[align=center]قبل مغيب الشمس
1- مشاعر متأججة[/align]
إحساس لا يكاد يفارقني منذ عشر سنوات تسربت من بين أناملي، ولا أدرى كيف تسربت؟؟
تبدل الحال، لم أكن يوما أتوقع ما حدث، سؤال يلاحقني ماذا سوف يحدث بعد؟؟؟
بعد ما حدث لا استطع أن أُجزم بشئ؛ فالأقدار أقوى من إرادة الإنسان... لم يعد لي سوى ذكريات، لا تكاد تفارقني....
كل شئ مضى....ولم يعد لي سوى ذكريات....ترى هل ترحل هى الأخرى في طي النسيان، أم تظل تهاجمني ؟؟؟؟؟؟
وأسرار....لم أعد أملك سوى أسرار في طي الكتمان... لم استطع البوح بها ... ولن أبوح بها... لكن تُرى هل تموت الأسرار؟؟؟ تكاد تقتلني... تلتف حول رقبتي ... تكاد تخنقني....يا إلهي إلى أين المفر؟؟؟
لم يعد لي سوى الهروب بذكرياتي وأسراري... الهروب إلى عالم مجهول الملامح... بل ربما الهروب إلى العالم الآخر... ليس لي سوى الهروب... بعدما بتُ اتوارى عن البشر...بعدما تبدد كل شئ...
لم تعد لي سوى ذكريات... حتى الذكريات... لا استطع أن أحيا معها في هذا البيت....لابد أن أهرب بها إلى مكان بعيد.... جدران هذا البيت تكاد تقتلني.... لكن إلى أين المفر؟؟؟
لا أعلم ما يخبئه لي القدر خلف أسوارهذا البيت... أشعر بالخوف كلما اقتربت من أسواره...
[align=center]* * *
2- نسيم الذكريات[/align]
أرغب الآن في أغمض عيناي وأرحل إلى عالم الذكريات.... لقد باتوا جميعا في عالم الذكريات....
أذكر كم كنا نحب وقت الأصيل، دائما ما كنا نلتقي وقتها بالشتاء والصيف، نقف معا أمام البحر في صمت نتأمل شعاع الشمس المتلألأ على سطح البحر وهو يتخافت شيئا فشئيا، وقرص الشمس وهو يتوارى خلف السحاب، أحيانا يبدو وكأنه يسقط في البحر، زقزقات جموع العاصفير العائدة إلى أعشاشها قبيل الغروب.
نتذكر معا أول يوم ألتقينا فيه صدفة... أذكر هذا اليوم الذي لا يكاد يفارق مخيلتي، فذكراه محفورة بداخلي ...اتذكر عندما احتجزتنا الأمطار يومها من الخروج وتجمعنا معا في قاعة المحاضرت، اتذكر هذا المشهد وكأنه حدث بالأمس، كانت القاعة مزدحمة تعج بمئات الطلاب ودخان أكواب الشاى الساخنة يملأ المكان، أناس كثيرون مختلفي الأشكال والأحجام والملابس، اتذكر أن ألوان ملابسهم كانت متناقضة أشد التناقض مثل الواقع الذي أعيشه... وأرغب في الهروب منه....
اضطربت عيناي من تلك الألوان التي رأيتها وكأن لهذه الألوان في نفسي آثار أزعجتني من شدة تناقضها، فما أن رأيت ألوانا زاهية كالأزهار حتى ابتهجت نفسي، وما أن رأيت ألوانا حادة مثيرة حتى أثارت في نفسي الإحساس بالقلق و التوتر، وما أن رأيت ألوانا باهتة حتى هدأت من فزعي وروعي ولكنه الهدوء المميت الذي يبعث في النفس نوعا من الجمود، وما إن رأيت ألوانا داكنة حتى بعثت الكآبه إلى نفسي؛ فأغلقت عيني دون تفكير.
وما أن أُغلقت العينين حتي تفتحت الأذنين؛ فسمعت أصواتا غير منضبطة الإيقاع ، ضوضاء... ضوضاء، أصواتا تعلوا فيزداد خفقان قلبي معها، وتنخفض فتهمس دقات قلبي، أصواتا خشنه وأصواتا ناعمة، أصواتا فرحه وأخرى شجية ...
لم تجد حواسي وعقلي مفرا سوى الهروب التام، هذه المرة أتجهت نحو نافذة في إحدى جنبات القاعة، واستغربت فلا أحد يقف هناك، فالزجاج مكسور، والهواء المثقل بالأتربة عاد من جديد، أخذت انظر من وراء الزجاج المحطم ـ كنفسي ـ وقلتُ في نفسي يا له من مشهد رهيب ، ياليته من هروب لم أشهد مثله من ذي قبل!!!
انتابتني حالة من فقدان الزمان والمكان والهوية؛ فأضحى عقلي كصفحة ناصعة البياض تخلو حتي من مجرد سطور فارغة من الكلام .
أرى البحر من بعيد، أشعر بأمواجه المتلاطمة، صوت الأموج يدوي في أذناي، يتداخل مع صوت الرياح....
برق ورعد ولد دخلي شيئا من الرهبة، جعلني انعزل عمن حولي ، يكأنه إنذارا بميلاد شيئا جديدا، أو رحيل شيئا عظيما. تداخلت في رأسي فكرتين ترى هل صراخ طفلا وليدا، أم عويل لرحيل جثمان؟؟
بدأت الأمطار تنهطل بشدة، وعيناى تذرفان دمعا، ولأدري لماذا تنهمر دموعي هكذا؟؟؟
بعد دقائق وإذا بشعاع الشمس الدفين يصارع الغمام، يريد أن يملأ الأفق قبل الرحيل. أخذت نفسي تهدأ، وبدأت الرهبة تتلاشى شيئا فشيئا، فنظرتُ حولي وإذا الصمت يُخيم على أرجاء المكان، قلت في نفسي أين من كانوا هنا؟؟
تلفت ورائي فلم أجد سوى شخصا واحدا يقف ورائي ينظر إلى عنان السماء في خشوع، عندما تحركت نحوه أقلقه صوت حذائي، نظر إلىّ في دهشة وصمت رهيب، وكأن بداخلي شئ يشدني نحوه لا أدرى ما هو...
وما هى إلا لحظات وغابت الشمس وأظلم المكان. تحرك نحو الباب وأنا خلفه.....
وفي اليوم التالي وفي نفس الموعد دفعني شيئا للذهاب إلى البحر وبالتحديد إلى نفس المكان الذي رأيته من وراء النافذة.... عندما اقتربت من البحر وجدته واقفا مكتوف الذراعين ينظر تاره إلى البحر وتاره إلى السماء، وكأنه يبحث عن ضالته...
كم كان وقت الأصيل ممتعا يومها، وقفت بجواره دون أن أُقلقه، وما أن بدأت الشمس في الرحيل حتى غادر المكان مسرعا، لا أدرى لماذا، تسألت في نفسي، هل رآني، وإن كان قد رآني فهل يتذكرني؟؟؟؟
وتكرر المشهد مرات ومرات، فما أن اقترب الموعد وكأن صوتا في السماء يناديني؛ فألبي النداء.... ولا أدري أكنت أذهب هناك من أجله، أم من أجل ارتباطي بالمكان وحنيني له، أم من أجل الهروب من واقعي المؤلم الملئ بعلامات الاستفهام؟؟؟
وظللنا نحو ثلاثة أشهر نلتقي بلا موعد في نفس الزمان والمكان... كنت اُراقب حركاته وسكناته ويراقبني من بعيد، وكثيرا ما كنا نتبادل النظرات...
وقتها بدأت اتجرد من واقعي المؤلم ، وشعرت وكأني أنني على حافة تجربة، لكن إلى أين فلستُ أدري....
كنت اتسأل طوال الوقت من هو؟؟؟
لم أعرف عنه أي شئ، ولا حتى اسمه، لا أعرف عنه سوى أنه زميلي في الكلية....
رأيته عدة مرات في الكلية، لكنه في كل مرة كان يقف أمامي لحظات ثم يجري مسرعا، كنت أُصاب بخيبة الأمل، كان لدي شعور أكيد بأن حياته فيها ما هو أهم مني....
ومرت شهور، ولم أدري بمرور تلك الأيام الكثيرة التي مضت كالحلم إلا عندما أتت نسمات الربيع المحملة بشذا الزهور !!!
يومها ذهبت إلى الكلية وكانت تتملكني أحاسيس جميلة؛ فكم كنت أعشق الربيع، تُبهج نفسي خضرة الأرض....
اتذكر أنه يومها مر أمامي أكثر من عشرين مرة، وكأنه يُريد أن يقول شئيا... لم أكن أعلم أنه قرر أن يصارحني بما يعج بداخله .
عندما حان الوقت ذهبتُ إلى نفس المكان؛ فوجدته قادما من بعيد وفي يده كشكول المحاضرات، بدون كلام فتح كشكول المحاضرات وأهدى إلىّ وردة، ووقف بجواري يتأمل موكب الغروب، وبعد لحظات من الصمت تجاذبنا أطراف الحديث معا....
أتذكر كل تلك اللحظات وكأنها لوحة بديعة منقوشة في مخيلتي... لعلي أتذكرها دائما لأنها أجمل أيام حياتي...
[align=center]* * *
3- قبل الرحيل[/align]
ترى ما الذي أيقظني من نومي الآن، ويكأن همس الأمواج يتردد في أذناي... لأُمسك بطرف هذه الستارة البالية وأشددها ...
آه لا زالت الشمس لم تشرق بعد، باقي ساعات على موعد السفر....لي زمان لم أرى الشمس، لم افتح النافذة...
لابد أن أكمل نومي....
فكرة مجنونة اقلقتني ثانية.... اتجهت نحو الشرفة... فتحت الباب ... وقفت بجوار فتحة الباب اراقب شروق الشمس ....
انتابتني نشوة وتساءلت في نفسي كم يبدو شروق الشمس جميلا، لكن لماذا لم أره من قبل، هل سأره ثانية؟؟؟
الآن مضت ساعة تقريبا واستقرت الشمس في الأفق، وتحرك نسيم الصباح العليل وهز أوراق شجرة الياسمين، شذاها ملأ أرجاء المكان، عندما التفتًُ نحوها تذكرت شيئا لم أنساه منذ سنين، لعلي غفلت عنه بعض الشئ!!!
دب القلق في صدري، تُرى ما الذي أقلقني؟؟؟
نظرت لجذع الشجرة وقد بانت عليه السنين، نعم ظهرت على الشجرة مظاهر الشيخوخة...
جريت مسرعة نحو المرآة، نظرت إلى وجهي، لم أصدق ما تراه عيناي، مسحت بكمي المرآة مرات ومرات....
لكن دون جدوى، لقد ظهر فعل المشيب قبل رحيل شمس الشباب... صدقت يا ناجي:
الصِّبَـا لَـنْ أَرَاهْ وَالْهَوَى لَنْ يَعُودْ
تذكرت الجمال الذي احتجب وراء الهموم والأحزان، ويكأني أراه من وراء السنين ....
دقت الساعة؛ فانتبهت، انعكست النتيجة في المرآة ، التفت إليها وجدت اليوم 30\3 ، قلت في نفسي اليوم فقط قد اكتملت عشر سنوات...
يا إلهي أول مرة أنسى العد التنازلي لهذ اليوم، لم اتذكره قط طوال الشهر!!!
اتجهت نحو الدولاب، وأخرجت الصندوق؛ فخفق قلبي بشددة، وانهمرت الدموع على سطح الصندوق واختلطت بذرات التراب الناعم التي تُغطي سطح الصندوق...
وضعت الصندوق على السرير وجلست بجواره، يداي المرتعشتان تحاولان فتح الصندوق....
وقع الصندوق وتناثر ما به، نزلت إلى الأرض لأجمع ما وقع من الصندوق، أمتدت أطراف أناملي المرتعشة نحو نصف القلب المكتوب عليه " لا إله إلا الله"، ضممته إلى قلبي لعله يسمع دقاته غير المتناهية....
أجهشت بالبكاء، تذكرت يوم أهداني "حسن" إياه....
لكن إين الوردة الجافة، لا يوجد لها أثرعلى السجادة، ليتها لاتزال راقدة في إحدى أركان الصندوق، مرة أخرى تعسعس يدي داخل الصندوق لكن دون جدوى، يا إلهي إين هي؟؟؟
نعم تذكرت؛ فهى لا تزال راقدة داخل كتاب العهد الذي نقشته أيدينا، تُرى آلا زال يذكر كتاب العهد؟؟؟
يوم أخذ مني كشكول المحاضرات، وفتح صفحة ناصعة البياض، وأخرج قلمه، وأمسك بيدى كالطفل الصغير الذي يتعلم الكتابة، وكتبنا معا فوق السطور بنود العهد ....
نعم، اتذكر كل كلمة كتبناها، ولكني مشتاقه لرؤية الكتاب، لم أره منذ العام الماضي.
أمتدت يدى نحو الكشكول، وعندما فتحته ايقنت أنه قد مرت عشر سنوات، لقد أصفر الورق... وماذا بعد؟؟؟
يا إلهي، باقي ساعتين على الرحيل، كيف ومتى احتفل؟؟
اليوم ستأتي الساعة الرابعة والنصف وأنا في عرض البحر....
نعم، أتذكر يوم أتفقنا على أن نجعل يوم 30\3 عيدا لميلادنا، عيدا للحب خاص بنا وحدنا، وقررنا أن نكرر ما فعلناه في أول يوم استقبلناه معا....
اتذكر يوم وقف إلى جواري وقت الأصيل وأهداني هذه الوردة، قد جفت لكن مشاعرى نحوه لم تجف، بل تتدفق مثل البحر العاتي....
وبعدما تجذبنا أطرف الحديث معا، وانطلقنا قبل غروب شعاع الشمس الأخير، وجدنا فتى صغير يبيع بعض أصاصيص الزهور الصغيرة، أخترنا نبتة الياسمين، أشتريت له واحده لتذكره بي، واشترى لي أخرى...
ثم انطلقنا بسرعة وعبرنا الطريق، طلب مني أن نحتفل، وبدون تفكير دخلنا إلى أول محل صادفنا واشترينا تورتة شيكولاته...
وتساءلنا أين سنحتفل؟؟
وقلنا لابد أن يكون الاحتفال غير عادي..
لازال شعاع الشمس لم يغرب بعد، لنذهب إلى شاطئ البحر ونحتفل، جلسنا على الرمل وشذا الياسمين يملأ أرجاء المكان....
لم نأكل التورتة بعد، محت معالمها موجة عاتية، ربما كانت تنذر بشئ لم نضعه في الحسبان....
وجرت الأيام بسرعة واحتفلنا بأول عيد ،عام يمر على ارتباطنا...
احضرت له في هذا العام قنينة عطر، وأحضر لي هذا الصندوق كي أضع فيه مجوهراتي، وكان بداخله هذه السلسلة...
يا إلهي اليوم في تمام الساعة الرابعة والنصف تُكمل قصتنا عشر سنوات، أتراه مازال باقيا على العهد، أم نسى؟؟؟
مازال الأمل يراودني في عودته...
أتذكر أخر جملة قالها عندما التقينا أخر مرة، بعدما رفض أبي فكرة زواجي منه...
فلم نكن نفكر قط في الفوارق الشاسعة التي بين الأسرتين، ابن صياد بسيط، وابنة أكبر تاجر مجوهرات في الإسكندرية، تعيش في قصر منيف يطل على البحر، ويعيش في بيت من بيوت الصيادين...
يومها قال لي "حسن": "سوف أعود في يوم ما، لكني لن أعود إلا عندما أمتلك قصرا مثل هذا... سوف آتي .... انتظرني يوم 30\3 ... أما السنة فلنتركها للقدر.... سوف آتي يوما ونحتفل معا بيوم ميلادنا... انتظريني..."
اتذكر الآن قول نزار:
تاريخ حبك لي تاريخ ميلادي
عندما قرأت هذه القصيدة ايقنت أنه كتبها عنا....
لقد افترقنا قبل الذكرى الثالثة، التي كانا نرتب أن نحتفل فيها بزفافنا.... أشعر بمرارة....أكاد اختنق...
يا إلهي ألا يأتي الرحيل إلا في هذا اليوم.... لا مفر يجب أن أرحل...
لكن إذا آتي "حسن" اليوم بالتأكيد سوف يقول أنني نسيته....
لا ... لا، علىّ أن أواجه نفسي بالحقيقة التي طالما واجهني بها أصدقائي... إن كان يريد أن يأتي لماذا تأخر كل هذه السنيين؟؟؟
بالتأكيد نسى وبدأ حياة جديدة، من الأفضل لي أن أنسي...
سؤال لازال يطاردني منذ رحيل حسن، أبحث له عن إجابة، هل مات أم مازال على قد الحياة، وإذا كان بين الأحياء فأين هو، وهل يتذكرني؟؟؟
كم من دربا طرقت، هل من مُجيب؟؟؟
بيته انهدم، أهله تبعثروا، أصدقائه تشتتوا. بحثت عنه في كل مكان؛ لكن لا يوجد أثر...
ذهبت إلى قارئات الفناجين، شربت تلالا من البن، لكني لم أجني سوى السهاد والسهر... قالت إحدهن وتدعى أم رضا، مضى في طريق و لا أمل.
طرقت باب قارئ الكف عم فرحان، صمت ثم قال كلمات لم أفهمها، البحر محا الأثر !!!
يجب أن أرحل، نعم يجب أن أرحل.... لم يعد لي أي شئ هنا بعد موت أبي؛ قتلته الصدمه، انتقم منه القدر....
ضاعت الثروة.... ضاع كل شئ.... أحس الآن وكأني مقطوعه من جذوري، ليس هناك بديل، يجب أن ألحق بأخي في باريس....
بعد ساعة سيأتي من يستلم مني القصر، ليس أمامي غير الفرار وليكن ما يكن....انتظرته بما يكفي....هو المقصر لستُ أنا....
لكن هل أخلف وعده معي؟؟؟ لا أصدق... لا أصدق....
علىّ الآن أن أرتب الأغراض التي اصطحبها معي في رحلتي إلى المجهول، إلى المستقبل مجهول الملامح الذي ينتظرني....
ما زال هناك وقت.... يجب أن أودع القصر.... أودع ذكرياتي المؤلمة... أودع أكثر من ثلاثين سنة قضيتها في هذا القصر....
أرغب أن أحمل معي كل شئ؛ فحتى أعمدت القصر لي معها ذكريات....
وإن كان الحريق قد سرق أكثر ذكرياتي، علىّ ألا اُفرط فيما تبقى....
لستُ أدري أأكره يدي التي أشعلت الحريق وطمست ذكرياتي وملامح وجهي إلى الأبد، أم...
لكن كان لابد أن أُخفي الأسرار... لم استأمن عليها سوى النار...لكن النيران غادرة... استولت على كل شئ... كان لابد أن اُخفي كل شئ حتى لا يفتضح أمرنا...
بعدما تراكمت الديون ... ولم يعد لي سوى هذا القصر.... كان لابد أن أخفي معالم السرداب ... أمحو أثر حجرة الأسرار.... حجرة الأسرار الموصدة أضحت غابرة...
دفنت الأحقاد... حولت الأباطيل لرماد....كم كانت أسوارا شامخة بين أبي وباقي البشر... أجدادا لم يتركوا سوى الأشواك....إذا مددت يدك بالشوك فلا سلام...
ترى هل أخذت كل ما أريد، أم لا زال هناك شئ؟؟؟
نعم حقيبة ذكرياتي، ترى هل أكون بحاجة لها في غربتي؟؟؟
اقترب الوقت.... يجب أن ارتدي ملابسي.... الشمس اليوم مشرقة .... لكن كل هذا غير مهم...
ماذا ارتدي؟؟؟ عندي رغبة أن آرتدي المعطف البنفسجي القاتم، الذي ارتديته يوم افترقنا؛ فهو المعطف الذي أودع به كل شئ....
ألا زال هناك شئ؟؟؟
يا إلهي اترنح مثل السكرانة ... توازني مختل... قدماي لا تقوى على احتمالي... اشعر ببروده تهز أوصالي... قلبي يرتعد....آه اصطدمت رأسي بحافة الدولاب...
يا إلهي ما الذي حدث... ما الذي سقط على الأرض... لا أقوى على حمل هذه الحقيبة القديمة.... كدت أن أنسها... وأنسى أهم ذكرياتي بها....
لعلها أوفى مني!!! ذكرتني بنفسها عندما وقعت فجأة على الأرض، بها الشئ الوحيد الباقي من أثر "حسن"...
الصورة الوحيدة التي تجمعنا معا، الصخرة العالية التي كنا نجلس عليها بالقرب من القلعة والأمواج تأتي إلينا مسرعة....
حزنت في العام الماضي عندما زرتها، عشر سنوات مضت والصخرة في طريقها للتلاشي....
ارتطمت دموعي الجارفة على سطحها... اختلطت بأجاج البحر... تراءت لي على سطح الصخرة كلمات كالجمان تتلألأ... يبثها صوت شجي.... صوت الدكتور محمد زكي... آراه من وراء الحقب...
نظرت إلى عنان السماء ويكأن صورة "ناجي" تلوح في الأفق... فوق الصخرة... تطل من خلال الشفق، وكأنها تصرخ قائلة:
سألتك يا صخرة الملتقى متى يجمع الدهر ما فرقا
فيا صخرة جمعت مهجتين أفاءا إلى حسنها المنتقى
إذا الدهر لج بأقداره أجد على ظهرها الموثقا
قرأنا عليك كتاب الحياة وفض الهوى سرها المغلقا
ويكأن كل شئ يتركني وحيدة...
يا إلهي ماذا حدث؟؟؟ صوت ارتطام شديد يأتي من جهة الشرفة... لا استطع أن أصدق ما تراه عيناي... اليوم يوم الفراق... حتى شجرة الياسمين فارقتني... رياح شديدة أوقعتها... ليتني ما حركتها من مكانها.... أبت أن يأتي عليها يوم ولا تجد من يرعاها.... آلا زال هناك أمل؟؟؟
ها هو صاحب القصر الجديد على وشك المجئ .... علىّ أن أنسحب... لا مفر...
أخذت كل ما أقوى على حمله، لا يبقى سوى الباقية الباقية من مجوهراتي التي سوف أبدأ بها حياتي، تري هل يغطي ثمنها نفقاتي لمدة شهر؟؟؟
يدي ترتعش لا أقوى على فتح الدرج... الحمد لله فُتح أخيرا... هذه هي المجوهرات... ألا زال هناك شيئا ثمينا راقدا في الدرج؟؟؟
يا إلهي ما هذا؟؟؟
كدت أنسى الشمع...
تسع شمعات احترقن، تسع سنين احترقن، لا تزال هناك واحدة لم تشتعل بعد...
اتذكر يوم اشترينا هذا الشمع... وحفرنا على كل واحدة اسمي واسم حسن، لكن الشمعة الأخيرة لم تحترق بعد....
وصلت السيارة، بعد دقائق أودع الوطن، أودع الإسكندرية وبحرها، عزائي الوحيد أني سوف أعيش على الشاطئ الثاني من هذا البحر المتوسط...
وكأن كل شئ يذكرني به اليوم، لا أقوى أن أطرده من مخيلتي...
كثيرا ما كان يقول لي: "أرغب أن أعيش بين السماء والبحر، حرا طليقا مثل النوارس، صوتها مازال يدوي في أذناي" ...
ودائما ما كان يقول: "سؤالا يراودني منذ نعومة أظافري كلما نزلت مع الصيادين في وسط البحر، كنت أتساءل ماذا على الشاطئ الثاني للبحر؟؟؟"
وها أنا أسأل نفسي هذا السؤال الآن، بعد قليل تبحر السفينة وأرى الجانب الثاني من المتوسط ...
أصعد الآن على متن السفينة، وها هي النظرة الأخيرة للإسكندرية...
أبحرت السفينة ، وأبحرت معها آلامي ....
لم تمضي ساعة إلا وأنا أشعر بالغربة، بالاضطراب، بالاختناق...
يجب أن أصعد لأعلى، منظر البحر بالتأكيد سوف يُهدئ من روعي....
[align=center]* * *[/align]
تعليق