فاها وكأنه يتضور جوعا.بدا بالاقتراب كعادته مترنحا.أزاح قبعته القدرية وحاول إلقاءها على راسي علامة تمسح يدعم بها طلبه...تحركت بسرعة لتفادي وقوعها.تراجع للخلف فصرخت في وجهه:




    -


    توقف هناك.الرم مكانك أيها اللعين.أي شيطان يسكنك؟




    أجابني وابتسامة سخرية ارتسمت ملامحها فظهرت أسنانه المهترئة بسوادها واصفرارها الفظيع:


    - الشيطان الذي يسكنني هو الإنسان...




    حدجته بتمعن محير.اخرج بيده اليمنى المتوارية خلف ظهره خبزة ولوح بها في وجهي:




    - لله أسي محمد.امنحني درهما لأكمل ثمن علبة السردين.





    لأتابع سخرية المشهد,أدخلت يدي في جيب سروالي,أخرجت صرفا من قطع نقدية.اخترت الدرهم وقدمته له.في اللحظة ذاتها التقطه مني بسرعة.صوب نظرة مباغتة نحو أصدقائي قائلا:




    - على ربي شي سيجارة...


    يقدم له صديقي سيجارة ليضعها خلف أذنه.ينصرف مسافة قصيرة ليلتفت نحونا بابتسامة ماكرة وكأنها ظفر سهل المنال لم يتطلب منه عناء يذكر,ثم مضى إلى حال سبيله يستجمع خطواته المتثاقلة بأرجل قدماها تشققت من فرط المشي الذي لا ينتهي...




    في اللحظة ذاتها وهو يتوارى من أمامنا,تذكرت عبر طيف ذكرياتي الطفولية,لما كنت أنا وأقراني نتقفى أثره ليلا.كان يتبع قطيع الكلاب الضالة باستماتة عجيبة.كان يحاور كلبته الحلوب بنهديها الساقطين ويحاول استدراجها إلى أحضانه الرؤوفة.يحملها إلى ركن ركين الى باحة السوق الأسبوعي للماشية بعيدا عن أنظار الناس.نتسلل نحن برغبة فضولية خلفه دون أن نثير انتباهه.نتسلق السور متفرقين لنطل عليه.يفاجئنا وهو يخرج عضوه ليبصق عليه ثم يدلكه بيديه الخشنتين,يدنو من كلبته المنبطحة,المنصاعة لرغبته الحمقاء ليطأها من الخلف.تتنحنح الكلبة بانين محشرج,اما هو فيفح بصوت متقطع الأنفاس.لما ينهي مأربه,يقبلها في فمها ويمطط ثدياها ثم يزفر أهات مريرة ويسند ظهره لجدار السور مدندنا الحان انتشاء حزين,بكلمات غريبة:

    -انتن أيتها النساء لا تخشين الله.فلقد مزجتن بين النصراني واليهودي والزنجي...
  • لميس محمود الكيلاني
    خليفة محمود درويش
    • 25-09-2008
    • 31

    #2
    أنا الآن بانتظار تعليقاتكم حول مومضوعي أو حتى مواضيعي

    تعليق

    • دريسي مولاي عبد الرحمان
      أديب وكاتب
      • 23-08-2008
      • 1049

      #3
      اشكرك لميس على مرورك من هنا...
      سامر على مواضيعك وربما قد مررت عليها في صمت واكملت المسير
      تحياتي الابداعية.

      تعليق

      • عثمان علوشي
        أديب وكاتب
        • 04-06-2007
        • 1604

        #4
        أخي الكريم دريسي مولاي عبد الرحمان
        السرد المستفيض للأحداث قد يسقط القارئ في بِركة الملل.
        وقصتك مستوحاة ـ إن لم تكن حقيقة ـ من واقع معيش في الأحياء الشعبية بالمدن المغربية. ولكنني شخصيا لا أرى فيها جديدا ( ربما غيري يرى العكس).
        وأرى أنك كنت خجولا حين استعمال الدارجة المغربية في الحوار، حيث تكون البداية بالدارجة والنهاية بالعربية الفصحى. أفضل أن يكون الحوار بالدارجة للتعبير أكثر عن عمق الحدث وأصالة الحوار.
        تحياتي
        عثمان علوشي
        مترجم مستقل​

        تعليق

        • ربيع عقب الباب
          مستشار أدبي
          طائر النورس
          • 29-07-2008
          • 25792

          #5
          صديقي المحترم .. دريسى .. سوف أحاول الحديث عن هذا الكائن .. الذى قد نجد له شبيها هنا في محلتنا .. و قد لا .. في كل فعل يأتي به ربما كان من صنف أشخاص .. مختلفين تماما .. فهذا الشقى ربما كان طريد أهله .. أو زوج أمه .. و ألقى به في الطرقات .. أو كان مغتربا لأسباب من الممكن أن نعددها لو أردنا .. و قد يكون لقيطا .. و هذا لا يبدو في الأعم .. أو الأغلبية التى ترى على نفس النسج و الحالة !!!!
          هو طريد قرية يعيش فيها .. و طريد عالم ربما كان أكبر بكثير من حدود هذه القرية .. اختصر في كلمة .. أو في مشهد .. و انتهى أمره ..إذن هو ضحية مستمرة .. لمجتمع صاغه بجبروته .. و لم يعطه حق الحياة كإنسان له كل الحقوق كما لهم هم .. هذا إن دل فإنما يدل على مدى ما تعانيه مجتمعاتنا من تخلف و قسوة .. و كم اختصر عبر الحياة في بلدتنا .. دون أى عاهة أو ما يشبه العاهة .. هكذا عرفناهم .. و عاشوا و ذهبوا على حال سبيلهم !!!
          و البله و العته عندنا .. يختلف عن هاهنا .. فهؤلاء يصبح لهم كرامات .. تصل بهم إلى منزلة الأولياء .. و إن لم يتعدوها .. و تحكى عنهم الخرافات .. و التي تصبح فى حكم اليقين !!!
          أما أبو رمضان .. فالمنشأ كما أوضحت هو من صاغه هكذا .. وجعل منه هذا الليئم الشحاذ .. القذر .. الذي ينام في العراء .. و يعاشر الكلاب .. فهذا فعل من ذات مقهورة .. وغير قادرة على تجاوز هذا القهر .. لطبيعته المستكينة رغم مكره .. و رغم صفات يحملها .. إلا أنها استسلمت لهذا .. و ما عادت قادرة على تخليص روحها .. حتى و لو أراد أحد أن يدفعه للخروج من ثيابه تلك .. و لو لمرات ما أفلح .. فقد أصبحت طبيعة حياته .. بكل جزئياتها .. لذا جاء لفظ ملعون بذات الفعل .. لأنه يعيش حالة مؤانسة .. حتى لو كان داخله يرفضها كإنسان .. فهو مريض بما يتم .. و ما يتعايش معه .. مثله مثل أى مريض نفسى أو عقلى .. رغم أن المرض النفسى أو العقلى قد يبرأ منه مريض .. و لكن هل تظن أنه يبرأ مما طغى علىالروح فانتهك جمالها و أخضرها ؟!!!!
          وأعود فأقول ربما مريضا نفسيا أو عقليا ، و لم يجد من يرعاه .. و يخرجه من مرضه .. حتى أصبح فى حكم العادى .. و تعايش معه .. و يتعايش إلى ما شاء الله !!
          sigpic

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            حين نعمى عيوننا عن حقيقة ما .. تحت زعم أخلاقى .. فنحن مشاركون فيها .. بل نحن ناشرون لها مع السلطات المهيمنة .. كنا نقتات القهر أخى .. و يموت الشعب جوعا .. ومحطوما .. و تجهض أحلامنا .. و كانوا يخدروننا بأفلام الرومانسية .ز وأغانى عبد الحليم و ام كلثوم .. ومباريات كرة القدم .. بينما الناس لا تجد ثقب إبرة تتحرك فيه .. و تعبر عن أوجاعها ..و استمر ذلك طويلا .. حتى راحت الرومانسية تنسحب ليس من تلقاء نفسها .. بل بانهيار ما يسمى بالواقعية الاشتراكية التى تبنتها أنظمة قمعية ، لتوارى سوءاتها .. و هى أبعد ما تكون عن الاشتراكية .. انه الخلل العظيم الذى يرتكب كل يوم .. ضد أنفسنا .. ومقدرات الأمة !!!! ليأتى زمن آخر أكثر توحشا .. وتنكيلا بكل المبادىء و المسلمات .. وجه حى لرأسمال القذر .. دع الكل يرقص .. دعه يمر .. دعه يعبر .. دع ألف ألف صوت يظهر ..و دع .. ودع .. و هذا حال أكثر فسادا بما لا يقاس مما كان أيام الاشتراكية المزعومة !!
            و لكن .. حين نكشف .. نحاول ألا نجسد أو نثير الغرائز .. أن نثير الحسى المقمع أصلا .. بل نحاول الصعود على أكتافه .. ربما هذا نوع من الكذب .. و لكنه أشرف و الاخلاقى الذى يجرنا إلى مهاوى الانهيار !!!!
            sigpic

            تعليق

            • دريسي مولاي عبد الرحمان
              أديب وكاتب
              • 23-08-2008
              • 1049

              #7
              استاذي العزيز ربيع,تحياتي النابعة من قلب مفعم حبا لك...
              لا نختلف اخي فيما ذهبت اليه بخصوص علاقة الادب او الفن عموما بالواقع.بين مرادنا في توجيهادبنا نحو قضايانا المستجدة,الانية,التي تخلق في وجداننا العاطفي وربما في لا شعورنا زحزحة لكل الصنميات التي تثبط عزائمنا...
              واقع الاستبداد والاضظهاد والتبعية والانحطاط.كل هذه المظاهر بتعقدها هي واقع معيش.تكتنفه صور غريبة احيانا...نحاول نحن ان نصوغها بشكل من الاشكال في تناص ربما يكون فريدا,قد يضيف الى نظرية الادب شكلا جديدا في التعبير الابداعي...
              المصدر الذي حرضني على كتابة القصة,هو قراءتي لكتاب ميشيل فوكو:تاريخ الجنون في العصر الكلاسيكي,وفي مقدمته يبدا مشروعه هذا الابيستيمي بقصة عنونها:سفينة الحمقى.رايت ان هذه القصة قد تفضي بي الى تصوير نوع من انواع الحمق البشري,لم ارد ان اعطي حكم قيمتي حوله.وهنا اريد ان اشالك سؤال التلميذ لاستاذه:الا يصبح التجريب بشكل من الاشكال نوعا فنيا قد يقبل قوالب تفصح عن ما هو مكبوت في الداخل...قد تخون اللغة منطقها لتغوص في الاعضاء والايماءات والهمسات والاحتكاكات...لكن هل هي كافية لان توصل للقارئ بشاعة الممارسة...
              انا اعتبر الممارسة الجنسية لحظة حيوانية بامتياز,لكن في شروط محددة قد تصبح لحظة فنية بامتياز لما يحظر تراكم الطرفين في تظافر مبدع,وويصبح الجسد نصا ابداعيا حتى هو...
              ثقافتنا العربية الاسلامية متخمة بمجموع مؤلفات استفاضت برؤية فقهية مغايرة لموضوع الجنس...وقد تذكرت رواية لسلوى النعيمي بعنوان برهان العسل اعطت بصور مخالفة شكلا جديدا لاعادة العلاقة مع الجسد في حذ ذاته فما بالك بالفكر المحمول فيه...
              حديثك عن الواقعية الاشتراكية وانهيارها ,ارجعني للوراء.لكتابات العظام الكبار امثال مكسيم جوركي وليرمنتوف وماياكوفسكي وبوشكين وغوغول...وفتح لي سؤالا اعمق:الادب مرتبط بالواقع الى اي حد تصبح نظرية الانعكاس سليمة؟
              -الم تكن موافقة نجيب محفوظ على اتفاقي كامب ديفيد دافعا لنيله لجائزة نوبل؟لكن رغم هذا فنجيب يبقى اسطورة روائية فريدة...
              -الا يمكن للتجريب لاان يفضح الطابو القابع فينا؟في مجتمعنا؟في تاريخنا؟لماذا اصبح الجنش علما يدرس في اوروبا ونحن نتوارى تحت ذريعة الاخلاق؟نقاش عميق ارجعني الى علاقة الادب بالاديولوجيا,والجنس في مجتمعاتنا رهين ربما حتى لاعتبارات سياسية...
              -الا يمكن للقصة ان تستوعب تشخيصا لحالة نفسية معقد جنسيا؟ان تطرح فكرة يمتزج فيها الفعل ببشاعته وبتنوع تاويله...؟
              تحياتي استاذي الرائع.سعيد اني اناقشك القصة من مضمونها,لست هنا للدفاع عن تماميتها,ولكن لاخبرك ان ذاك التشكيل مع الحيوان صورته لاوضح حيواني الانشان والشق الكامن فيه...
              حبي وتقديري...

              تعليق

              يعمل...
              X