على أعتاب الجامعة
الساعة الحادية عشرة ضحى ، بقي على صلاة الظهر القليل، وهي هناك كعادتها منذ أن سكنت هذا البيت المطل على الجامعة ، تتكور على نفسها تلتف بعباءة يضرب سوادها على خضرة تنم عن طول عمر هذه العباءة ، تلملمها كلما تذأبت نسمات البرد وحاولت بلا رحمة خلعها عن عظام تهتز من شدة برد أو تتهالك من شدة حر .
إنها هناك تلتصق بجدار السور الخارجي، للوهلة الأولى اعتقدت بجلستها تلك أنها إحدى المتسولات اللاتي يقتنصن جيوب المارة ،لكنني لم أرها تمد يدها لأحد ، كانت شيئاً غريبا ، امرأة غريبة ، عظاماً هزيلة ، وجهاً خضبته السنون بسمرة تفضح زورها .تغضنات خفيفة بيضاء ترتسم على ملامحها ، ونظرة تصوبها إلى المارة تكاد كلما تفحصتها تشعر قشعريرة من ينظر في بئر عميق ،
إنها هكذا ، تصوب النظر تفترس القلوب خلف الوجوه، اللاهثة والعيون الشاردة كلما مر فوج من الطلاب ،
لعل أغرب ما استطعت استبيانه من هذه النظرات أنها لم تكن تعير انتباها لأولئك الفتيات اللاتي تتقافز خطواتهن أمامها ، ما إن ترى خيال طالب حتى تقفز بكل جوارحها تعلو قسماتها المتعبة ابتسامة دافئة وبرغم قسوة ملامحها تتلون عيناها ببريق عذب كلما اقترب أحدهم ملقيا السلام عليها ،
لم يكن مرآها هناك مريحا للجميع ، كثيرا ما كنت أقف على شرفة البيت يشغلني ذلك الوجود لها هناك ويدعوني الفضول لأن أراقبها ، منذ أكثر من ثمانية أشهر وأنا هنا ، كلما أحببت الخلو إلى نفسي وشرب كوب من الشاي أو فنجان قهوتي أراني لا أجد متعة بشربهما إلا وعيناي معلقتان هناك في تلك الزاوية وبالتحديد وأنا أرقب تلك المتكورة على أشيائها الغريبة .
كثيرا ما استغربت ليديها اللتين تنشغلان معظم الوقت بشيء لم أتبينه من بعيد ، حتى أخذني الفضول وادعيت هيئة الطلاب حين ذهبت إلى هناك ، إلى حيث تجلس وتعمدت المرور من أمامهما ، لكن قشعريرة غريبة سرت في بدني حين حدجتني بتلك النظرة ،وكأنها قرأت ما خامرني من رغبة في التطفل على أمرها فكنت ذلك السارق الذي افتضح وكشف أمره ،فمررت مسرعا ورعدة غريبة تلف بدني من قسوة نظرتها ، تلك النظرة التي ملأتها سخرية العارف بما فعلت والمتعالي عن سخافة تطفلي عليه ، لم أشعر بقدمي وهما تهرولان بعيدا عنها ، وأنا أعيش ذلك الشعور باستصغار نفسي وتفاهة تطفلي وعيناها تلاحقاني بكبرياء غريب ،هربت من نفسي إلى شرفتي التي عاشت معي قصتها وتساؤلاتي حولها ، وقد ملأني استغراب أكبر لما رأيت ، كانت تضع إلى جانبها سلة فيها لفافة صوف وإبرة ، وأصابعها تتشابك وخيوط اللفافة بصورة غريبة ، تغزلان في نفس اللحظة التي تتعلق فيها عيناها بالوجوه مسافرة خلف أكوام من الطلاب الرائحة الغادية .
مع مرور الوقت ، أضحيت أتابعها كمن يتابع مسلسلا رمضانياً محبباً جميلاً ، وأصبح وجودها هناك على باب الجامعة شبه مألوف ،لا شيء تفعل سوى الجلوس وحياكة ذلك الشيء الذي تبينته بعد حين ، إنه أشبه ما يكون بشال لا يبدو من لونه أنه لفتاة ، إنه شال بلونه الأسود الموشى بخيط قرمزي خفيف يجعلني أحس وكأنها تغزله لذلك الغائب الحاضر في عينيها ولهفتها حين تبحث في الوجوه .
اليوم أراها أكثر إشراقا في ملامحها الغضوب ،إنها تنظر من خلف حدائد السور وكأنها تنتظر وجها معينا دون الوجوه ، تبحث عنه دون غيره ، للحظة ترمق شالها الذي قارب على الانتهاء ،ثم تعود مسرعة بعينين زائغتين باحثتين بين الوجوه عن حاضرها الغائب ، أكاد من شرفتي أشعر نبضات قلبها ، وأنا ألمح اهتزاز يديها وفرحة عينيها حين رأته .
وأخيرا عرفته ، أهذا هو غائبها ؟ لكن كيف ؟ إنه يمضي دون أن يراها وهي بحركة مصطنعة تخفض عينيها ، وكأنها تريد أن تخفي اهتمامها به وحرارة انتظارها له ،
مضى من أمامها دون أن يشعر بنبضات قلبها وهي تتبعه وعيناها تجللانه بثوب من النظرات الدافئة .
إنها المرة الأولى التي أراها بها وقد علا قسماتها شيء من حبور .
لقد عرفت أخيرا شيئاً ما ، أحسست بفضولي نحوها يأخذ مسارا آخر ، لم يعد مجرد فضول عابر ، إنه إحساس الروح بالروح .
تركت مقعدي على شرفتي هذه وقد علا صوت أذان الظهر وصوت الفكر عندي يسائلني عن الشال وصاحبه وبريق عينيها المتعبتين .
واليوم أجيء على عجل أبحث عن حلقة جديدة من حلقات مسلسلي اليومي ،إنها أكثر إشراقا من ذي قبل ، ويداها دؤوبتان تغزلان بفرح ،وفي سلتها شيء لم أتبين منه سوى أنه شيء لونه أبيض.
عيناها المستبشرتان ويداها الدؤوبتان تغزلان بنشوة وهمة ، وهاهو صاحبنا يمشي الهوينى ، وعيناها تلاحقانه ،تسرع بلا شعور وعلى عجالة تمد يدها إلى شيئها الأبيض لتستل منه ما تبينته أخيرا ، إنه وردة بيضاء تسرع بها إليه تقدمها على استحياء إليه ينظر إلى الوردة قليلا وإلى العينين المتعبتين فتتراجع قدماه ويغلب على قسماته الوجل ،يده تمسك بالوردة على استحياء وعيناه حائرتان ويداه باردتان برودة الجليد....
رمقها بنظرة جامدة بلا معنى بلا حياة ويده تمسك بوردتها بلا مبالاة وتراخ ، ومضى ،
وعادت لتجلس من جديد هناك في زاوية تحت سور الجامعة ، وقد اختفى من عينيها البريق ، وعادت لملامحها الغضوب قسوتها ، لكنها شردت وشرد مع شرودها فكري من غرابة ما رأيت ...
في يومي الثالث ، خرجت حاملا فنجاني المعهود وكأن قهوتي أصبحت هي الأخرى تنتظر مع انتظاري حلقة جديدة من حلقات مسلسلي الغريب .
لم أر يديها تغزلان شيئاً ، كانت تحمل سلة وردها وعلى يدها يتدلى شيء رتبته بعناية ، آه إنه الشال ، لقد أنهت غزله إنها تحمل سلتها بيد وترفع زندها الذي تدلى عليه الشال في اليد الأخرى تقربه بكل حنان من وجهها وكأنها تشتمه ، تتنفس الحياة بقربه من أنفاسها.
تقف وقفة المتوتر ، إنها تنتظر ، أعرف أنها تنتظره ، ها هو يقبل من بعيد تستجمع بصعوبة شجاعتها تقبل عليه بكل شعورها ، تتهلل ملامحها لكن قدماها تخونها إنهما ثقيلتان ، وكأن برودة ملامحه جمدت خطوها نحوه ،غير أنها بإصرار تقبل عليه وبشفتين مرتجفتين تخاطبه ، لم أتبين من مكاني ما قالت ، لكنني تبينت جيدا عينينها الباكيتين ، وعشت نحيب قلبها حين رأت وردتها التي قدمتها إليه تطؤها الأقدام ، وشالها الذي تقدمه إليه يعيده إليها ملوحا بيديه إشارة الشاكر بفتور ، مبتعدا عنها بخطوات باردة برودة صماء .
ولم أفق من ذهولي إلا وأنا أراها هنا تحت شرفتي تقدم سلتها وورودها البيضاء تعلو شالها ويدي ممتدة إليها تمسك سلتها وقدماها تترنحان غائبة خلف أكوام المارة ، وقصاصة كتب عليها
لا تعجب !!! هذه حكاية أم فقدت ذات يوم ابنها ،فتسولته على أعتاب الجامعة .
النوار
11/08/08
08:07:08 ص
الإثنين، 09/شعبان/1429هـ
الساعة الحادية عشرة ضحى ، بقي على صلاة الظهر القليل، وهي هناك كعادتها منذ أن سكنت هذا البيت المطل على الجامعة ، تتكور على نفسها تلتف بعباءة يضرب سوادها على خضرة تنم عن طول عمر هذه العباءة ، تلملمها كلما تذأبت نسمات البرد وحاولت بلا رحمة خلعها عن عظام تهتز من شدة برد أو تتهالك من شدة حر .
إنها هناك تلتصق بجدار السور الخارجي، للوهلة الأولى اعتقدت بجلستها تلك أنها إحدى المتسولات اللاتي يقتنصن جيوب المارة ،لكنني لم أرها تمد يدها لأحد ، كانت شيئاً غريبا ، امرأة غريبة ، عظاماً هزيلة ، وجهاً خضبته السنون بسمرة تفضح زورها .تغضنات خفيفة بيضاء ترتسم على ملامحها ، ونظرة تصوبها إلى المارة تكاد كلما تفحصتها تشعر قشعريرة من ينظر في بئر عميق ،
إنها هكذا ، تصوب النظر تفترس القلوب خلف الوجوه، اللاهثة والعيون الشاردة كلما مر فوج من الطلاب ،
لعل أغرب ما استطعت استبيانه من هذه النظرات أنها لم تكن تعير انتباها لأولئك الفتيات اللاتي تتقافز خطواتهن أمامها ، ما إن ترى خيال طالب حتى تقفز بكل جوارحها تعلو قسماتها المتعبة ابتسامة دافئة وبرغم قسوة ملامحها تتلون عيناها ببريق عذب كلما اقترب أحدهم ملقيا السلام عليها ،
لم يكن مرآها هناك مريحا للجميع ، كثيرا ما كنت أقف على شرفة البيت يشغلني ذلك الوجود لها هناك ويدعوني الفضول لأن أراقبها ، منذ أكثر من ثمانية أشهر وأنا هنا ، كلما أحببت الخلو إلى نفسي وشرب كوب من الشاي أو فنجان قهوتي أراني لا أجد متعة بشربهما إلا وعيناي معلقتان هناك في تلك الزاوية وبالتحديد وأنا أرقب تلك المتكورة على أشيائها الغريبة .
كثيرا ما استغربت ليديها اللتين تنشغلان معظم الوقت بشيء لم أتبينه من بعيد ، حتى أخذني الفضول وادعيت هيئة الطلاب حين ذهبت إلى هناك ، إلى حيث تجلس وتعمدت المرور من أمامهما ، لكن قشعريرة غريبة سرت في بدني حين حدجتني بتلك النظرة ،وكأنها قرأت ما خامرني من رغبة في التطفل على أمرها فكنت ذلك السارق الذي افتضح وكشف أمره ،فمررت مسرعا ورعدة غريبة تلف بدني من قسوة نظرتها ، تلك النظرة التي ملأتها سخرية العارف بما فعلت والمتعالي عن سخافة تطفلي عليه ، لم أشعر بقدمي وهما تهرولان بعيدا عنها ، وأنا أعيش ذلك الشعور باستصغار نفسي وتفاهة تطفلي وعيناها تلاحقاني بكبرياء غريب ،هربت من نفسي إلى شرفتي التي عاشت معي قصتها وتساؤلاتي حولها ، وقد ملأني استغراب أكبر لما رأيت ، كانت تضع إلى جانبها سلة فيها لفافة صوف وإبرة ، وأصابعها تتشابك وخيوط اللفافة بصورة غريبة ، تغزلان في نفس اللحظة التي تتعلق فيها عيناها بالوجوه مسافرة خلف أكوام من الطلاب الرائحة الغادية .
مع مرور الوقت ، أضحيت أتابعها كمن يتابع مسلسلا رمضانياً محبباً جميلاً ، وأصبح وجودها هناك على باب الجامعة شبه مألوف ،لا شيء تفعل سوى الجلوس وحياكة ذلك الشيء الذي تبينته بعد حين ، إنه أشبه ما يكون بشال لا يبدو من لونه أنه لفتاة ، إنه شال بلونه الأسود الموشى بخيط قرمزي خفيف يجعلني أحس وكأنها تغزله لذلك الغائب الحاضر في عينيها ولهفتها حين تبحث في الوجوه .
اليوم أراها أكثر إشراقا في ملامحها الغضوب ،إنها تنظر من خلف حدائد السور وكأنها تنتظر وجها معينا دون الوجوه ، تبحث عنه دون غيره ، للحظة ترمق شالها الذي قارب على الانتهاء ،ثم تعود مسرعة بعينين زائغتين باحثتين بين الوجوه عن حاضرها الغائب ، أكاد من شرفتي أشعر نبضات قلبها ، وأنا ألمح اهتزاز يديها وفرحة عينيها حين رأته .
وأخيرا عرفته ، أهذا هو غائبها ؟ لكن كيف ؟ إنه يمضي دون أن يراها وهي بحركة مصطنعة تخفض عينيها ، وكأنها تريد أن تخفي اهتمامها به وحرارة انتظارها له ،
مضى من أمامها دون أن يشعر بنبضات قلبها وهي تتبعه وعيناها تجللانه بثوب من النظرات الدافئة .
إنها المرة الأولى التي أراها بها وقد علا قسماتها شيء من حبور .
لقد عرفت أخيرا شيئاً ما ، أحسست بفضولي نحوها يأخذ مسارا آخر ، لم يعد مجرد فضول عابر ، إنه إحساس الروح بالروح .
تركت مقعدي على شرفتي هذه وقد علا صوت أذان الظهر وصوت الفكر عندي يسائلني عن الشال وصاحبه وبريق عينيها المتعبتين .
واليوم أجيء على عجل أبحث عن حلقة جديدة من حلقات مسلسلي اليومي ،إنها أكثر إشراقا من ذي قبل ، ويداها دؤوبتان تغزلان بفرح ،وفي سلتها شيء لم أتبين منه سوى أنه شيء لونه أبيض.
عيناها المستبشرتان ويداها الدؤوبتان تغزلان بنشوة وهمة ، وهاهو صاحبنا يمشي الهوينى ، وعيناها تلاحقانه ،تسرع بلا شعور وعلى عجالة تمد يدها إلى شيئها الأبيض لتستل منه ما تبينته أخيرا ، إنه وردة بيضاء تسرع بها إليه تقدمها على استحياء إليه ينظر إلى الوردة قليلا وإلى العينين المتعبتين فتتراجع قدماه ويغلب على قسماته الوجل ،يده تمسك بالوردة على استحياء وعيناه حائرتان ويداه باردتان برودة الجليد....
رمقها بنظرة جامدة بلا معنى بلا حياة ويده تمسك بوردتها بلا مبالاة وتراخ ، ومضى ،
وعادت لتجلس من جديد هناك في زاوية تحت سور الجامعة ، وقد اختفى من عينيها البريق ، وعادت لملامحها الغضوب قسوتها ، لكنها شردت وشرد مع شرودها فكري من غرابة ما رأيت ...
في يومي الثالث ، خرجت حاملا فنجاني المعهود وكأن قهوتي أصبحت هي الأخرى تنتظر مع انتظاري حلقة جديدة من حلقات مسلسلي الغريب .
لم أر يديها تغزلان شيئاً ، كانت تحمل سلة وردها وعلى يدها يتدلى شيء رتبته بعناية ، آه إنه الشال ، لقد أنهت غزله إنها تحمل سلتها بيد وترفع زندها الذي تدلى عليه الشال في اليد الأخرى تقربه بكل حنان من وجهها وكأنها تشتمه ، تتنفس الحياة بقربه من أنفاسها.
تقف وقفة المتوتر ، إنها تنتظر ، أعرف أنها تنتظره ، ها هو يقبل من بعيد تستجمع بصعوبة شجاعتها تقبل عليه بكل شعورها ، تتهلل ملامحها لكن قدماها تخونها إنهما ثقيلتان ، وكأن برودة ملامحه جمدت خطوها نحوه ،غير أنها بإصرار تقبل عليه وبشفتين مرتجفتين تخاطبه ، لم أتبين من مكاني ما قالت ، لكنني تبينت جيدا عينينها الباكيتين ، وعشت نحيب قلبها حين رأت وردتها التي قدمتها إليه تطؤها الأقدام ، وشالها الذي تقدمه إليه يعيده إليها ملوحا بيديه إشارة الشاكر بفتور ، مبتعدا عنها بخطوات باردة برودة صماء .
ولم أفق من ذهولي إلا وأنا أراها هنا تحت شرفتي تقدم سلتها وورودها البيضاء تعلو شالها ويدي ممتدة إليها تمسك سلتها وقدماها تترنحان غائبة خلف أكوام المارة ، وقصاصة كتب عليها
لا تعجب !!! هذه حكاية أم فقدت ذات يوم ابنها ،فتسولته على أعتاب الجامعة .
النوار
11/08/08
08:07:08 ص
الإثنين، 09/شعبان/1429هـ
تعليق