العشاق لا يحبون مرتين

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • بهائي راغب شراب
    أديب وكاتب
    • 19-10-2008
    • 1368

    العشاق لا يحبون مرتين

    العشاق لا يحبون مرتين

    بهائي راغب شراب

    قلت لها أُحبك ....
    سكتتْ ولمْ تُلْق رداً ..
    ثُم غابتْ عن ناظري ..
    إمْتطيْتُ ورائها الأحلام ،
    رحلت أبحث عنها بين الشُموس .. بين المواسم الربيعية
    لم يُثْنني وهَجُ العذاب القُرْمُزي ...
    ولمْ يثبط من حَمِيَتِي العَجْلى بُعْد المسافات وطول السفر
    الحب كان فى قلبي منذ ُوِلدْتُ وكنت عاشقاً ...
    وما زلت أُفْني عمري من أجْل كلمة واحدة تتربع على أعظم عرش في العالم .. الحُب . .!
    وسط الصحراء مع سقوط بشرتي الجليدية التي أذابها سعيرُ الخوف من انتهاء رحلتي قبل الوصول ومع بداية تراجع عيناي عن الامتداد نحو كل الجهات تبحث في كل ركن أمامها ومع اصطكاك ركبتاي من وَهَنِ الفُروسية الهائمة في الفراغ ظَهَرَ ظلُ شجرة .. بانت الابتسامة بين شَفتَيّ وتجاسرت على كل آلامي حتى وصلت ظل الشجرة الرطيب ....
    كانت هناك ممسكة بمعزةٍ تَعْصِر الحليب من ثدييها تجهزه لي حين وصولي ...ولأنها تعرف مدى ظمأى الطويل أَبْعَدَت الوعاء عن يدي الممدودة إليه وقالت : أما عرفتني يا فارسي ؟ عجبت .. كيف لي معرفتك وأنا ظمآن .. أروم ارتواء مُهْجَتي المتشققة من جَمْر فراق محبوبتي ..
    من وراء خمارها الأسود ابتسمت ، عرفت ذلك من بريق عينيها ومن فتحة ثغرها الدقيقة خلف الخمار الشفاف ، قالت : ثبت نظرك علي ، واستمع إلَى حس قلبك ماذا يقول لك ...
    اضطربت من كلامها .. شَكَكْتُ في أمري .. أَيُمْكن أن تكون هي من فقدتها ؟ أيمكن أن تكون هيَ وبعد لم أصل إلى جبل قاف الموجود في بلاد واق الواق .. أنا واهم ليست هي ...، قلبي يحدثني بذلك ، تجهم قلبي ولم أرد ..
    عرفت ما يدور بخاطري ، بعصبية صرخت : أنا .. أنا هى .. فتاة أحلامك ، من زارتك في رؤاك .. اعترف بذلك .. لا تجحد فرصتك واهنأ بالراحة التي وصلتها ...
    لستِ هيَ .. لستِ هيَ .. صرختُ .. حبيبتي رحيمة لا يهون عندها أن أموت بالظمأ ، هات الوعاء إرْوِني وسوف أرى ...
    - لا لن تنال رشفة حتى تعترف
    - لا لن أعترف مهما يكن حتى لو أسلمت روحي للظمأ
    - إذن امض من هنا ، مصيرك التيه والألم ، شرابك النار ، مكانك العدم
    ***
    احتقرت لحظة الوهم عندما انحرفت إلى ظلٍ مُزَيف الضمير والدم .
    سرت في طريقي مجاهداً صُفْرَةَ الموت وحُمْرَة اللهب ..
    وأخذت عهدي لن أقف عند غابة أو بحر مُمَلَح إلا إذا شممت ريحها المعتقة .
    مضيت في طريقي حتى تخيلت من بعيد مرتفعاً
    سمعت صوت البحر يناديني أن اقترب ....
    عرفت خداعه ونبضه الكذب ...
    فلا يأمنن البحر من يسلم رأسه لسجعه المتقلب
    انفلت عائداً ..
    فجأة كانت أمامي سيارة فارهة ، كدرّة يتيمة الزمان في مكان لا يصلح أن يقوم فيه كوخ صياد فقير ينصب الفخاخ للغزلان ....
    اقتربت محاذرا أن يكون ما أراه كمينا لإيقاعي قد نصب
    وإذ اقترب .. الباب الأمامي ينفتح وصوت ناعم من خلفه يدعوني للدخول لننطلق ونبتعد .. نظرت داخلا .. ما أجمل ما أرى ..
    من هذه الشقراء كالذهب .. تخلب اللبَّ لآلئ ثغرها المُعَنَب .
    وقفت مشدوها لثوبها الذي لم يكن سوى قطعة أو قطعتين أصغر من أن ترى على جسمها اللدن .
    تمايلت لما رأتني أمدّ عنقي داخلاً وتوهمت ، وبصوتها المملوء بالدلال والغنج وذراعها الممدود بنشوة الظفر ... تكلمت :
    هلم إليَّ أطفئ لهيبَ صدري المرتجف .. اقتحم ..
    هذه أنا أنتظر .....
    أنا من جُبْتَ البلادَ عنها باحثاً دون ملل
    أنت هو حبيبي وفارسي المرتقب .....
    أراك كل ليلة على مُهْرٍ أبيضٍ
    بيدك القوية الزنْد ترفعني ورائك وتنطلق ..
    هيا لا تضيع فرصتك وتضيعني معك بعد أن تم اللقاء المنتظر ..
    لمْ أجدْ جواباً .... قلبي يحدثني ليست هي ..
    لا تكون حبيبتي مُمَوجة ، وهى ليست فارهة مرفهة .. تتثقل من ملابس الأدب حتى أمام حبيبها الذي تدعيه وترتقب .....
    لا ؟.. لست أنت من أحبها ..
    لست أنت من تشدني إليها لَواحظُ الحب والأمل ..
    ما أنت إلا صَنَمٌ مَرْمَري قد نُحِت .. دون روح ..
    دون عقل ..
    طَفْرَة في التاريخ أنت لست أكثر ..
    لم تكوني من قبل هنا
    ولن تكوني من بعد أنْ أطْرُدك وأنصرف .
    سَخَطَتْ وخَبَطَتْ بكفها مَقودَ سيارَتِها ... الملتهب كصدرها المزيف الحرارة والنفس.. وانطلقت ..
    أيها المجنون أضعتني وفقدت فرصة العمر لا لجب .
    ***
    ويهزني الأمل رغم موجات ضَعْفي المتزايدة الصَخَب ، ليس لي كلام ، ولا فكر , ولا أمل .. غير بلاد واق الواق وجبل قاف ، ليتني أملك بساط السندباد أو طاقية الإخفاء ، لا أريد أن أصطدم مرة أخْرى بامرأة .. أيّ امرأة مموهة حرباء لا لون لها .. لا طعم لابتسامة ثغرها .. مشواري بعيد وطويل لكنني كل يوم أقترب ولن أقف مرةً أخرى أمام أيّ امرأة ... لأنني أحب حبيبتي أحبها ... لن أقف .
    منذ رأيت حبيبتي ..
    منذ ولدت وكلمتها
    عرفت معنى أن أحب وأن أعيش عاشقا
    وأن أرْتَحل في سماوات عشقٍ أبَدِيّ لا ينكمش ...
    بالحب أصبحت فارساً يَقْهَر بسيفِ حبهِ سَطَوَات الكراهية والخمول والقرف .
    أيتها العجوز الطيبة ...
    مُحَيِّاكِ الحَسَن يبوح لأعماقي سري الطويل ،
    رؤياك تزيح عن نفسي طفرات الشرور والألم ....
    هات يديك أُقَبِلهما يا حكيمة عصرنا ،
    دعيني أنحني أمام حكمتك الصادقة ،
    أيتها الحكيمة الطيبة قد فقدت حبيبتي
    ومرت سنون وسنون وأنا ألف البلاد والفيافي ،
    أعلو الهضاب ، أهبط الوديان ، أمخر عباب البحار ، أرسو على الموانئ الصغيرة والكبيرة دون العثور على أثر ، دونما لمحة أمل ،
    أعرف أنني سأصل ،
    أيتها الحكيمة الطيبة قد اجتزت المنايا والمنون ،
    أفشلت الكمائن والفخاخ ،
    لويت وجهي عن الجواري والحسان ،
    رضيت بالجروح والظمأ ،
    رضيت أن أتيه في كل البلاد ،
    لكنني لم أسلم الزمام
    ولم أدع ذكر حبيبتي المنشودة والأمل ،
    أعرف أنني سأصل ،
    وأنني سأجد حبيبتي التي لابد تنتظر
    تأتيني كل ساعة في الرؤى وفى يقظة حبي العظيم ،
    تعلو شفتيها ابتسامة الفوز والفرح ،
    وجهها شمس يقهر الظلام والنجوم،
    حبيبتي ليس لي سواها
    يا حكيمة عصرنا .. بالله دبريني وأعلميني أقرب السُبل ... أنا مصمم ألاّ أنالها إلا بشق الروح والنفس .
    تململت الحكيمة الطيبة وجلجلت ابتسامة ثغرها وتكلمت :
    يا ولدي الطيب ..
    بمرآتي المسحورة كنت أراقب خطواتك
    كنت معك عند مواقع الخطر ...
    أنقذتك مرات والتالية المرة الأخطر
    فاسمع مني وتصنت ...
    يا من نال عذاب الدنيا أجْمعْ ..
    وتغلب على الصرخات والآهات الدامية الثكلى ...
    أعرف عنك أن وصولك حان
    هذا قدرك ..
    مشوار خطاك ينتهي الآن
    احفظ كلماتي وأعلم أن هذا قدري أيضاً
    عشت لأقودك إلى حظيرة أمنك ، وخميلة حبك
    افرح وابشر ..
    سأتحرر من هذه الدنيا بعد أن أرشدك طريقك
    أنظر خلفي
    وهاك عصاي إحْملْها .. لتصبح سيفك ..
    ستقابلك نخلة تعشش في أعلاها حمامة
    وفي أسفلها يقف الثعلب
    يتلقف الفراخ الساقطة إلية من علو النخلة ،
    أقتل الثعلب بعصاك
    لا تخش منظره المتحفز
    اضربه .. سيموت من أول ضربه ..
    سترى الحمامة وقد طارت على مستوى بصرك
    اتبعها لا تتخلف .....
    يومين وثلاث ليال ثم تعترضك سدرة ..
    احذر فثمة أفعى ترقد تحت الجذع .. لا تتحرك ..
    دعها تغير الثوب الأرقش وانتهز الفرصة
    اضربها بعصاك لا تخش نابيها
    اضربها على الرأس يتحطم ناباها وتموت .
    ستتركك الحمامة وتعود ..
    أدخل تحت السدرة واستسلم للنوم ..
    ستنام يوما وبعض اليوم وتقوم نشيطا ..
    تطلع إلى أعلى الشجرة
    ستشاهد عشاً مملوء اً بالبيض
    وعلى غصن آخر ستشاهد عصفوراً يرتعش من الخوف
    مُدَّ عصاك نحو جثة الأفعى وألْقِها تحت وهج الشمس
    ستحترق على الفور فيراها العصفور ويطير ..
    اتبعه ساعة وبعض الساعة
    ستصل إلى وادٍ أخضر بوابته بين جبلين يصل بينهما قوس للنصر،
    سيتركك العصفور ويعود ..
    تقدم أنت لا تخش شيئا .. معك عصاك ..
    عند منتصف المدخل قف تحت قوس النصر
    انشد أغنية للحب
    ثم العب بعصاك كالفارس يلعب بالسيف
    ثم أدخل آمن وعد خطوات عشر
    انظر أعلى بصرك
    سترى قصراً يشمخ تحت شجرة زيتون ..
    لا تتردد وتوجه نحوه .. كل العقبات الآن تزول ..
    ستجد حبيبتك تنتظرك باكية العينين على باب القصر تمسك بيدها مقود المهر الأبيض ، أركبها فوقه من خلفك وانطلق لتوك فهذا حبك يا ولدي أسرع ، ولا تستسلم للخوف ......
    والآن يا ولدي أتركك إلى دنيا أخرى فقد أديت رسالة عمري نحوك وأوصلتك إلى قصر الحب .

    غمرتني الفرحة وأنا أرى شجرة زيتون تشيد قصراً تسكنه حبيبة قلبي الآسي ، منفية عن هذا الزمن القاسي محرومة من رؤية فارسها ممتطيا المهر الأبيض
    ***


    التعديل الأخير تم بواسطة بهائي راغب شراب; الساعة 28-06-2022, 05:41.
    أطمع يارب أن يشملني رضاك فألقاك شهيدا ألتحف الدماء

    لن أغيرنفسي لأكون غيري ، سأظل نفسي أنا أنا

    تويتـــــــر : https://twitter.com/halmosacat
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2

    الكاتب المبدع بهائي راغب شراب

    أهنيك على رؤياك لحقيقة الحياة المغلفة بالغش والرياء..التي تغش عيون الناظرين لها فيلهثون وراء المباهج وينسون ماعليهم .
    حكمة ..وموعظة حكيمه .
    دمت بكل ود .
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • بهائي راغب شراب
      أديب وكاتب
      • 19-10-2008
      • 1368

      #3
      [align=center]يا عراقا بالعراق يعرق الأعراق .. يا زمانا باسقا يجود بالأوساق
      هذا زمان الحب نبذله لأرض العراق
      لشعب العراق
      لنخل العراق ..
      ...[/align]


      [align=center]أختي عائدة محمد نادر..[/align]
      شكرا على طيب حضورك ..
      فكلنا نحب الحياة ..
      لكن أي حياة .. إنها ليست أي حياة ..
      الأفراد والدول ... يتحدون جميعا في روعة الحلم وفي قدسية الحياة وفي فضيلة الهدف والوسيلة
      التعديل الأخير تم بواسطة بهائي راغب شراب; الساعة 26-10-2008, 17:24.
      أطمع يارب أن يشملني رضاك فألقاك شهيدا ألتحف الدماء

      لن أغيرنفسي لأكون غيري ، سأظل نفسي أنا أنا

      تويتـــــــر : https://twitter.com/halmosacat

      تعليق

      يعمل...
      X