[align=justify]
كلما أثيرت قضية تربط بين العلم والدين، أو يتم الاستشهاد بالحقيقة العلمية لتدعيم القناعة العقائدية... ينبري من يقول بالفصل بين العلم والدين، وينادي بأن لا ارتباط بينهما، ولا جذور دينية للعلم... وباتت تلك هي المقولة الشائعة على لسان كل من يتناول العلم الغربي، ويقول بأن حضارة الغرب تقوم على أسس وأفكار علمية محضة...
وما نورده هنا ليس تهجماً على دين له كل الاحترام والقداسة، بل هو تناول يوضح تأصل الفكر الديني في العلم الغربي ويمكننا من خلاله أن نستدل على أن ما حققه الغرب من إنجازات إنما بُني على قواعد علمية تستقي أصولها من العقيدة الدينية
الأصول الدينية للعلم الغربي
العلم ينبت في تربة المسيحية.... مقولة كثيراً ما رددها العديد من الكتاب والعلماء المسيحيين ومنهم ألفريد نورث وايتهيد N. Whitehead عالم الرياضيات والفيلسوف الغربي الشهير وأيده في قوله هذا المفكر صاحب الكتابات العديدة حول العلم وأصوله "ج. أوبينهيمر" والذي ترأس معهد الدراسات المتطورة في برينستون عام 1947.
وحتى يمكننا أن ندرك الجذور الدينية للعلم الغربي فلابد لنا أن نتناول –ولو بصورة مقتضبة- النظرة التي سادت للعلوم خلال مرحلة ما قبل الديانة المسيحية، فلاشك أن حضارة الإغريق و ما وصلنا من تراثهم يعطينا الكثير من الشواهد على مدى التطور العلمي والنهضة التي شهدتها تلك الفترة التي سادت فيها حضارة الإغريق، ومما هو ثابت تاريخياً أن النظرة الدينية للعلم قد بدأت خلال القرن السادس قبل الميلاد والذي شهد ظهور الكثير من المفكرين الذين ثاروا على المعتقدات التقليدية التي كانت سائدة في هذه الفترة ومن بين هؤلاء كان فيثاغورث Pythagoras الذي عاش خلال القرن السادس الميلادي وكان واحداً من أشهر فلاسفة الإغريق وكان من أوائل من سعوا إلى تفسير الظواهر الطبيعية وفقاً لأسس منطقية عقلانية، فكان أول من قال بأن كل شيء في هذا الكون قد خُلِقَ وفقاً لنسق رقمي وتلى بعد ذلك قرون شهدت العديد من إنجازات واكتشافات فعلى سبيل المثال وضع هباركيوس Hipparchus أسس علم المثلثات وأوجد Euclid مبادئ علم الهندسة التي لا تزال مطبقة حتى عصرنا الحديث وكذلك قواعد أرشميدس Archimedes حول الأسطح والحجوم والطفو... هذا فضلاً عن الكثير من الاكتشافات والاختراعات في مجالات الفلك وتفسير الظواهر الكونية كتفسير Hipparchus لظاهرة الاعتدالين الخريفي والربيعي وما جاء به Aristarchus في نظريته حول القياس النسبي للمسافة بين الأرض والشمس وفقاً لحجمهما النسبي، وفي مجال علمي الوظائف والتشريح أورد Galen نظرياته والتي استمرت مطبقة حتى ثلاث عقود خلت وحتى في مجال التكنولوجيا فإن ما وصل إليه الإغريق في مجال اكتشافاتهم وقواعدهم الخاصة بالروافع والعجلة والعزم لا تزال مطبقة حتى عصرنا الحالي..
وبرغم كل هذه الإنجازات والاكتشافات والنظريات فإن الغرب لا يعترف بها في عصرنا الحديث ويرى أنها لم تسهم في تطور العلم ذلك بسبب التقنية التي قامت عليها هذه الإنجازات والتي في أساسها تنطوي على خطأ جسيم حول فهم طبيعة الإله وحقيقته... فهناك اتجاهات تنتقد أفلاطون Plato وأفكاره القائلة بضرورة التركيز على القياسات النظرية العقلية وحدها بل وأشاروا إلى أن المفكرين الأوائل من أمثال Anaximander و Anaximines و Democritus وذلك استناداً على أنهم وغيرهم من علماء الإغريق لم يستطيعوا التوصل إلى فكرة متحدة ولم يجمعوا على رأي بشأن أصل الكون ولا طبيعته بل وانتقد فيهم أصحاب تلك التوجهات نظرتهم الدونية إلى الكون حين وصفوه بأنه مجرد شبيه لعالم أسمى وأعلى وأنه مجرد ظل لعالم مثل بديع لا يمكن للمرء وصفه واستندوا في نقدهم لأفكار وآراء الإغريق على العديد من الأمثلة لعل من أشهرها هو نقدهم لنظرة أرسطو القائلة بان المرأة تأتي في مرتبة أدني من الرجل وأنها تابع له لا يمكن لها أن ترقى لمرتبته واستدلاله بأن عدد أسنان المرأة لابد وأن يكون أقل من عدد أسنان الرجل وعلى الرغم من نظريته التي أرجعوها إليه فإنه لم يحاول ذات مرة أن يحصي أسنان المرأة ويقارن عددها بعدد أسنان الرجل... بل ونقدوا نظرته جملة حين أوجدوا التناقض بين رؤيته للمرأة وتعدد زوجاته. وأما بالنسبة لأفلاطون فقد استندوا في نقدهم إلى قوله بأن حقيقة الكون لا يمكن استنتاجها من خلال الاستكشاف المبني على استغلال الحواس.
كذلك فقد انتقدوا نظريات الإغريق حول نظام الكون والتي ظلت مطبقة لقرون وقرون ودحضتها اكتشافات ونظريات القرنين الخامس عشر والسادس عشر ووفقاً لقواعد العلم الغربي الحديث فإن نظريات وأفكار الإغريق لا تعدو أن تكون مجرد أفكار ونظريات ثبت خطئها وبالتالي لا يعتد بها. ولعل أشهر من تناولوا هذا الانتقادات وعرضوها القديس بينيدكت مؤسس الرهبانية المسيحية
واستكمالاً لتلك الانتقادات فإن العلم الغربي الحديث قد انتقد فكرة أفلاطون القائلة " أنه لا يمكننا القول بأن هناك أي جديد أو أن هناك ما يمكننا أن نطلق عليه جديداً أو جميلاً أو أن الزمن قد يحمل لنا أي منهما ذلك لأن الزمن ليس منتجاً وإنما هو عنصر مخرب .. والتاريخ يجري منحدراً ولا يسمو بالبشرية وأن الزمن عبارة عن دورات متكررة متماثلة...".
ولو تناولنا نظرة العلم الغربي إلى حضارات أمم أخرى مثل الهند والصين لوجدنا أنه يراها مفرطة في المنطق والملاحظة إلا أنها تغاضت عن الجانب التجريبي ما خلا علوماً محددة كعلم النفس وإلى جانب ذلك فقد انتقدوا الفلسفات الصينية والهندية على أساس افتقارها للجانب التجريبي فضلاً عن نظرة البوذية للكون بأنه مليء بالشرور والآثام مستشهدين بأنه وفقاً للبوذية فإنه كي تصل إلى مرحلة التنوير فلابد أن تغمض عينيك وتحجب ذاتك عن العالم الخارجي وانتقدوا في الإسلام إرجاعه كل شيء إلى المشيئة الإلهية وعدم الاعتماد على الظواهر الطبيعية وذلك وفق ما أورده هويكاس Hooykaas في كتابه "الدين ونشأة العلم الحديث Religion and the Rise of Modern Science.
وكل ما سبق هي ما يرونه من أسباب كانت وراء تطور العلم الحديث في أوربا وحدها وأرجعوا السبب في تقدم العلم الغربي وما نجم عنه من ثروة صناعية واقتصادية وتقنية إلى عدم اعتماد العلم الغربي على الفلسفات الإغريقية أو الشرقية
ويؤكد على ذلك قول البروفسير "هويكاس" Hooykaas في كتابه " الدين ونشأة العلم الحديث": " إذا كانت مقومات العلم إغريقية إلا أن جوهره مستمد من الكتاب المقدس".
ولكي نفهم النزعة الدينية للعلم الغربي فإننا نرجع إلى محاضرة ألقاها الفيلسوف والرياضي المشهور ألفريد نورث وايتهيد Alfred N. Whitehead الأستاذ بجامعة هارفارد عنوانها "العلم والعالم الحديث" وجاء فيها قوله "إن مفهوم العقلية العلمية التي تحدث عنها الإغريق قد تصدع وثبت خطؤه خاصة ما جاءوا به من ضرورة تطبيق المذهب العقلاني"
إننا عندما نتتبع تاريخ المسيحية يظهر من بين أعلام مفكريها اسم "أوجستين" Augustine (354- 430) والذي يوصف بأنه أعظم مفكر في الألفية الأولى من تاريخ المسيحية وبالنسبة إليه فإن نظرته كانت تقوم على أن الكون هو من خلق الإله وأن للزمان والمكان حدوداً وأن كلاهما له نهاية... وأن الزمن له بداية" وكانت آرائه هذه هي بمثابة ثورة على النظرية الإغريقية حول تكرار الدورات الزمنية وبعد ذلك صارت أفكاره هي المتبعة للقرون التي تلته.... ويضاف إلى ذلك قوله بأن " الجميل هو ما صنعه الرب جميلاً ولابد أن نقر بأن نظرتنا للأشياء قد تكون قاصرة فربما لا نعي سبب خلق الرب للفئران والضفادع أو للحشرات والديدان ولكن لابد أن نقر بأن لكل شيء جماله الخاص ولا يمكن أن ننظر إلى كائن دون أن نستبين دقة الصانع الأعظم الذي رتب الأشياء وفقاً لقياسات وأعداد وأوزان...
ومن بعد "أوجستين" جاء "جون فيليبونوس" John Philoponus بأفكار عارض فيها أفكار جاليليو Galileo وربما لا يأتي تاريخ العلم على ذكر "فليبونوس" كثيراً إلا أن مدرسته الفكرية لا تزال تدرس أفكاره حتى يومنا هذا ولعل أشهر ما ارتبط هو الاجتماع الذي شهدته مدينة لندن عام 1983 والذي اجتمع خلاله خمسة وسبعون عالماً ممن ينتهجون فكره. لقد رفض "فليبونوس" أفكار أرسطو فيما يتعلق بسقوط الأجسام والتي تقول بأن الأجسام الأثقل تسقط أسرع من الأجسام الأخف وزناً، واستنبط نظريات حول حركة الأجسام هي التي أقام عليها نيوتن Newton قانون حركته الأولى. لقد أقام "فليبونوس" نظرياته على قناعته التي أعلنها بأن الرب هو من خلق هذا الكون وأوجده وقد انتهى من هذا الخلق.... وقد كانت تلك هي بدايات إرساء الأسس الدينية للعلم.... فكل ما يتعلق بخلق الكون وطبيعته وجمال الأشياء والفلسفات المتعلقة بذلك والقواعد العلمية لابد وأن تتفق مع القناعات الدينية.
ولعل تاريخ العلم الحديث لا ينسى مقولة "بيير ديوهيم" Pierre Duhem حين قال:.. " إن العلم الحديث قد ولد يوم أعلنت مبادئ جامعة باريس عام 1277"... ومبادئ جامعة باريس هذه عبارة عن إعلان أصدره البابا يتضمن تحريم 219 مبدأ من مبادئ العلم الإغريقي التي كان المفكرين المسيحيين يقرونها قبل القرن الثاني عشر الميلادي ومما تضمنته قائمة النظريات المرفوضة رفض فكرة تعاقب الدورات الزمنية ورفض نظرية أن الأجرام السماوية لها تأثيرها على البشر و نظرية الحركة الدائرية للأجسام الثقيلة والتي تم استبدالها بنظرية الحركة الخطية.[/align]

وما نورده هنا ليس تهجماً على دين له كل الاحترام والقداسة، بل هو تناول يوضح تأصل الفكر الديني في العلم الغربي ويمكننا من خلاله أن نستدل على أن ما حققه الغرب من إنجازات إنما بُني على قواعد علمية تستقي أصولها من العقيدة الدينية
الأصول الدينية للعلم الغربي
العلم ينبت في تربة المسيحية.... مقولة كثيراً ما رددها العديد من الكتاب والعلماء المسيحيين ومنهم ألفريد نورث وايتهيد N. Whitehead عالم الرياضيات والفيلسوف الغربي الشهير وأيده في قوله هذا المفكر صاحب الكتابات العديدة حول العلم وأصوله "ج. أوبينهيمر" والذي ترأس معهد الدراسات المتطورة في برينستون عام 1947.
وحتى يمكننا أن ندرك الجذور الدينية للعلم الغربي فلابد لنا أن نتناول –ولو بصورة مقتضبة- النظرة التي سادت للعلوم خلال مرحلة ما قبل الديانة المسيحية، فلاشك أن حضارة الإغريق و ما وصلنا من تراثهم يعطينا الكثير من الشواهد على مدى التطور العلمي والنهضة التي شهدتها تلك الفترة التي سادت فيها حضارة الإغريق، ومما هو ثابت تاريخياً أن النظرة الدينية للعلم قد بدأت خلال القرن السادس قبل الميلاد والذي شهد ظهور الكثير من المفكرين الذين ثاروا على المعتقدات التقليدية التي كانت سائدة في هذه الفترة ومن بين هؤلاء كان فيثاغورث Pythagoras الذي عاش خلال القرن السادس الميلادي وكان واحداً من أشهر فلاسفة الإغريق وكان من أوائل من سعوا إلى تفسير الظواهر الطبيعية وفقاً لأسس منطقية عقلانية، فكان أول من قال بأن كل شيء في هذا الكون قد خُلِقَ وفقاً لنسق رقمي وتلى بعد ذلك قرون شهدت العديد من إنجازات واكتشافات فعلى سبيل المثال وضع هباركيوس Hipparchus أسس علم المثلثات وأوجد Euclid مبادئ علم الهندسة التي لا تزال مطبقة حتى عصرنا الحديث وكذلك قواعد أرشميدس Archimedes حول الأسطح والحجوم والطفو... هذا فضلاً عن الكثير من الاكتشافات والاختراعات في مجالات الفلك وتفسير الظواهر الكونية كتفسير Hipparchus لظاهرة الاعتدالين الخريفي والربيعي وما جاء به Aristarchus في نظريته حول القياس النسبي للمسافة بين الأرض والشمس وفقاً لحجمهما النسبي، وفي مجال علمي الوظائف والتشريح أورد Galen نظرياته والتي استمرت مطبقة حتى ثلاث عقود خلت وحتى في مجال التكنولوجيا فإن ما وصل إليه الإغريق في مجال اكتشافاتهم وقواعدهم الخاصة بالروافع والعجلة والعزم لا تزال مطبقة حتى عصرنا الحالي..
وبرغم كل هذه الإنجازات والاكتشافات والنظريات فإن الغرب لا يعترف بها في عصرنا الحديث ويرى أنها لم تسهم في تطور العلم ذلك بسبب التقنية التي قامت عليها هذه الإنجازات والتي في أساسها تنطوي على خطأ جسيم حول فهم طبيعة الإله وحقيقته... فهناك اتجاهات تنتقد أفلاطون Plato وأفكاره القائلة بضرورة التركيز على القياسات النظرية العقلية وحدها بل وأشاروا إلى أن المفكرين الأوائل من أمثال Anaximander و Anaximines و Democritus وذلك استناداً على أنهم وغيرهم من علماء الإغريق لم يستطيعوا التوصل إلى فكرة متحدة ولم يجمعوا على رأي بشأن أصل الكون ولا طبيعته بل وانتقد فيهم أصحاب تلك التوجهات نظرتهم الدونية إلى الكون حين وصفوه بأنه مجرد شبيه لعالم أسمى وأعلى وأنه مجرد ظل لعالم مثل بديع لا يمكن للمرء وصفه واستندوا في نقدهم لأفكار وآراء الإغريق على العديد من الأمثلة لعل من أشهرها هو نقدهم لنظرة أرسطو القائلة بان المرأة تأتي في مرتبة أدني من الرجل وأنها تابع له لا يمكن لها أن ترقى لمرتبته واستدلاله بأن عدد أسنان المرأة لابد وأن يكون أقل من عدد أسنان الرجل وعلى الرغم من نظريته التي أرجعوها إليه فإنه لم يحاول ذات مرة أن يحصي أسنان المرأة ويقارن عددها بعدد أسنان الرجل... بل ونقدوا نظرته جملة حين أوجدوا التناقض بين رؤيته للمرأة وتعدد زوجاته. وأما بالنسبة لأفلاطون فقد استندوا في نقدهم إلى قوله بأن حقيقة الكون لا يمكن استنتاجها من خلال الاستكشاف المبني على استغلال الحواس.
كذلك فقد انتقدوا نظريات الإغريق حول نظام الكون والتي ظلت مطبقة لقرون وقرون ودحضتها اكتشافات ونظريات القرنين الخامس عشر والسادس عشر ووفقاً لقواعد العلم الغربي الحديث فإن نظريات وأفكار الإغريق لا تعدو أن تكون مجرد أفكار ونظريات ثبت خطئها وبالتالي لا يعتد بها. ولعل أشهر من تناولوا هذا الانتقادات وعرضوها القديس بينيدكت مؤسس الرهبانية المسيحية
واستكمالاً لتلك الانتقادات فإن العلم الغربي الحديث قد انتقد فكرة أفلاطون القائلة " أنه لا يمكننا القول بأن هناك أي جديد أو أن هناك ما يمكننا أن نطلق عليه جديداً أو جميلاً أو أن الزمن قد يحمل لنا أي منهما ذلك لأن الزمن ليس منتجاً وإنما هو عنصر مخرب .. والتاريخ يجري منحدراً ولا يسمو بالبشرية وأن الزمن عبارة عن دورات متكررة متماثلة...".
ولو تناولنا نظرة العلم الغربي إلى حضارات أمم أخرى مثل الهند والصين لوجدنا أنه يراها مفرطة في المنطق والملاحظة إلا أنها تغاضت عن الجانب التجريبي ما خلا علوماً محددة كعلم النفس وإلى جانب ذلك فقد انتقدوا الفلسفات الصينية والهندية على أساس افتقارها للجانب التجريبي فضلاً عن نظرة البوذية للكون بأنه مليء بالشرور والآثام مستشهدين بأنه وفقاً للبوذية فإنه كي تصل إلى مرحلة التنوير فلابد أن تغمض عينيك وتحجب ذاتك عن العالم الخارجي وانتقدوا في الإسلام إرجاعه كل شيء إلى المشيئة الإلهية وعدم الاعتماد على الظواهر الطبيعية وذلك وفق ما أورده هويكاس Hooykaas في كتابه "الدين ونشأة العلم الحديث Religion and the Rise of Modern Science.
وكل ما سبق هي ما يرونه من أسباب كانت وراء تطور العلم الحديث في أوربا وحدها وأرجعوا السبب في تقدم العلم الغربي وما نجم عنه من ثروة صناعية واقتصادية وتقنية إلى عدم اعتماد العلم الغربي على الفلسفات الإغريقية أو الشرقية
ويؤكد على ذلك قول البروفسير "هويكاس" Hooykaas في كتابه " الدين ونشأة العلم الحديث": " إذا كانت مقومات العلم إغريقية إلا أن جوهره مستمد من الكتاب المقدس".
ولكي نفهم النزعة الدينية للعلم الغربي فإننا نرجع إلى محاضرة ألقاها الفيلسوف والرياضي المشهور ألفريد نورث وايتهيد Alfred N. Whitehead الأستاذ بجامعة هارفارد عنوانها "العلم والعالم الحديث" وجاء فيها قوله "إن مفهوم العقلية العلمية التي تحدث عنها الإغريق قد تصدع وثبت خطؤه خاصة ما جاءوا به من ضرورة تطبيق المذهب العقلاني"
إننا عندما نتتبع تاريخ المسيحية يظهر من بين أعلام مفكريها اسم "أوجستين" Augustine (354- 430) والذي يوصف بأنه أعظم مفكر في الألفية الأولى من تاريخ المسيحية وبالنسبة إليه فإن نظرته كانت تقوم على أن الكون هو من خلق الإله وأن للزمان والمكان حدوداً وأن كلاهما له نهاية... وأن الزمن له بداية" وكانت آرائه هذه هي بمثابة ثورة على النظرية الإغريقية حول تكرار الدورات الزمنية وبعد ذلك صارت أفكاره هي المتبعة للقرون التي تلته.... ويضاف إلى ذلك قوله بأن " الجميل هو ما صنعه الرب جميلاً ولابد أن نقر بأن نظرتنا للأشياء قد تكون قاصرة فربما لا نعي سبب خلق الرب للفئران والضفادع أو للحشرات والديدان ولكن لابد أن نقر بأن لكل شيء جماله الخاص ولا يمكن أن ننظر إلى كائن دون أن نستبين دقة الصانع الأعظم الذي رتب الأشياء وفقاً لقياسات وأعداد وأوزان...
ومن بعد "أوجستين" جاء "جون فيليبونوس" John Philoponus بأفكار عارض فيها أفكار جاليليو Galileo وربما لا يأتي تاريخ العلم على ذكر "فليبونوس" كثيراً إلا أن مدرسته الفكرية لا تزال تدرس أفكاره حتى يومنا هذا ولعل أشهر ما ارتبط هو الاجتماع الذي شهدته مدينة لندن عام 1983 والذي اجتمع خلاله خمسة وسبعون عالماً ممن ينتهجون فكره. لقد رفض "فليبونوس" أفكار أرسطو فيما يتعلق بسقوط الأجسام والتي تقول بأن الأجسام الأثقل تسقط أسرع من الأجسام الأخف وزناً، واستنبط نظريات حول حركة الأجسام هي التي أقام عليها نيوتن Newton قانون حركته الأولى. لقد أقام "فليبونوس" نظرياته على قناعته التي أعلنها بأن الرب هو من خلق هذا الكون وأوجده وقد انتهى من هذا الخلق.... وقد كانت تلك هي بدايات إرساء الأسس الدينية للعلم.... فكل ما يتعلق بخلق الكون وطبيعته وجمال الأشياء والفلسفات المتعلقة بذلك والقواعد العلمية لابد وأن تتفق مع القناعات الدينية.
ولعل تاريخ العلم الحديث لا ينسى مقولة "بيير ديوهيم" Pierre Duhem حين قال:.. " إن العلم الحديث قد ولد يوم أعلنت مبادئ جامعة باريس عام 1277"... ومبادئ جامعة باريس هذه عبارة عن إعلان أصدره البابا يتضمن تحريم 219 مبدأ من مبادئ العلم الإغريقي التي كان المفكرين المسيحيين يقرونها قبل القرن الثاني عشر الميلادي ومما تضمنته قائمة النظريات المرفوضة رفض فكرة تعاقب الدورات الزمنية ورفض نظرية أن الأجرام السماوية لها تأثيرها على البشر و نظرية الحركة الدائرية للأجسام الثقيلة والتي تم استبدالها بنظرية الحركة الخطية.[/align]
تعليق