ﺃسير ٳلى اﻷبد

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فرح حمداوي
    قلم متمرد
    • 03-09-2008
    • 108

    ﺃسير ٳلى اﻷبد

    ﺃسير ٳلى اﻷبد



    كان يشعر ﺒﭐلحزن و هو يرى الدخان يتصاعد من حوله , و كان ﺃشد ما يخشاه ﺃن يراه ﺃحد من الجيران مع تلك الشرذمة من المتشردين الذين لا ﺃخلاق لهم .

    لم يتردد لحظة واحدة حينما طلب منه ﺃحدهم ﺃن يدخن سيجارة , و ذلك بعد ﺃن ﺃفهمه ﺃن هذه السيجارة التي لا يتعدى طولها بضع سنتيمترات تجلب السعادة الغامرة و تنسي كل ما من ﺷﺃنه ﺃن يعكر المزاج فتدخل صاحبها عالما كله ﺃحلام .

    ﺃمسك ربيع السيجارة بين يديه وﺃخذ ينظر ٳليها و ﻜﺃنه يعاتبها ﻷنه لم يتعرف عليها من قبل, و في لمح البصرقربها من فمه و ﺃخذ منها نفسا عميقا. ﻔﭐنتابته نوبة من السعال الحاد و ﺃحس ﺃن ﺃنفاسه تتقطع على مرﺃى من الجميع , فرمى بتلك السيجارة في دلو ماء كان قريبا منه .

    رﺃى عيونا حاقدة تلومه على فعلته و تنتظر النيل منه عند ﺃول هفوة له, و لم يدرك ربيع حقيقة ذلك ٳلا عندما صاح ﺃحدهم : لقد ﭐشتريتها البارحة بثمن باهض و ها ﺃنت اليوم ترميها و ترمي معها مفتاح سعادتك.

    و ﺃتم ﺁخر : لست سوى طفل, اﻷطفال وحدهم لا يدخنون .

    نظر ٳليهم ربيع نظرة حانقة ثم وعدهم ﺒﺃنه سيدخن معهم في الغد .

    عاد ربيع ٳلى منزله الذي كاد ينساه من كثرة مكوثه ﺒﭐلخارج , نظرٳلى صورة كانت معلقة على الجدار, رﺃى ﺃمه و ﻜﺃنه يراها ﻷول مرة . لقد ماتت ﺃمه الحنون عندما كان طفلا صغيرا لا يفقه ﺷﯾﺌﺍ, لم يمنعه شيء من النظر ٳليها ٳلى سعال زوجها و شرارة الكره التي تتطاير من عينيه كلما تكلم.

    - ﺃين كنت ٳلى اﻵن ؟

    - في ... في المدرسة ... لا , لا بل مع ... مع ﺃصدقاﺌﻲ , ﺃجل مع ﺃصدقاﺌﻲ ... كنا ... كنا نراجع دروسنا سوية .

    - ﺴﺃحرمك من العشاء ﻷنك ﺘﺃخرت .

    لم تؤثر هذه الجملة في ربيع فلطالما سمعها و لطالما حرم من ﺃشياء عديدة ﺃولها الحنان و العطف.

    في تلك الليلة لم ينم ربيع فقد كان يفكر فيما ٳذا كان يستطيع التدخين مرة ﺃخرى في الغد , اليوم كانت تلك السيجارة اﻠﻟﺌﯿﻤﺔ ﺃقوى منه , حرمته مفتاح السعادة على حد قول زميله .

    صباح اليوم التالي خرج ربيع من منزله على عجل دون ﺃن يفطر حتى . و طبعا ذهب راكضا حتى وصل ٳلى ذلك الوكر , ٳنه وكر الجراﺌم حيث يوجد ﺃطفال حرموا من الحنان , و في لحظة طيش مميتة قرروا ﺃن ينتحروا ٱنتحارا ﺑﻂﻴﺌا .

    وصل ربيع ٳلى ذلك الوكر فحيا زملاءه ثم جلس بجوارهم و طلب من ﺃحدهم مفتاح السعادة الذي لم يكن سوى بداية للهلاك و نهاية ﻟﻷمل.

    ﺃمسك ربيع السيجارة بين يديه وﺃخذ منها نفسا عميقا عميقا, و ﻜﺃنه بذلك كان يريد ﺃن ينسى نفسه , ﺃن ينسى مدرسته , ﺃن ينسى طفولته التي تذبل مخلفة وراءها ﺃعقاب صيحات قد لا تسمع, صيحات تريد ﺃن تلقى ﺁذانا صاغية تنقذها , صيحات تتعالى تتعالى ثم تذبل هي اﻷخرى معلنة ٱنهزامها .

    بعد ﺃسبوع من هذا ﺃصبح ربيع مدمن تدخين , يسمح لتلك النيكوتين اللعينة ﺃن تدخل جسده اﻠﻀﺌﯾل و ﺃحيانا كان ربيع يرى ﺃن سيجارة واحدة ساذجة فلا يكتفي بها بل ﯾﺃتي ﺑﺃخرى تصبح في عداد المفقودين بعد لحظات .

    مضت اﻷيام و ربيع على هذه الحال ٳلى ﺃن جاء ذلك اليوم اﻷسود الماطر. كانت السماء تمطر بغزارة و ﻜﺃنها تخبر ربيع ﺃنه ﺃﺨﻂﺃ و لا بد ﺃن يعاقب .

    وصل ربيع ٳلى ذلك الوكر المزعوم فوجد زملاءه في حيرة من ﺃمرهم .

    - ماذا هنالك ؟ هل ٱنتهت السجاﺌر

    - لن نحتاجها بعد اليوم , فمن اللحظة سنودعها شاكرين لها حضورها المميز و سنستقبل المخدرات فاتحين لها ﺃبوابنا التي لن تنغلق في وجهها.

    و هنا ٱنتصب ربيع واقفا من شدة فزعه , و ﻜﺃنه يرى نفسه يموت و لا مغيث , ﻜﺃنه يرى نفسه يموت ﺃمام عينيه, ﻜﺃنه يذبل في لمح البصر . و ﻔﺟﺃة مثلت ﺃمامه صورته و هو طفل صغير , كانت ﺃمه ﺘﺴﺃله : ماذا تريد ﺃن تصبح عندما تكبر يا ربيع ؟

    و كان هو يجيبها ببراﺌته الطفولية : شرطيا لكي ﺃنقذ الناس من ﺃي شيء قد يضرهم .

    و هنا صرخ ربيع بكل قوته : لا ... لا...

    لا ﺃعلم كم مرة كررها , لكن اﻷكيد هو ﺃنه خرج من ذلك الوكر مقسما ﺃلا يعود ٳليه ثانية. و ما
    ٳن وصل ربيع ٳلى منزله حتى ٱرتمى على فراشه ﻔﺃلفاه ناعما ﻜٱلحرير و ﺃحس ﺃنه تخلص من كابوس رهيب كان يكتم على ﺃنفاسه .

    في صباح اليوم التالي تذكر ﺃن له مدرسة يجب ﺃن يذهب ٳليها , في الوهلة اﻷولى لم تطاوعه قدماه على ذلك لكنه و بعزيمته القوية ذهب ٳليها فتلقى دروسه و ﻜﺃن ﺷﯾﺌا لم يحدث .

    و عندما عاد ٳلى منزله ﺃحس ﺃنه شخص ﺁخر , ﺃي شخص ٳلا ربيع , ﺃحس ﺃن جسمه قد تغير , ﺃصابه الوهن , التعب و ربما سهم من الموت لم يتوغل بعد في جسمه اﻟﺿﺌﯾل . كان بيده ﺃن يمنع كل هذه اﻷعراض من الظهور عليه و ذلك بسيجارة جديدة , على اﻷقل كي لا يحس ﺑﺁلام الرﺃس التي بدﺃت تعاوده من جديد . لكنه قطع عهدا على نفسه ﺃلا يقدم على تلك الفعلة ثانية حتى لا يرتوي جسده من السم الذي يجري فيه من مجرى الدم .

    و بينما هو على هذه الحال سمع جرس منزله يرن , فتح الباب ليجد خالته تبشره ﺑﺃن الحضانة ﺃصبحت من حقها . فذهب معها ربيع و هو يذرف دموعا و يحبس ﺃخرى . ماذا سيقول لها ؟ سيعترف لها ﺃنه ﺃصبح مدمن تدخين ؟ ﺃم سيبقى صامتا ٳلى ﺃن يظهرالسم مفعوله ؟

    و في نهاية المطاف صارح ربيع خالته بقصة المنزلق الذي وقع فيه ﺑٳرادته .

    - ﺃتحس ﺑٱلندم على فعلتك يا بني ؟

    - ﺃجل , فلقد فكرت طويلا و وجدت ﺃنني ﺃسير للتدخين , ما الفرق بيني و بين ﺃسير فلسطيني ؟ ...الفرق شاسع ... بل لا وجه للمقارنة ﺃصلا , هو قام بفعل عظيم رفع به راية بلده عاليا , ﺃما ﺃنا فقد ﺃسرت نفسي بيدي متناسيا ﺃن هذا سيحزن ﺃمي في قبرها .

    ﺃحيانا يكون الندم خير طريق للصلاح يا بني , و بصراحة ﺃنت في نظري بطل ﻷنك رفضت المخدرات لهذا فلن تبقى ﺃسيرا للتدخين .

    و ما ٳن ﺃتمت الخالة كلامها حتى ٱصطحبت معها ربيع ٳلى ٳحدى المصحات , هناك ﺃخبروه ﺃنه لو ٱستمر في التدخين لواجهته مضاعفات خطيرة . ﺃما الخالة فلم تقصر من ﺃية ناحية حيث ﺃنها ﺃبلغت الشرطة بما يحدث في وكر الجراﺌم , فقاموا بدورهم ﺑٱعتقال موزعي المخدرات و السجاﺌر بينما ﺃرسلوا الضحايا ٳلى المصحات لتلقي العلاج .

    ﺃحس ربيع ﺃنه تخلص من حمل ثقيل كان على كاهله , و من شدة فرحتها طبعت خالته قبلة على وجنته لن تنمحي مهما طال الزمن
    مدونتي:
    http://farah-hamdaoui.blogspot.com/


    "لا يوجد شيء إسمه صدفة أو حظ...فكل شيء في هذا الكون محسوب و مقدر ...دائما نسمي ما لم نكن ننتظره أو نتوقعه صدفة و ذلك لأن أدمغتنا محدودة بينما الكون ممتد و لا محدود"
    فرح قدور حمداوي
  • ريمه الخاني
    مستشار أدبي
    • 16-05-2007
    • 4807

    #2
    قصه تحمل من المعاني الكثير ولكن ما نعرفه عن هؤلاء انهم يوقعون ضحيتهم دون ان تدري بذلك عن طريق ماكولات او اي شيئ اخر لذا اتمنى ان نكرر مثل هذه القصص بنية التحذير وجعل الطفل ينفر تماما فهي تستشري حتى في بيئتنا النظيفه في سوريه
    حمانا الله واياكم من كل شر
    تحيتي وتقديري

    تعليق

    • فرح حمداوي
      قلم متمرد
      • 03-09-2008
      • 108

      #3
      [align=center]عزيزتي ريمة...

      فعلا , هذه الظاهرة استشرت في مجتمعاتنا بشكل يبعث على الخوف . لذا وجب علينا ان ننبه الصغار كي لا يقعوا ضحية في شراك لا ترحم.

      ان استطعنا ان نزرع في قلوبهم قيما اصيلة فلن نخاف عليهم من الضياع.

      اسعدني مرورك.

      صباحك ورد.

      فرح حمداوي[/align]
      مدونتي:
      http://farah-hamdaoui.blogspot.com/


      "لا يوجد شيء إسمه صدفة أو حظ...فكل شيء في هذا الكون محسوب و مقدر ...دائما نسمي ما لم نكن ننتظره أو نتوقعه صدفة و ذلك لأن أدمغتنا محدودة بينما الكون ممتد و لا محدود"
      فرح قدور حمداوي

      تعليق

      • ناجي حسين
        شاعر وأديب
        • 03-08-2008
        • 102

        #4
        للأسف الشديد غدت مجتمعاتنا تستغل الأطفال والشيوخ
        فعلا , هذه الظاهرة استشرت في مجتمعاتنا بشكل يبعث على الخوف . لذا وجب علينا ان ننبه الصغار كي لا يقعوا ضحية في شراك لا ترحم.

        ان استطعنا ان نزرع في قلوبهم قيما اصيلة فلن نخاف عليهم من الضياع.

        اسعدني مرورك.

        صباحك ورد

        تعليق

        • ناجي حسين
          شاعر وأديب
          • 03-08-2008
          • 102

          #5
          [frame="1 98"]صباحك ورد

          للأسف الشديد غدت مجتمعاتنا فعلا , تستغل هذه الظاهرة استشرت الأطفال الذين يكونوا ضحية اشراكهم في أعمال قذرة وكذلك الشيوخ للتسول ..الخ واجب من الأسرة نزرع القيم الأصيلة في قلوبهم حتى لا تجرفهم المنحدرات المظلمة
          دمت صالحا[/frame]

          تعليق

          • خالد جمعة
            أديب وكاتب
            • 02-11-2008
            • 62

            #6
            رد

            [bor=00FF99]شكراً للكاتبة فرح على هذه القصة وهي أعتبرها قصة توجيهية للأطفال تناسب المرحلة التي تندرج بين العشر سنوات والثانية عشر وهذه القصة هي اجتماعية فيها رسالة للطفولة شكراً للكاتبة مرة أخرى موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية . [/bor]

            تعليق

            • فرح حمداوي
              قلم متمرد
              • 03-09-2008
              • 108

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ناجي حسين مشاهدة المشاركة
              [frame="1 98"]صباحك ورد

              للأسف الشديد غدت مجتمعاتنا فعلا , تستغل هذه الظاهرة استشرت الأطفال الذين يكونوا ضحية اشراكهم في أعمال قذرة وكذلك الشيوخ للتسول ..الخ واجب من الأسرة نزرع القيم الأصيلة في قلوبهم حتى لا تجرفهم المنحدرات المظلمة
              دمت صالحا[/frame]

              اخي الكريم ناجي حسين...

              جزيل الشكر على تواجدك هنا

              دمت في امان الله

              فرح حمداوي
              مدونتي:
              http://farah-hamdaoui.blogspot.com/


              "لا يوجد شيء إسمه صدفة أو حظ...فكل شيء في هذا الكون محسوب و مقدر ...دائما نسمي ما لم نكن ننتظره أو نتوقعه صدفة و ذلك لأن أدمغتنا محدودة بينما الكون ممتد و لا محدود"
              فرح قدور حمداوي

              تعليق

              • فرح حمداوي
                قلم متمرد
                • 03-09-2008
                • 108

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة خالد جمعة مشاهدة المشاركة
                [bor=00FF99]شكراً للكاتبة فرح على هذه القصة وهي أعتبرها قصة توجيهية للأطفال تناسب المرحلة التي تندرج بين العشر سنوات والثانية عشر وهذه القصة هي اجتماعية فيها رسالة للطفولة شكراً للكاتبة مرة أخرى موفق بإذن الله ... لك مني أجمل تحية . [/bor]

                الشكر مقدم لك اخي الكريم

                لكنني اعتقد ان الحيز العمري للاطفال الموجهة لهم هذه القصة اكبر قليلا

                تحية عطرة

                فرح حمداوي
                مدونتي:
                http://farah-hamdaoui.blogspot.com/


                "لا يوجد شيء إسمه صدفة أو حظ...فكل شيء في هذا الكون محسوب و مقدر ...دائما نسمي ما لم نكن ننتظره أو نتوقعه صدفة و ذلك لأن أدمغتنا محدودة بينما الكون ممتد و لا محدود"
                فرح قدور حمداوي

                تعليق

                • ريمه الخاني
                  مستشار أدبي
                  • 16-05-2007
                  • 4807

                  #9
                  وفقك الله ورعاك ايتها الغاليه ويفك التثبيت وبانتظار ابداع لك اخر
                  تحيتي

                  تعليق

                  يعمل...
                  X