وقفت أمام البحر أسائله :
لي فيك يا بحر ,, آهات أرددها **** أواه لو أجدت الملهوف أواه.
ما أعظمك! فإني وإن كنت أعلم عظم حجمك , لأعلم علم اليقين أنك جندي من جنود ربك ، وما يعلم جنود ربك إلى هو.
أيها البحر لطالما تمنيت أن تحدثني عن نفسك , وعن أخبارك وأسرارك ,
فهلاّ بُحْت لي بمكنون نفسك .
فأجابني بصوت تعلوه نبرة الغيظ والحنق : وعن أي أسرار تريد ؟!
وما أنا إلا جندي مأمور , فما ارتفعت لي موجة , ولا غاب في أحشائي غائب إلا بأمر خالقي .
فأجبته موضحا :
أيها البحر أنا ما سألتك عن صدفاتك ، ولم أرد منك أخباري عن موجك وإعصارك ، فهو مشاهد للعيان , آية ذات دلالة وبيان .
قاطعني قائلا:
إن في كتاب ربي عبرة لمن أراد الاعتبار , وذكرى لمن أراد الإدكار ، ويكفيني شرفاً أني كنت النجاة لأم موسى عندما سمعت ولا تخافي ولا تحزني ، وكنتُ سبيل النصر لموسى عندما ناداه قومه : إنا لمدركون فأجابهم : كلا إن معي ربي سيهدين .... إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُم مُّؤْمِنِينَ
ويونس بن مَتَّى في جوفي كان من المغرقين ، وكانت نجاته أنه من المسبحين فقال : لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ ،
فهل تحتاج بعد ذلك الى دليل ، وهل يا تُرى أرويت لك الغليل وأشفيت العليل !!
فأجبتُه : كل ما ذكرت معلوم , بل هو مشاهدٌ ومفهوم ، ولكن يا بحر : لم تخفِ سراً ينبغي ألا يكون مكتوماً , وللعالمين يجب أن يكون معلوماً ؟
فأجابني بدهشةٍ وتعجب , وعن سؤالي وقفَ وقفة المتأدب ، لكأني علمت ما تريد , وعن سؤالك سأجيب ...
لماذا أتمعر؟ ولو علم العاصي ذلك لكان خيراً له أن ينيب .
فقلت له : يا بحر لقد أثقلت عليً , والأمر إليك لا إليً , فهلا حدثتني حديثاً يكون عبرة للتائبين وسلوه للعاصين الغافلين ، فإني إلى خبرك بالأشواق ، ولك من الشاكرين .
فصمت لحظات يريد أخذ أنفاسه ، فتحركت أمواجه ، وزفرت آهاته وقال :
إني كل ليلة أُشرف فيها ثلاث مرات أستأذن الله أن أطفح على العصاة من بني أدم فيكفني الله . (1)
ثم صمت وقال :
انظر يا رعاك الله , ولا تظنن بي جلافة , فإن فسادكم في الأرض ظاهر ,
وقد أفسدتم كل طاهر ، أفلا يحق لي أن أتمعر , وأستأذن ربي فأهلك من طغي وتجبر؟
فقلت : حمداً لك إلهي , فقد اشتققت من اسمك الرحمن الرحمة , وأمرك لجندك يكون بعلم وحكمه .
فيا بحر حُقَّ لك التَّمعر , وحُقَّ لربي النهي والأمر.
فيا الله رحمتك أرجو , ومن ذنبي أنزع ولا أدنو , وأنت تغفر وتعفو ونتجاوز فتمحو ,فلا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا . لطفك نرجو لا اله إلا أنت سبحانك إن كنا من الظالمين .
ندعوه في البحر أن ينجي سفينتنا *** فلما وصلنا إلى الشاطئ عصيناه
ونركب الجو في أمن وفي دعة *** وما سقطنا لان الحافظ الله
(1) الحديث في مسند الامام أحمد عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله قال ليس من ليلة إلا والبحر يشرف فيها ثلاث مرات يستأذن الله أن يطفح على العصاة من بني أدم فيكفهُ الله
تعليق