خبز وياسمين
- أسرع يا شادي، لقد حضر الخبز.
يترك ساحة اللعب مستجيبا لنداء أمّه، ويعدو نحو المنزل، فقد حان وقت الذهاب إلى "المراح" لبيع الخبز
يحمل القفّة ويمضي مصفّرا...
يدخل دكان حلاق " الله يعينك يا عم رابح، خبزتين كالعادة". ودون أن ينتظر جوابا يضع الخبز
فوق طاولة صغيرة عليها بعض مجلات وجرائد قديمة يتسلى بها المنتظرون من الزبائن.
ينقده عم رابح الحلاق ثمن الخبزتين،
ثم يضيف له خمسين مليما وهو يقول:"هذه لشراء بعض الحلوى".
يخرج من الدكان مبتسما " مازال يحسبني صغيرا أشتري الحلوى".
يمضي بكل ما في أعوامه الخمسة عشر من خفّة ونشاط، تمرّ به فتاة خارجة من الحمّام
فيتابعها بعينين وقد تذكر ما شاهده في " عصفور السطح"،
يسرح بخياله، ويستفيق على صوت ملائكي ينادي: "ياسمين، قلائد ياسمين، مشموم ياسمين".
يحمرّ وجهه خجلا وكأن ربيعة ضبطته أثناء اقترافه لخطيئة...
وينادي بأعلى صوته لكي يشعرها بوجوده "خبز طابونة سخون". تتسارع دقّات قلبها: " لقد وصل".
يسلّم عليها بحرارة ويسألها:
- كيف حال أمّك؟
- كالعادة، لقد نصحا الطبيب باقتناء نظارات طبّية، لقد أصبح من الصعب عليها إدخال الخيط في الإبرة.
تسكت وتطلق تنهيدة لا يصدّق من يسمعها أنها تخرج من ذلك الصدر الصغير. فيغيّر بسرعة مجرى الحديث:
- هل أنهيت إعداد الدروس؟ سأرسب هذه السنة كي تلتحقي بي.
- لا شكرا... لا تتعلل بي لتغطي تراخيك هذه السنة. حذار من الرّسوب، أقسم برأس أمي أني
لن أكلّمك أبدا إذا لم تنجح! هل فهمت؟ يغطّي ارتباكه بابتسامة، يعلم أنها لا تمزح.
- هل نذهب إلى "سيدي البحري" فهناك يكثر المشترون.
يمضيان في الطريق نحو الشاطىء يناديان: بحناجرهما الصّغيرة: "خبزا وياسمين".
عندما وصلا إلى حانة أخذ منها الياسمين ودخل، لم تمانع لأنها متأكدة أنه لن يسمح لها بالدخول،
فهي لا تزال تذكر كيف تخاصم مع أحد السكارى حين حاول أن يعابثها والجرح الغائر
في جبهته شاهد على تلك الحادثة...
لقد تمنى يومها أن يجرح كل يوم كي تقبّله وهي تضمّد جراحه.
باع خبزتين وخمس مشامم ياسمين، أعطاها الثمن ومضى يحدّثها عن مجون السكارى وعن أخلاقهم الفاسدة،
ويستشهد بجارهم عبد الحميد الذي يعود كل ليلة مخمورا ويضرب زوجته وأبناءه.
وصلا إلى مقهى "سيدي البحري" نادى "خبز طابونة سخون" ونادت " مشموم ياسمين، عقود ياسمين"
وانتقلا بين الطّاولات يعرضان ما يحملان، لقد تعودا مزاح الزبائن وتعوّد الزبائن عليهما يبتسمان دائما
ويعرضان بضاعتهما دون إلحاح وبكياسة نادرة...
مرّا بسائحين، تقدّمت ربيعة وهي تقول باسمة:
Des perles de jasmin pour votre bien aimée monsieur.
فلم يجد الرجل بدّا من ابتياع عقد لزوجته ومشموم له، ثم أضاف لها دينارا وهو يقول:
Pour ton bel accent
باعت ربيعة كل ما لديها وبقيت لشادي خبزتان. قال لها: لنمشي قليلا على الشاطئ وسأبيع ما تبقى
ما تبقى في طريق العودة.
قالت له وهما يجلسان على صخرة:" هيا أسمعنا شيئا من شعرك و إلاّ قطعت رأسك". يضحكان قليلا ويقول:
" أمر مولاتي". يسود المكان صمت إلاّ من صوت الأمواج الهادئة تزيد اللحظة شفافية وشاعرية.
يقف، ينظر إلى البحر ثم إلى عينيها ويقول:
آه يا قمر الفرح
نسكبك نسيما في أكواب قوس قزح
ملكين جئنا
نبشّر بالفجر مرفوعا كنخلة
ونكوّن ربيعنا وردة فوردة
ملكين جئنا
ننادي الخبز والياسمين
ونغني" إنهم يستطيعون قطف كل الزهور
ولكنهم أبدا لن يستطيعوا
وقف زحف الربيع"
- أحسنت يا شادي، فعلا إنها قطعة جميلة جدا، يا حاجب أعطه ألف...
- كفّي عن العبث، أنا لا أبيع قصائدي...
يتصنّع الغضب، فتبتسم له وتربّت على كتفه بحنوّ قائلة:
- تغضب دائما لأتفه الأسباب، أيعزّ عليك أن نبقى يوما دون خصام؟
- أغضب فقط حين أشعر أنك لا تهتمين بقصائدي، وأنا لا أهتم إلا برأيك...
- أعلم هذا وتعلم أنت أن كلامك غير صحيح، لأني أهتم بشعرك قدر اهتمامي بك.
يشعر بالفرحة تغمره فيلقي نفسه على الرمال ضاحكا.
- هيا نعود، لقد بدأت الشمس تغرب.
- سأوصلك إلى المنزل، لا تخافي.
- لا أخاف الظلام، لكن أمي بمفردها في المنزل وعليّ أن أعينها في إعداد العشاء.
في طريق العودة بينهما قفّة الخبز ينظران إلى ظلّيهما وقد التصقا، وبالخيال يكون الزواج الصغير... [align=justify][/align]
تعليق