ولادة
اشتد بها الألم ،أخذت تتلوى كالحبل ، تستجدي هبة باردة تكوي بها نار المغص الحارق ،وتوقف سيول القيء المتلاحقة ..تقبل ،تدبر ،تقف ،تجلس ،أثناء اهتزازتها كنت أتلقى الضربات في كل بقعة من جسدي ..وانقباض حاد يكاد يفجر رأسي ،أو يعصرني ..تمنيت غيبوبة تُحَلق بي في مدارات الدنيا ،كي لاأحس بما ينهال علي ..كانت هي تترنح في الخارج ،وأنا أؤدي الثمن في الداخل ،صراخها يشق أذنيّ، والأمر ليس بيدي لأخلصها من كف العذاب المطبق ..أتأفف سائلا متى تأتي اللحظة لأغادر هذا الفج الضيق، إلى ماهو أرحب وأوسع ...حين تتمدد وترتخي أتنفس في ارتخائها الصعداء ...وأحمد عليه ربي، ثم لاأنسى بين الحين والآخر أن أجمع أطرافي ،لأتحاشى ما قد تمطرني به ثانية ..كلما هبّت من سريرها ،استعد لحرب مقاتلة، وأتأهب لما تطلقه علي من جيوشها في غير ساحة الوغى ...إلى آخره ..
نسيَتْ تماما، أن هناك شيئا تنتظره ،سافرتْ في رحلته تسعة أشهر ،تحمّلت فيها مشاق الدنيا وعناءها، حيث اللذة والمرارة تتعانقان: ..حلمت ..تأملت وتألمت ..اشتهت ..عشقت ..تشاجرت ..غضبت بكت ..ضحكت .....
همها الآن هو سل زغب النهار من الليل، وفك خيوط المعادلة المفضية إلى باب الخلاص دون ذنوب ...بيني وبينك ورطت نفسها وورطتني معها ..في هذه اللحظة الحاسمة نتجرع معا كؤوس المرارة.وكلانا في قبضة الزمن الذي لايرحم .. لو أدنى استشارة مني ،ما وافقتها على الإطلاق ...لأنه لاشيء يَسر ،في ظل إبهام ينسدل بأسرار مطلسم ..أصبح العالم فيه كبة من الفوضى .. تاه عن مجراته فأخطا الطريق ..
على كل ..مازال صراخها لم ينقطع ..والملامح اختلطت ببعضها ...وأنا أعد الدقائق وكأنها تُنْتَزع من جلدي ..إلى آخره
دخلت جارتنا تجري حافية القدمين، شدّت رأسها بمنديل ،ونسيت أن تشد رأسي كذلك، أو تناست لاأدري ..جففت عرَقها المتصبب ..ثم أخذت تطوف بالبيت علها تجد شيئا لتسعف مايمكن إسعافه ..وأنا غائر في الضحك، ولو جبل من الخوف خلف أذني ...لمحتْ الهاتف في أحد الأركان ..طفقت تبحث عن رقم أبي الذي لم تره وهو يلكز ويلمز أمام عينيها ..معذورة فالشيء المطلوب أثناء اللحظات الحرجة ،يختفي تماما ولو بين القدمين ...أمْلََتْ أمي الرقم من أنفها متقطعا كشرائح السمك..أخذت الجارة تنقر على الأرقام تباعا بيد مرتعشة ...إلى آخره..
لحظات أقبل أبي يلهث،رِجْل تنتعل الحذاء والأخرى حافية ...وخياشيمه تتسع لولوج فأر.. ناسيا محفظته في درج المكتب .. دخل توا إليها فوجدها تئن، والروح تكاد تنفلت من فمها، لولا أنها تطبق شفتيها بإحكام ..تأبطَها نحو سيارة الأجرة في اتجاه المستشفى ....العجلات تدور بسرعة ،وأنا أدور على مهلي ، ..أستحضر اللحظات الجميلة في بدايتها ..كنت أرشف نسغ الحلوى ..حين تصطاد مناخيرها روائح لذيذة ،تهرول توا إلى السوق ،وتلبي رغبتها بما تشتهي ..تتكوم جانبا وتلتهمه بشراهة دون استدعاء أحد ...وأبي هو الآخر ربما نادم على فعلته ..يدللها باسترسال ..لوز، جوز ،شرائح كبد، تفاح ، قلْ وليمة بأدق التعبير...كان يقف كالقط متفرجا يكابد ضراوة المشهد .. .كانت الغبطة لاتسعني ،وأنا أختلس ماتدخره .....وأحيانا أخرى تتقزز من رائحة طبيخها ،فتمَرّر القذفة إلى مرمى الجارة ،لتقوم بالواجب ... لاأدري هل الاهتمام كان بها أم بي ..إلى آخره ..
المهم أني كنت شريكا في اللعبة ..ارافقها في السراء والضراء ...أذكر ذات يوم ،وهي تعد درجات السلم إلى أسفل .تعثرت قدمها فانكفأت على بطنها، فتلقيت ضربة قاسية على جبيني ،لم أصرخ لأنه كنت هادئا وديعا مثل نسمة الصباح ،أبتسم لكل النوائب ...هرع كل من في البيت يولولون يصرخون ،يتحسسون مواطن الألم ،دون أن يعيروا ليَ أدنى اهتمام ..أحسست بالحيف ،كدت أضرب عن الطعام ....بعد الأخذ والرد ،والفحص والشد ...والتشنج والارتخاء ...تبين أن كل شيء على أحسن مايرام ،ولاخطر يبعث على القلق .. اختفت اللحظات الضيقة ..........
على بغتة أخذ زعيقي يملأ أركان المستشفى ..
- مبروك سيدي لقد أضفت إلى العالم عنصرا ذكرا ..
اعتلت أبي الفرحة ،وأنا اعتلتني الدهشة ..تمنيت لو ربضت حيث كنت ، اللهم ضربات مباغتة لاعين رأت ولاأذن سمعت ،أو ضربات المطارق المتناوبة التي تنتظرني ......
مالكة عسال
بتاريخ 31/08/2008
تعليق