أوداج منتفخة.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • البكري المصطفى
    المصطفى البكري
    • 30-10-2008
    • 859

    أوداج منتفخة.

    امتطيت سيارة أجرة صغيرة داخل المدينة ، لم أكن مستعجلا ، لكن طابورا من السيارات اصطف في ازدحام مروري يقطع الأنفاس... في وطأة الإحساس بثقل اللحظة انتابني شعور بالامتعاظ من كثرة تأفف السائق الذي يبدو كأنه على صفيح من النار..ثم شرع بين الفينة و الأخرى يهوي على المقود بقبضتي يديه مستنكرا ما يحدث . فسألته إن كان كل يوم يعيش مثل هذه اللحظات التي تعكر صفو مزاجه . نظر إلي مليا بعدما سحب منديله ومسح عرق جبينه ثم قال بصوت متهدج : " لا... يحدث هذا كل رأس السنة الميلادية. عيد النصارى الكفار "لم أعقب على قوله وأبديت تجاهلا ملحوظا للموضوع لعله يكف عن هرائه ، مصوبا نظراتي في الاتجاه الآخر . كان يريد أن يفتح الباب على مصراعيه للخوض فيه .وعندما خابت توقعاته أمطر السنة الجديدة بوابل من الشتائم. يلعن ويسب.. صابا جام غضبه على كل المحتفين بالزوار في باحة المدينة، وكل المعدين لهم الوجبات الخاصة في المقاهي والفنادق.. فطال غيه حتى ضجرت منه ،ولم أجد بدا من تلقيمه بعض التخمينات لعله يكف عن السباب. فقلت له لعلهم يأتون ويتواصلون منتشين بلحظات سياحية جميلة تصادف فقط رأس السنة الميلادية دونما قصد الاحتفاء بها.اقتحمني مرة أخرى بنظرات حادة بعدما انتفخت أوداجه، وجحظت عيناه مستغربا قولي... كان يتفحص قسمات وجهي ليستوعب ردود أفعالي وصدره يغلي كمرجل على النار لأني لم ألق بالا للموضوع الذي خنق أنفاسه....أدرك أن السكون والهدوء قد ألقيا بظلالهما علي ، فلم يرقه تصرفي، ومط شفتيه مستغربا لأني لم أصطدم بهالة الشتائم التي صبها بلا هوادة على الزمن ، فتبعثرت الأفكار في ذهنه، وتفاقم هذيانه حتى غمره حرج كبير خاصة عندما رفعت أكفي في عنان السماء متضرعا الى الله أن يرزقنا الغيث ويغير حالنا الى أحسن حال.كنت شديد التوقع لكل ما حدث ، ولم أبال..كان التحرك بطيئا ، وضجيج المنبهات يصم الآذان..والرجل متمادينا في فورانه كبركان مندلع من جوف الأرض.ثم خاطبني بلهجة تعلوها نبرات القسوة..من أي بلدة أنت ؟؟قلت : من مدينة الفقيه بن صالح.ثم أردف ..من علمك هذا الدعاء.قلت : الفقيه بن صالح. فزمجر منفعلا ورذاذ لعابه يتطابر في الهواء قائلا:تبا لهذا الفقيه الذي لم يعلمك الفرق بين الحلال والحرام .. وظل يصرخ ويردد حرام والله حرام... حتى ظننت أني ارتكبت جرما فادحا . فهالني أمره وبدا لي كما لو أنه فقد صوابه...ففتحت الباب وقفزت من سيارته متسللا بين جنبات المصطفين لأكمل سيري مترجلا بعيدا عن كل التعساء.
  • محمد فطومي
    رئيس ملتقى فرعي
    • 05-06-2010
    • 2433

    #2
    سعيد بلقائك أخي البكري.
    اشتقتُ نصوصك الجميلة حقًّا. لم يتبدّل رأيي فيها فهي لا تخيّب الظنّ أبدًا. ونصك هذا لم يشذّ عن القاعدة طبعًا. عشتُ الـــ "الكورسة" كما لو أنّي مع الراوي في سيارة التاكسي. تناهت إليَّ الأبواق والجلبة واستنشقتُ الوقود المُحترق وسمعتُ زعيق السائق وشعرتُ بالحرج من عينَيْه المُشتعلتَيْن غيظا وجهلا وتعصّبا.
    أعتقد صديقي أنّ شعوبنا قد صنعت حقائق ملتوية ومتعصّبة ومتشعّبة كالشّباك فعلقت فيها وهذا أحد أكبر أسباب تخلّفنا عن الرّكب.
    محبتي أخي وشكرا على الحضور وعلى متعة القصّ.
    مدوّنة

    فلكُ القصّة القصيرة

    تعليق

    • البكري المصطفى
      المصطفى البكري
      • 30-10-2008
      • 859

      #3
      حياك الله أخي محمد ، كل الشكر والتقدير موصول لك..فما عهدتك إلا ناقدا كبيرا ،وأديبا متمرسا ، بقدراتك النقدية الهائلة وذوقك الفني الرفيع.. تترك أثرا ملموسا في رحلاتك الإستكشافية لخبايا النصوص ،فتنير الدروب الأدبية المعتمة، دراسة وتحليلا وتقويما.شكرآ جزيلا لك.
      التعديل الأخير تم بواسطة البكري المصطفى; الساعة 17-02-2024, 16:54.

      تعليق

      يعمل...
      X