فسيكة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سيد يوسف مرسى
    أديب وكاتب
    • 26-02-2013
    • 1333

    فسيكة


    كان عبد السلام نحيل الجسد دقيق الساقين هادئ الطبع صامت كأنه قد من حجر ، غائر العنين يعلو وجهه الدقيق سمرة بحمرة ، يسكن شارب تضحم على شفتيه يكاد يكسوهما ، وتدلى ... طوى على رأسه عمامة تضخمت من كثرة الطي ، ولذلك غارت رأسه بداخلها فلا يظهر له وجه ، بات مثل طائر الزرزور ، فدعته الناس كما دعته زوجته به زرزور ...وسبحان من جمع ووفق ، فقد جمع الله بين وبين زوجته (فسيكة) التي هي فالضئالة والنحافة تفوقه ، زرزور وفسيكة ،،، فهما أشهر من النار على العلم . فسيكة بالرغم من نحافتها ، فهي جزوة من اللهيب لا تخمد أبدأ ولا تهدأ أبدا ، شجارها ممتد مع زرزور ، صوتها عال ، فهي لا تتوقف طول النهار ولا تكف عن المقار مع زرزور طالما هو متواجد بالبيت .... يحلو لها الإعتراض والتحقير لأى عمل أو شئ يقوم به زرزور في الدار ، صارت له مصدر ضيق وازعاج ونكد ، بات لا يقيل فى بيته من حر ولا يدخل عليها البيت ولا يأتيه إلا متأخرا ، خوفا من أن يلقاها وينال منها ومن لسانها ولا يسلم من أذيته له ، كانت تلهبه بلسانها وتحقر أى عمل يقوم به فهى لا يعجبها عجب العجاب .....رجع ذات يوم إلى الدار مبكرا قبل غياب الشمس ، فما أن رأته حتى صاحت فى وجهه وكشرت على أنيابها وملأت الدنيا ثرثرة ؛ضاق صدر زرزور منها ضيقا شديدا ، أقسم أن خرج من البيت ألا يعود إليه ثانية . مهما كلفه ذلك من من تعب ، فيكفي ما هو فيه من تعب ، حتى لا يرى وجهها ولا يسمع صوتها ؛ فأرض الله واسعة ،حمل عصاه فوق كتفه حافي القدمين لا ينظر خلفه ، راح يحط في بلاد الله ليس له مأوى غريق ، حملته قدماه الدقيقتين إلى قدره المجهول ، يتطلع إلى امل ومأوى ،،وأمله فى النجاة ويخشى أن يعود فتمسك به فسيكة .....
    ظل زرزور يمشى متنقلا بين البلاد يتسول طعامه وشرابه ،أما نومه فكان تحت جدران منزل أو جوف بيت مهجور ، يلتحف السماء غطاء ويفترش التراب سريرا .....ذات يوم أخذه مصيره فدخل أحد البلاد وهو لا يدري ما بها ، راح يطوف بشوارعها ودروبها لعله يجد أحدا يسأله عن طعام فما وجد بها أحداً يسأله ، قد أعياه الجوع وغشت عيناه فيكاد لا يبصر من شدة الجوع والهزل الذي ألم بجسده النحيل ...من بعيد لمح رجلاً مسرعاً كأنه يود أن يلحق بركب فاته ، راح ينادى عليه ويركض نحوه حتى سمعه الرجل أن توقف .....! وقف الرجل وهو في حالة لهف دنا منه زرزور ... سأله زرزور : جائع أطعمنى وهو يترجاه؟ . رد الرجل : وهو عجل على سؤال زرزور وقد ظن أنه من أهل البلاد ، هل يوجد في هذا اليوم جائع في بلدتنا ؟ ، تعالى معى ستجد الطعام الشهي واللحم وما طاب من الطعام أليس اليوم المهرجان الأميرى لتولية الأمير الجديد ؟ سوف تجد هناك الطعام والشراب لك ولكل الناس وتركه ومضى مسرعا ، ؛ذهب زرزور خلفه يتبعه ببصره وقد سلم أمره إلى الله وهو لا يكاد يقوى على نصب عوده ،،،، من الهزل الذي ألم بجسده النحيل وضعفه . وصل زرزور فإذا بجمع غفير أمامه لم تره عينيه من قبل . نساء ورجالاً وأطفالاً يلتفون فى حلقة دائرية تتوسط ساحة شاسعة يوضع فى وسطها إناء فضى كبير يخبؤ أسفله شيئا ما ....يقف حوله بعض الرجال، بوسطهم رجلا يشير إلى الإناء بيده وهو يقول : من يخبرنا على المخبأ أسفل الإناء سيكون من اليوم أميرنا وسلطان هذه البلاد ..
    من ذا الذى سوف يساعده الحظ فى هذه اللحظة و يكون الأمير بلا منازع .....
    فكل من يخرج يعود دون التوصل للمخبئ . تعلقت العيون إلى من يود الخروج ويكون الحظ حليفه ... سادت الحشد لحظة صمت وليس هناك من قادم ..
    كان زرزور قد اتخذ لنفسه مقاما متقدما فى مواجهة الحلقة ؛ونظرا التزاحم بين الناس وود كل واحد منهم يود رؤية ما يحدث ، حدث تدافع من الحضور الواقفين بزرزور فيلكزه بغير قصد فيميل مندفعا للأمام ، فإذا الحضور يصيح ، مصفقين له وهاتفين فى كل اتجاه ، وهو يأبى الدخول والناس تدفع به للأمام ؛فإذا به يجد نفسه داخل الحلقة ولا حيلة لديه للرجوع ، رضخ زرزور للأمر وتقدم وهو يرتعش ولا يعرف ما الذي سيقوله... نظر إلى الإناء المنكفأ وهو يرتعش ، أطرق في الأرض بعينيه وطرقها بعصاه طرقة خفيفة ونظر إلى الناس فاذا هم سكوت والوجوم قد خيم على المشهد وهم ينظرون. ثم تبسم ابتسامة الساخر من نفسه وضحك ضحكة تعجب ، وكأنه يعاتب القدر الذى ساقه على هذه البلدة ،تمتمت شفتاه و هو يقول لنفسه ...! تدفعك المرأة يا زرزور كى تغادر البيت ولا تعرف ماذا سيكون مصيرك؟ وماذا سيكون أمرك ؟.....ليكن ما يكن
    ؛سأقول أي شيء .....سأقول أي شيء .... لكن مالذى ستقوله أيها الشقي ؟
    يا زرزور لاتعلم الغيب فما الذى ستقوله للناس ؟
    ثم جلس على الأرض ومد عصاه أمامه والناس ينتظرون وينظرون ....ومرت الثواني ثقيلة كالجبال وغابت به الدنيا وكادت روحه تزهق من ضيقه وحزنه من زوجته ثم علا صوته وأدار رأسه وقال بصوت مرتفع عملتيها يا( فسيكة ) عملتيها يا فسيكة .. وهو يكاد ينفجر وهو يصرخ فعلتيها يا فسيكة عملتيها يا فسيكة وهو لم يتصور إن الذى تحت الإناء هو أنثى طائر الفيسك وزرزور يقصد زوجته فى قوله وصياحه وإذ بالناس يندفعون نحوه مهللين مكبرين ويحمل على الأعناق ويطاف به وهو فوق رقابهم وأكتافهم الأمير ... الأمير ...عاش الأمير
    تمت والحمد لله
    بقلمي : سيد يوسف مرسي الجهني










  • فوزي سليم بيترو
    مستشار أدبي
    • 03-06-2009
    • 10949

    #2
    وراء كل زرزور فسيكة .. !
    حلوة حكاية هذا الأمير يا أستاذ سيد
    تحياتي
    فوزي بيترو

    تعليق

    يعمل...
    X