لم أستطع تحمّلَ هجمات الهواء البارد المتتابعة... فمددتُ يدي لأثبّتَ لفحتي جيداً منعاً من تسرّب الهواء...
سحبتُ عصاتي.. تلكَ الرّفيقة الغالية...
وضعتها بجانبي على الكرسيّ...
وجلستُ أتأمّلُ الأطفالَ يلعبونَ بالثلج...
ما أجملَ الأرضَ إذْ يكسوها الثّلج...
ثوبٌ أبيضُ ناصع...
ليسَ بأنصعَ من قلوب هؤلاء الأبرياء...
لم يكُنْ يخلو الأمرُ من بعضِ الشّقاواتِ بينهم...
فتجدُ أحدَهُم يأتي إليّ مختبئاً وراء ظهري.. خوفاً من ضربةٍ يجهزها له آخر.. بِكُرةٍ من الثلج كبيرة...
ليتني وأنا في هذا العُمر أستطيعُ اللّعبَ معهم...
ليتني أستطيع - كما أيّام الصّبا- أن أجمع كوماتٍ كبيرةً من الثّلجِ فنصنعَ منه رجلاً ضخماً..
ليتني أملكُ تلكَ السيقانِ التي كانت تركضُ وتركضُ بلا مللٍ أو تعب...
ماذا أقولُ أو أفعل...
لكنْ هذه هي الحياة..
من بعدِ ضعفٍ قوّة... ثمّ من بعدِ قوّةٍ ضعفٌ...
وفي غمرةِ التفكيرِ هذه... لاحظتُ أنّني لم أعُد أستطيعُ الرؤيةَ جيّداً من خلال عدساتِ النظّارة... إذ تكاثفَ بخارُ الماء الخارجُ من نَفَسِي عليها مما لم يدع لي مجالاً للرؤية...
تناولتُها برفق... وأخذتُ أمسحُ ما تراكمَ عليها من تَكاثُفِ الماء...
أتت إليّ إحداهُنّ باكية...
"جدّي جدّي.."... نادت عليّ بصوتها الطفوليّ...
كانت عيناها قد اغرورقتا بالدموع... حاملةً قبّعتها الصوفيّةَ بيدها...
وما زالت آثارُ ضربةٍ بكُرةٍ ثلجيّةٍ باديةً على ملابسها وبعضٍ من وجهها...
احتضنتُها بينَ ذراعيّ... ثمّ رفعتُها إليّ وقبّلتُها...
وضعتُها في حُضْني.. وخفّفتُ عَنْها حتى صمتت...
ثمّ عدتُ أتأمّلُ هؤلاءِ الأطفال...
كم أحنّ لأيّامِ الطّفولة... أيامِ الشقاوةِ والعناد...
كم كُنّا نلعبُ ونلهو ونمرح...
تلكَ فترةٌ قد مضت..
أمّا الآن... فلم يعد في العمرِ بقدر ما تبقّى...
نسيتُ حفيدتي في حضني... وأخذتُ أستمع لأصواتِ لعبهم كأغنيةٍ تسحرُ أنغامُها الألباب...
أغمضتُ عينيّ برهةً... شعرتُ معَ أصواتهم أنّني في الفردوس...
أيقظني من ذلكَ غزوةٌ ثانيةُ للهواء البارد...
تداركتُ نفسي... وثبّتُ معطفي ولفحتي...
وانتبهتُ لحفيدتي التي كانت قد نامت...
فتناولتُ عصاتي رفيقتي.... ثمّ حملتُ تلكَ الصغيرةَ ومضيتُ بها إلى السيّارة..
وضعتُها في المقعد الخلفيّ... ثمّ خرجتُ أمشي قليلاً...
علّقتُ عصاتي بساعدي...ووضعتُ يديّ في جيبَيْ معطفي... ومشيتُ وزفيري خارجٌ كقطارٍ بخاريّ...
مشيتُ بجانبِ الشجَيْراتِ.. وبجانبِ ذلكَ الكوخ....
لقد أمضينا هاهنا فترةً من عُمرنا طويلة... والآنَ قد أزفَ الرحيلُ... وحانَ وقتُ المُغادرة...
كم أحنّ لتلكم الأيّام.. أيامٍ عشنا فيها أجملَ الذكريات...
أيامٍ في الصيف... وأيامٍ في الشتاء...
سهراتٍ في الليل... وأعمالٍ في النّهار...
ما أسوأ أن يُحسّ الإنسانُ بانتهاءِ فترةِ صلاحيته...
ولكنّ الأملَ الذي يبقى عنده هو أنّ هناكَ جيلاً جديداً... سيأتي بعد ذلكَ ليحملَ رايةً...
يبني عليها ما كان من قبل...
يحافظُ عليها .. ويحترمُ عملَ أجدادهِ الدّؤوبَ من أجلها...
نعم... هناكَ من سيُكملُ الطّريق...
ربّما تنحرفُ الرّاية عن مسارها... وربّما تتغيّرُ الرسالة عن طريقها...
لكنّنا ما زلنا ندعو الله أن تقع رايتنا التي عملنا من أجلها بين أيدٍ أمينةٍ طاهرة... تقدّسُ وظيفتها ومركزها...
لم أعتد على البُكاءِ في مكانٍ عام....
ولكنّها عبرةٌ غلبتني... ومشت الهوينى على وجنتي...
هؤلاء الأطفال... سيمشونَ في نفسِ الطّريق...
سيكبرونَ ويدرسونَ ويتعبونَ ويتزوّجونَ ويعملون...
سيأتي عليهم يومٌ يصبحونَ فيه آباءاً وأمّهات...
وبعدها... أجداداً وجدّات...
وربّما يقفونَ موقفي هذا...
موقفاً لا أحسدُ عليه...
موقف الابتعادِ عن الأهلِ والأحباب...
إيهِ يا أيّام...
اقتربتَ كثيراً من تلكَ الحفرةِ المظلمة...
كلّها ايأمٌ.. وإنْ طالَ بك العهدُ فشهورٌ... وستكونُ في عالمٍ آخر...
ويبقى هؤلاء هنا.. يضحكونَ ويلعبون... ويجيئونَ ويذهبون... ويغدونَ ويروحون...
وأنا أكونُ بين [سينٍ] و [جيم]...
من سيدري بي حينها يا ترى؟؟؟
من سيتذكرني؟؟؟ من سيدعو لي بدعوةٍ قد تخفّفُ عنّي ما أنا فيه؟!!
إيِهِ يا أيّام... مضيتِ ومضينا... وسنفنى وستبقَين...
عدتُ إلى ذلكَ المقعد... أجرّ قدميّ وعصاتي....
ومرّةً أخرى أجبرني جيشُ الهواءِ الباردُ على إعادةِ تنظيم ما ألتحف به من ملابس...
أسندتُ رأسي إلى جذعِ الشّجرةٍ الملاصقةِ للكرسيّ...
أغمضتُ عينيّ قليلاً...
أسترقُ السّمعَ لتلكَ الضّحكاتِ والصّيحات...
وسقطتْ عبرةٌ أخرى...
سحبتُ عصاتي.. تلكَ الرّفيقة الغالية...
وضعتها بجانبي على الكرسيّ...
وجلستُ أتأمّلُ الأطفالَ يلعبونَ بالثلج...
ما أجملَ الأرضَ إذْ يكسوها الثّلج...
ثوبٌ أبيضُ ناصع...
ليسَ بأنصعَ من قلوب هؤلاء الأبرياء...
لم يكُنْ يخلو الأمرُ من بعضِ الشّقاواتِ بينهم...
فتجدُ أحدَهُم يأتي إليّ مختبئاً وراء ظهري.. خوفاً من ضربةٍ يجهزها له آخر.. بِكُرةٍ من الثلج كبيرة...
ليتني وأنا في هذا العُمر أستطيعُ اللّعبَ معهم...
ليتني أستطيع - كما أيّام الصّبا- أن أجمع كوماتٍ كبيرةً من الثّلجِ فنصنعَ منه رجلاً ضخماً..
ليتني أملكُ تلكَ السيقانِ التي كانت تركضُ وتركضُ بلا مللٍ أو تعب...
ماذا أقولُ أو أفعل...
لكنْ هذه هي الحياة..
من بعدِ ضعفٍ قوّة... ثمّ من بعدِ قوّةٍ ضعفٌ...
وفي غمرةِ التفكيرِ هذه... لاحظتُ أنّني لم أعُد أستطيعُ الرؤيةَ جيّداً من خلال عدساتِ النظّارة... إذ تكاثفَ بخارُ الماء الخارجُ من نَفَسِي عليها مما لم يدع لي مجالاً للرؤية...
تناولتُها برفق... وأخذتُ أمسحُ ما تراكمَ عليها من تَكاثُفِ الماء...
أتت إليّ إحداهُنّ باكية...
"جدّي جدّي.."... نادت عليّ بصوتها الطفوليّ...
كانت عيناها قد اغرورقتا بالدموع... حاملةً قبّعتها الصوفيّةَ بيدها...
وما زالت آثارُ ضربةٍ بكُرةٍ ثلجيّةٍ باديةً على ملابسها وبعضٍ من وجهها...
احتضنتُها بينَ ذراعيّ... ثمّ رفعتُها إليّ وقبّلتُها...
وضعتُها في حُضْني.. وخفّفتُ عَنْها حتى صمتت...
ثمّ عدتُ أتأمّلُ هؤلاءِ الأطفال...
كم أحنّ لأيّامِ الطّفولة... أيامِ الشقاوةِ والعناد...
كم كُنّا نلعبُ ونلهو ونمرح...
تلكَ فترةٌ قد مضت..
أمّا الآن... فلم يعد في العمرِ بقدر ما تبقّى...
نسيتُ حفيدتي في حضني... وأخذتُ أستمع لأصواتِ لعبهم كأغنيةٍ تسحرُ أنغامُها الألباب...
أغمضتُ عينيّ برهةً... شعرتُ معَ أصواتهم أنّني في الفردوس...
أيقظني من ذلكَ غزوةٌ ثانيةُ للهواء البارد...
تداركتُ نفسي... وثبّتُ معطفي ولفحتي...
وانتبهتُ لحفيدتي التي كانت قد نامت...
فتناولتُ عصاتي رفيقتي.... ثمّ حملتُ تلكَ الصغيرةَ ومضيتُ بها إلى السيّارة..
وضعتُها في المقعد الخلفيّ... ثمّ خرجتُ أمشي قليلاً...
علّقتُ عصاتي بساعدي...ووضعتُ يديّ في جيبَيْ معطفي... ومشيتُ وزفيري خارجٌ كقطارٍ بخاريّ...
مشيتُ بجانبِ الشجَيْراتِ.. وبجانبِ ذلكَ الكوخ....
لقد أمضينا هاهنا فترةً من عُمرنا طويلة... والآنَ قد أزفَ الرحيلُ... وحانَ وقتُ المُغادرة...
كم أحنّ لتلكم الأيّام.. أيامٍ عشنا فيها أجملَ الذكريات...
أيامٍ في الصيف... وأيامٍ في الشتاء...
سهراتٍ في الليل... وأعمالٍ في النّهار...
ما أسوأ أن يُحسّ الإنسانُ بانتهاءِ فترةِ صلاحيته...
ولكنّ الأملَ الذي يبقى عنده هو أنّ هناكَ جيلاً جديداً... سيأتي بعد ذلكَ ليحملَ رايةً...
يبني عليها ما كان من قبل...
يحافظُ عليها .. ويحترمُ عملَ أجدادهِ الدّؤوبَ من أجلها...
نعم... هناكَ من سيُكملُ الطّريق...
ربّما تنحرفُ الرّاية عن مسارها... وربّما تتغيّرُ الرسالة عن طريقها...
لكنّنا ما زلنا ندعو الله أن تقع رايتنا التي عملنا من أجلها بين أيدٍ أمينةٍ طاهرة... تقدّسُ وظيفتها ومركزها...
لم أعتد على البُكاءِ في مكانٍ عام....
ولكنّها عبرةٌ غلبتني... ومشت الهوينى على وجنتي...
هؤلاء الأطفال... سيمشونَ في نفسِ الطّريق...
سيكبرونَ ويدرسونَ ويتعبونَ ويتزوّجونَ ويعملون...
سيأتي عليهم يومٌ يصبحونَ فيه آباءاً وأمّهات...
وبعدها... أجداداً وجدّات...
وربّما يقفونَ موقفي هذا...
موقفاً لا أحسدُ عليه...
موقف الابتعادِ عن الأهلِ والأحباب...
إيهِ يا أيّام...
اقتربتَ كثيراً من تلكَ الحفرةِ المظلمة...
كلّها ايأمٌ.. وإنْ طالَ بك العهدُ فشهورٌ... وستكونُ في عالمٍ آخر...
ويبقى هؤلاء هنا.. يضحكونَ ويلعبون... ويجيئونَ ويذهبون... ويغدونَ ويروحون...
وأنا أكونُ بين [سينٍ] و [جيم]...
من سيدري بي حينها يا ترى؟؟؟
من سيتذكرني؟؟؟ من سيدعو لي بدعوةٍ قد تخفّفُ عنّي ما أنا فيه؟!!
إيِهِ يا أيّام... مضيتِ ومضينا... وسنفنى وستبقَين...
عدتُ إلى ذلكَ المقعد... أجرّ قدميّ وعصاتي....
ومرّةً أخرى أجبرني جيشُ الهواءِ الباردُ على إعادةِ تنظيم ما ألتحف به من ملابس...
أسندتُ رأسي إلى جذعِ الشّجرةٍ الملاصقةِ للكرسيّ...
أغمضتُ عينيّ قليلاً...
أسترقُ السّمعَ لتلكَ الضّحكاتِ والصّيحات...
وسقطتْ عبرةٌ أخرى...
تعليق