وتقاعدَ الكهلُ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أمجد عبد الله
    عضو الملتقى
    • 25-10-2008
    • 27

    وتقاعدَ الكهلُ

    لم أستطع تحمّلَ هجمات الهواء البارد المتتابعة... فمددتُ يدي لأثبّتَ لفحتي جيداً منعاً من تسرّب الهواء...

    سحبتُ عصاتي.. تلكَ الرّفيقة الغالية...

    وضعتها بجانبي على الكرسيّ...

    وجلستُ أتأمّلُ الأطفالَ يلعبونَ بالثلج...

    ما أجملَ الأرضَ إذْ يكسوها الثّلج...

    ثوبٌ أبيضُ ناصع...

    ليسَ بأنصعَ من قلوب هؤلاء الأبرياء...

    لم يكُنْ يخلو الأمرُ من بعضِ الشّقاواتِ بينهم...

    فتجدُ أحدَهُم يأتي إليّ مختبئاً وراء ظهري.. خوفاً من ضربةٍ يجهزها له آخر.. بِكُرةٍ من الثلج كبيرة...

    ليتني وأنا في هذا العُمر أستطيعُ اللّعبَ معهم...

    ليتني أستطيع - كما أيّام الصّبا- أن أجمع كوماتٍ كبيرةً من الثّلجِ فنصنعَ منه رجلاً ضخماً..

    ليتني أملكُ تلكَ السيقانِ التي كانت تركضُ وتركضُ بلا مللٍ أو تعب...

    ماذا أقولُ أو أفعل...

    لكنْ هذه هي الحياة..
    من بعدِ ضعفٍ قوّة... ثمّ من بعدِ قوّةٍ ضعفٌ...

    وفي غمرةِ التفكيرِ هذه... لاحظتُ أنّني لم أعُد أستطيعُ الرؤيةَ جيّداً من خلال عدساتِ النظّارة... إذ تكاثفَ بخارُ الماء الخارجُ من نَفَسِي عليها مما لم يدع لي مجالاً للرؤية...

    تناولتُها برفق... وأخذتُ أمسحُ ما تراكمَ عليها من تَكاثُفِ الماء...


    أتت إليّ إحداهُنّ باكية...
    "جدّي جدّي.."... نادت عليّ بصوتها الطفوليّ...
    كانت عيناها قد اغرورقتا بالدموع... حاملةً قبّعتها الصوفيّةَ بيدها...
    وما زالت آثارُ ضربةٍ بكُرةٍ ثلجيّةٍ باديةً على ملابسها وبعضٍ من وجهها...
    احتضنتُها بينَ ذراعيّ... ثمّ رفعتُها إليّ وقبّلتُها...
    وضعتُها في حُضْني.. وخفّفتُ عَنْها حتى صمتت...

    ثمّ عدتُ أتأمّلُ هؤلاءِ الأطفال...

    كم أحنّ لأيّامِ الطّفولة... أيامِ الشقاوةِ والعناد...

    كم كُنّا نلعبُ ونلهو ونمرح...

    تلكَ فترةٌ قد مضت..

    أمّا الآن... فلم يعد في العمرِ بقدر ما تبقّى...

    نسيتُ حفيدتي في حضني... وأخذتُ أستمع لأصواتِ لعبهم كأغنيةٍ تسحرُ أنغامُها الألباب...

    أغمضتُ عينيّ برهةً... شعرتُ معَ أصواتهم أنّني في الفردوس...

    أيقظني من ذلكَ غزوةٌ ثانيةُ للهواء البارد...

    تداركتُ نفسي... وثبّتُ معطفي ولفحتي...

    وانتبهتُ لحفيدتي التي كانت قد نامت...

    فتناولتُ عصاتي رفيقتي.... ثمّ حملتُ تلكَ الصغيرةَ ومضيتُ بها إلى السيّارة..

    وضعتُها في المقعد الخلفيّ... ثمّ خرجتُ أمشي قليلاً...

    علّقتُ عصاتي بساعدي...ووضعتُ يديّ في جيبَيْ معطفي... ومشيتُ وزفيري خارجٌ كقطارٍ بخاريّ...

    مشيتُ بجانبِ الشجَيْراتِ.. وبجانبِ ذلكَ الكوخ....

    لقد أمضينا هاهنا فترةً من عُمرنا طويلة... والآنَ قد أزفَ الرحيلُ... وحانَ وقتُ المُغادرة...

    كم أحنّ لتلكم الأيّام.. أيامٍ عشنا فيها أجملَ الذكريات...

    أيامٍ في الصيف... وأيامٍ في الشتاء...

    سهراتٍ في الليل... وأعمالٍ في النّهار...

    ما أسوأ أن يُحسّ الإنسانُ بانتهاءِ فترةِ صلاحيته...

    ولكنّ الأملَ الذي يبقى عنده هو أنّ هناكَ جيلاً جديداً... سيأتي بعد ذلكَ ليحملَ رايةً...
    يبني عليها ما كان من قبل...
    يحافظُ عليها .. ويحترمُ عملَ أجدادهِ الدّؤوبَ من أجلها...
    نعم... هناكَ من سيُكملُ الطّريق...

    ربّما تنحرفُ الرّاية عن مسارها... وربّما تتغيّرُ الرسالة عن طريقها...

    لكنّنا ما زلنا ندعو الله أن تقع رايتنا التي عملنا من أجلها بين أيدٍ أمينةٍ طاهرة... تقدّسُ وظيفتها ومركزها...

    لم أعتد على البُكاءِ في مكانٍ عام....

    ولكنّها عبرةٌ غلبتني... ومشت الهوينى على وجنتي...

    هؤلاء الأطفال... سيمشونَ في نفسِ الطّريق...

    سيكبرونَ ويدرسونَ ويتعبونَ ويتزوّجونَ ويعملون...

    سيأتي عليهم يومٌ يصبحونَ فيه آباءاً وأمّهات...

    وبعدها... أجداداً وجدّات...

    وربّما يقفونَ موقفي هذا...

    موقفاً لا أحسدُ عليه...

    موقف الابتعادِ عن الأهلِ والأحباب...

    إيهِ يا أيّام...

    اقتربتَ كثيراً من تلكَ الحفرةِ المظلمة...
    كلّها ايأمٌ.. وإنْ طالَ بك العهدُ فشهورٌ... وستكونُ في عالمٍ آخر...

    ويبقى هؤلاء هنا.. يضحكونَ ويلعبون... ويجيئونَ ويذهبون... ويغدونَ ويروحون...

    وأنا أكونُ بين [سينٍ] و [جيم]...

    من سيدري بي حينها يا ترى؟؟؟
    من سيتذكرني؟؟؟ من سيدعو لي بدعوةٍ قد تخفّفُ عنّي ما أنا فيه؟!!

    إيِهِ يا أيّام... مضيتِ ومضينا... وسنفنى وستبقَين...

    عدتُ إلى ذلكَ المقعد... أجرّ قدميّ وعصاتي....

    ومرّةً أخرى أجبرني جيشُ الهواءِ الباردُ على إعادةِ تنظيم ما ألتحف به من ملابس...

    أسندتُ رأسي إلى جذعِ الشّجرةٍ الملاصقةِ للكرسيّ...


    أغمضتُ عينيّ قليلاً...

    أسترقُ السّمعَ لتلكَ الضّحكاتِ والصّيحات...

    وسقطتْ عبرةٌ أخرى...
  • نجيةيوسف
    أديب وكاتب
    • 27-10-2008
    • 2682

    #2
    لقد مر عام وزيادة على وجود هذا الكيان وهذه الزفرات

    كالعادة
    قد تعشو أعيننا عن جمال يمضي فلا نحسه إلا بعد أن يصعب اللحاق بصاحبه

    لك تحية خالصة كاتب هذه القصة حيثما كنت

    النوار


    sigpic


    كلماتنا أرواحنا تهمي على السطر

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      نسجت صورة بأجواء شتائية دافئة دفء الحزن في النص حملتنا الى مقعد بعيد نجلس فيه نسترجع ذكرى وحكايا العمر
      هي الحياة هكذا ومانحن الا ذكرى (نأمل ان تكون ذرى جميلة)
      شكرا استاذ أمجد..للنص الهاديء واللغة السلسة
      تحيتي ومودتي
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • أمجد عبد الله
        عضو الملتقى
        • 25-10-2008
        • 27

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
        نسجت صورة بأجواء شتائية دافئة دفء الحزن في النص حملتنا الى مقعد بعيد نجلس فيه نسترجع ذكرى وحكايا العمر
        هي الحياة هكذا ومانحن الا ذكرى (نأمل ان تكون ذرى جميلة)
        شكرا استاذ أمجد..للنص الهاديء واللغة السلسة
        تحيتي ومودتي
        شكراً لكِ أختي على ردك.

        تعليق

        • مصطفى الصالح
          لمسة شفق
          • 08-12-2009
          • 6443

          #5
          انا عشت في اجواء ثلجية فترة طويلة

          وكنت معك في كل كلمة وجملة

          رايت المشاهد بام عيني



          يعطيك الف عافية
          لقد اعدت لنا الذكريات فتمثلت امامي حقيقة

          كل التحية والتقدير
          [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

          ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
          لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

          رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

          حديث الشمس
          مصطفى الصالح[/align]

          تعليق

          • أمجد عبد الله
            عضو الملتقى
            • 25-10-2008
            • 27

            #6
            شكراً لك أخي الكريم وأتمنى فعلاً أن يكون ما كتبتُ قد أعجبكَ

            مع وافر احترامي

            تعليق

            • كريمة بوكرش
              أديب وكاتب
              • 12-07-2008
              • 435

              #7
              مساء الخير
              كم يعجبني ما كتبته
              لكن
              أتساءل عن التاريخ الذي وضعت فيه النص هنا على الملتقى
              هل هو حقا منذ العام الماضي؟
              كيف تأخرت الردود الى الآن؟
              سلامي و تحياتي.
              التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 08-03-2010, 10:06.

              تعليق

              • أمجد عبد الله
                عضو الملتقى
                • 25-10-2008
                • 27

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة كريمة بوكرش مشاهدة المشاركة
                مساء الخير
                كم يعجبني ما كتبته
                لكن
                أتسائل عن التاريخ الذي وضعت فيه النص هنا على الملتقى
                هل هو حقا منذ العام الماضي؟
                كيف تأخرت الردود الى الآن؟
                سلامي و تحياتي.
                أختي الفاضلة "كريمة"،
                نعم. منذ العام الماضي، - او أصبح الآن، العام الذي قبله- كنتُ وضعتُ ما كتبتهُ موضوعاً في هذا المنتدى. إلا أنّ الأعينَ لم تطَلْ ما كتبتُ إلا متأخّراً بعد ما يزيد على عامٍ من وضعها.
                وأحمدُ الله أنّها لم تبقَ تحت طيّات المواضيع الأخرى في المنتدى صفراً من الرّدود. وكم أشكر الاخوة والأخوات الذين صرفوا جزءً من وقتها في قراءة كلماتي العابرة.

                مع وافر احترامي.
                التعديل الأخير تم بواسطة أمجد عبد الله; الساعة 03-03-2010, 16:15.

                تعليق

                • إيمان الدرع
                  نائب ملتقى القصة
                  • 09-02-2010
                  • 3576

                  #9
                  الأخ الغالي أمجد عبد الله
                  كم كنت موفّقاً بين ربط مشهد الثلج ،وتلك البرودة التي تغلغلت في قلب هذا الرجل الكهل ،الذي شعر بتداعيات وأوجاع مرحلة مابعد التقاعد
                  فسلّطت الضوء على بقعةٍ قصيّةٍ في فراغ الروح من خلال مفرداتٍ أدبيّةٍ تعبت عليها ، وخدمت الهدف المراد
                  بوركت أناملك ... تحيّاتي....

                  تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25792

                    #10
                    اجترار لرحلة العمر ، و تأسٍ أمام صيرورة الحياة
                    هكذا الأمر ، هكذا حكمت طبيعة الأمور ، و ارتضيت أنت
                    و لم تبد أى مشاكسة ،
                    بل أنت مستسلم لها ، و بكامل إرادتك ،
                    و كأنك وصلت ببطلك إلى نقطة اللاعودة

                    كان الحزن .. و ربما دمعات غاليات آخر ما فى إمكان بطلك
                    المهزوم بفعل الوقت !!

                    شكرا لك .. و نأسف على تأخر التعليقات ،
                    فعلى ما يبدو أن سيادتك ، لا تعلق على نصوص غيرك

                    أهلا بك أخى الطيب ، و مرحبا بنصوصك
                    و لكن بلا شيوخ ينتظرون النهايات !!

                    محبتى ، و قبلة على جبينك
                    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 08-03-2010, 10:13.
                    sigpic

                    تعليق

                    • أمجد عبد الله
                      عضو الملتقى
                      • 25-10-2008
                      • 27

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                      الأخ الغالي أمجد عبد الله
                      كم كنت موفّقاً بين ربط مشهد الثلج ،وتلك البرودة التي تغلغلت في قلب هذا الرجل الكهل ،الذي شعر بتداعيات وأوجاع مرحلة مابعد التقاعد
                      فسلّطت الضوء على بقعةٍ قصيّةٍ في فراغ الروح من خلال مفرداتٍ أدبيّةٍ تعبت عليها ، وخدمت الهدف المراد
                      بوركت أناملك ... تحيّاتي....
                      الأخت إيمان.
                      باركَ الله فيكِ على ردّك. فإنّه يدفعني دفعة معنويّة إلى الأمام للكتابة التي لا أجد لها وقتاً.
                      وأتمنّى أن أجد دائماً من يقرأ كلماتي المتواضعة مثلكِ ومثل الاخوة الذين قاموا بالتّعليق على الموضوع أعلاه.

                      كل الشّكر والتقدير لكِ.

                      تعليق

                      • أمجد عبد الله
                        عضو الملتقى
                        • 25-10-2008
                        • 27

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                        اجترار لرحلة العمر ، و تأسٍ أمام صيرورة الحياة
                        هكذا الأمر ، هكذا حكمت طبيعة الأمور ، و ارتضيت أنت
                        و لم تبد أى مشاكسة ،
                        بل أنت مستسلم لها ، و بكامل إرادتك ،
                        و كأنك وصلت ببطلك إلى نقطة اللاعودة

                        كان الحزن .. و ربما دمعات غاليات آخر ما فى إمكان بطلك
                        المهزوم بفعل الوقت !!

                        شكرا لك .. و نأسف على تأخر التعليقات ،
                        فعلى ما يبدو أن سيادتك ، لا تعلق على نصوص غيرك

                        أهلا بك أخى الطيب ، و مرحبا بنصوصك
                        و لكن بلا شيوخ ينتظرون النهايات !!

                        محبتى ، و قبلة على جبينك
                        معلمنا الفاضل ربيع عقب الباب،
                        في الواقع بطلي ليس مهزوماً. ولكن: " رحم الله امرأً عرف قدر نفسه ". هذه هي حكمته. فلم يرتئِ أن يقاتل في ساحةٍ يعرفُ سلفاً أنّه فيها مهزوم.

                        ومع أنّني أؤيّدكَ في أنّني لا أعلّقُ على مواضيعِ غيري مع حبّي لذلك، حيثُ أنّ مشاغلَ الحياة والبحث عن لقمةِ العيشِ تشغل معظم وقتي فلا أجدُ وقتاً للمتابعة مع شوقي لقراءة الكثير من المواضيع، معَ أنّني أؤيّدكَ بذلكَ إلا أنّني أقولُ أنّ هذه هي مشاركتي الأولى في هذا المنتدى وكان شيئاً طبيعيّاً أن لا يكونَ لي تفاعل كبير ورد على مواضيع الآخرين حيث أنّ هذا الموضوع كانَ بدايتي.

                        ولا أظنّ أنّ ما سيأتي من كتاباتي سيتضمّنُ شيوخاً كأبطال. ولكنّني لا اضمن أن تحتوي نهاياتٍ باشكالٍ مختلفة.

                        قبلةُ أبٍ حانٍ انطبعت على جبيني أكنّ لها كل الاحترام والتقدير.

                        تعليق

                        يعمل...
                        X