قبل مغيب الشمس

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • آيات شعبان
    أديب وكاتب
    • 19-07-2008
    • 77

    قبل مغيب الشمس


    [align=center]قبل مغيب الشمس

    1- مشاعر متأججة[/align]

    إحساس لا يكاد يفارقني منذ عشر سنوات تسربت من بين أناملي، ولا أدرى كيف تسربت؟؟
    تبدل الحال، لم أكن يوما أتوقع ما حدث، سؤال يلاحقني ماذا سوف يحدث بعد؟؟؟

    بعد ما حدث لا استطع أن أُجزم بشئ؛ فالأقدار أقوى من إرادة الإنسان... لم يعد لي سوى ذكريات، لا تكاد تفارقني....
    كل شئ مضى....ولم يعد لي سوى ذكريات....ترى هل ترحل هى الأخرى في طي النسيان، أم تظل تهاجمني ؟؟؟؟؟؟

    وأسرار....لم أعد أملك سوى أسرار في طي الكتمان... لم استطع البوح بها ... ولن أبوح بها... لكن تُرى هل تموت الأسرار؟؟؟ تكاد تقتلني... تلتف حول رقبتي ... تكاد تخنقني....يا إلهي إلى أين المفر؟؟؟

    لم يعد لي سوى الهروب بذكرياتي وأسراري... الهروب إلى عالم مجهول الملامح... بل ربما الهروب إلى العالم الآخر... ليس لي سوى الهروب... بعدما بتُ اتوارى عن البشر...بعدما تبدد كل شئ...

    لم تعد لي سوى ذكريات... حتى الذكريات... لا استطع أن أحيا معها في هذا البيت....لابد أن أهرب بها إلى مكان بعيد.... جدران هذا البيت تكاد تقتلني.... لكن إلى أين المفر؟؟؟
    لا أعلم ما يخبئه لي القدر خلف أسوارهذا البيت... أشعر بالخوف كلما اقتربت من أسواره...

    [align=center]* * *

    2- نسيم الذكريات[/align]

    أرغب الآن في أغمض عيناي وأرحل إلى عالم الذكريات.... لقد باتوا جميعا في عالم الذكريات....

    أذكر كم كنا نحب وقت الأصيل، دائما ما كنا نلتقي وقتها بالشتاء والصيف، نقف معا أمام البحر في صمت نتأمل شعاع الشمس المتلألأ على سطح البحر وهو يتخافت شيئا فشئيا، وقرص الشمس وهو يتوارى خلف السحاب، أحيانا يبدو وكأنه يسقط في البحر، زقزقات جموع العاصفير العائدة إلى أعشاشها قبيل الغروب.

    نتذكر معا أول يوم ألتقينا فيه صدفة... أذكر هذا اليوم الذي لا يكاد يفارق مخيلتي، فذكراه محفورة بداخلي ...اتذكر عندما احتجزتنا الأمطار يومها من الخروج وتجمعنا معا في قاعة المحاضرت، اتذكر هذا المشهد وكأنه حدث بالأمس، كانت القاعة مزدحمة تعج بمئات الطلاب ودخان أكواب الشاى الساخنة يملأ المكان، أناس كثيرون مختلفي الأشكال والأحجام والملابس، اتذكر أن ألوان ملابسهم كانت متناقضة أشد التناقض مثل الواقع الذي أعيشه... وأرغب في الهروب منه....
    اضطربت عيناي من تلك الألوان التي رأيتها وكأن لهذه الألوان في نفسي آثار أزعجتني من شدة تناقضها، فما أن رأيت ألوانا زاهية كالأزهار حتى ابتهجت نفسي، وما أن رأيت ألوانا حادة مثيرة حتى أثارت في نفسي الإحساس بالقلق و التوتر، وما أن رأيت ألوانا باهتة حتى هدأت من فزعي وروعي ولكنه الهدوء المميت الذي يبعث في النفس نوعا من الجمود، وما إن رأيت ألوانا داكنة حتى بعثت الكآبه إلى نفسي؛ فأغلقت عيني دون تفكير.
    وما أن أُغلقت العينين حتي تفتحت الأذنين؛ فسمعت أصواتا غير منضبطة الإيقاع ، ضوضاء... ضوضاء، أصواتا تعلوا فيزداد خفقان قلبي معها، وتنخفض فتهمس دقات قلبي، أصواتا خشنه وأصواتا ناعمة، أصواتا فرحه وأخرى شجية ...

    لم تجد حواسي وعقلي مفرا سوى الهروب التام، هذه المرة أتجهت نحو نافذة في إحدى جنبات القاعة، واستغربت فلا أحد يقف هناك، فالزجاج مكسور، والهواء المثقل بالأتربة عاد من جديد، أخذت انظر من وراء الزجاج المحطم ـ كنفسي ـ وقلتُ في نفسي يا له من مشهد رهيب ، ياليته من هروب لم أشهد مثله من ذي قبل!!!

    انتابتني حالة من فقدان الزمان والمكان والهوية؛ فأضحى عقلي كصفحة ناصعة البياض تخلو حتي من مجرد سطور فارغة من الكلام .
    أرى البحر من بعيد، أشعر بأمواجه المتلاطمة، صوت الأموج يدوي في أذناي، يتداخل مع صوت الرياح....
    برق ورعد ولد دخلي شيئا من الرهبة، جعلني انعزل عمن حولي ، يكأنه إنذارا بميلاد شيئا جديدا، أو رحيل شيئا عظيما. تداخلت في رأسي فكرتين ترى هل صراخ طفلا وليدا، أم عويل لرحيل جثمان؟؟

    بدأت الأمطار تنهطل بشدة، وعيناى تذرفان دمعا، ولأدري لماذا تنهمر دموعي هكذا؟؟؟
    بعد دقائق وإذا بشعاع الشمس الدفين يصارع الغمام، يريد أن يملأ الأفق قبل الرحيل. أخذت نفسي تهدأ، وبدأت الرهبة تتلاشى شيئا فشيئا، فنظرتُ حولي وإذا الصمت يُخيم على أرجاء المكان، قلت في نفسي أين من كانوا هنا؟؟
    تلفت ورائي فلم أجد سوى شخصا واحدا يقف ورائي ينظر إلى عنان السماء في خشوع، عندما تحركت نحوه أقلقه صوت حذائي، نظر إلىّ في دهشة وصمت رهيب، وكأن بداخلي شئ يشدني نحوه لا أدرى ما هو...

    وما هى إلا لحظات وغابت الشمس وأظلم المكان. تحرك نحو الباب وأنا خلفه.....

    وفي اليوم التالي وفي نفس الموعد دفعني شيئا للذهاب إلى البحر وبالتحديد إلى نفس المكان الذي رأيته من وراء النافذة.... عندما اقتربت من البحر وجدته واقفا مكتوف الذراعين ينظر تاره إلى البحر وتاره إلى السماء، وكأنه يبحث عن ضالته...

    كم كان وقت الأصيل ممتعا يومها، وقفت بجواره دون أن أُقلقه، وما أن بدأت الشمس في الرحيل حتى غادر المكان مسرعا، لا أدرى لماذا، تسألت في نفسي، هل رآني، وإن كان قد رآني فهل يتذكرني؟؟؟؟
    وتكرر المشهد مرات ومرات، فما أن اقترب الموعد وكأن صوتا في السماء يناديني؛ فألبي النداء.... ولا أدري أكنت أذهب هناك من أجله، أم من أجل ارتباطي بالمكان وحنيني له، أم من أجل الهروب من واقعي المؤلم الملئ بعلامات الاستفهام؟؟؟

    وظللنا نحو ثلاثة أشهر نلتقي بلا موعد في نفس الزمان والمكان... كنت اُراقب حركاته وسكناته ويراقبني من بعيد، وكثيرا ما كنا نتبادل النظرات...
    وقتها بدأت اتجرد من واقعي المؤلم ، وشعرت وكأني أنني على حافة تجربة، لكن إلى أين فلستُ أدري....

    كنت اتسأل طوال الوقت من هو؟؟؟
    لم أعرف عنه أي شئ، ولا حتى اسمه، لا أعرف عنه سوى أنه زميلي في الكلية....
    رأيته عدة مرات في الكلية، لكنه في كل مرة كان يقف أمامي لحظات ثم يجري مسرعا، كنت أُصاب بخيبة الأمل، كان لدي شعور أكيد بأن حياته فيها ما هو أهم مني....

    ومرت شهور، ولم أدري بمرور تلك الأيام الكثيرة التي مضت كالحلم إلا عندما أتت نسمات الربيع المحملة بشذا الزهور !!!

    يومها ذهبت إلى الكلية وكانت تتملكني أحاسيس جميلة؛ فكم كنت أعشق الربيع، تُبهج نفسي خضرة الأرض....
    اتذكر أنه يومها مر أمامي أكثر من عشرين مرة، وكأنه يُريد أن يقول شئيا... لم أكن أعلم أنه قرر أن يصارحني بما يعج بداخله .

    عندما حان الوقت ذهبتُ إلى نفس المكان؛ فوجدته قادما من بعيد وفي يده كشكول المحاضرات، بدون كلام فتح كشكول المحاضرات وأهدى إلىّ وردة، ووقف بجواري يتأمل موكب الغروب، وبعد لحظات من الصمت تجاذبنا أطراف الحديث معا....

    أتذكر كل تلك اللحظات وكأنها لوحة بديعة منقوشة في مخيلتي... لعلي أتذكرها دائما لأنها أجمل أيام حياتي...


    [align=center]* * *

    3- قبل الرحيل[/align]

    ترى ما الذي أيقظني من نومي الآن، ويكأن همس الأمواج يتردد في أذناي... لأُمسك بطرف هذه الستارة البالية وأشددها ...
    آه لا زالت الشمس لم تشرق بعد، باقي ساعات على موعد السفر....لي زمان لم أرى الشمس، لم افتح النافذة...

    لابد أن أكمل نومي....
    فكرة مجنونة اقلقتني ثانية.... اتجهت نحو الشرفة... فتحت الباب ... وقفت بجوار فتحة الباب اراقب شروق الشمس ....
    انتابتني نشوة وتساءلت في نفسي كم يبدو شروق الشمس جميلا، لكن لماذا لم أره من قبل، هل سأره ثانية؟؟؟

    الآن مضت ساعة تقريبا واستقرت الشمس في الأفق، وتحرك نسيم الصباح العليل وهز أوراق شجرة الياسمين، شذاها ملأ أرجاء المكان، عندما التفتًُ نحوها تذكرت شيئا لم أنساه منذ سنين، لعلي غفلت عنه بعض الشئ!!!
    دب القلق في صدري، تُرى ما الذي أقلقني؟؟؟
    نظرت لجذع الشجرة وقد بانت عليه السنين، نعم ظهرت على الشجرة مظاهر الشيخوخة...
    جريت مسرعة نحو المرآة، نظرت إلى وجهي، لم أصدق ما تراه عيناي، مسحت بكمي المرآة مرات ومرات....
    لكن دون جدوى، لقد ظهر فعل المشيب قبل رحيل شمس الشباب... صدقت يا ناجي:

    الصِّبَـا لَـنْ أَرَاهْ وَالْهَوَى لَنْ يَعُودْ

    تذكرت الجمال الذي احتجب وراء الهموم والأحزان، ويكأني أراه من وراء السنين ....

    دقت الساعة؛ فانتبهت، انعكست النتيجة في المرآة ، التفت إليها وجدت اليوم 30\3 ، قلت في نفسي اليوم فقط قد اكتملت عشر سنوات...
    يا إلهي أول مرة أنسى العد التنازلي لهذ اليوم، لم اتذكره قط طوال الشهر!!!

    اتجهت نحو الدولاب، وأخرجت الصندوق؛ فخفق قلبي بشددة، وانهمرت الدموع على سطح الصندوق واختلطت بذرات التراب الناعم التي تُغطي سطح الصندوق...
    وضعت الصندوق على السرير وجلست بجواره، يداي المرتعشتان تحاولان فتح الصندوق....
    وقع الصندوق وتناثر ما به، نزلت إلى الأرض لأجمع ما وقع من الصندوق، أمتدت أطراف أناملي المرتعشة نحو نصف القلب المكتوب عليه " لا إله إلا الله"، ضممته إلى قلبي لعله يسمع دقاته غير المتناهية....
    أجهشت بالبكاء، تذكرت يوم أهداني "حسن" إياه....

    لكن إين الوردة الجافة، لا يوجد لها أثرعلى السجادة، ليتها لاتزال راقدة في إحدى أركان الصندوق، مرة أخرى تعسعس يدي داخل الصندوق لكن دون جدوى، يا إلهي إين هي؟؟؟

    نعم تذكرت؛ فهى لا تزال راقدة داخل كتاب العهد الذي نقشته أيدينا، تُرى آلا زال يذكر كتاب العهد؟؟؟
    يوم أخذ مني كشكول المحاضرات، وفتح صفحة ناصعة البياض، وأخرج قلمه، وأمسك بيدى كالطفل الصغير الذي يتعلم الكتابة، وكتبنا معا فوق السطور بنود العهد ....
    نعم، اتذكر كل كلمة كتبناها، ولكني مشتاقه لرؤية الكتاب، لم أره منذ العام الماضي.
    أمتدت يدى نحو الكشكول، وعندما فتحته ايقنت أنه قد مرت عشر سنوات، لقد أصفر الورق... وماذا بعد؟؟؟

    يا إلهي، باقي ساعتين على الرحيل، كيف ومتى احتفل؟؟
    اليوم ستأتي الساعة الرابعة والنصف وأنا في عرض البحر....

    نعم، أتذكر يوم أتفقنا على أن نجعل يوم 30\3 عيدا لميلادنا، عيدا للحب خاص بنا وحدنا، وقررنا أن نكرر ما فعلناه في أول يوم استقبلناه معا....
    اتذكر يوم وقف إلى جواري وقت الأصيل وأهداني هذه الوردة، قد جفت لكن مشاعرى نحوه لم تجف، بل تتدفق مثل البحر العاتي....
    وبعدما تجذبنا أطرف الحديث معا، وانطلقنا قبل غروب شعاع الشمس الأخير، وجدنا فتى صغير يبيع بعض أصاصيص الزهور الصغيرة، أخترنا نبتة الياسمين، أشتريت له واحده لتذكره بي، واشترى لي أخرى...
    ثم انطلقنا بسرعة وعبرنا الطريق، طلب مني أن نحتفل، وبدون تفكير دخلنا إلى أول محل صادفنا واشترينا تورتة شيكولاته...
    وتساءلنا أين سنحتفل؟؟
    وقلنا لابد أن يكون الاحتفال غير عادي..
    لازال شعاع الشمس لم يغرب بعد، لنذهب إلى شاطئ البحر ونحتفل، جلسنا على الرمل وشذا الياسمين يملأ أرجاء المكان....
    لم نأكل التورتة بعد، محت معالمها موجة عاتية، ربما كانت تنذر بشئ لم نضعه في الحسبان....

    وجرت الأيام بسرعة واحتفلنا بأول عيد ،عام يمر على ارتباطنا...
    احضرت له في هذا العام قنينة عطر، وأحضر لي هذا الصندوق كي أضع فيه مجوهراتي، وكان بداخله هذه السلسلة...

    يا إلهي اليوم في تمام الساعة الرابعة والنصف تُكمل قصتنا عشر سنوات، أتراه مازال باقيا على العهد، أم نسى؟؟؟
    مازال الأمل يراودني في عودته...
    أتذكر أخر جملة قالها عندما التقينا أخر مرة، بعدما رفض أبي فكرة زواجي منه...
    فلم نكن نفكر قط في الفوارق الشاسعة التي بين الأسرتين، ابن صياد بسيط، وابنة أكبر تاجر مجوهرات في الإسكندرية، تعيش في قصر منيف يطل على البحر، ويعيش في بيت من بيوت الصيادين...

    يومها قال لي "حسن": "سوف أعود في يوم ما، لكني لن أعود إلا عندما أمتلك قصرا مثل هذا... سوف آتي .... انتظرني يوم 30\3 ... أما السنة فلنتركها للقدر.... سوف آتي يوما ونحتفل معا بيوم ميلادنا... انتظريني..."
    اتذكر الآن قول نزار:

    تاريخ حبك لي تاريخ ميلادي

    عندما قرأت هذه القصيدة ايقنت أنه كتبها عنا....

    لقد افترقنا قبل الذكرى الثالثة، التي كانا نرتب أن نحتفل فيها بزفافنا.... أشعر بمرارة....أكاد اختنق...

    يا إلهي ألا يأتي الرحيل إلا في هذا اليوم.... لا مفر يجب أن أرحل...
    لكن إذا آتي "حسن" اليوم بالتأكيد سوف يقول أنني نسيته....

    لا ... لا، علىّ أن أواجه نفسي بالحقيقة التي طالما واجهني بها أصدقائي... إن كان يريد أن يأتي لماذا تأخر كل هذه السنيين؟؟؟
    بالتأكيد نسى وبدأ حياة جديدة، من الأفضل لي أن أنسي...

    سؤال لازال يطاردني منذ رحيل حسن، أبحث له عن إجابة، هل مات أم مازال على قد الحياة، وإذا كان بين الأحياء فأين هو، وهل يتذكرني؟؟؟

    كم من دربا طرقت، هل من مُجيب؟؟؟
    بيته انهدم، أهله تبعثروا، أصدقائه تشتتوا. بحثت عنه في كل مكان؛ لكن لا يوجد أثر...
    ذهبت إلى قارئات الفناجين، شربت تلالا من البن، لكني لم أجني سوى السهاد والسهر... قالت إحدهن وتدعى أم رضا، مضى في طريق و لا أمل.
    طرقت باب قارئ الكف عم فرحان، صمت ثم قال كلمات لم أفهمها، البحر محا الأثر !!!

    يجب أن أرحل، نعم يجب أن أرحل.... لم يعد لي أي شئ هنا بعد موت أبي؛ قتلته الصدمه، انتقم منه القدر....
    ضاعت الثروة.... ضاع كل شئ.... أحس الآن وكأني مقطوعه من جذوري، ليس هناك بديل، يجب أن ألحق بأخي في باريس....

    بعد ساعة سيأتي من يستلم مني القصر، ليس أمامي غير الفرار وليكن ما يكن....انتظرته بما يكفي....هو المقصر لستُ أنا....
    لكن هل أخلف وعده معي؟؟؟ لا أصدق... لا أصدق....

    علىّ الآن أن أرتب الأغراض التي اصطحبها معي في رحلتي إلى المجهول، إلى المستقبل مجهول الملامح الذي ينتظرني....

    ما زال هناك وقت.... يجب أن أودع القصر.... أودع ذكرياتي المؤلمة... أودع أكثر من ثلاثين سنة قضيتها في هذا القصر....
    أرغب أن أحمل معي كل شئ؛ فحتى أعمدت القصر لي معها ذكريات....

    وإن كان الحريق قد سرق أكثر ذكرياتي، علىّ ألا اُفرط فيما تبقى....
    لستُ أدري أأكره يدي التي أشعلت الحريق وطمست ذكرياتي وملامح وجهي إلى الأبد، أم...
    لكن كان لابد أن أُخفي الأسرار... لم استأمن عليها سوى النار...لكن النيران غادرة... استولت على كل شئ... كان لابد أن اُخفي كل شئ حتى لا يفتضح أمرنا...

    بعدما تراكمت الديون ... ولم يعد لي سوى هذا القصر.... كان لابد أن أخفي معالم السرداب ... أمحو أثر حجرة الأسرار.... حجرة الأسرار الموصدة أضحت غابرة...
    دفنت الأحقاد... حولت الأباطيل لرماد....كم كانت أسوارا شامخة بين أبي وباقي البشر... أجدادا لم يتركوا سوى الأشواك....إذا مددت يدك بالشوك فلا سلام...

    ترى هل أخذت كل ما أريد، أم لا زال هناك شئ؟؟؟
    نعم حقيبة ذكرياتي، ترى هل أكون بحاجة لها في غربتي؟؟؟

    اقترب الوقت.... يجب أن ارتدي ملابسي.... الشمس اليوم مشرقة .... لكن كل هذا غير مهم...
    ماذا ارتدي؟؟؟ عندي رغبة أن آرتدي المعطف البنفسجي القاتم، الذي ارتديته يوم افترقنا؛ فهو المعطف الذي أودع به كل شئ....
    ألا زال هناك شئ؟؟؟


    يا إلهي اترنح مثل السكرانة ... توازني مختل... قدماي لا تقوى على احتمالي... اشعر ببروده تهز أوصالي... قلبي يرتعد....آه اصطدمت رأسي بحافة الدولاب...

    يا إلهي ما الذي حدث... ما الذي سقط على الأرض... لا أقوى على حمل هذه الحقيبة القديمة.... كدت أن أنسها... وأنسى أهم ذكرياتي بها....
    لعلها أوفى مني!!! ذكرتني بنفسها عندما وقعت فجأة على الأرض، بها الشئ الوحيد الباقي من أثر "حسن"...
    الصورة الوحيدة التي تجمعنا معا، الصخرة العالية التي كنا نجلس عليها بالقرب من القلعة والأمواج تأتي إلينا مسرعة....
    حزنت في العام الماضي عندما زرتها، عشر سنوات مضت والصخرة في طريقها للتلاشي....
    ارتطمت دموعي الجارفة على سطحها... اختلطت بأجاج البحر... تراءت لي على سطح الصخرة كلمات كالجمان تتلألأ... يبثها صوت شجي.... صوت الدكتور محمد زكي... آراه من وراء الحقب...
    نظرت إلى عنان السماء ويكأن صورة "ناجي" تلوح في الأفق... فوق الصخرة... تطل من خلال الشفق، وكأنها تصرخ قائلة:

    سألتك يا صخرة الملتقى متى يجمع الدهر ما فرقا
    فيا صخرة جمعت مهجتين أفاءا إلى حسنها المنتقى
    إذا الدهر لج بأقداره أجد على ظهرها الموثقا
    قرأنا عليك كتاب الحياة وفض الهوى سرها المغلقا

    ويكأن كل شئ يتركني وحيدة...

    يا إلهي ماذا حدث؟؟؟ صوت ارتطام شديد يأتي من جهة الشرفة... لا استطع أن أصدق ما تراه عيناي... اليوم يوم الفراق... حتى شجرة الياسمين فارقتني... رياح شديدة أوقعتها... ليتني ما حركتها من مكانها.... أبت أن يأتي عليها يوم ولا تجد من يرعاها.... آلا زال هناك أمل؟؟؟


    ها هو صاحب القصر الجديد على وشك المجئ .... علىّ أن أنسحب... لا مفر...
    أخذت كل ما أقوى على حمله، لا يبقى سوى الباقية الباقية من مجوهراتي التي سوف أبدأ بها حياتي، تري هل يغطي ثمنها نفقاتي لمدة شهر؟؟؟
    يدي ترتعش لا أقوى على فتح الدرج... الحمد لله فُتح أخيرا... هذه هي المجوهرات... ألا زال هناك شيئا ثمينا راقدا في الدرج؟؟؟
    يا إلهي ما هذا؟؟؟
    كدت أنسى الشمع...
    تسع شمعات احترقن، تسع سنين احترقن، لا تزال هناك واحدة لم تشتعل بعد...
    اتذكر يوم اشترينا هذا الشمع... وحفرنا على كل واحدة اسمي واسم حسن، لكن الشمعة الأخيرة لم تحترق بعد....

    وصلت السيارة، بعد دقائق أودع الوطن، أودع الإسكندرية وبحرها، عزائي الوحيد أني سوف أعيش على الشاطئ الثاني من هذا البحر المتوسط...
    وكأن كل شئ يذكرني به اليوم، لا أقوى أن أطرده من مخيلتي...
    كثيرا ما كان يقول لي: "أرغب أن أعيش بين السماء والبحر، حرا طليقا مثل النوارس، صوتها مازال يدوي في أذناي" ...
    ودائما ما كان يقول: "سؤالا يراودني منذ نعومة أظافري كلما نزلت مع الصيادين في وسط البحر، كنت أتساءل ماذا على الشاطئ الثاني للبحر؟؟؟"
    وها أنا أسأل نفسي هذا السؤال الآن، بعد قليل تبحر السفينة وأرى الجانب الثاني من المتوسط ...

    أصعد الآن على متن السفينة، وها هي النظرة الأخيرة للإسكندرية...

    أبحرت السفينة ، وأبحرت معها آلامي ....
    لم تمضي ساعة إلا وأنا أشعر بالغربة، بالاضطراب، بالاختناق...
    يجب أن أصعد لأعلى، منظر البحر بالتأكيد سوف يُهدئ من روعي....

    [align=center]* * *[/align]
    التعديل الأخير تم بواسطة آيات شعبان; الساعة 31-01-2009, 12:57. سبب آخر: أضافة أجزاء
  • آيات شعبان
    أديب وكاتب
    • 19-07-2008
    • 77

    #2
    بقية الرواية

    [align=center]4- لقاء على ظهر سفينة[/align]

    هل أتي الغروب بسرعة، أم الجو ملبد بالغيوم؟؟
    الجو ملبد بالغيوم والبحر عاتي، جئته شاكية... وجدته ثائرا...أبى أن يسمعني.... كم أُشفق اليوم على مطران، ليتني كُنت شاعرة مثله .... كم تصف كلماته حالتي....

    مُتَفَرِّدٌ بِصَبَابَتِي مُتَفَرِّد
    بِكَآبَتِي مُتَفَرِّدٌ بَعَنَائِي
    شاكٍ إِلى البَحْرِ اضْطَرابَ خَوَاطِرِي
    فَيُجِيبُنِي بِرِيَاحِهِ الهَوْجَاءِ..

    أتذكر يوما من الأيام الخوالي هب الآن نسيمه في مخيلتي، يوم الأربعاء 9 يناير، الساعة.. الساعة... اتذكر أنها كانت في حدود السابعة والنصف صباحا....أجلس على حجر أسفل شجرة عتيقة أمام باب كلية الآداب، لكي استرجع ما استذكرته بالأمس، فلا يزال هناك وقت على الامتحان...
    وكعادتي كنت استبشر بالصفحة التي يُفتح عليها الكتاب، دائما ما كان يأتي منها الامتحان....
    فُتح الكتاب على قصيدة "المساء" للشاعر خليل مطران، سرحت قليلا وتذكرت ما قاله لي حسن قبل عدة أيام "هذه القصيدة تأتي كل عام في الامتحان..."
    فقد كان يسبقني بعام، وفجأة وجدته واقفا أمامي ....
    اتذكر إني قلت له بعد تأمل: هل سيأتي علينا يوما كهذا؟؟؟
    قبل أن يُجيب انقبضت روحي من صوت غراب ينعق.... اتجهت عيوننا نحو الصوت وجدنا ذلك الغراب المشئوم واقفا أعلى السور الذي أمامنا وكأنه يُشير إلينا.....
    لم نتحدث بعدها... حان موعد الامتحان وانصرفنا وسط الجموع الغفيرة المتجهه نحو أماكنها... نظرت حولي فلم أجده... تاه في وسط الزحام....

    ولم أره بعدها... واستغربت في اليوم التالي أنه لم يمر أمام قصرنا؛ فقد كنا نلتقي كل يوم في تمام العاشرة والنصف مساء ... وقفت في الشرفة حتى كدت اتجمد من البرد، لكنه لم يأت....
    أول مرة لم يأت، ولم يأت إلى الامتحان في اليوم التالي، ترى ماذا حدث؟؟؟؟

    ذهبت بعد امتحان اليوم التالي إلى مكان تجمع الصيادين قبل نزول البحر، لكني لم أجد حفلة سمر، ولم استمع إلى أغاني الصيادين...
    جلست على كورنيش البحر برهة لكن دون فائدة، قلتُ في نفسي ربما لم يتجمعوا بسبب النوء!!!

    بعد أكثر من ساعة التقيت برفيقه "وحيد" ؛ كثيرا ما كان يأتي معنا إلى قصر ثقافة الأنفوشي ...
    فحسن الشهير ببحر كان فنانا موهوبا، لو كان موجودا اليوم لكان نجما من نجوم الغناء، كان البطل في معظم مسرحيات الجامعة.....
    عندما سألت عنه "وحيد" تردد ثم قال: قُبض عليه أمس!!!

    لم أكن أعلم وقتها أن أبي كان وراء اختفائه....
    توقعت أنه قُبض عليه بسبب شغب أو شجار بين الصيادين، أو بسبب نشاطه السياسي ....
    فقد كان "حسن" ثوريا متأججا، ساخطا، ينتظر اليوم الذي ترد فيه الضربة للأعداء...
    لم يتفجر بداخلة بركان الغضب إلا بعد استشهاد أخيه الأكبر "عبد الرحمن" في حرب 67 ، اتذكر أن هذه النكبة كانت بعد أول لقاء لنا بعدة شهور...

    نعم، فقد لاحظ أخي "يوسف" أنه يمر كل يوم أمام القصر، ويقف أمام بابه حتى أطل من الشرفة وأنظر إليه....
    لم أكن أعلم أنه يُخطط للتخلص منه، علمت من "حسن" بعدما أُطلق سراحه أن صديق أخي ضابط الشرطة قد قبض عليه بوشاية من أخي بحجة أنه ينتمي لتنظيم ضد الحكومة...
    كم كان أخي يشبه أبي في تعاليه وعجرفته، ونظرة الكراهية والدونية التي تطل من عينيه ....


    لا تزال الساعة الثانية ظهرا ...

    يا لها من فكرة مجنونة ... باقي ساعتين ونصف وتكتمل عشر سنوات... الوقت لا يمر...
    الفكرة عادت تُلح من جديد، لماذا لا احتفل اليوم؟؟؟
    ليكن احتفالا من نوع جديد،هذه المرة في عرض البحر، علىّ الآن أن أنزل لابد وأن يكون عندهم تورتة شيكولاته... وها هي الشمعة الأخيرة... سوف تحترق بعد قليل...

    وكأن الأمور كلها تجمعت في آن واحد لتذكرني به...

    الآن بدأ المطر يتساقط، أتذكر كم كنا نحب أن نلهو تحت المطر...
    شخص يأتي من بعيد يذكرني بحسن، يرتدي معطفا كحليا وكوفية حمراء.... فكم كان "حسن" يحب اللون الكحلي... ها هو يقترب ...
    يا إلهي قلبي يخفق بشدة لمجرد تشابه في الهيئة، لماذا يقفز ويجري هكذا؟؟؟ يبدو أنه يحب المطر...
    وهذا العطر الذي يفوح من ملابسه ويملأ أرجاء المكان، نفس نوع العطر الذي أهديته لحسن....
    أتذكر يوم أهديته قنينة العطر الصغيرة قال لي: "سوف استعمل منها قطرة كل سنة، قطرة كل 30\3، لكن في رأيكِ كم سنة في هذه القنينة؟؟؟ لا تضحكي!!! هل أربعون أو خمسون قطرة كافية... نعم لا أطمع في أكثر من ذلك فالعمر قد لا يتسع...."
    هل لا زال يحتفظ بالقنينية؟؟؟

    اليوم كل شئ مهيئ لحدوث المعجزة..... يا له من عقل لا يكف عن نسج الخيال، يعيش في الأوهام.... مستحيل أقولها وأكررها مستحيل، مستحيل....

    باقي ساعة على العشر سنوات، والجو لم يتحسن بعد...

    اتذكر ما كان يقوله لي دوما " إذا احتجتِ إلىّ أغمضي عينيكِ وتذكريني ستجديني أمامكِ..."
    نعم، دائما ما كنت أفعل ذلك في السنوات الماضية، لكني كنت أقوم على كابوس مزعج، وأعود و أواجه نفسي بالحقيقة المرة....

    لكن لدى إحساس، بل يقين أنني سوف أراه، لكن متى؟؟؟
    لستُ أدري، بسفري هذا قطعت آخر أمل بيني وبينه....

    تتملكني الآن رغبة جارفة في أن ألقي بنفسى في البحر، أشعر وكأن البحر يناديني....
    لكن هل انجح في مصارعة الأمواج وأرجع إلى شاطئ الإسكندرية، أم يبتلعني اليم؟؟؟
    نحن الآن في منتصف الطريق، بيني وبين الإسكندرية أميال، وبيني وبين مرسيليا أميال، وبيني وبين حسن أميال وأميال...
    الحقيقة الوحيدة أن بيني وبين الموت لحظات؛ فما أن أقفزفي اليم حتى استريح من كل شئ، ربما وجدته في عالم الأموات.....

    تُرى هل مات حسن؟؟؟
    لا أعلم عنه شئ...
    آخر خبر سمعته منه قبل اختفائه كان بعد زيارته لمنزلنا بحوالي أسبوع، يومها أبلغني أنه تسلم خطاب التجنيد، وكانت الفرحة تطل من عينيه، فكم كان ينتظر أن يفعل شيئا من أجل تحرير مصر...
    تعاهدنا يومها أن انتظره ، لكن طال الانتظار، وتلاشى الأمل...

    وبعد حوالي ثلاثة أشهر نزل إجازة وعندما التقينا كان متحيرا يشعر باللا جدوى، كان يعتقد أنه بعدما ارتدى بذلة ضابط الجيش سوف يأخذ بثأر أخيه، لكن أوضاع الجيش وتحركات قادته لم تكن تُنبئ بحرب وشيكة...
    و أخبرني أن أمه قد ضاق بها الحال بعد موت والده، وتراكمت عليها الديون، ورهنت المنزل...
    وعليه أن يتصرف ولا يترك الأسرة للضياع، و يتركني أنا أيضا أضيع منه... لكنه لم يُفصح لي عما بداخله وقتها ...

    ومرت الأيام ونزل زملائه إجازة ثانية، لكنه لم يكن بينهم... وعندما سألت "وحيد" رفيقه قال: "أنه متغيب عن فرقته منذ الإجازة الماضية، والبعض يقول أنه ربما فُقد في حادث...
    لم يكن أحد قط يصدق أنه هرب، لكني أيقنت وقتها أن تهوره قد قاده إلى أي شئ، فمرات كان يُقبض عليه بسبب ثوريته المتأججة، فقلت في نفسي ربما اتصل بجماعة من الفدائيين؛ فقد كان يفكر مرات أن يترك الجامعة وينضم إلى صفوفهم ...

    مغيبة، مغيبة.... الأفضل لي أن أعيش بقية عمري مغيبة عن الواقع، شتان ما بين الواقع المؤلم، والحلم الرقيق العذب....
    أغمض عيني واتخيله يأتي فجأة من بعيد في مكاننا المعتاد ... أردد كلمات العقاد حتى يقترب.... عُدنا والتقينا:

    عجبا كيف صحونا ذات يوم فالتقينا
    بعد ما فرق قطران وجيشان يدينا
    فتصافحنا بجسمينا وعدنا فالتقينا....
    قُضي الأمر كما شاء، وعدنا فالتقينا
    كم بكيت
    واشتكيت
    ثم أُلهمت على الغيب فأصغينا وقلت
    قُلت في الثلاثين من شهر سيأتي
    ها هنا سوف تراني، فرأينا والتقينا.

    اتذكر أنه في أحد أيامنا الماضية كنا نجلس في ندوة عن إبداعات العقاد ونستمع إلى الدكتور محمد زكي وهو يتحدث عن " العقاد"... وما أن تناول هذه القصيدة إلا ونظرنا في آن واحد إلى بعضنا البعض....
    فقد كانت المفاجأة في هذا اليوم إننا التقينا بعد غياب تجاوز شهرا، فقد احتجزته قوات الأمن بعد قيامه بمظاهرة طلابية أمام معبد اليهود، فقد كاد أن يرشق المعبد بالحجارة...

    نعم لقد تولدت بداخله ثورة لا حد لها بعد استشهاد أخيه عبد الرحمن في نكسة 67 ، كان وقتها حسن في الفرقة الثانية...
    اتذكر أنني في هذا اليوم كان عندي يقين أننا سوف نلتقي ونحتفل معا في الشهر القادم بعيدنا، ذهبت مبكرا إلى الكلية وبعد ساعات امتلأت القاعة بالطلاب، وفجأة سمعت ضوضاء صاخبة خارج القاعة، فنظرت نحو الباب فوجدت حشد من الطلاب والدكتور "محمد زكي" بينهم!!!
    فقلت في نفسي مستغربة أنهم يهنئونه على سلامة الوصول من الأراضي المقدسة بعد أكثر من عشرة أيام، وفجأة وجدت "حسن" داخلا من باب القاعة وراء الدكتور فصاح الطلاب ثم التزموا الهدوء....
    كم كان حسن محط أنظار الجميع....

    والتقينا بعد الندوة في مكاننا المعتاد، وعندما ذهبت إلى مكاننا رأيته مُمسكا بكشكول المحاضرات ويتغنى بأبيات العقاد " عدنا فألتقينا يا سوزان"....

    استغربت أن وجهه مستبشرا على الرغم من الإعياء الذي يظهر عليه، لم يشاء أن يتحدث عن ما حدث معه عقب القبض عليه، فقد كان يكره الفشل دوما...

    لكن ترى ما هذا الصوت الشادي من بعيد، وما هذا الجمع الغفير؟؟؟ يكأن كل الركاب متجمعين في بقعة واحدة....
    كلما اقترب من هذا الصوت شيئا ما يهز كياني، إنها أغاني الصيادين التي كنا نسمعها معا؛ فكثيراً ما كان "حسن" يأخذني وقت وصول مركب والده، وكلما اقتربت المركب من الشاطئ كلما برقت الفرحة في أبناء عيون الصيادين ...
    رزق وفير قادم في الطريق بعد طول عناء، الفرحة العارمة التي تكسي الوجوه التي لوحتها الشمس وأكسبها البحر لونه البرنزي،
    من يغني ومن يردد ومن يعلب ويقفز فوق سطح الماء، الكل في انتظار ما تحمله الشباك، يصطف شباب الصيادين مفتولي العضلات ويمسكن ببعض حتى تخرج الشبكة... ويكأن الأسماك تتراقص من الفرحة هى الأخرى....

    كلما ذهبنا لانتظار المركب عندما يلمحها حسن من بعيد يخلع ملابسه ويقفز في البحر ويعوم حتي يصل إلى المركب، ثم يرجع أمامها راقصا فوق سطح البحر....
    لكن في إحدى المرات لم تصل المركب الصغيرة إلى الشاطئ تأخرت، تحطمت، وغرق من عليها وكان بينهم والد حسن..
    يا لها من ذكرى أيام قاتمة، لا تختلف كثيرا عن اليوم... نفس السماء الملبدة بالغيوم!!!

    كأنه هو الذي يغني ... وإن كان هذا الصوت أجش.... يا له من مجنون ... لماذا يجري هكذا؟؟
    احترس أوقعت حقيبتي، كدتُ أقع ... تناثرت الأشياء ... يجب أجمعها....
    الرجل المجنون يقترب مرة أخرى، شئ ما يلمع تحت قدميه يبدو أنها السلسلة التي بها نصف القلب قد تدحرجت بعيدا... ها هو يميل إلى الأرض ليلتقطها....
    لكن لماذا التصقت قدماه بالأرض بعد أن كان يخطو مسرعا؟؟؟
    علىّ أن اقترب منه... ما هذا الدمع الذي ينذرف من تحت نظارته السوداء ... ربما ماء المطر... فنظارة الشمس السوداء التي يرتديها تحجب نصف وجهه...

    ما هذا، لماذا يضع السلسلة في جيبه؟؟؟
    كل شئ يتسرب من بين أناملي... ذكرياتي تفارقني.... لابد أن أذهب إليه ... إنه يتجه إلى حافة السفينة.....المارة كثيرون...
    يا إلهي يجب أن أجده، ها هو واقفا، وها أنا أمامه....

    يا للمفاجأة إنه هو!!!
    نعم هو، لكن هيئته تغيرت بعض الشئ، دب الشيب في البقية الباقية من شعره، وامتلئ جسده قليلا...
    لكن لماذا خلع نظارته ووقف أمامي محملقا هكذا، ألا يعرفني؟؟؟

    أأنتِ "سوزان" أم خدعتني عيناي، وإن خدعتني عيناي لا يخدعني قلبي...
    أيقنت أنكِ مازلتِ على قيد الحياة عندما رأيت هذه السلسلة...

    قبل ساعات ذهبتُ إلى قصركم لكني يأست أن أجدكِ... بعدما رأيت قصركم الذي أكلته النيران.
    وعندما نظرت إلى حديقة القصر الجدباء أيقنت أن القصر مهجورا؛ فسألت أحد المارة فقال لي: "إن هذا القصر مهجورا، ولا أحد يخرج أو يدخل إليه، لا يسكنه إلا البوم والغربان، وربما الأفاعي والحيات....
    وظل يثرثر قائلا: بعدما احترق منذ ثلاث سنوات سكنته العفاريت، أنا أسكن بالقرب من هذا القصر، وارقب من وراء النوافذ في منتصف الليل تحركات الجنية ساكنة القصر في إحدى غرف الطابق الثالث التي لم تتأثر بالحريق، أنوارا توقد وتنطفأ... أشباحا تتحرك ...
    لا أحد يمر من أمام هذا القصر بعدما ظهرت عفريتة القتيلة الشمطاء ذات الوجه المشبوح والشعر الأشعث، نعم فقد احترقت صاحبة قصر الأشباح هذا.... "

    بعدما سمعت عبارته الأخيرة "احترقت صاحبة القصر... احترقت صاحبة القصر" انطلقت إلى الباخرة مسرعا فلا يزال عندي شئ يربط بيني وبين الإسكندرية....

    قدمتُ إلى الإسكندرية مساء أمس، وعلمت أن أمي قد ماتت هى الأخرى منذ سنوات....

    حسن لماذا تنظر إلىّ هكذا ؟؟؟
    أتساءل هل ما زال العهد قائما، أم لا؟؟؟
    أسكت لا تقل شيئا، تسأل بعد عشر سنوات وما زال لديك أمل....

    كيف أمحوكِ من أوراق ذاكرتي
    وأنتِ في القلب مثل النقش في الحجر
    أنا احبكِ يامن تسكنين دمي

    لا تزال كلماتك تأسرني... يبدو أن ذاكرتك لا تزال قوية....آه... دائما ما كنا نقول كل الشعراء كتبوا عنا....

    لكن لماذا يُطيل النظر إلىّ هكذا؟؟؟
    ايقنت الآن أنه ينظر إلى آثار الحريق؛ فقد طار طرف الإشارب الملفوف حول رقبتي....
    نعم، فقد أبت الدنيا أن تترك لي أي شئ، جرتدني الأيام حتى من جمالي...
    أتذكر أنه كان يقول لي دوما : "أنه كان يسمع وهو صغير عن عروسة البحر التي تظهر لمن يناجي البحر قبل الغروب؛ فقد اعتاد منذ نعومة أظافره أن يذهب كل يوم إلى البحر على أمل أن تظهر له عروسة البحر...
    وفي إحدى المرات؛ أول مرة ذهبت فيها إلى مكاننا ووقفت بعيدا عنه كان ينظر إلىّ في ذهول، قال لي بعدها أنني أشبه عروسة البحر التي كان يتخيلها... "

    فهل تراني عيناه اليوم عروسة البحر ذات البشرة البيضاء المتشربة بحمرة الورد... صاحبة الشعر الأصفر المنسدل على كتفيها، أم يراني كما أنا اليوم... العفريتة الشمطاء؟؟؟

    علىّ الآن أن انسحب بكرامتي، سوف اصطنع الغضب وأوحي له أن مجرد ظهوره في حياتي لا يعني أي شئ، لا أُحب أن تتحول نظرات الحب إلى شفقة....

    تمهلي يا "سوزان" سوف اقص عليكِ ما حدث لي، لكن انتظرى ها هو الخادم قادم يحمل تورتة الشيكولاته كي نحتفل معا....

    تأكدت الآن أنكِ ما زلتِ تذكريني، عندما رأيت الخادم يحمل التورتة الثانية....
    أأنت من طلبتها؟؟

    انتظري يا سوزان، هل ما زال في العمر بقية يا حبيبتي لننتظر، لابد أن نرتبط برباط مقدس لا ينفك.... أنظرى إلى هذه الورقة... ألا زلتِ تتذكرينها.... لقد أصفرت بفعل الزمن ...

    نعم أتذكرها جيدا، هذه هى الورقة قطعتها من كشكول محاضراتي، أقصد كتاب العهد، وكتبت عليها " دعوة لأهالي الإسكندرية لحضور حفل زفاف حسن وسوزان"...
    أتتذكرين يومها ماذا قلتُ لك؟؟؟
    قُلتُ لكِ سوف يكون الفرح بين السماء والبحرعلى سطح يخت، كم كنت أحلم أن أمتلك يختا....

    مارأيكِ أن نكتب عقد زواجنا الآن وعلى ظهر هذه الورقة، ونقيم حفلا على ظهر الباخرة، فلا زال هناك وقت طويل حتى ترسو السفينة في ميناء مرسيليا، وعندما نصل إلى فرنسا نتمم إجراءات الزواج...

    سوزان، لا تنظري إلىّ هكذا، أعلم ما يدور بتلك الرأس، لازلتُ قادرا على قراءة ما يدور في هذه الرأس....
    بالطبع سوف تسألينني عن تأخري في المجيئ، وهناك علامات استفهام آراها واضحة على قسمات وجهكِ.....

    عندما رفضني أبوكِ وطردني من قصركم، تعاهدنا أن تنتظريني حتى أصبح مناسبا لكِ....
    لكن عندما رجعت إلى بيتي كانت المفاجأة، فقد صدر أمرا باستدعائي للتجنيد...
    زادني هذا الأمر حيرة، اتذكرين كم كنت انتظر عمل شيئا إجابيا من أجل هذا الوطن، من أجل رمال سيناء التي ارتوت بدماء "عبد الرحمن" أخي وزملائه، كم كنت أحلم بلحظة المشاركة في تحرير هذا الوطن...
    لكن بعد انضمامي إلى صفوف الجيش واللاجدوى من انتظار الحرب، ومع أول إجازة وجدت فيها أمي طريحة الفراش لا تمتلك ثمن دواء يُسكن آلامها....
    تعلمين أنه بعد موت أبي وأخي أصبحت أنا المسئول عن أسرة كبيرة مكونة من خمسة أفراد، مسئول عن أسرة لا تمتلك قوت يومها...

    أسرتي وحبنا الكبير من جانب، ومسئوليتي تجاه وطني من جانب آخر.... دخلت في صراع مع نفسي... أأعود إلى الجيش وأترك أسرتي التي لا عائل لها تموت جوعا...
    وبعد أقل من سنة سوف يصدر أمر تجنيد آخر لأخي الوحيد الأصغر مني، ويترك هو الآخر أمه وأخواته البنات الثلاثة...

    وفجأة توصلت إلى حل، صديقي "فؤاد" كان يعمل على سفينة بضائع، عرضت عليه أن يهربني على السفينة، لم يكن أمامي وقت لأُبلغكِ، ولا حتى لأُعيد التفكير، فربما تكون هذه هي الفرصة الأخيرة... طوق النجاة للأسرة.... وبعد أقل من ساعة اتجهت معه إلى السفينة وطمرني بين البضائع...

    وفي فرنسا لم أذق طعم الراحة قرابة ثلاث سنوات.... ولك أن تتخيلي ما حدث لي....
    كل النقود القليلة التي كنت اتحصل عليها كنت ارسلها مع أحد رفاقي إلى أسرتي....

    وفي السنة الرابعة لم استطع الصمود، كانت الظروف القاسية أقوى مني، حدثت لي حادثة وأنا عائد من عملي، كنت اعبر الشارع وأنا شبه نائم بعد يوميين من العمل المتواصل، صدمتني سيارة لم أدرى بعدها ماذا حدث...

    الإصابة كانت خطيرة، رقدت في المستشفى أكثر من شهر، بعدما تماثلت للشفاء لم يكن أمامي أي بديل سوى قبول عرض "سليفيا" الممرضة، قبلت العرض وتزوجتها، كم كانت كريمة معي، تعاطفت مع ظروفي...
    لم يكن أمامي خيار؛ إما الزواج وإما الترحيل أوالسجن، إما أن أُضحي بشئ، أو يضيع كل شئ....
    تخيلت منظر أسرتي التي لم أُرسل إليها نقود منذ بضعة شهور....

    سليفيا كانت تسكن في حجرة في حي فقير، لكن كل ذلك كان من أجل الإقامة الشرعية في فرنسا، من أجل إيجاد فرصة عمل براتب معقول يحمي أسرتي من الضياع....

    وعملت في مطعم سمك، وبعد حوالي ثلاث سنوات تحررت من أسر "سليفيا"، وخلال سنة تحسنت أوضاعي المالية وشاركت صاحب المطعم...

    وبعد حوالي عامين تحسنت الأحوال وأصبحت صاحب مطعم، وقمت بشراء المنزل الذي كنت أحلم به؛ منزل كبير يطل على البحر، تلك كانت قصتي.


    أما عن ذكرياتي في المهجر فكانت مؤلمة للغاية، عندما سمعت أن مصر انتصرت في حرب 1973 تذكرت ما حدث، كم احتقرت نفسي وقتها، لم أُشارك في تحرير بلادي، لم آخذ بثأر أخي، لا أدري كيف هربت وتركت كل شئ؟؟

    آه لو علم "حسن" أن تلك الكلمات اللاذعة تُعذبني، تُذكرني بموقف أبي الغريب يوم أُذيعت أخبار نصر أكتوبر...
    حقيقة لم يكن لأسرتنا أي أهتمامات سياسية، لكننا كنا في غاية الفرح مثل بقية الشعب المصري، لكن موقف أبي كان محيرا للغاية، ظللت أتسأل عن موقف أبي حتى اكتشفت السر...

    كل ذكرياتي، كل حياتي كانت مؤلمة حتى ألتقينا يا "سوزان"... لا تتصوري حالتي عندما ذهبت إلى منزلنا ولم أجده، وعلمت بموت أمي، وتفرق أخواتي الأربعة، لقد تفرق شمل الأسرة...
    أخبرتني إحدى الجارات أن أمي ماتت بعد هروبي بعدة أشهر، ماتت من الصدمة؛ فقد أجزم الكثير من زملائي أنني متُ في حادث سيارة انقلبت على طريق السويس، وكانت تقل بعض جنود كتيبتي، وهم في طريقهم للعودة إلى المعسكر...

    وأختي الكبيرة "سهير" تزوجت بعدها بأيام من تاجر ليبي عجوز وانتقلت إلى ليبيا، أما "صفاء" و"كريمة" فلا يعلم عنهم أحد أي شئ...
    أما أخي الصغير "أحمد" فقد عاد بعد نصر أكتوبر وسافر إلى القاهرة ليتسلم عمله بعد يأسه من العثور على أختيه...

    تعجبت عندما علمت أن النقود التي كنت أرسلها لم تكن تصل إليهم، ندمت على كل شئ، لا تتخيلي حجم شعوري بالندم...

    واتجهت إلى قصركم وأنا أتساءل ألا زالتِ تنتظريني، أم فقدتِ الأمل في رجوعي، وهل تزوجت، أم لا زالتِ على العهد؟؟؟؟
    لكني أخذت الصدمة الثانية عندما علمت بموتكِ في حريق نشب في القصر، فأيقنت أن أمالي تبددت، وعلىّ أن ألحق بالباخرة وأرجع إلى فرنسا....

    لا تتخيلي كم كنت أحلم بيوم الرجوع، كنت اعتقد أن سفري هو الحل لكل المشاكل؛ دفع رهنية المنزل، ثمن عملية أمي، مصروفات تعليم أخواتي، ثمن قصر مثل قصركم، ويخت يذهب بنا من قصرنا في الإسكندرية إلى قصرنا في فرنسا...

    كم كنت انتظر اليوم الذي أدخل فيه بيتكم منتصرنا، اليوم الذي تتساوى فيه الرؤوس....

    [align=center]* * *

    5- أشباح الأسرار[/align]

    لم يكن يدري أن كلماته هذه تمزق صدري؛ فلم يكن يعلم السبب الحقيقي في رفض أبي له...
    آه لو علم لطرحني الآن من فوق الباخرة إلى حيتان البحر، كان يعتقد وكنت اعتقد مثله أن أبي رفضه بسبب الفروق الاجتماعية...
    لكن في الحقيقة، الحقيقة التي أخجل منها؛ أن أبي لغزا كبيرا فجرته أمي قبل موتها...
    فبعد اختفاء حسن بنحو ثلاثة أعوام؛ بالتحديد بعد نصر اكتوبر تقدم لخطبتي طبيب صاحب أخي وصديق للعائلة؛ فرفضه أبي بشدة، استغربت من رفضه لأن العريس هذه المرة مناسب جدا...
    لم يكن الأمر يهمني كثيرا فلازلتُ متعلقة بحسن، لكن أمي طلبت مني أن أسافر معه سرا لأن هذه هي فرصتي الوحيدة في الزواج، وأن أبي سوف يرفض أي شخص آخر يتقدم لخطبتي...

    كان أبي يحبسني في حجرة في الطابق الثالث من القصر بعد أن اكتشف لقائي الأخير مع حسن، وكانت على الحجرة حراسة مشددة...
    كُنت اعتقد أنه يفعل هكذا لكي لا التقي بحسن، لم أكن أعلم وقتها أنه يحجبني عن العالم الخارجي بأسره....

    وكانت أمي سوف ترتب لي أمر الهروب مثلما كانت تفعل كل مرة، لكن عدم اقتناعي بالفكرة جعلها تُفصح لي عن السر، السر الذي فسر لي تصرفات كثيرة وغير مفهومة كانت تصدر من أبي ...
    ذات يوم هربتني من حجرتي وادخلتني إلى حجرة سرية في القصر، لم أكن أعلم عنها أي شئ، في هذه الحجرة بدأت أمورا كثيرة تتكشف...

    كثيرا ما كنت أتساءل مسغربة عن لافته قديمة متهالكة كانت معلقة على محلات أبي "مجوهرات سلامة سموحة"، تلك المحلات التي كان يقول أنه ورثها عن جده، وكنت أعلم إن أبي ابن عم أمي، وأن "أحمد شاهين" جدي لأمي كان شريكا لأخيه "إبراهيم شاهين" جدي لأبي، و كثيرا ما كنت أتساءل عن اسم "سلامة سموحة" لكن دون جدوى....

    أخبرتني أمي بالقصة؛ فوالدها "أحمد شاهين" وعمها "إبراهيم شاهين" كانا من المستخدمين في محلات جدى لأبي "سلامة سموحة"، وكانت المفاجأة الكبري عندما علمت أن جدي "سلامة سموحة" من أصل يهودي....
    وأن عم أمي كان له ابن من سن أبي تقريبا، وأن جدي "سلامة سموحة" استشعر الخطر قبل قرارات الرئيس "عبد الناصر" بالتأمييم و التهجير، وقرر أن يترك لجدي "أحمد شاهين" وأخيه المحلات والعمارة بناء على عقد يضمن له حق استرداد تلك الممتلكات...
    وعلى الرغم من أن تلك الممتلكات لم تكن تعنيه؛ فقد هرب معظم ثروته إلى الخارج ...

    لكن حدثت حادثة غيرت الخطة؛ فذات يوم بعد خروج أمي ومحمد ابن عمها وأبي من المدرسة، قرر أبي ومحمد ابن عمها ـ كعادتهماـ أن يتسابقا أيهما يصل إلى صخرة في وسط البحر ويعود إلى الشاطئ أسرع ...
    وفجأة أتت موجة جارفة وغرق "محمد"، ولم يستطع أحد أن ينقذه...

    وقتها وفي وسط الأحزان قرر جدي وبسرعة أن يستغل الشبه و يستبدل هوية أبي بهوية "محمد" ، ويترك ابنه الذي انتحل شخصية "محمد" حارسا على الثروة المعلنة والثروة المخبأة هنا في القصر، في مقابل صك بنصف العمارة لأجدي وأخيه، وعقد شراكة في المحلات...
    وفعلا اعلنوا وفاة "سامي سلامة سموحة"، وتقمص "سامي" شخصية "محمد إبراهيم شاهين"، وأختفى نحو عام عن الحي، وسكن مع والده المفترض في شقة في "زيزينيا" ونُقل إلى مدرسة هناك....
    ثم عاد بعد وفاة أبيه المفترض للعيش مع عمه المفترض، وكان وقتها في السابعة عشر من عمره، وربطته بأمي علاقة محبة...
    وقرر أن يصبح مسلما على حق، وطلب من جدي أن يدخله في الإسلام... وبعدها بحوالي عام تزوج أمي....

    لكن بعد وفاة جدي عاد إلى شاكلته، وأصبح إسلامه مجرد شكل....

    في هذه الحجرة تقريبا ميراث عائلته، كانت هذه الحجرة تحتوي على مكتبة ضخمة، أعلم أن معظم الكتب الموجودة في هذه المكتبة عبرية؛ فأنا أعرف قدرا من العبرية، كنا ندرسها في قسم اللغة العربية...
    في تلك الأثناء لم أكن أعلم كل ما في الحجرة....

    لكني لاحظت في الفترة الأخيرة كثرة سفريات أبي إلى أوربا، ربما كان يُخطط للهجرة، لكن توالي الكوارث غير الخطة؛ وفاة أمي، ثم إفلاسه...

    آه، أتذكر بعد موت أمي بأيام، كُنت أعتني بالزهور في حديقة القصر، وسمعت صوت أقدام تتحرك نحو السرداب، اختبأت خلف شجرة، وجدت أبي وأخي داخلان إلى السرداب...
    وبعد جلسة طويلة خرجا معا يحملان صندوقا كبيرا، وصعدا من سُلم القصر الخلفي ودخلا غرفة المكتب...
    وبعدها أتي ثلاثة رجال غريبي الشكل الواحد تلو الآخر، وسهرا حتى الفجر....

    تسللتُ بين الأشجار ورقدتُ تحت نافذة المكتب، لم أكن اتخيل قط بعد الحوارات التي سمعتها أن هناك الكثير من الشخصيات المعروفة التي نكن لها الاحترام، من يرتدي الأقنعة، ويعيش بوجهين، ويُفصح عن أنيابه في الظلام، آه لوعلم حسن، ماذا سوف يفعل معي؟؟؟


    فهمت أن في ذلك الصندوق أشياء ثمينة لا تُقدر بمال، يخطط أبي لإخراجها من مصر....
    وسمعت أن أبي يدبر سفر أخي إلى فرنسا وحول مبالغ ضخمة من ثروته المستترة إلى فرنسا، وكان أبي يدبر زواجي من أحد هؤلاء الأشخاص....

    لم أجد أمامي مفر إلا العودة إلى زنزانتي القديمة، هذه المرة لأحد يجبرني على البقاء بها، تظاهرت بالإعياء تارة وبالجنون تارة أخرى، توسلت إلى الطبيب المعالج ألآّ يُكشف أمري....

    علمت بعد ذلك أن أبي يبدبر مع أخي أمر إدخالي إلى مصحة نفسية في باريس، لذلك كتب القصر باسمي وجعل أخي واصيا علىّ من بعده....

    لكن حلت الكارثة الثانية سرقة محلات أبي؛ فمات أبي في الحال...
    لم أكن أعلم أنه متهرب من الضرائب، لم يكن مقتنعا بأنها من حق البلد... حجزت الضرائب على المحلات والعمارة، وباعوهم في مزاد علني.

    وبعد موت أبي بعدة أشهر نفذ ما معي من مال، وبدأت في بيع مجوهراتي، وبعدها لم يعد أمامي سوى هذا القصر، فكرت في بيعه، لكن كيف؟؟؟

    سوف يفتضح أمرنا، علىّ أن أمحو أولا أثر السرداب وأدفن الأسرار إلى الأبد، أطلقت صراح الخدم، أغلقت أبواب القصر ونوافذه بإحكام.
    اتجهت إلى السرداب ... دخلت إلى الحجرة السرية... بدأت أُفتش في الحجرة... أخرجت الصندوق... وجدت به ما لا يصدقه عقل.... قررت التخلص من هذه الأوراق على الفور... نقلت كل محتويات الحجرة إلى القصر... كم كنتُ أخاف من هذه الحجرة...
    أُقدتُ المدفأة ـ كنا في شهر أغسطس ـ دفعت الأوراق للنيران...
    وبدأت أتصفح الكتب، قررت التخلص من هذه الأفكار المسمومة، مزقتها ودفعتها هى الأخرى للنيران تأكلها....

    جلستُ على البيانو أعزف مقطوعة جنائزية حزينة... انتابتني غفوة.... سرت النيران في كل شئ ، الدخان كاد أن يخنقني... جريت مسرعة فتحت أبواب القصر وحاولت إطفاء الحريق... أمسكت النيران في جسدي لم أشعر بشئ إلا وأنا في المستشفى...

    خرجت من المستشفى بعد أكثر من شهر.... وجدت معالم القصر تبددت... أحترق كل شئ... سُرقت التحف والتماثيل.... لم ينجو من الحريق سوى غرفتين في الطابق الثالث...

    الوحدة كادت تقتلني... الخوف كان يلاحقني... كثيرا ما رأيتهم يحومون خلف أسوار القصر.... تضاعف خوفي مرات ومرات....قُمتُ بتعلية أسوار القصر.... عينت حراسة مشددة على بوابات القصر....

    نفذت الأموال بالكامل، استدنتُ من أصدقائي، وأخيرا قررت بيع القصر....
    كم كان صاحب القصر كريما معي، كان صديقا للعائلة، كان رجل أعمال يجوب العالم، لم يكن في حاجة إلى القصر تركني أعيش به حتى أُدبر أحوالي، أبلغني أن القصر مجرد مشروعا مؤجلا عندما يصفي أعماله ويستقر في مصر....
    سرحت الحراس، أغلقت الأبواب بإحكام، أوهمتهم أن لا أحد يعيش في القصر، فقدوا الأمل في العصور على الصندوق....

    آه، ليتني أستطيع أن أقذف هذه الهموم في اليم...


    [align=center]* * *

    6- خلود[/align]

    إلى أين شرد ذهنكِ يا سوزان، لا تفكري كثيرا يا حبيبتي، لا تترددي.... المستقبل أمامنا حتى لو كان مجرد لحظات، يكفي أن نعيشها معا...

    يا لكَ من مجنون ماذا تفعل...
    أدعو ركاب الباخرة الكرام لحضور حفل زفافنا....
    إذن لنضع آخر شمعة في تورتة الشيكولاتة....
    عندما نصل إلى مرسيليا نشتري كمية شموع كافية، في رأيكِ كم شمعة لا زالت باقية عمرنا....


    أصواتا تتعالى... أصواتا فرحة، وسعادة غامرة...

    أظلمت السماء وتلبدت بالغيوم.... هبت رياحا شديدة....اهتزت الطاولة... وقعت تورتة الشيكولاتة.... حدث اضطراب... صراخ .... صراخ ...

    يا إلهي ماذا حدث... نشب حريق في الباخرة ...مالت الباخرة... نميل معها... نشبت النيران... ألسنة اللهب تمتد نحونا .... أمسكت بملابسي... لا... لا ...ابتعد يا "حسن"....
    امسكي بيدي لنلقي بأنفسنا في البحر يا سوزان....أنجو بنفسكَ أنتَ....
    فأنا لا أُجيد العوم، سأكون عبئا عليكَ....

    أناس يستغيثون... يغرقون .... لم أعد احتمل... دعني أموت... لن اترككِ يا سوزان.... فقط اغمضي عينيكِ وقولي ورائي:

    إذا سماؤك يوما تحجبت بالغيوم
    أغمض جفونك تبصر خلف الغيوم نجوم
    وعندما الموت يدنو واللحد يفغر فاه
    أغمض جفونك تُبصر في اللحد مهد الحياة

    كانت كلمات ميخائيل نُعيمة آخر كلمات تغنى بها حسن وسوزان .... بعد أكثر من ساعة أتت سفينة إنقاذ ..... كُنت مسافرا معهم على ظهر السفينة.... سمعت منهم جزء من القصة... وجدت أوراقا من مذكرات سوزان تطفو على سطح الماء قررت تخليد ذكراهم.... نشرتُ القصة على حلقات.... أنا اليوم جالسا على معقد في السينما... أُشاهد مأساة حسن وسوزان....

    التعديل الأخير تم بواسطة آيات شعبان; الساعة 31-01-2009, 14:20.

    تعليق

    • عائده محمد نادر
      عضو الملتقى
      • 18-10-2008
      • 12843

      #3
      الزميلة القديرة
      آيات شعبان
      قرأت الفصل الأول
      كانت البداية فيها الكثير من العبارات المكررة.. ولكني لن أقول لك أنها جميعا كانت كذلك
      رصدت لك أخطاءا
      مفحورة.. محفورة
      ودخان أكواب.. وبخار أكواب.. لأن الشاي فيه بخار وليس دخان
      أبتهجت.. ابتهجت
      المطلاطمة.. المتلاطمة
      البنفسجي القاطم.. البنفسجي القاتم
      لي عودة معك لمناقشة الرواية بعد أن أكمل القراءة
      تحياتي لك آيات
      الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

      تعليق

      • آيات شعبان
        أديب وكاتب
        • 19-07-2008
        • 77

        #4
        أختى العزيزة عائدة سلام الله ورحمته وبركاته عليكِ

        أسعدني مروركِ الكريم وانتظر رأيكِ في الرواية
        أشكركِ بشدة لأنكِ نبهتيني بوجود أخطاء وسوف اُراجع النص

        مع خالص تحياتي

        تعليق

        • احمدهيكل
          انسان يبحث عن وطن
          • 03-02-2009
          • 85

          #5
          اختي ايات
          با لتو فيق دئما
          وننتظر جديدك
          من الأ بدع والجمال


          من هنا حيث ما أكون بين

          مملكتي الحزينه دموع وحنين

          [fot1]ومن هنا الكيس توك [/fot1]


          من هنا قناتي وحكياتي استمتعو بها

          [flash=http://im31.gulfup.com/m0jep.swf]WIDTH=600 HEIGHT=120[/flash]

          تعليق

          • آيات شعبان
            أديب وكاتب
            • 19-07-2008
            • 77

            #6
            [align=center]أخي أحمد سلام الله ورحمته وبركاته عليكَ

            أهلا ومرحبا بكَ هنا ،أسعدنى مروركَ الكريم، انتظر رأيكَ في الأعمال القادمة.

            مع خالص شكري وتقديري لشخصكم الكريم
            [/align]

            تعليق

            • زهار محمد
              أديب وكاتب
              • 21-09-2008
              • 1539

              #7
              الأخت آيات
              لك أجمل التحيات وبالتوفيق
              الرجاء القراءة المتأنية وتكرارها قبل النشر
              ووفقك الله
              [ღ♥ღ ابتسم فالله ربك ღ♥ღ
              حين تبتسم سترى على وجهك بسمة لم ترى أحلى منها ولا أنقى
              عندها سترى عيناك قد ملئتا دموعاً
              فتشعر بشوق عظيم لله... فتهب إلى السجود للرحمن الرحيم وتبكي بحرقة رغبةً ورهبة
              تبكي وتنساب على خديك غديرين من حبات اللؤلؤ الناعمة الدافئة

              تعليق

              • محمد سلطان
                أديب وكاتب
                • 18-01-2009
                • 4442

                #8
                شكرا على مجهودك
                تقبلى مرورى
                صفحتي على فيس بوك
                https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                تعليق

                • عائده محمد نادر
                  عضو الملتقى
                  • 18-10-2008
                  • 12843

                  #9
                  الزميلة القديرة
                  آيات شعبان
                  قرأت فصل لقاء على ظهر السفينة
                  كان رائعا
                  أنت مبدعة آيات
                  وسمحت لنفسي بتصليح بعض الأخطاء المطبعية
                  سأكمل الرواية
                  ثقي بي
                  وسيكون ردي لك
                  تحياتي وودي
                  الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                  تعليق

                  • آيات شعبان
                    أديب وكاتب
                    • 19-07-2008
                    • 77

                    #10
                    الأستاذ زهار محمد سلام الله ورحمته وبركاته عليكَ

                    أعتذر بشدة عن تأخري في الرد ، وأرجو أن تتقبل أعتذاري
                    أسعدني مروركم الكريم، وانتظر رأيكم في الأعمال القادمة إن شاء الله

                    مع خالص شكري وتقديري لكم

                    تعليق

                    • آيات شعبان
                      أديب وكاتب
                      • 19-07-2008
                      • 77

                      #11
                      الأستاذ محمد ابراهيم سلطان سلام الله ورحمته وبركاته عليكَ

                      أعتذر بشدة عن تأخري في الرد ، أرجو أن تتقبل اعتذاري

                      أسعدني مروركَ الكريم، وانتظر رأيكَ في الأعمال القادمة

                      لك مني جزيل الشكر والتقدير

                      تعليق

                      • آيات شعبان
                        أديب وكاتب
                        • 19-07-2008
                        • 77

                        #12
                        أختى عائدة سلام الله ورحمته وبركاته عليكِ

                        أرجو أن تسامحيني وتتقبلي اعتذاري على تأخري في الرد عليكِ

                        يسعدني دائما تواجدكِ، انتظر رأيكِ في بقية الرواية

                        مع خالص تحياتي ومودتي

                        تعليق

                        يعمل...
                        X