بين أزقة البلدة المتقاطعة بالتواءات عشوائية,ترى أبو رمضان متلفعا بملابس مرقعة.صورة أسمال التصقت بجلده لزمان طويل,يعكرها مزيج من ألوان غريبة.بقع غائط متيبسة وايدام مرق اصفر وغبار يغطي سحنة وجهه المنسجمة مع غرابة هيئته.كل هذا الخليط يتضافر ليكون لوحة سريالية لأحمق البلدة ,الذي شهد ذاكرتها المنسية,أيامها ولياليها بروح تفانت في اختيار مسارها.بحكمة الجنون تارة والرغبة الذاتية في الحمق طورا آخر.انه اختيار بديل لحياة ربما هي سوية بالنسبة له...
يجوب الأحياء بأسرها,يطرق الأبواب الموصدة وينادي بنبرة مألوفة على أهالي الديار لما يجد فسحة توصل نداءه للداخل.يقبع رابضا متربصا مداخل البيوت عسى كوب شاي وكسرة خبز تطل,او صحن كسكس يهل.يلتحف ملاءة مغبرة,سرواله يصل الى مستوى الركبتين كاشفا ندوبا وخدوشا على سيقان مثخنة بالجراح,وفوقه بقليل يتدلى عضوه التناسلي الذي يتمايل في انسلال لا إرادي يعيده للداخل حالما ينتبه لنظرات الناس تحدجه بنفور مريب.أصلع الرأس وحليق الذقن دوما.تعلو تقاسيم وجهه رتوشات الزمن,نقشتها تغضنات السنون المتراكمة وثبتتها لسعات الطبيعة القاسية.اختلط جنونه الاختياري بامتهان التسول.يمد يده سائلا الغرباء العابرين للبلدة,كما يتعمد القصد لأهلها القادمين من بعيد..يكرر لازمته الشهيرة بتلطف فائق في وجه كل من يلتقيه:
- لله.على ربي يا لمومنين.شي بركة أيها الكريم
الوجه القاتم,والجسد المقاتل,تحديا تحديا اخرق الحياة بكل معانيها.باختياره الذي اعتمد الحمق كتجربة تعاش,الذي شكل منه نموذجا استثنائيا بين صفوف ركاب سفينة الحمقى التي حطت رحالها في هذه البلدة الهامشية.لقد استانست به اوساط الناس لتصبح هذه الا لفة مع مرور الايام لا مبالاة,استشعرها بحدسه اليقظ ليروضها كي تصير احترافا في المكر والسخرية منهم...
رغم كل هذا,فهو يستطيع ان يلملم دراهم معددات من هنا ومن هناك,يؤمن بها سيجارته الرخيصة ويضيف إليها قطعة حشيش ان كانت دورته المعتادة مربحة,يصنعها لفافة في طقوس احتفالية يشوبها حديث مع النفس.فيحس لحظات الانتشاء وهو غارق في تأملاته الغامضة بنظرات تسخر من الناس كما تستهزئ بالحياة...
كنت جالسا في المقهى مساء.لمحت طيفه الشبحي يتمايل نازعا عنه لحافه,واضعا إياه على ظهره.ينتعل حذاء انفرطت مقدمته فاتحة فاها وكأنه يتضور جوعا.بدا بالاقتراب كعادته مترنحا.أزاح قبعته القدرية وحاول إلقاءها على راسي علامة تمسح يدعم بها طلبه...تحركت بسرعة لتفادي وقوعها.تراجع للخلف فصرخت في وجهه:
-
توقف هناك.الرم مكانك أيها اللعين.أي شيطان يسكنك؟
أجابني وابتسامة سخرية ارتسمت ملامحها فظهرت أسنانه المهترئة بسوادها واصفرارها الفظيع:
- الشيطان الذي يسكنني هو الإنسان...
حدجته بتمعن محير.اخرج بيده اليمنى المتوارية خلف ظهره خبزة ولوح بها في وجهي:
- لله أسي محمد.امنحني درهما لأكمل ثمن علبة السردين.
لأتابع سخرية المشهد,أدخلت يدي في جيب سروالي,أخرجت صرفا من قطع نقدية.اخترت الدرهم وقدمته له.في اللحظة ذاتها التقطه مني بسرعة.صوب نظرة مباغتة نحو أصدقائي قائلا:
- على ربي شي سيجارة...
يقدم له صديقي سيجارة ليضعها خلف أذنه.ينصرف مسافة قصيرة ليلتفت نحونا بابتسامة ماكرة وكأنها ظفر سهل المنال لم يتطلب منه عناء يذكر,ثم مضى إلى حال سبيله يستجمع خطواته المتثاقلة بأرجل قدماها تشققت من فرط المشي الذي لا ينتهي...
في اللحظة ذاتها وهو يتوارى من أمامنا,تذكرت عبر طيف ذكرياتي الطفولية,لما كنت أنا وأقراني نتقفى أثره ليلا.كان يتبع قطيع الكلاب الضالة باستماتة عجيبة.كان يحاور كلبته الحلوب بنهديها الساقطين ويحاول استدراجها إلى أحضانه الرؤوفة.يحملها إلى ركن ركين الى باحة السوق الأسبوعي للماشية بعيدا عن أنظار الناس.نتسلل نحن برغبة فضولية خلفه دون أن نثير انتباهه.نتسلق السور متفرقين لنطل عليه.يفاجئنا وهو يخرج عضوه ليبصق عليه ثم يدلكه بيديه الخشنتين,يدنو من كلبته المنبطحة,المنصاعة لرغبته الحمقاء ليطأها من الخلف.تتنحنح الكلبة بانين محشرج,اما هو فيفح بصوت متقطع الأنفاس.لما ينهي مأربه,يقبلها في فمها ويمطط ثدياها ثم يزفر أهات مريرة ويسند ظهره لجدار السور مدندنا الحان انتشاء حزين,بكلمات غريبة:
-انتن أيتها النساء لا تخشين الله.فلقد مزجتن بين النصراني واليهودي والزنجي...
تعليق