الغربة سرقت ليلى!
كاد قلبه يقفز من صدره عندما سمع مضيفة الطائرة تعلن مبتسمة عن الوصول بالسلامة إلى أرض الوطن ولم تكن فرحته لهبوط الطائرة بأمان بقدر فرحته لوصوله إلى أرض وطنه بعد أربعين عاماّ قضاها في الاغتراب يصارع الفقر والفقر يصارعه حتى تمكن من التغلب عليه وقهره، وعندها فقط قرر العودة وقضاء ما تبقى من سنوات عمره المتبقية في أحضان الوطن وبالقرب ممن تبقى من عائلته بعد أن غيّب الموت الكثير منهم.
ابتسم ابتسامة عريضة عندما بادره ضابط الجوازات: الحمد لله على السلامة وأهلاً بك في وطنك.
تناول جواز سفره وهرول مسرعاّ إلى صالة الحقائب وشعر بدهر كامل يمر خلال الدقائق القليلة التي استغرقها وهو يضع حقائبه على إحدى العربات المنتشرة في الصالة، بخطوات طائرة اتجه نحو باب الخروج وكالطفل ارتمى في أحضان أشقائه وشقيقاته ودموعه تروي لهم عذاب أربعين عاماّ من لوعة الفراق حتى أنه لم يتمكن من الرد على عبارات الترحيب والأسئلة المتلاحقة واكتفى بالقول: دعونا نخرج من هنا.
ألقى ببصره من خلال نافذة السيارة المنطلقة بهم إلى دمشق يراقب حبات المطر التشرينية وهي تنقر نقراّ خفيفاّ على زجاج السيارة ثم التفت إلى شقيقته الصغرى الجالسة بقربه وقال: إن رائحة الورد الجوري والياسمين الدمشقي تملأ صدري.. الله.. الله ما أجمل تلك الرائحة.
نظرت شقيقته إليه باستغراب وبابتسامة حائرة قالت: إنه الخريف يا أخي وليس الربيع!!
تجاهل حيرتها ونظر إليها بحب وحنان وبتلعثم شديد: ما هي أخبار صديقتك ليلى؟
نظرت إليه باستغراب مرة أخرى: ليلى.. لدي أكثر من صديقة اسمها ليلى!!
احمر وجهه قليلاً وكأنه فتى في السادسة عشرة من عمره: ليلى بنت جارنا الحداد أبو مصطفى؟
وبتودد أجابته بعد أن لاحظت احمرار خديه وخجله الشديد: ليلى بنت جارنا أبو مصطفى.. نعم لقد تذكرتها الآن فهي تزوجت بعد سفرك بعامين ومنذ انتقالنا من الحارة قبل خمس وثلاثين عاماّ لم أسمع عنها شيئاً.. صمتت لبرهة ثم أردفت قائلة: ما الذي جعلك تتذكرها بعد كل هذه المدة الطويلة؟؟
أشاح بوجهه عنها حتى لا ترى دمعة ترقرقت في عينيه وكاد أن يقول إذا كنت تعتقدين أنني نسيتها رغم كل تلك السنوات الطويلة فأنت واهمة لكنه تراجع وعادت به الذاكرة إلى لقائه الأخير بليلى قبل أربعين عاماً وهي تتوسل إليه: لا تسافر فإنني لا أقوى على الحياة بدونك.
أجابها بحزن محاولاّ التخفيف عنها: يجب أن أسافر عاماً أو عامين لتحسين وضعي المادي.
وبكلمات تخنقها الدموع: صدقني سوف تسرقك الغربة مني وسوف تسرقني منك.
احتضنها بعينيه ومسح دموعها بمنديله الأبيض: ولكنني لا أملك سوى حبي لك.
تمسكت بيديه بشدة: يكفيني حبك لي وهو كل ما أريده منك.
أمسك بيديها وبعينين تذرفان حباً: لا تخافي سوف تمضي الأيام مسرعة وسأعود إليك.
نعم يا حبيبتي لقد كنت على حق فالغربة سرقتك مني وسرقتني منك ولكن لو تعلمين كم بحثت عنك في ليالي غربتي الباردة.... لو تعلمين كم ناديتك وكم من الأشعار نظمتها في حبك وكم من رسائل حب كتبتها أشكو بها إليك غربتي ووحدتي وشوقي وحنيني.
أعترف يا حبيبتي أنني كنت أبحث عنك في كل فتاة قابلتها لكن هيهات ففي هذا العالم لا يوجد سوى ليلى واحدة وهي بعيدة آلاف الأميال عني وها أنذا بعد أربعين عاماّ أعيش وحيداّ مع أشعاري ورسائلي.
تحسس جيبه والتفت إلى أخيه قائلاً: خذوني إلى حارتنا القديمة فقد اشتقت لأزقتها الضيقة وللجيران.
ضحك أخوه بصوت عال: الله يسامحك يا أخي هل تعتقد وبعد أربعين عاماّ تنتظرك الأزقة أو الجيران!!
استيقظ يا أبو حميد لقد أصبحت الدنيا غير الدنيا التي تعرفها وتحولت الأزقة الضيقة إلى شوارع عريضة ولم يتبقَ من الجيران القدامى أحد تقريباً فحالهم كحالنا.
أصابته القشعريرة من كلمات أخيه القاسية: أعرف... أعرف ولكن أرجوك أريد أن أسير قليلاً في تلك الشوارع حتى بعد أن أصبحت عريضة كما تقول.
ضحك أخوه بسخرية وقال: كما تريد.. أنا تحت أمرك!!
ترجل من السيارة ومسح بكفيه حبات المطر التي تساقطت على وجنتيه: لا تنتظروني أعطوني عنوان البيت الجديد وسألحق بكم بعد ساعة.
أطلت شقيقته من النافذة وقالت معترضة: لن نذهب سننتظرك هنا.
ابتسم ابتسامة خفيفة: دعوني على حريتي.. سألحق بكم سريعاً فلا تقلقوا.
وضع العنوان في جيب سترته ولوح مودعاً: لقاؤنا بعد ساعة إن شاء الله.
انطلقت السيارة وبقي وحيداّ يتلفت يمنة ويسرى غير مصدق ما آلت إليه حارته القديمة فالأزقة الضيقة والبيوت القديمة اختفت وحلت مكانها شوارع عريضة وعمارات شاهقة وتمتم قائلاً: زياد معه حق فأربعون عاماً مدة طويلة كما يبدو!
اخرج علبة الدخان من جيبه وحاول إشعال سيجارته ولكن المطر المنهمر أطفأ الولاعة مرة بعد مرة فلم يرَ بداً من الوقوف في مدخل إحدى العمارات المنتشرة على جانبي الشارع ليشعل سيجارته وأخذ ينظر إلى المارة تهرول مسرعة هرباً من المطر المنهمر بغزارة.
- مرحبا يا أخي!
التفت نحو مصدر الصوت فوجد رجلاً في حوالي السبعين من عمره يبتسم له وبعدم اكتراث أجابه: مرحباً.
أردف الرجل السبعيني قائلاً: أنت ساكن جديد في هذه العمارة؟
أشعل سيجارة أخرى وقال: لا.. ولكنني أتقي المطر لبضع دقائق.. على كل حال أنا من سكان هذا الحي ولكن قبل أربعين عاماً.
نظر الرجل إليه بتمعن وباستغراب وتعجب قال: أنت من السكان القدامى في هذا الحي؟
أجابه بتململ ونفاذ صبر: نعم. وأشاح ببصره نحو الشارع يراقب المارة مرة أخرى.
ربت الرجل السبعيني على كتفه بلطف وقد شعر بنفاذ صبره: عفواّ هل لي التشرف بمعرفة اسمك؟
تمتم في سريرته آه من فضول هذا الرجل ومع زفرة طويلة قال: اسمي أحمد القباني.
لم يلحظ نظرة الدهشة والاستغراب في عيني الرجل ولكنه شعر بإلحاحه: ابن أبو أحمد البقال!! وأمسك الرجل بكتفيه وهزه قائلاً: ألا تعرفني؟ انظر إلي جيداً.. أنا خليل ابن جاركم القديم أبو خليل القهوجي!
شعر بقشعريرة تسري في عروقه ونظر إلى الرجل بتمعن فوجد وجهه مألوفاً لديه: أنت خليل؟!
بضحكة مجلجلة أجابه: أنا خليل.. لا تستغرب فالعمر لا يبقي أحداً على حاله ولا يبقي الشعر أسودَ.
عانقه بحرارة وقال مازحاً: الله عليك يا خليل ولكنني أرى العمر لم يترك لك شعراً أسودَ ولا أبيضَ.
بفرح طفولي أخذ بيده: تعال معي فأنا أسكن في الطابق الأول وسنتحدث مطولاً ونحن نشرب القهوة.
صعدا الدرج سوية وخليل لا يريد ترك يده ويتمتم مرحباً: أهلا وسهلاً، أهلا وسهلاً، والله زمان يا أحمد!
فتح خليل باب البيت وصاح: يا الله معي ضيف.. تفضل.. تفضل لا تخجل البيت بيتك.
وبخطى بطيئة اتجها نحو صالة الضيوف وخليل ما زال يردد كلمات الترحيب به.
وما أن استقر على كرسيه حتى بادره خليل: لم تتغير كثيراّ يا أحمد! فكما يبدو أن الزمن في الغربة يمر مسرعاً بعكس الزمن هنا فهو يمر بطيئاً، وبضحكة عريضة وضع يده على رأسه أردف: ولا يترك لك شيئاً على رأسك لا أسود ولا أبيض.
ضحك أحمد ضحكة لم يعرفها منذ أربعين عاماً وأخرج سيجارة: عفواً خليل إنني أدخن كثيراً أرجو ألا تكون متضايقاً من رائحة السيجارة.
أجابه خليل بمرح: ماذا تقول يا رجل.. دخن كما تريد فالبيت بيتك، ثم صاح منادياً على زوجته: أم أحمد تعالي وسلمي على ضيفنا.. إنه جار قديم لنا.
بعد عدة دقائق فتحت الباب أم أحمد ودخلت.. إنها امرأة في نحو الستين من عمرها وتميل إلى البدانة الشديدة وبادرتهم بالسلام: السلام عليكم.
خفض أحمد نظره إلى الأرض مجيباً: وعليكم السلام.
بمرح وفرح شديد قال خليل: ألا تعرفينه يا أم أحمد؟؟ إنه أحمد ابن جارنا القديم أبو أحمد البقال. وأنت يا أحمد ألا تعرفها؟؟ إنها جارتكم القديمة ليلى بنت أبو مصطفى الحداد.
كأن صاعقة أصابته فلم يقوَ على رفع بصره، فنهره خليل: ارفع نظرك يا رجل فإننا أهل وجيران وضحك ضحكة عالية، ثم أكمل: وعجائز أيضاً.
ببطء وخوف شديدين رفع بصره ونظر إليها وشعر بالزمان يعود به إلى ما قبل أربعين عاماً.. أراد الكلام ولكن الكلمات توقفت في جوفه ورفضت الخروج فطأطأ رأسه مجدداً.
هتف خليل: ما رأيك يا أم أحمد في هذه المفاجأة؟ مفاجأة أليس كذلك؟
ردت أم أحمد بخجل وتلعثم وبأحرف باكية: أهلاً وسهلاً.
هزه خليل من كتفيه مما أيقظه من شروده: كيف تشرب قهوتك؟ حلوة أو وسط أو سادة كما أشربها؟
وقف متثاقلاً وقال: اعذرني أخي خليل فإنني أشعر بألم شديد في معدتي ولا أقوى على شرب القهوة واعذرني مجدداً علي الذهاب الآن لتناول دوائي.
تمسك به خليل: ماذا تقول أتريد الذهاب! اجلس فكأس من الزهورات كفيل بالقضاء على وجع معدتك، ونظر إلى زوجته قائلاً: بسرعة احضري لنا الزهورات.
بعناد وإصرار: اعذرني ولكنني لا أستطيع البقاء فالألم شديد ويجب أن أتناول دوائي.. ولكنني أعدك بزيارة قريبة جداً.
وبخطوات تحمل كل أثقال الأرض اتجه نحو الباب وهو يهز رأسه موافقاً خليل: لقد وعدتنا بزيارة ثانية ووعد الحر عليه دين فلا تنسَ.
خرج إلى الشارع وامتزجت دموعه مع حبات المطر المنهمرة على وجهه بإشفاق، مد يده إلى جيبه وتحسس أشعاره ورسائله وأشار إلى إحدى سيارات الأجرة وألقى بجسده المنهك داخلها وهو يتمتم كلمات شقيقته الصغرى: إنه الخريف وليس الربيع.
كاد قلبه يقفز من صدره عندما سمع مضيفة الطائرة تعلن مبتسمة عن الوصول بالسلامة إلى أرض الوطن ولم تكن فرحته لهبوط الطائرة بأمان بقدر فرحته لوصوله إلى أرض وطنه بعد أربعين عاماّ قضاها في الاغتراب يصارع الفقر والفقر يصارعه حتى تمكن من التغلب عليه وقهره، وعندها فقط قرر العودة وقضاء ما تبقى من سنوات عمره المتبقية في أحضان الوطن وبالقرب ممن تبقى من عائلته بعد أن غيّب الموت الكثير منهم.
ابتسم ابتسامة عريضة عندما بادره ضابط الجوازات: الحمد لله على السلامة وأهلاً بك في وطنك.
تناول جواز سفره وهرول مسرعاّ إلى صالة الحقائب وشعر بدهر كامل يمر خلال الدقائق القليلة التي استغرقها وهو يضع حقائبه على إحدى العربات المنتشرة في الصالة، بخطوات طائرة اتجه نحو باب الخروج وكالطفل ارتمى في أحضان أشقائه وشقيقاته ودموعه تروي لهم عذاب أربعين عاماّ من لوعة الفراق حتى أنه لم يتمكن من الرد على عبارات الترحيب والأسئلة المتلاحقة واكتفى بالقول: دعونا نخرج من هنا.
ألقى ببصره من خلال نافذة السيارة المنطلقة بهم إلى دمشق يراقب حبات المطر التشرينية وهي تنقر نقراّ خفيفاّ على زجاج السيارة ثم التفت إلى شقيقته الصغرى الجالسة بقربه وقال: إن رائحة الورد الجوري والياسمين الدمشقي تملأ صدري.. الله.. الله ما أجمل تلك الرائحة.
نظرت شقيقته إليه باستغراب وبابتسامة حائرة قالت: إنه الخريف يا أخي وليس الربيع!!
تجاهل حيرتها ونظر إليها بحب وحنان وبتلعثم شديد: ما هي أخبار صديقتك ليلى؟
نظرت إليه باستغراب مرة أخرى: ليلى.. لدي أكثر من صديقة اسمها ليلى!!
احمر وجهه قليلاً وكأنه فتى في السادسة عشرة من عمره: ليلى بنت جارنا الحداد أبو مصطفى؟
وبتودد أجابته بعد أن لاحظت احمرار خديه وخجله الشديد: ليلى بنت جارنا أبو مصطفى.. نعم لقد تذكرتها الآن فهي تزوجت بعد سفرك بعامين ومنذ انتقالنا من الحارة قبل خمس وثلاثين عاماّ لم أسمع عنها شيئاً.. صمتت لبرهة ثم أردفت قائلة: ما الذي جعلك تتذكرها بعد كل هذه المدة الطويلة؟؟
أشاح بوجهه عنها حتى لا ترى دمعة ترقرقت في عينيه وكاد أن يقول إذا كنت تعتقدين أنني نسيتها رغم كل تلك السنوات الطويلة فأنت واهمة لكنه تراجع وعادت به الذاكرة إلى لقائه الأخير بليلى قبل أربعين عاماً وهي تتوسل إليه: لا تسافر فإنني لا أقوى على الحياة بدونك.
أجابها بحزن محاولاّ التخفيف عنها: يجب أن أسافر عاماً أو عامين لتحسين وضعي المادي.
وبكلمات تخنقها الدموع: صدقني سوف تسرقك الغربة مني وسوف تسرقني منك.
احتضنها بعينيه ومسح دموعها بمنديله الأبيض: ولكنني لا أملك سوى حبي لك.
تمسكت بيديه بشدة: يكفيني حبك لي وهو كل ما أريده منك.
أمسك بيديها وبعينين تذرفان حباً: لا تخافي سوف تمضي الأيام مسرعة وسأعود إليك.
نعم يا حبيبتي لقد كنت على حق فالغربة سرقتك مني وسرقتني منك ولكن لو تعلمين كم بحثت عنك في ليالي غربتي الباردة.... لو تعلمين كم ناديتك وكم من الأشعار نظمتها في حبك وكم من رسائل حب كتبتها أشكو بها إليك غربتي ووحدتي وشوقي وحنيني.
أعترف يا حبيبتي أنني كنت أبحث عنك في كل فتاة قابلتها لكن هيهات ففي هذا العالم لا يوجد سوى ليلى واحدة وهي بعيدة آلاف الأميال عني وها أنذا بعد أربعين عاماّ أعيش وحيداّ مع أشعاري ورسائلي.
تحسس جيبه والتفت إلى أخيه قائلاً: خذوني إلى حارتنا القديمة فقد اشتقت لأزقتها الضيقة وللجيران.
ضحك أخوه بصوت عال: الله يسامحك يا أخي هل تعتقد وبعد أربعين عاماّ تنتظرك الأزقة أو الجيران!!
استيقظ يا أبو حميد لقد أصبحت الدنيا غير الدنيا التي تعرفها وتحولت الأزقة الضيقة إلى شوارع عريضة ولم يتبقَ من الجيران القدامى أحد تقريباً فحالهم كحالنا.
أصابته القشعريرة من كلمات أخيه القاسية: أعرف... أعرف ولكن أرجوك أريد أن أسير قليلاً في تلك الشوارع حتى بعد أن أصبحت عريضة كما تقول.
ضحك أخوه بسخرية وقال: كما تريد.. أنا تحت أمرك!!
ترجل من السيارة ومسح بكفيه حبات المطر التي تساقطت على وجنتيه: لا تنتظروني أعطوني عنوان البيت الجديد وسألحق بكم بعد ساعة.
أطلت شقيقته من النافذة وقالت معترضة: لن نذهب سننتظرك هنا.
ابتسم ابتسامة خفيفة: دعوني على حريتي.. سألحق بكم سريعاً فلا تقلقوا.
وضع العنوان في جيب سترته ولوح مودعاً: لقاؤنا بعد ساعة إن شاء الله.
انطلقت السيارة وبقي وحيداّ يتلفت يمنة ويسرى غير مصدق ما آلت إليه حارته القديمة فالأزقة الضيقة والبيوت القديمة اختفت وحلت مكانها شوارع عريضة وعمارات شاهقة وتمتم قائلاً: زياد معه حق فأربعون عاماً مدة طويلة كما يبدو!
اخرج علبة الدخان من جيبه وحاول إشعال سيجارته ولكن المطر المنهمر أطفأ الولاعة مرة بعد مرة فلم يرَ بداً من الوقوف في مدخل إحدى العمارات المنتشرة على جانبي الشارع ليشعل سيجارته وأخذ ينظر إلى المارة تهرول مسرعة هرباً من المطر المنهمر بغزارة.
- مرحبا يا أخي!
التفت نحو مصدر الصوت فوجد رجلاً في حوالي السبعين من عمره يبتسم له وبعدم اكتراث أجابه: مرحباً.
أردف الرجل السبعيني قائلاً: أنت ساكن جديد في هذه العمارة؟
أشعل سيجارة أخرى وقال: لا.. ولكنني أتقي المطر لبضع دقائق.. على كل حال أنا من سكان هذا الحي ولكن قبل أربعين عاماً.
نظر الرجل إليه بتمعن وباستغراب وتعجب قال: أنت من السكان القدامى في هذا الحي؟
أجابه بتململ ونفاذ صبر: نعم. وأشاح ببصره نحو الشارع يراقب المارة مرة أخرى.
ربت الرجل السبعيني على كتفه بلطف وقد شعر بنفاذ صبره: عفواّ هل لي التشرف بمعرفة اسمك؟
تمتم في سريرته آه من فضول هذا الرجل ومع زفرة طويلة قال: اسمي أحمد القباني.
لم يلحظ نظرة الدهشة والاستغراب في عيني الرجل ولكنه شعر بإلحاحه: ابن أبو أحمد البقال!! وأمسك الرجل بكتفيه وهزه قائلاً: ألا تعرفني؟ انظر إلي جيداً.. أنا خليل ابن جاركم القديم أبو خليل القهوجي!
شعر بقشعريرة تسري في عروقه ونظر إلى الرجل بتمعن فوجد وجهه مألوفاً لديه: أنت خليل؟!
بضحكة مجلجلة أجابه: أنا خليل.. لا تستغرب فالعمر لا يبقي أحداً على حاله ولا يبقي الشعر أسودَ.
عانقه بحرارة وقال مازحاً: الله عليك يا خليل ولكنني أرى العمر لم يترك لك شعراً أسودَ ولا أبيضَ.
بفرح طفولي أخذ بيده: تعال معي فأنا أسكن في الطابق الأول وسنتحدث مطولاً ونحن نشرب القهوة.
صعدا الدرج سوية وخليل لا يريد ترك يده ويتمتم مرحباً: أهلا وسهلاً، أهلا وسهلاً، والله زمان يا أحمد!
فتح خليل باب البيت وصاح: يا الله معي ضيف.. تفضل.. تفضل لا تخجل البيت بيتك.
وبخطى بطيئة اتجها نحو صالة الضيوف وخليل ما زال يردد كلمات الترحيب به.
وما أن استقر على كرسيه حتى بادره خليل: لم تتغير كثيراّ يا أحمد! فكما يبدو أن الزمن في الغربة يمر مسرعاً بعكس الزمن هنا فهو يمر بطيئاً، وبضحكة عريضة وضع يده على رأسه أردف: ولا يترك لك شيئاً على رأسك لا أسود ولا أبيض.
ضحك أحمد ضحكة لم يعرفها منذ أربعين عاماً وأخرج سيجارة: عفواً خليل إنني أدخن كثيراً أرجو ألا تكون متضايقاً من رائحة السيجارة.
أجابه خليل بمرح: ماذا تقول يا رجل.. دخن كما تريد فالبيت بيتك، ثم صاح منادياً على زوجته: أم أحمد تعالي وسلمي على ضيفنا.. إنه جار قديم لنا.
بعد عدة دقائق فتحت الباب أم أحمد ودخلت.. إنها امرأة في نحو الستين من عمرها وتميل إلى البدانة الشديدة وبادرتهم بالسلام: السلام عليكم.
خفض أحمد نظره إلى الأرض مجيباً: وعليكم السلام.
بمرح وفرح شديد قال خليل: ألا تعرفينه يا أم أحمد؟؟ إنه أحمد ابن جارنا القديم أبو أحمد البقال. وأنت يا أحمد ألا تعرفها؟؟ إنها جارتكم القديمة ليلى بنت أبو مصطفى الحداد.
كأن صاعقة أصابته فلم يقوَ على رفع بصره، فنهره خليل: ارفع نظرك يا رجل فإننا أهل وجيران وضحك ضحكة عالية، ثم أكمل: وعجائز أيضاً.
ببطء وخوف شديدين رفع بصره ونظر إليها وشعر بالزمان يعود به إلى ما قبل أربعين عاماً.. أراد الكلام ولكن الكلمات توقفت في جوفه ورفضت الخروج فطأطأ رأسه مجدداً.
هتف خليل: ما رأيك يا أم أحمد في هذه المفاجأة؟ مفاجأة أليس كذلك؟
ردت أم أحمد بخجل وتلعثم وبأحرف باكية: أهلاً وسهلاً.
هزه خليل من كتفيه مما أيقظه من شروده: كيف تشرب قهوتك؟ حلوة أو وسط أو سادة كما أشربها؟
وقف متثاقلاً وقال: اعذرني أخي خليل فإنني أشعر بألم شديد في معدتي ولا أقوى على شرب القهوة واعذرني مجدداً علي الذهاب الآن لتناول دوائي.
تمسك به خليل: ماذا تقول أتريد الذهاب! اجلس فكأس من الزهورات كفيل بالقضاء على وجع معدتك، ونظر إلى زوجته قائلاً: بسرعة احضري لنا الزهورات.
بعناد وإصرار: اعذرني ولكنني لا أستطيع البقاء فالألم شديد ويجب أن أتناول دوائي.. ولكنني أعدك بزيارة قريبة جداً.
وبخطوات تحمل كل أثقال الأرض اتجه نحو الباب وهو يهز رأسه موافقاً خليل: لقد وعدتنا بزيارة ثانية ووعد الحر عليه دين فلا تنسَ.
خرج إلى الشارع وامتزجت دموعه مع حبات المطر المنهمرة على وجهه بإشفاق، مد يده إلى جيبه وتحسس أشعاره ورسائله وأشار إلى إحدى سيارات الأجرة وألقى بجسده المنهك داخلها وهو يتمتم كلمات شقيقته الصغرى: إنه الخريف وليس الربيع.
تعليق