
عابسا متغير السحنة ولج منزله،طابعا على محياه ابتسامة باردة ككل مساء،مسلما على زوجته شروق بنبرة خافتة،وهو يلقي نظرة سريعة على ولده الوحيد ذي الأربع سنوات.
-مساء الخير
-مساء الخير عبد الله ،كيف حالك؟
قالت شروق بصوت ملائكي يخفي حزنا تعود على الأسر ،فرد عليها زوجها:
-بخير ..سأذهب لأنام
ومشى بطيئا إلى غرفته وهو يفكر في رجل الأعمال الذي زاره هذا اليوم،وعرض عليه المشروع الذي سيدر عليه أموالا كثيرة،واتكأ على سريره طمعا في نومة يريح بها رأسه الذي شوشته أخبار البورصة،والمشاريع الجديدة في البلد.
وفي تلك الأثناء كانت شروق قد شرعت في تحضير العشاء،ملقية بين اللحظة واللحظة نظرة على صغيرها الذي أجلسته على كرسي وأعطته بعض الأواني ليلعب بها،فوالده لايشتري له اللعب ولا يُدلله،وحتى القبلة يضن بها عليه.
-ليته يسمح لي بالخروج لأشتري لك مايلزمك
ترددت في نفسها هذه الكلمات التي لطالما راودتها،وسرحت تفكر في حالها الذي لم يتغير منذ زواجها بهذا الرجل اللامكترث ،وفي صمتها الذي طال وطال معه اكتئابها،فلو أنها باحت لأحد من الخلق لخفف البوح عنها،غير أن أسرار البيت في نظرها لايجب أن يعرف بها أحد.
وبسبب شرودها جرحت إصبعها بالسكين في لحظة لاوعي،جعلتها تنتبه وتلاحظ أن ابنها لايلعب بحيوية كعادته.
أمسكت به بكلتا يديها،وراحت تتحسس جسمه وأنفاسه ،فإذا حرارته مرتفعة،فاضطربت وترددت في أن تقصد زوجها وتعلمه ،وكان خوفها من أن ينهرها إذا أيقظته يسيطر على حركة قدميها مما جعلها تتلبد بالأرض،وتضع ابنها في حجرها وتضمه بقوة ودمعة حرّى تهبط من مقلتها رويدا رويدا.
أما عبد الله فلم يكن نائما في هذا الوقت ،بل كان يفكر في أخبار البورصة لهذا اليوم،ويقلب في رأسه موضوع مشروع النزل الذي عرض عليه،وقد تذكر ولده في لحظة عابرة،وغشيته كآبة لأن صوتا ما بداخله قال له:-أنت مقصر جدا في حق ولدك
وتذكر أيضا زوجته التي لم يسمح لها بزيارة أهلها منذ سنة،والتي لايسمح لها بالخروج من المنزل مهما كان السبب،ثم طرد هذه الأفكار من رأسه قائلا بصوت خافت:-أليست الأموال التي أجمعها من أجلهما؟؟ ثم رفع صوته:-بل من أجلي ومن أجلهما !!!
وبينا هو غارق في غيهب تفكيره إذا بجرس المنزل يرن..
أسرعت شروق لفتح الباب ،لتجد والد زوجها البشوش واقفا يحمل دبدوبا صغيرا لحفيده،فرحبت به وعاتبته لأنه لم يزرها منذ أشهر.
حمل الجد حفيده ،وقبله عدة مرات بعد أن أعطاه الهدية ،لكنه وهو يحتضنه أحس بحرارة جسمه المرتفعة،فتأمل وجهه فإذا به شاحب،فنظر شزرا إلى كنته،وإلى ولده الذي كان قادما من الغرفة،وقبل ان ينطق سأله:
-لماذا لاتأخذ ابنك إلى الطبيب؟
-هل هو مريض؟
-ألم تعلمي زوجك بمرض ابنك؟
-كان نائما وخفت أن أوقظه لأنه عادة ينهرني عندما أفعل
قالت ذلك بعينين مغرورقتين ،واللتين انفجرتا بعدما التقطتا صورة الصغير متشبثا بالدبدوب بطريقة غريبة.
فاهتز الجد لمنظرها الحزين وقال رابتا على كتفها:-لاعليك،أعلم أن ابني لاتطاق طباعه،سآخذ الولد إلى الطبيب حالا.
لكن شروق ماكانت تبكي لهذا الأمر ،بل للصورة السالفة الذكر،والتي هيّجت ذاكرتها وأيقظت في نفسها كل الجراح التي عانت منها منذ تزوجت ،والتي كتمتها طويلا ولم تبح بها لأحد،فارتعدت ،واقشعر جلدها،وشعرت لبرهة أنها ماعادت تقوى على الاحتمال،فصرخت في وجه زوجها:-انظر إلى ولدك كيف يمسك بالدبدوب ،قل لي هل اشتريت له واحدا من قبل؟منذ متى لم تقبله؟منذ متى لم تضمه؟منذ متى لم تسأله ماذا يشتهي من الأكل؟
رد عبد الله:
-تعرفين أن عملي لايترك لي وقتا لذلك
-لماذا تمنعني إذن من الخروج وتلبية طلباته؟
-أنا تزوجتك لتهتمي بالبيت،وإذا فتحت لك باب الخروج فستنسين دارك.
فتدخل الجد بعد أن تلظى،واحمر وجهه،وأنزل حفيده إلى الأرض،ورفع صوته موجها الكلام إلى ولده:
-هكذا إذن يادنيء؟ !!لماذا زوجناك إن كنت تاركا أسرتك لحالها غير مكترث؟من الذي سيعتني بولدك إذا أهملته أنت؟
-كيف ستكون نفسيته في المستقبل وكيف ستبنى ثقته بنفسه وقد وضعت بينك وبينه حاجزا؟ووضعت دون أن تشعر حاجزا بينه وبين الناس وهو يكبر معتقدا أنه غير مهم.
(قالت شروق)
-انظر إلى هذه المسكينة التي لو سمحت لها بالخروج لما بخلت عليه بشيء،تعلّم منها الحنان والحب
وقبل أن يكمل كلامه ،أمسك عبد الله بساعد زوجته وسحبها إليه بعنف،لافظا كلمات بذيئة وهو يوبخها لأنها صرحت بأسرار البيت،مازاد في اشتعال الجد الذي ماتوقع أن ابنه يفعل كل هذا
-هل تريد أن تخنق حريتها في الكلام أيها العاق؟
-عاق؟؟
-أجل،لأني لم أربك على القسوة ،ألا تذكر أني كنت أداعبك وعمرك عشرون عاما؟
-أنا أحب ولدي،ولكنها الحياة
-أسرتك هي حياتك ياجاهل
وبينما كان الجميع منشغلين بهذا الشجار،انسلّ الطفل من بينهم هاربا من أصواتهم الملعلعة،وتوجه إلى كرسي عالٍ مسند إلى نافذة المطبخ،فتسلق إليه بهدوء،وراح يلعب بدبوبه الأبيض الجميل،وفجأة،مر عصفور مزقزق أمام النافذة،فشد انتباهه،وترك مابيده،وبحركة عفوية مد يده ليمسك به،فإذا به يهوي إلى أسفل.
كان الشجار قد سكن،دون أن يؤدي إلى نتيجة،فانتبهت شروق إلى أن ولدها ليس قريبا منها،فراحت تبحث عنه،وطفق الزوج ووالده يساعدانها في البحث،وفي تلك اللحظات كانت إحدى الجارت تدق الباب طرقا متواصلا لتعلمهم بالأمر.
ارتبك عبد الله ولم يصدر أية حركة،أما أبوه فقد أسرع إلى المكان،حمل الطفل بكلتا يديه وضمه إلى صدره،تحسس موضع قلبه وأنفاسَه،ثم طأطأ رأسه ودمعة حارة تبلل خده،وإذا بيدي ابنه تسحبان الطفل وتضمانه وتتحسسانه باندهاش ،ورعدة مزلزلة تسري فيهما،وقبل أن ينبس ببنت شفة اختطفت الأم ابنها وراحت تتأمله للمرة الأخيرة وهي تنتحب،وتستمع إلى صوت زوجها وهو يقول بنبرة مرتجفة وعلامات الصدمة بادية عليه:-ليتني شعرت بدفء حضنك من قبل !!
تعليق