لاعب النرد بين شعر المقاومة و مقاومة الشعر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فتحي عبد السميع
    عضو الملتقى
    • 05-08-2008
    • 14

    لاعب النرد بين شعر المقاومة و مقاومة الشعر

    لاعب النرد
    بين شعر المقاومة و مقاومة الشعر
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
    فتحي عبد السميع
    هل هناك فرق بين شعر المقاومة , ومقاومة الشعر ؟ ربما كان هذا السؤال مدخلا مناسبا لاستيعاب تجربة محمود درويش بداية من ( أوراق الزيتون ) حتي ( أثر الفراشة ) فقد ارتبطت مسيرته بفكرة المقاومة ارتباطا وثيقا وعرفته الثقافة العربية بوصفه شاعر المقاومة , أو شاعر الأرض المحتلة , إلي آخر تلك الألقاب التي تقدمه في إطار يجعل من المقاومة علامة فارقة في الحكم عليه فهو وطني مادام يقاوم , وخائن إن توقف أو ذهب إلي جهة أخري .
    (1) مركز الدائرة
    كل شاعر حقيقي هو مقاوم بالدرجة الأولي , لكن شعر المقاومة يريد من الشاعر أن يتحرك في دائرة مركزها مفهوم محدد للمقاومة باعتبارها كفاح جماعة معينة ضد عدو محدد كما هو الحال مع الفلسطنيين أو العرب ضد الإسرائيليين وذلك المفهوم يفرض علي الشاعر بعدا واحدا هو بعد المناضل ويملي عليه بأن يذهب إلي حيث يشاء بشرط أن يكون في محيط دائرة مركزها المقاومة بالمعني المباشر والمحدود والقاصر عن رؤية واجب الشاعر الجوهري في مقاومة تحجر الشعر وموته , ومن هنا نطالع بامتداد القصائد صوت ذلك المناضل , ونري الشخوص التي يقدمها أو الأقنعة التي يرتديها أو الصور التي يلتقطها وهي تقدم لنا الشاعر بوصفه بطلا يتوعد ويهدد أو ضحية تستغيث أو تستفز الآخرين وتحرضهم علي التعاطف أو المواجهة والصمود
    أما في مقاومة الشعر , فالشاعر ليس سجينا لبعد المناضل , أنه إنسان بالدرجة الأولي ولا تقتصر تحدياته علي عدو بعينه , ولا تقوده فكرة المقاومة إلي شخوصه وأقنعته ورموزه وصوره , بل تظهر بحرية كاملة وفق إرادة الأعماق فليس لديه من الأفكار أو المواقف ما يبحث لها عن آنية مناسبة بل تتجلي المقاومة حية وفعالة من خلال شخصيته كشاعر بالدرجة الأولي , فالشاعر هنا يخطو بكامل أبعاده فوق محيط دائرة مركزها الشعر, ولهذا فهو لا يمكن أن يضحي بالشعر من أجل غاية ما مهما كانت نبيلة وطاهرة , بخلاف المناضل الذي يمكن أن يضحي بنفسه وبالشعر أيضا في سبيل القضية المقدسة , وما أكثر الشعر الذي نراه ميتا ولا أثر له رغم تبنيه لقضية لا خلاف علي نبلها وشرفها
    ولا شك أن محمود درويش دخل إلي القصيدة عن طريق شعر المقاومة , إلا إن مهاراته كانت تسعفه ليقدم نصا متماسكا ورصينا لكنها لم تنجح في جعلنا لا نفتقد توهج الشعر وحضوره المدهش في الكثير من النصوص , كما أن موهبته كانت أكبر من حشرها في خندق , وهو من ناحيته لم يعاندها بل فتح لها كل ما كان بوسعه أن يفتحه لها من النوافذ , لقد آثر أن يكون شاعرا أكثر من أي شيئ آخر .
    ( 2) لاعب النرد
    في قصيدته ( لاعب النرد ) يقدم لنا محمود درويش خلاصة وعيه بالشعر , يقدم لنا طبيعة القصيدة ودور الشاعر فيها , وهو أمر يصلح مدخلا للنظر إلي تجربتة.
    إنَّ القصيدة رَمْيَةُ نَرْدٍ
    علي رُقْعَةٍ من ظلامْ
    تشعُّ ، وقد لا تشعّ فيهوي الكلامْ
    كريش علي الرملِ /
    لا دَوْرَ لي في القصيدة
    غيرُ امتثالي لإيقاعها :
    حركاتِ الأحاسيس حسّاً يعدِّل حساً
    وحَدْساً يُنَزِّلُ معني
    وغيبوبة في صدي الكلمات
    وصورة نفسي التي انتقلت
    من أَنايَ إلي غيرها.
    أول ما يطلعنا هنا هو البعد المغامر للشاعر , واقترانه بمفهوم اللعب لا بمعني اللهو والعبث طبعا , فالقصيدة تنطلق من رمية إلي جهات متعددة تقبل احتمالات كثيرة لا تستطيع اليد التكهن معها بالمستَقَر , ولا يكتفي بذلك بل يحدد المجال بالرقعة المظلمة , ويحدد النتيجة بالإشعاع الغير مضمون .
    ليس الشاعر هنا هو من يقود القصيدة , بل هي التي تقوده , وليست القصيدة مجرد ممتثل طيع لأفكار الشاعر بل هي إيقاع غامض يتورط الشاعر فيه ليصغي إلي حركة الأحاسيس ومفاجآت الحدس , ومن هنا لم يعد الشاعر هو ذلك الشخص المعروف لنفسه أو لغيره بل يتحول إلي آخر يحيا في غيبوبة خلاقة لا يملك فيها سلطة علي أعماقه التي تعمل وفق قوانينها الخاصة كما لا يملك الحالم أي سلطة علي أحلامه ومن ثم تنطلق الصور التي نضجت حية ,وطازجة , وجلية , حتي لو كانت تنتمي لمنطق معقد , وفي تلك الوضعية يفقد الشاعر دوره في القصيدة , ويصبح واجبه الأساسي هو الإصغاء بتواضع , والإخلاص لحرية الأعماق والإنكار الكامل للذات الواعية التي تدعي كذبا أنها كل شيئ , هذا هو الدور الأساسي , ثم يأتي الحصاد والتخزين السليم وعرض المحصول علي الجوعي وهي إجراءات تتطلب مهارات وخبرة لتحافظ علي مستوي النضج وحيوية الثمرة وطزاجتها وبهجة العرض , النضج الزائد يفسد الثمرة , وما أكثر غواياته لمن لا يؤمن كثيرا بالأنا الخلاقة التي تسكنه أو يجدها أقل من مستوي ظنونه أو طموحاته أو رغباته أو الوظيفة التي يريدها لها , البعض لا يعجبه لون الثمرة فيلونها كما نلون البيض المسلوق, البعض لا يعجبه حجم الثمرة ولا يجده لائقا بمقامه العالي فيحاول رفع شأنها بحقنها بالمواد السامة , البعض يزين له غروره بسهولة الأمر فيضاعف الكمية من منطلق آخر غير منطلق الشعر , يتخلي عن خصوصيته في عدم وجود دور له ويخلق له دورا بطوليا فيبتعد المسكين عن الشعر , وهو يحسب أنه يحسن صنعا بما يجيده من زخارف , ومحسنات وتوابل , وبما يمتلكه من أدوات سحرية لتبدو القصيدة حية تسعي أو ليخيل له ( ولنا ) ذلك رغم أنها حجر جامد .
    الذات الواعية دورها باختصار هو سرد الحلم لا صنعه . سرد الحلم وفق الطريقة المناسبة له , وهذا لا يعني أبدا أن الحلم بعيد عن هواجسها ومخاوفها وأحلامها وهويتها لكنه كل ذلك وأكثر , وأه من أكثر تلك التي نظلمها ونقتلها لأن بعض السادة الشعراء يذهبون إلي القصيدة بأفكار جاهزة , وبعضهم لا يؤمن بـ ( أكثر ) هذه فتختفي .
    مفهوم القصيدة علي هذا النحو أقرب إلي ( مقاومة الشعر ) ويمكن أن نري أثره في أعمال كثيرة جدا لمحمود درويش وليس في كل أعماله فثمة قصائد لا نشعر بالشاعر بوصفه لاعب النرد المغامر , ونري القصيدة وهي تذهب إلي جهة محددة منذ بدايتها إلي نهايتها ,لا نراها تذهب إلي بقعة مظلمة بل إلي فضاء ساطع , ونري الشاعر وهو يلعب في المضمون .
    إن الانشغال بالقصيدة في شعر درويش يحتاج إلي دراسة مستفيضة , لكن دعونا نرجع إلي ( أوراق الزيتون ) حيث يقدم لنا الشاعر نظرته للشعر من خلال مفهوم شعر المقاومة يقول
    آمنت بالحرف إما ميتا عدما
    أو ناصبا لعدوي حبل مشنقة
    بالحرف نارا لا يضير إذا
    كنت الرماد أنا أو كان طاغيتي
    هذا المفهوم ينطلق من ( شعر المقاومة ) فالقصيدة مجرد أداة في مواجهة العدو ولا مجال للتفكير هنا في النرد ولا اللعب بالنرد , ليست هناك بقعة مظلمة في أعماق الشاعر فالقضية واضحة , والغاية أوضح .

    (3) قناع المناضل
    من الطبيعي أن يدخل محمود درويش إلي الشعر من خلال مفهوم ( شعر المقاومة ) بوعي أو بدون وعي , وهكذا طالعنا في ( أوراق الزيتون ) كصوت غاضب , وفم ناري لا يعد بهمس أو طرب , وراح البعد النضالي يبرز في أبطال قصائده السجين واللاجئ والمنفي والثائر والشهيد
    ولعل أهم ما في تجربة محمود درويش يتمثل في عدم استسلامه لغوايات ذلك البعد بالمعني المفروض من خارج القصيدة , لقد تململ في الخانة التي وجد نفسه فيها , وراح ينظر لمركز الدائرة بوصف الشعر لا المقاومة , ومن ذلك التململ بدأ يتحرك من شعر المقاومة إلي مقاومة الشعر حتى وهو يشعر بأنه يخسر عددا من جمهوره , وشاهد بالفعل من يكيل له اتهامات لابتعاده عن القضية , ولم تكن تلك الحركة مجرد قفزة من مكان إلي مكان , بل كانت فعلا ممتدا , وصراعا يحدث حتي في القصيدة الواحدة , لقد تطلب الأمر جهدا كبيرا , لكنه بدأ يظهر جليا في الثمانينات وربما تحديدا منذ ( ورد أقل ) وهكذا رأينا مساحة التجربة تتسع وتتوالي الإضافات الجادة لها بانفتاح الذات علي مسارب المقاومة المختلفة , لقد تواري قناع المناضل أمام الشاعر و الإنسان , فرأينا غوصه في سيرته الذاتية كما في ( لماذا تركت الحصان بعيدا ) وغيره , ورأينا مواجهة ملحمية مع عدو مختلف هو الموت كما في (جدارية ) ورأيناه في ( كزهر اللوز أو أبعد ) أو ( أثر الفراشة ) لا يبحث عن الثائر أو الشهيد بل يسير خلف شخص لا يعرفه لامباليا بمآثره ولا يحد سببا ليسأل ( من هو الشخص الغريب / وأين عاش , وكيف مات / ربما هو كاتب أو عامل أولاجئ أو سارق أو قاتل لا فرق ) رأيناه متأملا هادئا في الحياة ورجلا بسيطا يجلس في المقهي , يقرأ الجريدة وينظر للمشاة من خلف الزجاج سعيدا في إدارة شأنه الشخصي بلا رقيب داخلي منه أو من قارئ سعيدا بكونه منسيا أو علي الأصح متحررا من قناع المناضل ودون أن يعني ذلك إلا المقاومة لكن من خلال أفق واسع ومرن , لا يتلاشي فيه قناع المناضل نهائيا بل يبقي كبعد جوهري له الحق في التنفس كأي بعد آخر لكن وفق الشروط الشعرية ليلعب في الخفاء وبلا أدني ضجيج ويبلغ بذلك فاعلية أشد تأثيرا كما في قصيدة " البنتُ / الصرخة ":

    على شاطئ البحر بنتٌ. وللبنت أَهلٌ
    وللأهل بيتٌ. وللبيت نافذتان وبابْ…
    وفي البحر بارجةٌ تتسلَّى
    بصيدِ المُشاة على شاطئ البحر:
    أربعةٌ، خمسةٌ، سبعةٌ
    يسقطون على الرمل، والبنتُ تنجو قليلاً
    لأن يداً من ضباب
    يداً ما إلهيةً أسعفتها، فنادت: أَبي
    يا أَبي! قُم لنرجع، فالبحر ليس لأمثالنا!
    لم يُجِبْها أبوها المُسجَّى على ظلهِ
    في مهب الغياب
    دمٌ في النخيل، دمٌ في السحاب
    يطير بها الصوتُ أعلى وأَبعد من
    شاطئ البحر. تصرخ في ليل برّية،
    لا صدى للصدى.
    فتصير هي الصرخةَ الأبديةَ في خبرٍ
    عاجلٍ، لم يعد خبراً عاجلاً
    عادت الطائرات لتقصف بيتاً بنافذتين وباب!
    في تلك القصيدة يمكن أن ننظر لعدد كبير من الخصائص التي تكشف الفرق بين شعر المقاومة ومقاومة الشعر بداية من المتكلم في القصيدة الذي لا يبدو طرفا في الصراع بل شخصا محايدا لا يدعي فروسية أو نضالا , بل هو شخص مجهول لا نستطيع أن نراه إلا بوصفه شاعرا يصف بالكلمات مشهدا ما بموضوعية شديدة , وبلغة بسيطة لا زخارف فيها , وكون هذا الصوت محايدا لا يعني أن القصيدة لا تحمل موقفا قويا إلا إن هذا الموقف تقوله القصيدة نفسها , بصورها وطريقة بنائها والدقة في اختيار كلماتها , وهو موقف لا تقيده حدود جغرافية معينة فالبنت يمكن أن تكون فلسطينية أو لا تكون , والمعدات الحربية الفتاكة وهي تواجه أسرة مدنية قد تكون إسرائيل وهي تعامل الفلسطينيين وقد لا تكون , والموقف يبدأ بتقديم عالم فاتن وهو عالم بنت علي شاطئ البحر وأسرة وبيت , عالم قوامه السكينة والهدوء وعنفوان الطبيعة وجمالها الباذخ , وعندما يتحطم ذلك العالم بفعل القصف الغاشم فإن الموقف منها يظهر واضحا وعابرا أيضا للجغرافيا والهويات جميعها , وتلعب الكلمة البسيطة والهادئة ( تتسلي ) دورا كبيرا في استفزازنا من الداخل , وهكذا نصعد مع باقي الصور والحالات الإنسانية إلي قمة الرفض الجواني العميق , وتبلغ بنا القصيدة ذروة التحريض علي مقاومة أعداء الحياة بلا أية إشارة مباشرة , وهكذا لا تموت تلك القصيدة بسهولة وتتجاوز شرطها التاريخي بعد أن جعلتنا لا نشعر بذلك الشرط أبدا . وهو ما ينطبق علي الكثير من آثار محمود درويش الرائعة .
    (4) ظل المتلقي
    في شعر المقاومة ينبغي أن يكون الخطاب الشعري واضحا وضوح القضية , وغالبا ما ينطلق الشاعر من أفكار جاهزة , ورؤية معروفة سلفا , وهو ينظر إلي العالم من خلال موقف محدد ينتقي بناء عليه المادة التي يوفرها ذلك العالم , ومن هنا لا يتسامح شعر المقاومة كثيرا مع الغموض أو التركيبات التي تستوعب التأويلات المختلفة , أو المغامرات الجامحة للذات الشاعرة لا يتسامح كثيرا مع لا عب النرد .
    شعر المقاومة يرتبط بجمهور مُختزل هو الآخر في البعد النضالي , ولكي يصفق هذا الجمهور لا بد من مواصفات أهمها فهم ما يقوله الشاعر مباشرة , ورؤية المواقف التي يتبناها والشعارات التي يرفعها من مثل ( سجل أنا عربي ) أو ( سنقاوم ) أو ( أمريكا هي الطاعون ) المتلقي يدخل إلي الشعر بنظرة مسبقة وجامدة , لا تحتمل إلا ما تآلفت معه من حيث الشكل والمضمون , وعندما يظهر الشاعر بجديد (هو واجبه الجوهري) يمتعض , ويذهب بالتأويلات إلي جهة محددة , وعندما لا يجد ضالته يتهم الشاعر بالخيانة , وهذا ما يقدمه درويش في قصيدته ( اغتيال )
    يغتالني النُقَّاد أَحياناً:
    يريدون القصيدةَ ذاتَها
    والاستعارة ذاتها…
    فإذا مَشَيتُ على طريقٍ جانبيّ شارداً
    قالوا: لقد خان الطريقَ
    وإن عثرتُ على بلاغة عُشبَةٍ
    قالوا: تخلَّى عن عناد السنديان
    وإن رأيتُ الورد أصفرَ في الربيع
    تساءلوا: أَين الدمُ الوطنيُّ في أوراقهِ؟
    وإذا كتبتُ: هي الفراشةُ أُختيَ الصغرى
    على باب الحديقةِ
    حرَّكوا المعنى بملعقة الحساء
    وإن هَمَستُ: الأمُّ أمٌّ، حين تثكل طفلها
    تذوي وتيبس كالعصا
    قالوا: تزغرد في جنازته وترقُصُ
    فالجنازة عُرْسُهُ…
    وإذا نظرتُ الى السماء لكي أَرى
    ما لا يُرَى
    قالوا: تَعَالى الشعرُ عن أَغراضه…
    يغتالني النُقّادُ أَحياناً
    وأَنجو من قراءتهم،
    وأشكرهم على سوء التفاهم
    ثم أَبحثُ عن قصيدتيَ الجديدةْ!
    نحن نسمع تلك الشكوي من درويش ونتذكر موقفا قديما له في قصيدة بعنوان ( عن الشعر ) يقول فيها :
    قصائدنا بلا لون
    بلا طعم , بلا صوت
    إذا لم تحمل المصباح من بيت إلي بيت
    وإن لم يفهم البسطا معانيها
    فأولي أن نذريها ونخلد
    نحن للصمت .
    الفرق شاسع بين من لا يرضي إلا بفهم( البسطا ) جميعا , ومن يقبل عدم فهم ( النقاد) ويمضي إلي قصيدته لا مباليا , وهذا الفرق يكشف إلي أي مدي كان محمود درويش يتطور بشجاعة , إلي أي مدي نجح في التمرد علي قناعاته , وخرج من الخندق المغري إلي فضاء الشعر الرحب .
    لقد ارتبط شعر محمود درويش بالجمهور من خلال ( شعر المقاومة ) وصار صوته رمزا لتحدي الصهيونية الغاشمة , والصمود أمام توسعاتها في اللحم العربي , وهكذا صار درويش نجما بمعني الكلمة , وكان يمكن له أن يركن لذلك , إلا إنه كان يعرف خطر النجومية علي الشاعر الذي يسكن بين جنبيه , فالوصول إلي القاعدة العريضة له شروط و مواصفات قد تكون مدمرة , والتصفيق الهائل قد يعني الفشل أكثر مما يعني النجاح , يكفي أن تعرف ما الذي يريده الجمهور وما يقوي علي استيعابه , وأن تستخدم من المهارات والأساليب ما لا يصدم , مالا يدعو للوقوف والتأمل بل ما يدعو للصياح , وكل ذلك يشكل أزمة للشعر الذي ينمو كما ينمو أي شيئ طبيعي في الحياة , بينما الحشد في مكانه لا يتغير بل يزداد بلادة وخمولا , كما أن المأساة لا تنتهي بل تتسع وتتسع , كما أن الحياة تتغير , وتظهر وسائل أخري وتحمل عن الشعر ما كان يحمله لغيابها لا أكثر , بل وتظهر إمكانيات أكثر فاعلية من الشعر , فصورة أحمد الدرة ووالده مثلا مازالت أقوي وأبقي من مئات القصائد التي كتبت عنها وراحت في غياهب النسيان .
    هكذا لم يربط محمود درويش نفسه بظل المتلقي الذي يمنحه النجومية وراح يُخلص أكثر للشعر حتى لو كانت النتيجة صدمة البسطا والنقاد علي السواء , ودون أن يعني ذلك الذهاب إلي نسيان الجمهور تماما , لقد كان دائما في حسبان لا عب النرد , فهو الآخر المتمم للقصيدة , لكن لا عب النرد يخرج مع الرمية أو يلتزم بحدود معينة , وكذلك المتلقي ذلك الآخر الحميم ينبغي أن يخرج من نظرته المسبقة للشعر , والاستعداد لمالا يألفه , وأن يلتزم علي الأقل بحدود معينة.
    فتحي عبد السميع


    ( مجلة الشعر المصرية العدد 131 ـ خريف 2008)
يعمل...
X