من ذكريات طفولتي
الفصل الأول
دار الأيتام السورية - مدرسة "شنلر" في الناصرة
لم يبق في العيادة الطبية التي عملت فيها والدتي سوى ممرضة واحدة هي المرحومة جورجيت زكّى. بقيت تلك الممرضة الجميلة الطيبة تستقبل المصابين من المواطنين ومن رجال المقاومة الشعبية إلى أن أصيبت برصاص القناصة من شارع شبتاي ليفي المطل على الحي العربي "وادي النسناس". وحسب ما روتهُ والدتي فقد خرجت المرحومة من بيتنا الكائن تحت العيادة لتحضر من بيتها المجاور بعض الضمادات واللفائف - بعد أن فرغت منها العيادة وفرغ بيتنا أيضًا حتى من الملاءات والشراشف - فأصيبت وهي تقطع الشارع إلى الرصيف المقابل. وتضيف والدتي: لقد شاهدتها حين سقطت على الأرض واضعة يدها على خصرها زاحفة نحو بوابة بيتنا... فتحنا لها البوابة فارتمت في ساحة البيت مضرجة بدمائها وما هي إلا دقائق معدودة حتى لفظت الروح.
ربما كان هذا المشهد وبقاء والدتي وحدها بلا حول ولا طول هو ما جعلها تقرر مغادرة حيفا، فتوجهت وبرفقتها أخي فريد وأختي عفاف إلى ميناء حيفا حيث انضموا إلى ألوف المواطنين قاصدين مدينة عكا عن طريق البحر، لقضاء بضعة أيام على أمل العودة بعد هدوء الأحوال. لم يعرف أحد آنذاك أنه يسلك طريقًا باتجاه واحد...
وإذ تعذرت العودة إلى حيفا لم يبق أمام والدتي سوى اللجوء إلى بيت أختي في شفاعمرو، فكان لقائي بها هناك لقاءً رتبته يد القدر...
لم يطل مكوثنا في شفاعمرو، فقد تمكن اليهود من احتلال القرى المجاورة لشفاعمرو، مثل قريتي هوشة والكساير وبات الهجوم على شفاعمرو وشيكًا فاقتنعت والدتي بضرورة اللحاق بأختها في بيروت، خاصة وأن أختي نهى التي تكبرني بسنة واحدة كانت قد وصلت كفرشيما في لبنان ضمن مجموعة من أطفال حيفا كان المطران جاورجيوس حكيم (البطريرك لاحقًا) قد أجلاهم عن المدينة لإبعادهم عن أهوال الحرب.
في طريقنا إلى لبنان، قرب مدينة الناصرة، اصطدمنا بمعارضة رجال المقاومة الشعبية الذين منعونا من متابعة السير، بحجة أن الجيوش العربية في طريقها إلى تحرير فلسطين...!!
لجأنا إلى مدينة الناصرة وبمساعدة أهل الخير حظينا بغرفة في بناية كانت تشغلها دائرة مساحة أراضي فلسطين قبل الحرب، بجوار كنيسة البشارة للروم الأرثوذكس.
كانت البناية حديثة البناء بمحاذاة الشارع العام، ذات طابق واحد، يتوسطها رواق فسيح حين تدخله ترى خمسة أبواب إلى يمينك وخمسة إلى يسارك تودي إلى غرف واسعة شغلتها عشرُ عائلات لجأت من مختلف المدن والقرى المجاورة، كانت عائلتي إحداها.
كان نزوح العائلة من حيفا اضطراريًا ومفاجئًا، فخرجت منها، أسوة بالكثير من العائلات التي نجت بأرواحها، لا تملك من حطام الدنيا سوى ما يكسو الأجساد...
فكان لا بدّ من مصدرٍ دخل يكفينا ذل السؤال...
مضت والدتي إلى تاجر جملة للمشروبات الخفيفة، فاستدانت وحصلت على زجاجات "الكازوز" ... وعلى الثلج من دكان للمثلجات قريب، فملأت دلوين بزجاجات الكازوز وغمرتها بقطع الثلج. حملنا (أخي وأنا) الدلوين ورحنا ندلل على الكازوز البارد في ساحة الكراجات في الناصرة:
- شوَّبَت... اللي عبالو بارد!
****
ذات يوم اكتظّت الساحة بالناس على غير عادة... تهافتت الجماهير من كل صوب... وراحوا ينشدون:
"صهيوني دبّر حالك هجموا الثوار معهم فوزي القاوكجي بيضرب بالنار"
حملنا الدلوين وانتقلنا إلى ساحة عين العذراء لنشهد دخول القائد الأشقر... فوزي بك القاوكجي وجيش الإنقاذ إلى الناصرة...
خرجت الناصرة تستقبل المنقذين بحماس ... وظهر القائد على متن سيارة مكشوفة، يرد التحية ملوحًا بيديه مبتسمًا يبث الأمل والرجاء...
تمركزت قيادة جيش الإنقاذ في بناية المسكوبية التي لم تبعد عن منـزلنا أكثر من مرمى حجر، فتسنى لأخي بطريقة أو بأخرى أن يعمل هناك أجيرًا في تقديم القهوة والشاي والكازوز... وكنت أرافقه أحيانًا لأعود إلى البيت ومعي قليل من السكر والقهوة التي يجود بها علينا ضابط المركز راجيًا إخفاءها عن عيون الناظرة... وفي المركز تعلمتُ إعداد ركوة القهوة!
في الرابع عشر من شهر تموز 1948 سقطت مدينة شفاعمرو، ففر بعض سكانها ووصلوا الناصرة وكان بينهم أقرباء لنا نزلوا عندنا واستقبلتهم والدتي بترحاب وسعة رغم ضائقتنا.
في الخامس من شهر تموز 1948 أصدر الجيش أمرًا بحظر التجول... لم يعرف أحد آنذاك تفسيرًا لذلك الحظر، لكن المواطنين انصاعوا للأمر، فخلت الشوارع من الناس وخيَّم على المدينة صمتُ القبور من الغروب وطوال الليل.
في صباح اليوم التالي 16.7.1948 نهض أخي كعادته، ورغم عدم صدور أي بلاغ بإنهاء الحظر، أصرَّ أن يمضي إلى عمله لتقديم الشاي والقهوة الصباحية كالمعتاد. لكنه ما لبث أن عاد ليقول لنا مأخوذًا بدهشة فائقة:
- المركز خالٍ من الجيش... لا يوجد أحد في المسكوبية!!!
لقد انسحب جيش الإنقاذ تحت جنح الظلام مخلفًا المدينة لقمة سائغة... وسرعان ما انتشر الخبر في المدينة وبدأت ترى الناس يخرجون من بيوتهم تائهين حائرين متسائلين... وما هي إلا ساعات حتى راجَ خبر عن وصول الجيش السوري إلى مشارف الناصرة... مفسرين انسحاب القاوقجي بهدف دخول الجيش السوري... لم تكد تطمئن القلوب حتى سمعنا أزيز الرصاص يلعلع في الأجواء، فخلت الشوارع من جديد وارتفعت في سماء الناصرة رايتان بيضاوان، الأولى فوق مبني البلدية والثانية فوق قبة كنيسة البشارة.[/align]
[align=center]الفصل الثالث
العودة إلى حيفا[/align]
الفصل الأول
دار الأيتام السورية - مدرسة "شنلر" في الناصرة
أذكرُ الأحداث جيدًا، كما لو كانت في الأمس القريب.
لكني لا أذكر التواريخ الدقيقة. وكيف لي أن أذكر التواريخ بدقةٍ ولم أكن، عندئذ، قد تجاوزت الثامنة من عمري.
أذكر الأحداث والمكان والكلام... أما الزمان فهو طفولتي المتعثرة بالأقدار القاسية.
المدير سليم، ربما كان اسمه الكامل سليم نصر، يجمع الطلاب في الساحة الكبرى، خارج أسوار "دار الأيتام السورية" في الناصرة، المعروفة بمدرسة "شنلر".
المدير يقف فوق منصة، ربما أعدّت لهذه الغاية، ليتمكن جميع الطلاب، بضع مئات، من مشاهدته وسماعه جيدًا:
- أيها الطلاب الأعزاء، نظرًا لما آلت إليه الحال، فقد قررت إدارة المدرسة تسريح الطلاب ليكونوا برعاية أهلهم وذويهم في مثل هذه الأوضاع العصيبة. على الجميع الاستعداد لمغادرة المدرسة في أقرب وقت اعتبارًا من الساعة هذه، ولأجل غير مسمّى. نرجو أن لا يكون ذلك لمدة طويلة. ستقوم إدارة المدرسة بتبليغ الطلاب خطيًا عند استقرار الوضع.
***
كنت جنينًا في رحم أمي حين لاقى والدي، المرحوم جريس فرح، حتفه إثر انفجار عبوة ناسفة، من تدبير المنظمات الصهيونية في سوق الخضار في مدينة حيفا، مخلفًا وراءه أرملة حاملا وخمسة أطفال، بِكرُهُم طفلةٌ لم تتجاوز التاسعة. لذا عند ولادتي دُعيتُ باسم المرحوم والدي "جريس" ثم تمَّ تحريفه إلى جورج في موعد لاحق.
ولم يكن لأمي مِن خيار، بعد أن ولدتني واحتضنتني في شهور عمري الأولى، سوى مواجهة قدرها وخوض غمار الكدح والعمل لتوفير لقمة العيش لأولادها...
أصبحتُ في عهدة أختي الكبرى، التي كان عليها أن تتقمَّصَ دورَ الأم والحاضنة، وتتخلّى عن طفولتها ونعومةِ أظفارها لترعاني، بينما كان أخي واثنتان من أخواتي في عهدة المدارس الداخلية.
وإذ بلغتُ السادسة من عمري أو كِدتُ، تزّوَجَتْ أختي الكبرى ولمّا تَبلُغ الرابعةَ عشرة من عمرها، وحظيَتْ أمي بعملٍ في إحدى العيادات الطبية، ضَمِنَ لها المسكِنَ والمعاشَ المناسب، شريطة التفرّغ لعملها طيلةَ ساعات النهار. فلم يكن بدٌّ من إدخالي أنا أيضًا إلى مدرسة داخلية. وهكذا وجدت نفسي في دار الأيتام السورية "شنلر" في الناصرة.
ما زلتُ أذكر ذلك اليومَ الأول... لم أفهم لماذا تخلّتْ عني أمي، فتركتني واستقلَّتْ تلك السيارةَ السوداء التي توارتْ تدريجيًا عن الأنظار مثيرةً خلفها غبارًا كلسيًا...
وقفتُ إلى جانب صندوقي الخشبي - صندوق ينوب منابَ حقيبة - له قفلٌ ومفتاح، كان على كل طالب داخلي أن يحضر مثله ليحفظ فيه حاجياته الخاصة. وقفتُ وبكيت...
بكيتُ كما لم أبكِ من قبل، ولا من بعد... ولعلّي لم أكفّ عن البكاء أيامًا طويلة...
***
المعلمة سلوى تنادي: ورطوار!
ورطوار هذا رجل ضخم، من أصل أرمني، يعمل في صيانة مباني المدرسة إلى جانب كونه مزارعًا مسؤولاً عن بساتين المدرسة وحقولها الواسعة.
يحمل ورطوار صندوقي الخشبي ويقودني إلى مخزن كبير، تغصُّ الرفوفُ الخشبية فيه، كما تغصُّ أرضيته، بالصناديق الخشبية التابعة للطلبة. ورطوار يبحث عن مكان ليحشو فيه صندوقي. يضطر إلى إعادة ترتيب بعض الصناديق على الأرض لإفساح المكان لصندوقي.
- هون محلَّك يا حبيبي. مَعك مفتاح؟
أخرجت المفتاح من جيبي وأعطيته له، فأخرجَ من جيبه خيطًا من "القيطان" أدخله في ثقبِ المفتاح وأحكمَ ربطَ طرفيه، ثم وضعهُ حول عنقي قائلاً:
- دير بالك على المفتاح يا حبيبي. خليّه في رقبتك. إذا ضاع المفتاح لازم نخلع الصندوق.
ثم أمسك بيدي وقادني إلى ساحة المدرسة الداخلية، التي تحيط بها الأسوار والمباني من كل جانب، فتشعر بأنك داخل مُعتقلٍ فسيح، لولا كون البوابة الكبيرة الخضراء مفتوحة على مصراعيها.
انزويتُ في ركنٍ من الساحة، أتأملُ مباني المدرسة... وأبكي...
مباني المدرسة ضخمة. سقوفها من القرميد. لم أرَ من قبل أسقفًا قرميدية بهذه الضخامة.
لا أذكر كم من الوقت قضيتُ على هذا الحال، لكنَّ الشمسَ كانت قد أوشكت على المغيب حين اقترب مني الأستاذ بديع وبرفقته أحد الطلبة البالغين، وقال:
- لا تبكي يا حبيبي، بكرة بتتعوّد وبتصير تحب المدرسة.
ثم قدّم إلي َّ الطالب البالغ وهو يقول:
- هادا الشاب أبوك من اليوم. أسمه فرح. أنت اسمك جريس فرح، وهاي أعطيناك أبو اسمه فرح.
كان من عادة إدارة المدرسة أن تعيّن لكل طالبٍ قاصر وصيًّا من الطلاب البالغين، ليهتم به ويرعاه، يساعده في دروسه، في المحافظة على نظافته، وفي كتابة الرسائل إلى الأهل.
أذكر أني لم أتقبَّل هذا الأب المعيَّن والمفروض عليَّ. ثم أني لم أعتد أن أكون ابنًا لأب. فمن أين جاءني هذا الأب الآن؟ ولم يكن ذلك الإنسان المدعو فرح مدعاةً للفرح أبدًا. كان دائم التقطيب والعبوس، في كلامه نبرة آمرة تجعلك ترتعد وتنفر. ولكني رضيت مغلوبًا على أمري، فهذا نظام المدرسة وقانونها، وأنا بحاجة إلي كبير يأخذ بيدي وألجأ إليه. ودَدْتُ لو كان أبي طالبٌ آخر. لكني لم أكن قادرًا على الاختيار، فالأمر ليس بيدي، ثم أني لا أعرف أحدًا في هذا المنفى... فكيف لي أن أختار؟
أخذني المدعو أبي إلى غرفة النوم. لا.. لم تكن تلك غرفة عادية. كانت عبارة عن قاعة كبيرة، في الطابق الأرضي، تحُدُّ ساحة المدرسة الداخلية، سقفها من القرميد، رُتبت فيها عشرات الأسرَّة في صفوف طولاً وعرضًا. والسرير عبارة عن دعامتين من الحديد تعلوهما ألواحٌ خشبية. فوقَ كل سرير فرشة محشوة بالقش يكسوها غطاء "شرشف" أبيض. في رأس السرير وسادة وفي آخره بطانية مطوية.
سرنا بين الأسرة حتى توقّف ألأب المزعوم إلى جانب أحد الأسرة وقال:
- هادا هو تختك. لازم كل يوم الصبح تطوي الحرام هيك، وتحطه مثل ما أنت شايف. ولازم تطوي بيجامتك وتحطها تحت المخدّة. يا ويلك إذا تركت تختك مخربش!
كانت تلك فاتحة علاقتي الدائمة التوتر بالأب المفروض عليَّ...
مضت الأيام... واعتدتُ على احتمال ما يصعبُ احتماله على طفلٍ غضّ في مثل سني.
كما اعتدت استعمال اللوح الحجري والقلم الحجري. وهو ما كان ينوب مناب الدفتر وقلم الرصاص لطلاب الصفوف الدنيا. لا أدري من أي مادة صُنعت تلك الألواح والأقلام، ولكنها كانت من مادة صلبة سوداء اللون، بحجم الدفتر. لكل طالب لوحه الخاص يضعه في بيت كتبه، ويستعمله في الفصل للنسخ والخطّ وتمارين الحساب. فإذا كتبت شيئًا بذلك القلم الدقيق على صفحة اللوح الحجري حصلت على كتابة بيضاء، بياض الطباشير، واضحة قابلة للمحو بمجرّد مسحها باليد أو بشيء ما.
أما البرنامج الدراسي، فالحق يقال إنه كان متنوعًا، شاملاً، وافيًا ومشوّقًا. ورغم أني قد تنقلتُ بين العديد من المدارس لاحقًا، إلا أني لم أجد في أي منها ما وجدته في دار الأيتام السورية من المناهج، ولا أظن أني سأجد. فاعتبارًا من الصف الأول الابتدائي كانت إدارة المدرسة تعتني بطلابها في كافة المجالات: الدراسة التقليدية - اللغة العربية، الإنجليزية، الحساب، التاريخ والجغرافيا وعلوم الطبيعة ألخ... ولكن إلى جانب ذلك كانت العناية بالرياضة والموسيقى والرسم والخط تستحوذ على اهتمام عظيم. وكان للمدرسة فريق رياضي ذائع الصيت. كما كانت لها فرقة كشافة على المستوى المرموق.
***
المراحيض ودور الحمام في الجانب المقابل من الساحة المحاذية لغرف النوم. فإذا احتجت قضاء حاجة في الليل، كان عليك أن تجتاز عرضَ تلك الساحة، التي تضاهي ملعب الكرة، لتصل حيث تريد. كانت تلك مهمة رهيبة على طفلٍ في مثل سني، وكثيرًا ما كنت ألجأ، كما كان أجيالي - رغم كوني أصغر طلاب المدرسة سنًا - إلى إيقاظ من يرافقني ليؤنسني في تلك الرحلة الرهيبة في الليالي الدامسة أو الماطرة.
وذات ليل لم يشأ أحد من أترابي أن يرافقني، فمضيت إلى سرير أبي المفروض، أوقظه وأتوسّل إليه.
- شو بتقول؟ خايف؟ من شو خايف؟
- الدنيا عتمة... بخاف أروح لحالي...
فما كان منه إلا أن صفعني صفعة جعلتني أقضي حاجتي في مكاني.
وكان العقاب على ذلك الحرمان من "أحد البلد"...
"أحد البلد" يقع في يوم الأحد الأول ويوم الأحد الثالث من كل شهر. كان يُسمح للطلاب، بعد حضور القداس في الكنيسة الإنجيلية في الناصرة، أن يقضوا يوم الأحد في المدينة، يزورون أقرباءهم، يتنزهون أو يتسوّقون. لم يكن لي في الناصرة آنذاك أقارب. كان لوالدتي معارف أفاضل من آل رزق، اعتادت أن ترسل لي بواسطتهم ما يعوزني. فكنت أعرّج عليهم في طريقي إلى الكنيسة كل أحد لأسأل إن كان قد وصلني شيء لآخذه. وكانت والدتي، أطال الله عمرها، تُوْدِعُ لدى إدارة المدرسة مبلغًا زهيدًا من المال أقتَضِبُ منه يوم "أحد البلد" مبلغًا أشتري به ما أشتهي من الحَلوى أو البذورات أو اللبان.
اللبان... ما زلت أذكر بائع اللبان المتجوّل... ذلك الفتى الأسمر الذي يجوب ساحة الكراج في الناصرة، يدلّل على اللبان بنغمته المحببة وبصوته الرنّان:
بقرش باكيت اللبان، إنجليزي أصلي هاي اللبان!
كنت أحب يوم "أحد البلد" وأتوق إليه كما يتوق المأسور إلى يوم من الحرية. وكانت السيدة رزق تستقبلني بغاية اللطف، تقبلني، تقدم لي الشراب البارد، تعطيني ما بعثت به والدتي، لكنها لم تسألني في يوم من الأيام عن مدرستي وعن أحوالي. ولست أدري، لو كانت سألت، هل كنت أجرؤ في ذلك الوقت أن أقول لها كل شيء؟
مساء أيام الآحاد، غير آحاد البلد، كان الطلاب يجتمعون في غرفة الطعام، في الطابق الثاني من بناء ذي طابقين. الطابق الأول يشمل مخزن الصناديق، غرفة نوم الصغار وفرن المدرسة، والطابق الثاني يشمل غرفة نوم الكبار وغرفة الطعام. وهما أيضًا قاعتان كبيرتان مسقوفتان بالقرميد.
يجتمع الطلاب في غرفة الطعام، يُخَصَّص وقتٌ لكتابة الرسائل إلى الأهل والأقارب.
لا أذكر أن المدعو "أبي" ساعدني يومًا في كتابة رسالة إلى والدتي.
كانت غرفة الطعام أيضًا ساحة للفعاليات التربوية والترفيهية والاحتفال بالأعياد. ما زلت أذكر ذلك الطالب الشفاعمري، المرحوم نعّوم، نجم هذه المناسبات. كم كان يثير ضحكنا وإعجابنا... كان نعّوم أكبر مني سنًا، وكنت أعتمد عليه في مراسلة الأهل.
وكانت غرفة الطعام نفسها ورشة عمل دائم. فيها نقوم بتحضير الواجبات المدرسية، وفيها نقوم بتنقية العدس... آه العدس ...وهل أنسى العدس؟ كان هذا عماد قوتنا وغذائنا. ولن أنسى أيضًا مرقة البندورة بالأرز، والشاي الغريب الداكن المصنوع من ذرّات سوداء كذرّات الخردل، والمُحلّى بالسكّر الأحمر - لم أصادف شايًا مثله حتى اليوم.
لم تكن تنقية العدس شغلنا الوحيد. فقد عملنا أيضًا بالزراعة. أحاطت بالمدرسة مساحات شاسعة من الحقول والبساتين. فكنا نعمل بالتعشيب تارة، وبجمع المحصول تارة أخرى. كما عمل الكبار منّا بالحرث والغرس والزرع. وكانت للمدرسة مزرعة دواجن: طيور وأبقار. وكان ورطوار الأرمني، ذو القلب الطيب والصدر الرحب، يدير دفة العمل بمنتهى الدراية والإتقان.
***
كانت المنطقة المحيطة بالمدرسة مليئة بالأحراش والبساتين والحقول. فكانت مرتعًا لبنات آوى والضباع والذئاب وغيرها من الحيوانات. وكان ورطوار يعدُّ الفخاخ والشراك والحفر ليوقع بهذه الحيوانات حماية للمزروعات والدواجن.
وذات يوم، خطرت لورطوار فكرة جهنمية... الحُفَرُ المجرّدة لا تكفي، فبعض الحيوانات تتمكن من الإفلات بعد أن تقع فيها. قرر ورطوار أن يضع الجمر في قعر الحُفَر، فإذا وقع فيها حيوان اكتوى بالنار قبل أن يستطيع الإفلات...
نفّذَ ورطوار ما تهيأَ له، فوضع الجمر، الذي جاء به من فرن المدرسة، في قعر الحُفَر، ثم غطّى الحُفَرَ بالعيدان الرفيعة، وكساها بغشاء رقيق من الطين وبعثر فوقها التراب، تاركًا لها منفس هواء يساعد على بقاء اشتعال الجمر.
لا أدري كيف لم يلفت ورطوار انتباه الإدارة إلى ما فعل، وهو الذي لا تفوته فائتة.
خلاصة القول أن هذه الحُفَر الجَمرية لم يقع فيها سواي .. اكتوَتْ رجلاي من الكفَّتين حتى الكعبين، وتم نقلي على الفور إلى المستشفى الإنجليزي المجاور، حيث تلقيتُ العلاج حتى تماثلتُ إلى الشفاء.
كان يحلو لنا قضاء أوقات الفراغ بالتنزه في تلك المناطق الشاسعة الجميلة المحيطة بالمدرسة في أيام الربيع، نلتقط البقول البرية كالشّومر والقرصعنّة والسنيرية وغيرها، فإذا بلغ بنا العطش مبلغًا، لجأنا إلى غبّ المياه- مياه المطر طبعًا- من تجويفات الصخور!
***
كان يوم السبت يوم الترتيب والنظافة، وبضمنها قصُّ الشعر والحمّام ومسح الأحذية وتلميعها. يأتي الحلاق إلى المدرسة، فيتناوب الطلاب كرسي الحلاقة، واحدًا إثر واحد، يجلس الفردُ والشعر يكسو رأسه لينهضَ حليق الرأس تمامًا. فإذا اكتشف الحلاق إصابة مرضية في جلدة الرأس، كالفطريات أو سواها، لجأ إلى الحلاقة بالموسى، ودَهَنَ الرأسَ باليود والعقاقير... فالحلاّق هو أيضًا الطبيب المختص بالأمراض الجلدية! وكثيرًا ما كان الخبّاز يقوم بمعاونة الحلاّق في مهمته هذه. وخبّاز المدرسة رجل لطيف، نحيف الجسم، معتدل القامة، هادئ الطباع، أذكر أن كان له ولدان من طلاب المدرسة، ولكني نسيت أسماءهم جميعًا.
أما الحمَّامات فكانت على غرار الحمامات الموجودة اليوم في الشواطئ العامة للسباحة. غير أنه اقتصادًا للماء، كان لكل طالب وعاء، عبارة عن "طشط" من الألومينيوم، يملؤه بالماء مرةً للتلييف بالصابون، وأخرى لشطف الصابون عن جسمه. وكان هذا "الطشط" يُحفظ تحت السرير ويُستخدَم كل صباح للحصول على قسط الماء اللازم لغسل الوجه واليدين. كان الطلاب يملؤون "أطشاطهم" بالماء ثم يحملونها إلى الساحة حيث يغسلون الوجه والرأس واليدين، وبعدها يعاد "الطشط" إلى مكانه تحت السرير.
قبل الاستحمام، كنا ننتظم بالصف، أمام المغسلة وغرف الثياب، حسب أرقامنا - لكل طالب رقم خاص يجب أن يكتَب على كل قطعة ثياب له، إن كانت داخلية أو خارجية- ننتظم في الصف ليستلم كل طالب ما يلزمه من الثياب النظيفة والغيارات ليقضي بها أسبوعًا كاملاً، حتى موعد الاستحمام القادم! وكانت ثيابي تحمل الرقم 18، وكانت أختي الثانية "نجمة" تهتم في مطلع كل عام دراسي "بتطريز" هذا الرقم على كل قطعة من ثيابي.
لدى الخروج من الحمام، يعترضك مراقب النظافة. يستوقفك. يتفرّس في أذنيكَ، في منخريك وفي عنقك. يمدُّ يده إلى صدركَ ويفركه بإبهامه بشدة. فإذا أجدى الفركُ فتيلاً، وجبَ عليكَ العودة للاستحمام من جديد! كان هذا العقاب يعتبر في غاية القسوة، خاصة في فصل الشتاء، فمنطقة شنلّر شهيرة ببردها القارص الذي ترتعد منه الفرائص.
ساعة مسح الأحذية ينتشر الطلبة في ساحات المدرسة - خارج الأسوار - متفيئين بالأسوار أو بالأشجار، كلٌ ينهمك بمسح حذائه أو صندله، الوجه الأوّل بـ "البويا" والوجه الثاني بـ "الكيوي". ثم يأتي دور التلميع، أولاً بالفرشاة وثانيًا بقطعة قماش مخملية. يتبارون ويتباهون بمدى لمعان الحذاء! ذلك لأنَّ طابور التفتيش ينتظرهم.
عند سماع الصفّارة ينتظم الجميع في الطابور، كلٌّ ينتعل صندله ويضعُ حذاءه أمامه، أو بالعكس. يقوم الأستاذ المناوب باستعراض الأحذية والصنادل. تارة يمر من أمام الطلبة، وطورًا من خلفهم. والويل للمخادع الذي اهتم بمسح مقدمة الحذاء وأهمل خلفيته! يدفعه المفتّش بعنف من الخلف، خارج الطابور، فلو سلم من الوقوع لم يسلم من تهكّم الآخرين...
لم تُسمَع صفارة طابور التفتيش ذات سبت، على غير عادة. انتهينا من مسح الأحذية وانتظرنا.. وانتظرنا.. وبعد لأي قيل لنا أن الطابور لن يُعقَد نظرًا لانشغال الإدارة باستقبال الحماية للمدرسة. حماية؟ لم أفهم في البدء شيئًا. لكن حين شاهدتُ الضيوف القادمين يحملون البنادق وينتشرون فوق الأسوار وعلى السطوح، أدركت أننا ندخل في مرحلة فيها من الخطورة ما فيها.
تسارَعَتْ بعدها الأحداث. تسارعت بشكل أعجزني عن استيعابها. الطلاب البالغون يتحلّقون في حلقات. يتناقشون، يتجادلون... أسمعُ عبارات واصطلاحات وأسماء غير مألوفة: المقاومة الشعبية، جيش الإنقاذ، المجاهدون، المتطوعون، الجيوش العربية، مستعمرة كفار هحوريش، العصابات الصهيونية، الهجناه... لم أستطع أن أدرك ما يدور حولي، ولم أستطع الربط بين الأشياء.
وذات مساء من شهر نيسان 1948، شاهدنا من على مرتفعات شنلّر، أضواء ألعاب نارية تخترق الجو، وسمعنا أزيز طلقات الرصاص. هرعتُ كزملائي إلى بقعة مشرفة على المدينة. حسبت لسذاجتي أن المدينة تحتفل بحدثٍ سار، بعيدٍ ما، بنصرٍ ما... سألتُ وتساءلت.. وجاءني الجواب:
- استشهدَ القائد عبد القادر الحسيني.
- شو يعني استشهد؟
- يعني قُتل وهو يدافع عن الوطن.
هنا أيضًا لم أفهم... لم أفهم لماذا يحتفل الناس بالموت... كان ذلك فوق إدراكي...
ومرّت الأيام... وتسارعت الأحداث... تسارعت وأعجزتني.. تسارعت حتى وصل الأمر بمدير المدرسة إلى اعتلاء تلك المنصّة ليتمكّن جميع الطلاب من مشاهدته وسماعه جيدًا!
هرع التلامذة إلى جمع حوائجهم لمغادرة المدرسة فورًا بموجب توجيهات المدير. وأنا، طفل لم أبلغ الثامنة من عمري بعد، لا أجيدُ ضبَّ أغراضي وترتيبها، ولا أقوى على حمل ذلك الصندوق الخشبي من مرتفعات "شنلر" إلى ساحة الكراجات في الناصرة. ارتبكت واحترت وانتابني شعور بالإحباط والكآبة، ولم ينبرِ لنجدتي من ورطتي هذه سوى الطالب الشفاعمري نعوم. بسطَ هذا على الأرض ملحفة، ثمَّ أفرغ عليها محتويات الصندوق، ومضى إلى مخزن ثياب الطلبة فأحضر كل الثياب التي تحمل رقمي "18"، ووضعها فوق الكومة، وقام بربط أطراف الملحفة لتصبح صرّةً ضخمة تفوقني حجمًا ووزنًا!
حملت صرَّتي، وسلكتُ طريقي إلى ساحة الكراجات، وأنا أنوء بحملي الثقيل، ولكني أكادُ أطير من الفرح لأني سأرتاحُ عمّا قريب على صدر أمي.
وما إن وصلتُ موقف باصات حيفا، حتى كانت الصرةُ قد فقدت نصف وزنها... إذ لم يكن ربطُها محكمًا بما يكفي، فسقط منها في الطريق ما سقط، جمعتُ منه ما انتبهتُ إليه وضاع منه ما فاتني.
في موقف الباصات صعدتُ إلى حافلة كانت تقف في المكان المعد للسفر إلى حيفا. أخرجتُ من جيبي مبلغًا مما كانت قد أودعته أمي لدى أمين صندوق المدرسة، وقلت للسائق: إلى حيفا.
قال: ما فيش سفر إلى حيفا. حيفا سقطت بيد اليهود.
قلت: لكن أمي في حيفا. بدّي أروح عند أمي.
نهض السائق من مكانه، أمسك بيدي وأنزلني من الحافلة. وضع يديه فوق كتفيَّ وانحنى حتى كاد وجهه يلامس وجهي، وسألني إن كان لي أقارب في الناصرة، قلت لا. قال: في الرينة؟ قلت لا. قال في طرعان؟ قلت لا. قال: في كفركنّا؟ قلت لا، وأنا أحاول أن أكبح جماح مرارتي واكتئابي، لكني ما لبثت أن أجهشت بالبكاء...
في هذه الأثناء، وصل إلى المحطة الطالب نعوم قاصدًا العودة إلى أهله في شفاعمرو. وإذ علم أن لا حيلة لي بالسفر إلى حيفا، قال للسائق: آخذه معي إلى شفاعمرو، فأخته جارة لنا، تسكن قبالة بيتنا في شفاعمرو. ثم أمسك بيدي، وتوجهنا نحو الحافلة المسافرة إلى شفاعمرو.
لم أكن أعلم أن ثانية أخواتي التي تزوّجت من مدة قريبة تسكن شفاعمرو. أذكر أن المرحوم عمّي، جبران فرح، فاجأني ذات يوم في المدرسة، على غير عادة، وبعد أن اعتنى بلباسي وهندامي، ساقني معه إلى حيفا حيث حضرت حفلة الزفاف، وكان ذلك - كما علمت لاحقًا - ليلة صدور قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 29 تشرين الثاني عام 1947. وبعدها فورًا أعادوني إلى المدرسة الداخلية، مع عائلة قررت النزوح عن المدينة إلى الناصرة تحسبًا واحتياطًا لما قد تحمله الأيام القادمة في حيفا من أخطار. كانت تلك العائلة الطيبة تسكن جوار بيتنا في حيفا، وحالها تشبه حال عائلتي إلى حد بعيد، فربة العائلة - أم فؤاد منصور - أرملة أيضًا، لها من الأولاد ستة، ثلاث بنات وثلاثة صبيان. تزوجت كبرى البنات من شاب ميسور من الناصرة يدعى أسعد كردوش، فبعث هذا بسيارة وشاحنة لنقل العائلة والأثاث اللازم. ولما لم يكن لي مكان في السيارة التي أقلَّت العائلة، ولا بجوار سائق الشاحنة، أصعدوني إلى صندوق الشاحنة فوق الأثاث والفراش. وأذكر أن السائق لم يسلك الطريق المألوف للناصرة، بل سلك طريق شفاعمرو مرورًا بالمستوطنة اليهودية كفريتا (كفار آتا). هنا استوقفنا مسلحون من اليهود بلباس عسكري، وقاموا بتفتيش الشاحنة بدقة قبل أن يسمحوا لنا بمتابعة السفر. وأذكر أني مكثتُ في ضيافة السيد كردوش في الناصرة يومين أو ثلاثة قبل عودتي إلى المدرسة.
***
وصلنا شفاعمرو، وترجلنا من الحافلة في ساحة "باب الدير"، وكانت أخبارنا قد سبقتنا إليها. كيف؟ لا أدري. ففي طريقي إلى بيت شقيقتي لمحتُ أخي فريد مهرولاً نحوي. علمتُ في ما بعد أن عائلتي نزحت هي الأخرى عن حيفا هربًا من أخطار الحرب.
وكانت فرحة العائلة بلقائي لا تقل عن فرحتي بلقائها.
لكني لا أذكر التواريخ الدقيقة. وكيف لي أن أذكر التواريخ بدقةٍ ولم أكن، عندئذ، قد تجاوزت الثامنة من عمري.
أذكر الأحداث والمكان والكلام... أما الزمان فهو طفولتي المتعثرة بالأقدار القاسية.
المدير سليم، ربما كان اسمه الكامل سليم نصر، يجمع الطلاب في الساحة الكبرى، خارج أسوار "دار الأيتام السورية" في الناصرة، المعروفة بمدرسة "شنلر".
المدير يقف فوق منصة، ربما أعدّت لهذه الغاية، ليتمكن جميع الطلاب، بضع مئات، من مشاهدته وسماعه جيدًا:
- أيها الطلاب الأعزاء، نظرًا لما آلت إليه الحال، فقد قررت إدارة المدرسة تسريح الطلاب ليكونوا برعاية أهلهم وذويهم في مثل هذه الأوضاع العصيبة. على الجميع الاستعداد لمغادرة المدرسة في أقرب وقت اعتبارًا من الساعة هذه، ولأجل غير مسمّى. نرجو أن لا يكون ذلك لمدة طويلة. ستقوم إدارة المدرسة بتبليغ الطلاب خطيًا عند استقرار الوضع.
***
كنت جنينًا في رحم أمي حين لاقى والدي، المرحوم جريس فرح، حتفه إثر انفجار عبوة ناسفة، من تدبير المنظمات الصهيونية في سوق الخضار في مدينة حيفا، مخلفًا وراءه أرملة حاملا وخمسة أطفال، بِكرُهُم طفلةٌ لم تتجاوز التاسعة. لذا عند ولادتي دُعيتُ باسم المرحوم والدي "جريس" ثم تمَّ تحريفه إلى جورج في موعد لاحق.
ولم يكن لأمي مِن خيار، بعد أن ولدتني واحتضنتني في شهور عمري الأولى، سوى مواجهة قدرها وخوض غمار الكدح والعمل لتوفير لقمة العيش لأولادها...
أصبحتُ في عهدة أختي الكبرى، التي كان عليها أن تتقمَّصَ دورَ الأم والحاضنة، وتتخلّى عن طفولتها ونعومةِ أظفارها لترعاني، بينما كان أخي واثنتان من أخواتي في عهدة المدارس الداخلية.
وإذ بلغتُ السادسة من عمري أو كِدتُ، تزّوَجَتْ أختي الكبرى ولمّا تَبلُغ الرابعةَ عشرة من عمرها، وحظيَتْ أمي بعملٍ في إحدى العيادات الطبية، ضَمِنَ لها المسكِنَ والمعاشَ المناسب، شريطة التفرّغ لعملها طيلةَ ساعات النهار. فلم يكن بدٌّ من إدخالي أنا أيضًا إلى مدرسة داخلية. وهكذا وجدت نفسي في دار الأيتام السورية "شنلر" في الناصرة.
ما زلتُ أذكر ذلك اليومَ الأول... لم أفهم لماذا تخلّتْ عني أمي، فتركتني واستقلَّتْ تلك السيارةَ السوداء التي توارتْ تدريجيًا عن الأنظار مثيرةً خلفها غبارًا كلسيًا...
وقفتُ إلى جانب صندوقي الخشبي - صندوق ينوب منابَ حقيبة - له قفلٌ ومفتاح، كان على كل طالب داخلي أن يحضر مثله ليحفظ فيه حاجياته الخاصة. وقفتُ وبكيت...
بكيتُ كما لم أبكِ من قبل، ولا من بعد... ولعلّي لم أكفّ عن البكاء أيامًا طويلة...
***
المعلمة سلوى تنادي: ورطوار!
ورطوار هذا رجل ضخم، من أصل أرمني، يعمل في صيانة مباني المدرسة إلى جانب كونه مزارعًا مسؤولاً عن بساتين المدرسة وحقولها الواسعة.
يحمل ورطوار صندوقي الخشبي ويقودني إلى مخزن كبير، تغصُّ الرفوفُ الخشبية فيه، كما تغصُّ أرضيته، بالصناديق الخشبية التابعة للطلبة. ورطوار يبحث عن مكان ليحشو فيه صندوقي. يضطر إلى إعادة ترتيب بعض الصناديق على الأرض لإفساح المكان لصندوقي.
- هون محلَّك يا حبيبي. مَعك مفتاح؟
أخرجت المفتاح من جيبي وأعطيته له، فأخرجَ من جيبه خيطًا من "القيطان" أدخله في ثقبِ المفتاح وأحكمَ ربطَ طرفيه، ثم وضعهُ حول عنقي قائلاً:
- دير بالك على المفتاح يا حبيبي. خليّه في رقبتك. إذا ضاع المفتاح لازم نخلع الصندوق.
ثم أمسك بيدي وقادني إلى ساحة المدرسة الداخلية، التي تحيط بها الأسوار والمباني من كل جانب، فتشعر بأنك داخل مُعتقلٍ فسيح، لولا كون البوابة الكبيرة الخضراء مفتوحة على مصراعيها.
انزويتُ في ركنٍ من الساحة، أتأملُ مباني المدرسة... وأبكي...
مباني المدرسة ضخمة. سقوفها من القرميد. لم أرَ من قبل أسقفًا قرميدية بهذه الضخامة.
لا أذكر كم من الوقت قضيتُ على هذا الحال، لكنَّ الشمسَ كانت قد أوشكت على المغيب حين اقترب مني الأستاذ بديع وبرفقته أحد الطلبة البالغين، وقال:
- لا تبكي يا حبيبي، بكرة بتتعوّد وبتصير تحب المدرسة.
ثم قدّم إلي َّ الطالب البالغ وهو يقول:
- هادا الشاب أبوك من اليوم. أسمه فرح. أنت اسمك جريس فرح، وهاي أعطيناك أبو اسمه فرح.
كان من عادة إدارة المدرسة أن تعيّن لكل طالبٍ قاصر وصيًّا من الطلاب البالغين، ليهتم به ويرعاه، يساعده في دروسه، في المحافظة على نظافته، وفي كتابة الرسائل إلى الأهل.
أذكر أني لم أتقبَّل هذا الأب المعيَّن والمفروض عليَّ. ثم أني لم أعتد أن أكون ابنًا لأب. فمن أين جاءني هذا الأب الآن؟ ولم يكن ذلك الإنسان المدعو فرح مدعاةً للفرح أبدًا. كان دائم التقطيب والعبوس، في كلامه نبرة آمرة تجعلك ترتعد وتنفر. ولكني رضيت مغلوبًا على أمري، فهذا نظام المدرسة وقانونها، وأنا بحاجة إلي كبير يأخذ بيدي وألجأ إليه. ودَدْتُ لو كان أبي طالبٌ آخر. لكني لم أكن قادرًا على الاختيار، فالأمر ليس بيدي، ثم أني لا أعرف أحدًا في هذا المنفى... فكيف لي أن أختار؟
أخذني المدعو أبي إلى غرفة النوم. لا.. لم تكن تلك غرفة عادية. كانت عبارة عن قاعة كبيرة، في الطابق الأرضي، تحُدُّ ساحة المدرسة الداخلية، سقفها من القرميد، رُتبت فيها عشرات الأسرَّة في صفوف طولاً وعرضًا. والسرير عبارة عن دعامتين من الحديد تعلوهما ألواحٌ خشبية. فوقَ كل سرير فرشة محشوة بالقش يكسوها غطاء "شرشف" أبيض. في رأس السرير وسادة وفي آخره بطانية مطوية.
سرنا بين الأسرة حتى توقّف ألأب المزعوم إلى جانب أحد الأسرة وقال:
- هادا هو تختك. لازم كل يوم الصبح تطوي الحرام هيك، وتحطه مثل ما أنت شايف. ولازم تطوي بيجامتك وتحطها تحت المخدّة. يا ويلك إذا تركت تختك مخربش!
كانت تلك فاتحة علاقتي الدائمة التوتر بالأب المفروض عليَّ...
مضت الأيام... واعتدتُ على احتمال ما يصعبُ احتماله على طفلٍ غضّ في مثل سني.
كما اعتدت استعمال اللوح الحجري والقلم الحجري. وهو ما كان ينوب مناب الدفتر وقلم الرصاص لطلاب الصفوف الدنيا. لا أدري من أي مادة صُنعت تلك الألواح والأقلام، ولكنها كانت من مادة صلبة سوداء اللون، بحجم الدفتر. لكل طالب لوحه الخاص يضعه في بيت كتبه، ويستعمله في الفصل للنسخ والخطّ وتمارين الحساب. فإذا كتبت شيئًا بذلك القلم الدقيق على صفحة اللوح الحجري حصلت على كتابة بيضاء، بياض الطباشير، واضحة قابلة للمحو بمجرّد مسحها باليد أو بشيء ما.
أما البرنامج الدراسي، فالحق يقال إنه كان متنوعًا، شاملاً، وافيًا ومشوّقًا. ورغم أني قد تنقلتُ بين العديد من المدارس لاحقًا، إلا أني لم أجد في أي منها ما وجدته في دار الأيتام السورية من المناهج، ولا أظن أني سأجد. فاعتبارًا من الصف الأول الابتدائي كانت إدارة المدرسة تعتني بطلابها في كافة المجالات: الدراسة التقليدية - اللغة العربية، الإنجليزية، الحساب، التاريخ والجغرافيا وعلوم الطبيعة ألخ... ولكن إلى جانب ذلك كانت العناية بالرياضة والموسيقى والرسم والخط تستحوذ على اهتمام عظيم. وكان للمدرسة فريق رياضي ذائع الصيت. كما كانت لها فرقة كشافة على المستوى المرموق.
***
المراحيض ودور الحمام في الجانب المقابل من الساحة المحاذية لغرف النوم. فإذا احتجت قضاء حاجة في الليل، كان عليك أن تجتاز عرضَ تلك الساحة، التي تضاهي ملعب الكرة، لتصل حيث تريد. كانت تلك مهمة رهيبة على طفلٍ في مثل سني، وكثيرًا ما كنت ألجأ، كما كان أجيالي - رغم كوني أصغر طلاب المدرسة سنًا - إلى إيقاظ من يرافقني ليؤنسني في تلك الرحلة الرهيبة في الليالي الدامسة أو الماطرة.
وذات ليل لم يشأ أحد من أترابي أن يرافقني، فمضيت إلى سرير أبي المفروض، أوقظه وأتوسّل إليه.
- شو بتقول؟ خايف؟ من شو خايف؟
- الدنيا عتمة... بخاف أروح لحالي...
فما كان منه إلا أن صفعني صفعة جعلتني أقضي حاجتي في مكاني.
وكان العقاب على ذلك الحرمان من "أحد البلد"...
"أحد البلد" يقع في يوم الأحد الأول ويوم الأحد الثالث من كل شهر. كان يُسمح للطلاب، بعد حضور القداس في الكنيسة الإنجيلية في الناصرة، أن يقضوا يوم الأحد في المدينة، يزورون أقرباءهم، يتنزهون أو يتسوّقون. لم يكن لي في الناصرة آنذاك أقارب. كان لوالدتي معارف أفاضل من آل رزق، اعتادت أن ترسل لي بواسطتهم ما يعوزني. فكنت أعرّج عليهم في طريقي إلى الكنيسة كل أحد لأسأل إن كان قد وصلني شيء لآخذه. وكانت والدتي، أطال الله عمرها، تُوْدِعُ لدى إدارة المدرسة مبلغًا زهيدًا من المال أقتَضِبُ منه يوم "أحد البلد" مبلغًا أشتري به ما أشتهي من الحَلوى أو البذورات أو اللبان.
اللبان... ما زلت أذكر بائع اللبان المتجوّل... ذلك الفتى الأسمر الذي يجوب ساحة الكراج في الناصرة، يدلّل على اللبان بنغمته المحببة وبصوته الرنّان:
بقرش باكيت اللبان، إنجليزي أصلي هاي اللبان!
كنت أحب يوم "أحد البلد" وأتوق إليه كما يتوق المأسور إلى يوم من الحرية. وكانت السيدة رزق تستقبلني بغاية اللطف، تقبلني، تقدم لي الشراب البارد، تعطيني ما بعثت به والدتي، لكنها لم تسألني في يوم من الأيام عن مدرستي وعن أحوالي. ولست أدري، لو كانت سألت، هل كنت أجرؤ في ذلك الوقت أن أقول لها كل شيء؟
مساء أيام الآحاد، غير آحاد البلد، كان الطلاب يجتمعون في غرفة الطعام، في الطابق الثاني من بناء ذي طابقين. الطابق الأول يشمل مخزن الصناديق، غرفة نوم الصغار وفرن المدرسة، والطابق الثاني يشمل غرفة نوم الكبار وغرفة الطعام. وهما أيضًا قاعتان كبيرتان مسقوفتان بالقرميد.
يجتمع الطلاب في غرفة الطعام، يُخَصَّص وقتٌ لكتابة الرسائل إلى الأهل والأقارب.
لا أذكر أن المدعو "أبي" ساعدني يومًا في كتابة رسالة إلى والدتي.
كانت غرفة الطعام أيضًا ساحة للفعاليات التربوية والترفيهية والاحتفال بالأعياد. ما زلت أذكر ذلك الطالب الشفاعمري، المرحوم نعّوم، نجم هذه المناسبات. كم كان يثير ضحكنا وإعجابنا... كان نعّوم أكبر مني سنًا، وكنت أعتمد عليه في مراسلة الأهل.
وكانت غرفة الطعام نفسها ورشة عمل دائم. فيها نقوم بتحضير الواجبات المدرسية، وفيها نقوم بتنقية العدس... آه العدس ...وهل أنسى العدس؟ كان هذا عماد قوتنا وغذائنا. ولن أنسى أيضًا مرقة البندورة بالأرز، والشاي الغريب الداكن المصنوع من ذرّات سوداء كذرّات الخردل، والمُحلّى بالسكّر الأحمر - لم أصادف شايًا مثله حتى اليوم.
لم تكن تنقية العدس شغلنا الوحيد. فقد عملنا أيضًا بالزراعة. أحاطت بالمدرسة مساحات شاسعة من الحقول والبساتين. فكنا نعمل بالتعشيب تارة، وبجمع المحصول تارة أخرى. كما عمل الكبار منّا بالحرث والغرس والزرع. وكانت للمدرسة مزرعة دواجن: طيور وأبقار. وكان ورطوار الأرمني، ذو القلب الطيب والصدر الرحب، يدير دفة العمل بمنتهى الدراية والإتقان.
***
كانت المنطقة المحيطة بالمدرسة مليئة بالأحراش والبساتين والحقول. فكانت مرتعًا لبنات آوى والضباع والذئاب وغيرها من الحيوانات. وكان ورطوار يعدُّ الفخاخ والشراك والحفر ليوقع بهذه الحيوانات حماية للمزروعات والدواجن.
وذات يوم، خطرت لورطوار فكرة جهنمية... الحُفَرُ المجرّدة لا تكفي، فبعض الحيوانات تتمكن من الإفلات بعد أن تقع فيها. قرر ورطوار أن يضع الجمر في قعر الحُفَر، فإذا وقع فيها حيوان اكتوى بالنار قبل أن يستطيع الإفلات...
نفّذَ ورطوار ما تهيأَ له، فوضع الجمر، الذي جاء به من فرن المدرسة، في قعر الحُفَر، ثم غطّى الحُفَرَ بالعيدان الرفيعة، وكساها بغشاء رقيق من الطين وبعثر فوقها التراب، تاركًا لها منفس هواء يساعد على بقاء اشتعال الجمر.
لا أدري كيف لم يلفت ورطوار انتباه الإدارة إلى ما فعل، وهو الذي لا تفوته فائتة.
خلاصة القول أن هذه الحُفَر الجَمرية لم يقع فيها سواي .. اكتوَتْ رجلاي من الكفَّتين حتى الكعبين، وتم نقلي على الفور إلى المستشفى الإنجليزي المجاور، حيث تلقيتُ العلاج حتى تماثلتُ إلى الشفاء.
كان يحلو لنا قضاء أوقات الفراغ بالتنزه في تلك المناطق الشاسعة الجميلة المحيطة بالمدرسة في أيام الربيع، نلتقط البقول البرية كالشّومر والقرصعنّة والسنيرية وغيرها، فإذا بلغ بنا العطش مبلغًا، لجأنا إلى غبّ المياه- مياه المطر طبعًا- من تجويفات الصخور!
***
كان يوم السبت يوم الترتيب والنظافة، وبضمنها قصُّ الشعر والحمّام ومسح الأحذية وتلميعها. يأتي الحلاق إلى المدرسة، فيتناوب الطلاب كرسي الحلاقة، واحدًا إثر واحد، يجلس الفردُ والشعر يكسو رأسه لينهضَ حليق الرأس تمامًا. فإذا اكتشف الحلاق إصابة مرضية في جلدة الرأس، كالفطريات أو سواها، لجأ إلى الحلاقة بالموسى، ودَهَنَ الرأسَ باليود والعقاقير... فالحلاّق هو أيضًا الطبيب المختص بالأمراض الجلدية! وكثيرًا ما كان الخبّاز يقوم بمعاونة الحلاّق في مهمته هذه. وخبّاز المدرسة رجل لطيف، نحيف الجسم، معتدل القامة، هادئ الطباع، أذكر أن كان له ولدان من طلاب المدرسة، ولكني نسيت أسماءهم جميعًا.
أما الحمَّامات فكانت على غرار الحمامات الموجودة اليوم في الشواطئ العامة للسباحة. غير أنه اقتصادًا للماء، كان لكل طالب وعاء، عبارة عن "طشط" من الألومينيوم، يملؤه بالماء مرةً للتلييف بالصابون، وأخرى لشطف الصابون عن جسمه. وكان هذا "الطشط" يُحفظ تحت السرير ويُستخدَم كل صباح للحصول على قسط الماء اللازم لغسل الوجه واليدين. كان الطلاب يملؤون "أطشاطهم" بالماء ثم يحملونها إلى الساحة حيث يغسلون الوجه والرأس واليدين، وبعدها يعاد "الطشط" إلى مكانه تحت السرير.
قبل الاستحمام، كنا ننتظم بالصف، أمام المغسلة وغرف الثياب، حسب أرقامنا - لكل طالب رقم خاص يجب أن يكتَب على كل قطعة ثياب له، إن كانت داخلية أو خارجية- ننتظم في الصف ليستلم كل طالب ما يلزمه من الثياب النظيفة والغيارات ليقضي بها أسبوعًا كاملاً، حتى موعد الاستحمام القادم! وكانت ثيابي تحمل الرقم 18، وكانت أختي الثانية "نجمة" تهتم في مطلع كل عام دراسي "بتطريز" هذا الرقم على كل قطعة من ثيابي.
لدى الخروج من الحمام، يعترضك مراقب النظافة. يستوقفك. يتفرّس في أذنيكَ، في منخريك وفي عنقك. يمدُّ يده إلى صدركَ ويفركه بإبهامه بشدة. فإذا أجدى الفركُ فتيلاً، وجبَ عليكَ العودة للاستحمام من جديد! كان هذا العقاب يعتبر في غاية القسوة، خاصة في فصل الشتاء، فمنطقة شنلّر شهيرة ببردها القارص الذي ترتعد منه الفرائص.
ساعة مسح الأحذية ينتشر الطلبة في ساحات المدرسة - خارج الأسوار - متفيئين بالأسوار أو بالأشجار، كلٌ ينهمك بمسح حذائه أو صندله، الوجه الأوّل بـ "البويا" والوجه الثاني بـ "الكيوي". ثم يأتي دور التلميع، أولاً بالفرشاة وثانيًا بقطعة قماش مخملية. يتبارون ويتباهون بمدى لمعان الحذاء! ذلك لأنَّ طابور التفتيش ينتظرهم.
عند سماع الصفّارة ينتظم الجميع في الطابور، كلٌّ ينتعل صندله ويضعُ حذاءه أمامه، أو بالعكس. يقوم الأستاذ المناوب باستعراض الأحذية والصنادل. تارة يمر من أمام الطلبة، وطورًا من خلفهم. والويل للمخادع الذي اهتم بمسح مقدمة الحذاء وأهمل خلفيته! يدفعه المفتّش بعنف من الخلف، خارج الطابور، فلو سلم من الوقوع لم يسلم من تهكّم الآخرين...
لم تُسمَع صفارة طابور التفتيش ذات سبت، على غير عادة. انتهينا من مسح الأحذية وانتظرنا.. وانتظرنا.. وبعد لأي قيل لنا أن الطابور لن يُعقَد نظرًا لانشغال الإدارة باستقبال الحماية للمدرسة. حماية؟ لم أفهم في البدء شيئًا. لكن حين شاهدتُ الضيوف القادمين يحملون البنادق وينتشرون فوق الأسوار وعلى السطوح، أدركت أننا ندخل في مرحلة فيها من الخطورة ما فيها.
تسارَعَتْ بعدها الأحداث. تسارعت بشكل أعجزني عن استيعابها. الطلاب البالغون يتحلّقون في حلقات. يتناقشون، يتجادلون... أسمعُ عبارات واصطلاحات وأسماء غير مألوفة: المقاومة الشعبية، جيش الإنقاذ، المجاهدون، المتطوعون، الجيوش العربية، مستعمرة كفار هحوريش، العصابات الصهيونية، الهجناه... لم أستطع أن أدرك ما يدور حولي، ولم أستطع الربط بين الأشياء.
وذات مساء من شهر نيسان 1948، شاهدنا من على مرتفعات شنلّر، أضواء ألعاب نارية تخترق الجو، وسمعنا أزيز طلقات الرصاص. هرعتُ كزملائي إلى بقعة مشرفة على المدينة. حسبت لسذاجتي أن المدينة تحتفل بحدثٍ سار، بعيدٍ ما، بنصرٍ ما... سألتُ وتساءلت.. وجاءني الجواب:
- استشهدَ القائد عبد القادر الحسيني.
- شو يعني استشهد؟
- يعني قُتل وهو يدافع عن الوطن.
هنا أيضًا لم أفهم... لم أفهم لماذا يحتفل الناس بالموت... كان ذلك فوق إدراكي...
ومرّت الأيام... وتسارعت الأحداث... تسارعت وأعجزتني.. تسارعت حتى وصل الأمر بمدير المدرسة إلى اعتلاء تلك المنصّة ليتمكّن جميع الطلاب من مشاهدته وسماعه جيدًا!
هرع التلامذة إلى جمع حوائجهم لمغادرة المدرسة فورًا بموجب توجيهات المدير. وأنا، طفل لم أبلغ الثامنة من عمري بعد، لا أجيدُ ضبَّ أغراضي وترتيبها، ولا أقوى على حمل ذلك الصندوق الخشبي من مرتفعات "شنلر" إلى ساحة الكراجات في الناصرة. ارتبكت واحترت وانتابني شعور بالإحباط والكآبة، ولم ينبرِ لنجدتي من ورطتي هذه سوى الطالب الشفاعمري نعوم. بسطَ هذا على الأرض ملحفة، ثمَّ أفرغ عليها محتويات الصندوق، ومضى إلى مخزن ثياب الطلبة فأحضر كل الثياب التي تحمل رقمي "18"، ووضعها فوق الكومة، وقام بربط أطراف الملحفة لتصبح صرّةً ضخمة تفوقني حجمًا ووزنًا!
حملت صرَّتي، وسلكتُ طريقي إلى ساحة الكراجات، وأنا أنوء بحملي الثقيل، ولكني أكادُ أطير من الفرح لأني سأرتاحُ عمّا قريب على صدر أمي.
وما إن وصلتُ موقف باصات حيفا، حتى كانت الصرةُ قد فقدت نصف وزنها... إذ لم يكن ربطُها محكمًا بما يكفي، فسقط منها في الطريق ما سقط، جمعتُ منه ما انتبهتُ إليه وضاع منه ما فاتني.
في موقف الباصات صعدتُ إلى حافلة كانت تقف في المكان المعد للسفر إلى حيفا. أخرجتُ من جيبي مبلغًا مما كانت قد أودعته أمي لدى أمين صندوق المدرسة، وقلت للسائق: إلى حيفا.
قال: ما فيش سفر إلى حيفا. حيفا سقطت بيد اليهود.
قلت: لكن أمي في حيفا. بدّي أروح عند أمي.
نهض السائق من مكانه، أمسك بيدي وأنزلني من الحافلة. وضع يديه فوق كتفيَّ وانحنى حتى كاد وجهه يلامس وجهي، وسألني إن كان لي أقارب في الناصرة، قلت لا. قال: في الرينة؟ قلت لا. قال في طرعان؟ قلت لا. قال: في كفركنّا؟ قلت لا، وأنا أحاول أن أكبح جماح مرارتي واكتئابي، لكني ما لبثت أن أجهشت بالبكاء...
في هذه الأثناء، وصل إلى المحطة الطالب نعوم قاصدًا العودة إلى أهله في شفاعمرو. وإذ علم أن لا حيلة لي بالسفر إلى حيفا، قال للسائق: آخذه معي إلى شفاعمرو، فأخته جارة لنا، تسكن قبالة بيتنا في شفاعمرو. ثم أمسك بيدي، وتوجهنا نحو الحافلة المسافرة إلى شفاعمرو.
لم أكن أعلم أن ثانية أخواتي التي تزوّجت من مدة قريبة تسكن شفاعمرو. أذكر أن المرحوم عمّي، جبران فرح، فاجأني ذات يوم في المدرسة، على غير عادة، وبعد أن اعتنى بلباسي وهندامي، ساقني معه إلى حيفا حيث حضرت حفلة الزفاف، وكان ذلك - كما علمت لاحقًا - ليلة صدور قرار تقسيم فلسطين في الجمعية العامة للأمم المتحدة، في 29 تشرين الثاني عام 1947. وبعدها فورًا أعادوني إلى المدرسة الداخلية، مع عائلة قررت النزوح عن المدينة إلى الناصرة تحسبًا واحتياطًا لما قد تحمله الأيام القادمة في حيفا من أخطار. كانت تلك العائلة الطيبة تسكن جوار بيتنا في حيفا، وحالها تشبه حال عائلتي إلى حد بعيد، فربة العائلة - أم فؤاد منصور - أرملة أيضًا، لها من الأولاد ستة، ثلاث بنات وثلاثة صبيان. تزوجت كبرى البنات من شاب ميسور من الناصرة يدعى أسعد كردوش، فبعث هذا بسيارة وشاحنة لنقل العائلة والأثاث اللازم. ولما لم يكن لي مكان في السيارة التي أقلَّت العائلة، ولا بجوار سائق الشاحنة، أصعدوني إلى صندوق الشاحنة فوق الأثاث والفراش. وأذكر أن السائق لم يسلك الطريق المألوف للناصرة، بل سلك طريق شفاعمرو مرورًا بالمستوطنة اليهودية كفريتا (كفار آتا). هنا استوقفنا مسلحون من اليهود بلباس عسكري، وقاموا بتفتيش الشاحنة بدقة قبل أن يسمحوا لنا بمتابعة السفر. وأذكر أني مكثتُ في ضيافة السيد كردوش في الناصرة يومين أو ثلاثة قبل عودتي إلى المدرسة.
***
وصلنا شفاعمرو، وترجلنا من الحافلة في ساحة "باب الدير"، وكانت أخبارنا قد سبقتنا إليها. كيف؟ لا أدري. ففي طريقي إلى بيت شقيقتي لمحتُ أخي فريد مهرولاً نحوي. علمتُ في ما بعد أن عائلتي نزحت هي الأخرى عن حيفا هربًا من أخطار الحرب.
وكانت فرحة العائلة بلقائي لا تقل عن فرحتي بلقائها.
الفصل الثاني
اللي عبالو بارد!
[align=right]كانت والدتي متمسكة بعملها ومصدر رزق أولادها، فكانت تعارض فكرة الرحيل عن حيفا رغم كل الصعوبات، وكم حاولت أختها (خالتي)، التي لجأت مع عائلتها إلى بيروت، إقناعها بمرافقتها، لكنها تشبثت برأيها وقاومت فكرة النزوح بكل إصرار وعناد.اللي عبالو بارد!
لم يبق في العيادة الطبية التي عملت فيها والدتي سوى ممرضة واحدة هي المرحومة جورجيت زكّى. بقيت تلك الممرضة الجميلة الطيبة تستقبل المصابين من المواطنين ومن رجال المقاومة الشعبية إلى أن أصيبت برصاص القناصة من شارع شبتاي ليفي المطل على الحي العربي "وادي النسناس". وحسب ما روتهُ والدتي فقد خرجت المرحومة من بيتنا الكائن تحت العيادة لتحضر من بيتها المجاور بعض الضمادات واللفائف - بعد أن فرغت منها العيادة وفرغ بيتنا أيضًا حتى من الملاءات والشراشف - فأصيبت وهي تقطع الشارع إلى الرصيف المقابل. وتضيف والدتي: لقد شاهدتها حين سقطت على الأرض واضعة يدها على خصرها زاحفة نحو بوابة بيتنا... فتحنا لها البوابة فارتمت في ساحة البيت مضرجة بدمائها وما هي إلا دقائق معدودة حتى لفظت الروح.
ربما كان هذا المشهد وبقاء والدتي وحدها بلا حول ولا طول هو ما جعلها تقرر مغادرة حيفا، فتوجهت وبرفقتها أخي فريد وأختي عفاف إلى ميناء حيفا حيث انضموا إلى ألوف المواطنين قاصدين مدينة عكا عن طريق البحر، لقضاء بضعة أيام على أمل العودة بعد هدوء الأحوال. لم يعرف أحد آنذاك أنه يسلك طريقًا باتجاه واحد...
وإذ تعذرت العودة إلى حيفا لم يبق أمام والدتي سوى اللجوء إلى بيت أختي في شفاعمرو، فكان لقائي بها هناك لقاءً رتبته يد القدر...
لم يطل مكوثنا في شفاعمرو، فقد تمكن اليهود من احتلال القرى المجاورة لشفاعمرو، مثل قريتي هوشة والكساير وبات الهجوم على شفاعمرو وشيكًا فاقتنعت والدتي بضرورة اللحاق بأختها في بيروت، خاصة وأن أختي نهى التي تكبرني بسنة واحدة كانت قد وصلت كفرشيما في لبنان ضمن مجموعة من أطفال حيفا كان المطران جاورجيوس حكيم (البطريرك لاحقًا) قد أجلاهم عن المدينة لإبعادهم عن أهوال الحرب.
في طريقنا إلى لبنان، قرب مدينة الناصرة، اصطدمنا بمعارضة رجال المقاومة الشعبية الذين منعونا من متابعة السير، بحجة أن الجيوش العربية في طريقها إلى تحرير فلسطين...!!
لجأنا إلى مدينة الناصرة وبمساعدة أهل الخير حظينا بغرفة في بناية كانت تشغلها دائرة مساحة أراضي فلسطين قبل الحرب، بجوار كنيسة البشارة للروم الأرثوذكس.
كانت البناية حديثة البناء بمحاذاة الشارع العام، ذات طابق واحد، يتوسطها رواق فسيح حين تدخله ترى خمسة أبواب إلى يمينك وخمسة إلى يسارك تودي إلى غرف واسعة شغلتها عشرُ عائلات لجأت من مختلف المدن والقرى المجاورة، كانت عائلتي إحداها.
كان نزوح العائلة من حيفا اضطراريًا ومفاجئًا، فخرجت منها، أسوة بالكثير من العائلات التي نجت بأرواحها، لا تملك من حطام الدنيا سوى ما يكسو الأجساد...
فكان لا بدّ من مصدرٍ دخل يكفينا ذل السؤال...
مضت والدتي إلى تاجر جملة للمشروبات الخفيفة، فاستدانت وحصلت على زجاجات "الكازوز" ... وعلى الثلج من دكان للمثلجات قريب، فملأت دلوين بزجاجات الكازوز وغمرتها بقطع الثلج. حملنا (أخي وأنا) الدلوين ورحنا ندلل على الكازوز البارد في ساحة الكراجات في الناصرة:
- شوَّبَت... اللي عبالو بارد!
****
ذات يوم اكتظّت الساحة بالناس على غير عادة... تهافتت الجماهير من كل صوب... وراحوا ينشدون:
"صهيوني دبّر حالك هجموا الثوار معهم فوزي القاوكجي بيضرب بالنار"
حملنا الدلوين وانتقلنا إلى ساحة عين العذراء لنشهد دخول القائد الأشقر... فوزي بك القاوكجي وجيش الإنقاذ إلى الناصرة...
خرجت الناصرة تستقبل المنقذين بحماس ... وظهر القائد على متن سيارة مكشوفة، يرد التحية ملوحًا بيديه مبتسمًا يبث الأمل والرجاء...
تمركزت قيادة جيش الإنقاذ في بناية المسكوبية التي لم تبعد عن منـزلنا أكثر من مرمى حجر، فتسنى لأخي بطريقة أو بأخرى أن يعمل هناك أجيرًا في تقديم القهوة والشاي والكازوز... وكنت أرافقه أحيانًا لأعود إلى البيت ومعي قليل من السكر والقهوة التي يجود بها علينا ضابط المركز راجيًا إخفاءها عن عيون الناظرة... وفي المركز تعلمتُ إعداد ركوة القهوة!
في الرابع عشر من شهر تموز 1948 سقطت مدينة شفاعمرو، ففر بعض سكانها ووصلوا الناصرة وكان بينهم أقرباء لنا نزلوا عندنا واستقبلتهم والدتي بترحاب وسعة رغم ضائقتنا.
في الخامس من شهر تموز 1948 أصدر الجيش أمرًا بحظر التجول... لم يعرف أحد آنذاك تفسيرًا لذلك الحظر، لكن المواطنين انصاعوا للأمر، فخلت الشوارع من الناس وخيَّم على المدينة صمتُ القبور من الغروب وطوال الليل.
في صباح اليوم التالي 16.7.1948 نهض أخي كعادته، ورغم عدم صدور أي بلاغ بإنهاء الحظر، أصرَّ أن يمضي إلى عمله لتقديم الشاي والقهوة الصباحية كالمعتاد. لكنه ما لبث أن عاد ليقول لنا مأخوذًا بدهشة فائقة:
- المركز خالٍ من الجيش... لا يوجد أحد في المسكوبية!!!
لقد انسحب جيش الإنقاذ تحت جنح الظلام مخلفًا المدينة لقمة سائغة... وسرعان ما انتشر الخبر في المدينة وبدأت ترى الناس يخرجون من بيوتهم تائهين حائرين متسائلين... وما هي إلا ساعات حتى راجَ خبر عن وصول الجيش السوري إلى مشارف الناصرة... مفسرين انسحاب القاوقجي بهدف دخول الجيش السوري... لم تكد تطمئن القلوب حتى سمعنا أزيز الرصاص يلعلع في الأجواء، فخلت الشوارع من جديد وارتفعت في سماء الناصرة رايتان بيضاوان، الأولى فوق مبني البلدية والثانية فوق قبة كنيسة البشارة.[/align]
[align=center]الفصل الثالث
العودة إلى حيفا[/align]
كان استسلام الناصرة ودخول القوات اليهودية إليها بهذه السهولة أمرًا أثار استغرابي أنا الطفل الصغير. فلم تطلق قوات الاحتلال سوى رصاصات معدودة من أسلحة خفيفة، وقع ضحيتها رجل مسكين مختل العقل يلقب بأبي شلاميش، ساقه عدم إدراكه لما يجري حوله إلى حتفه في ساحة عين العذراء قرب منـزلنا آنذاك.
لقد أثارت حفيظتي مذكرات قرأتها مؤخرًا للقائد موشه كرمل الذي احتل الناصرة جاءت فيها أكاذيب وتبجحات ببطولات لا أساس لها من الصحة، إذ قال:
"في السادس عشر من شهر تموز 1948 حوالي الخامسة والنصف مساء، اقتحمت قواتنا مدينة الناصرة عبر النيران الكثيفة القتالة التي انطلقت نحو العدو." ويضيف قائلاً: "في الشوارع موت وجثث ليس لها من يجمعها... تقدّمت وحدة متأهبة نحو الحصن حيث قيادة القاوقجي... وحدة الصاعقة تقتحم الداخل... وصلنا نبأ من مصدر موثوق أن القاوقجي ما زال مختبئًا في المدينة... كان اقتحامنا خاطفًا ومفاجئًا أوقع قواته في حالة من الاضطراب التام.. حاول المحاربون العرب أن يعودوا ليتنظموا لاقتلاعنا من المدينة في الصباح...طلب القاوقجي نجدة وأمر بالثبات والقتال وعدم الاستسلام..."
وكلها أباطيل... فلا قاوقجي ولا جيش إنقاذ ولا محاربين ولا جثث ولا مَن يحزنون! فقد رأيتُ بأم عيني كيف دخلت قوات الاحتلال بطابور زوجي الصف منتظم، يضم الفتيان والفتيات... أجل فتيات في مقتبل العمر ترتدين "الشورت" الأزرق والقمصان الخاكية، وعلى أكتافهن البنادق... ما زلتُ أذكر ذلك المنظر كأنه يمر أمامي الآن، وما زلت أذكر كيف بكى شاب من أقربائي بكاءً مرًا من مرارة الذل والمهانة. دخل الطابور من حي الخانوق مرورًا بحارة الروم وساحة العين إلى مبنى المسكوبية الخالي... حصن القاوقجي!!!
ويتساءل موشه كرمل في مذكراته- وأنا أحتار هل أسمي هذا التساؤل صفاقة أم تغابيًا – فيقول: "لا يعرف أحد كيف ولماذا تحطمت معنويات المحاربين العرب. فخرج القاوقجي في ساعة متأخرة وتسلل معه وبعده محاربوه..."
والحقيقة أن القاوقجي لم يكن في الناصرة إلا يوم دخلها جيش الإنقاذ، ولم يمكث فيها. والحقيقة الثانية أن جيش الإنقاذ كان قد انسحب في عتم الليل في ساعات الصباح الباكرة ولم يشتبك أبدًا مع جيش الاحتلال. والحقيقة الثالثة أن المحتل لم يجد أي مقاومة شعبية لأن سكان الناصرة أدركوا أنهم خُدِعوا وغُرِّرَ بهم، ولأن أفواج اللاجئين الفارين من هول ما شاهدوا في قراهم (مثل قرية صفورية وقرية عيلوط) كانوا عبرة لسكان الناصرة فآثر هؤلاء البقاء فوق أرضهم، فلم تكن لهم حيلة إلى ذلك، وهم العزّل من السلاح، إلا بالاستسلام.
***
بعد أيام من الوجوم والشلل التام، أخذت الحياة تعود إلى طبيعتها تدريجيًا، ففتحت الحوانيت والمتاجر والأكشاك أبوابها، وعاد الباعة المتجولون إلى الشوارع وعدت معهم إلى دلو الكازوز المثلج وقد أضافت والدتي إلى البضاعة صنفًا جديدًا هو السجائر... علبة سجائر أبيعها بالمفرّق... السيجارة بنصف قرش! وبقيتُ على هذه الحال حتى فتحت المدارس في شهر أيلول حين ألحقتني والدتي بمدرسة "الجرينة" في الناصرة في الصف الأول الابتدائي... لم أدرِ لماذا... وقد كان من المفروض أن أدخل الصف الثاني، إذ كنت قد أنهيتُ الصف الأول في دار الأيتام السورية. ربما كان ذلك بسبب انقطاعي عن الدراسة سنة كاملة نتيجة الأحداث وخوفًا من أن أكون قد نسيتُ ما تعلمت... إذن أعدتُ الصف الأول وارتقيتُ إلى الصف الثاني وأذكر أني حصلتُ في نهاية السنة الدراسية الثانية على المرتبة الأولى، فكانت جائزتي قلم حبر سائل فاخر احتفظتُ به مدة طويلة بكل اعتزاز.
في هذه الأثناء اضطررنا إلى إخلاء غرفتنا في دار المساحة، ولا أعرف سبب ذلك، لكني أرجح أن السبب كان احتياج السلطات لها، فانتقلنا للسكن في بيت كانت قد أخلته عائلة كريمة من آل فاهوم، بجانب الجامع الأبيض في سوق الناصرة. (قيل لي إن في هذا البيت سكنت ذات مرة الأديبة الفلسطينية المولد المرحومة مي زيادة.
كانت هذه العائلة الكريمة قد تركت في البيت مكتبة غنية ومن بينها الكثير من كتب الأطفال للمرحوم كامل الكيلاني وغيره، فرحتُ أنهم منها نهمًا. لكن مكوثنا لم يطل هناك فبعد توقيع اتفاقية رودس عام 1949 وبعد محاولات مضنية استطاعت والدتي الحصول على تصريح بالعودة إلى بيتنا في حيفا، وسجَلتني في المدرسة الحكومية لكون التعليم فيها مجانيًا... سألني المدير: في أي صف كنت؟ قلت في الصف الثاني... فقضى أن أعيد الصف الثاني لأني ما زلتُ صغيرًا نسبة لمعدل السن في الصف الثالث. أنهيت في المدرسة الحكومية الصف الثاني وارتقيت فيها إلى الصف الثالث فالرابع الابتدائي الذي فيه بدأنا نتعلم اللغة العبرية بجانب العربية... وتسجّل أخي في الصف الخامس... لكن أخي بعد أن تخرج من الصف السابع استنتج أن المدرسة لا تدرّس الفرنسية ومستوى اللغة الإنجليزية فيها متدنٍ فقرّر أن ينقلني إلى مدرسة الفرير في حيفا، وهنا أيضًا قضى جهلي باللغة الفرنسية أن أعود إلى الصف الثاني الابتدائي لأشق طريقي من جديد...
لم يكن الأمر سهلاً أبدًا... دخلت أجواء غير مألوفة لي. نظام شديد متديّن قاسِ. وبعد أن اعتدت أن أكون أصغر طلاب الصف سنًا، إذ بي أغدو أكبرهم. كانت الفرنسية لغة المدرسة الرسمية التي لم أعرف منها سوى كلمة "Merci" وكان على الطلاب التحدث بالفرنسية في ساحة المدرسة، فإذا نطق احدهم بالعربية ناوله العريف مكعبًا خشبيًا "سينيال" ليحتفظ به مترصدًا زملاءه الآخرين، فإذا نطق أحدهم بكلمة عربية حوّل إليه المكعب. والويل ثم الويل لمن يكون معه هذا المكعب عند دخول الصف، حيث كان العقاب فلقة بالعصا على كفيه عداك عن خصم العلامات! وطبعًا كان مآل ذلك المكعب دائمًا إلي يدي....
توجب علينا حضور القداس كل يوم في السابعة والنصف صباحًا قبل بدء الدروس في الثامنة. كان الفرير جوزيف ينتظر الطالب المتأخر وبيده قضيب الخيزران لينهال على رجليه بالضرب المبرح. وقد أخذتُ نصيبي من الضرب في اليوم الأول... فلم أكن أعلم بوجوب حضور القداس صباحًا، وما إن دخلتُ المدرسة حتى تلقفني وراح يضرب ويتمتم بالفرنسية وأنا لا افقه شيئًا ولا أعرف بأي ذنبٍ أُضرَبُ.
حتى دروس الحساب كانت بالفرنسية... المسائل الحسابية بالفرنسية... فكنت احتاج إلى الاستعانة بزملائي في الصف ليفسروا لي ما هو المطلوب... فإن لمحنى الأستاذ أتحدث إلى زميلي عاقبني بالضرب وبإخراجي من الصف. ومن هنا كرهت الفرنسية والفرنسيين والحساب والمحاسبين... وغدت المدرسة في نظري بؤرة شقاء وعذاب مبين! ولا أدري كيف استطعت مُكرهًا قضاء عامين في هذه المعاناة إلى أن قام المطران جاورجيوس حكيم (البطريرك لاحقًا) بفتح المدرسة الأسقفية للروم الكاثوليك في حيفا وطلب من رعاياه نقل أولادهم إليها، فاستجابت والدتي ونقلتني إلى هناك، فوجدتُني من جديد أقدمُ على الدراسة بكل شغف ومتعة وحماس حتى في الحساب! أما الفرنسية فقد كانت هنا اللغة الرابعة بعد العربية والعبرية والإنجليزية، فتدبرتُ أمري...
في هذه المدرسة وجدتُ كياني واستعدتُ ثقتي بنفسي... وفيها عشقتُ اللغة العربية بفضل مدرّسها المرحوم الأب كيرلس حبيب وفيها كتبت أول أشعاري ولم أكن ملمًا بأصول العروض وبحور الشعر. كان لأخي صديق شاعر هو المرحوم عصام عباسي فعرض عليه أخي تلك القصيدة فأصر أن يزورنا. كان الشاعر عصام عباسي رجلاً لطيفًا طيبًا، أخذ ما كتبته على محمل الجدّ، وراح يشرح لي ويوجّهني وأنا أنهم من توجيهاته نهمًا. ثم أخذ تلك القصيدة بعد تعديلها، ونشرها في مجلة "الأخبار الكنسية" التي كانت تحررها الأديبة نجوى قعوار فرح وكان له باع في تحريرها.
لقد أثارت حفيظتي مذكرات قرأتها مؤخرًا للقائد موشه كرمل الذي احتل الناصرة جاءت فيها أكاذيب وتبجحات ببطولات لا أساس لها من الصحة، إذ قال:
"في السادس عشر من شهر تموز 1948 حوالي الخامسة والنصف مساء، اقتحمت قواتنا مدينة الناصرة عبر النيران الكثيفة القتالة التي انطلقت نحو العدو." ويضيف قائلاً: "في الشوارع موت وجثث ليس لها من يجمعها... تقدّمت وحدة متأهبة نحو الحصن حيث قيادة القاوقجي... وحدة الصاعقة تقتحم الداخل... وصلنا نبأ من مصدر موثوق أن القاوقجي ما زال مختبئًا في المدينة... كان اقتحامنا خاطفًا ومفاجئًا أوقع قواته في حالة من الاضطراب التام.. حاول المحاربون العرب أن يعودوا ليتنظموا لاقتلاعنا من المدينة في الصباح...طلب القاوقجي نجدة وأمر بالثبات والقتال وعدم الاستسلام..."
وكلها أباطيل... فلا قاوقجي ولا جيش إنقاذ ولا محاربين ولا جثث ولا مَن يحزنون! فقد رأيتُ بأم عيني كيف دخلت قوات الاحتلال بطابور زوجي الصف منتظم، يضم الفتيان والفتيات... أجل فتيات في مقتبل العمر ترتدين "الشورت" الأزرق والقمصان الخاكية، وعلى أكتافهن البنادق... ما زلتُ أذكر ذلك المنظر كأنه يمر أمامي الآن، وما زلت أذكر كيف بكى شاب من أقربائي بكاءً مرًا من مرارة الذل والمهانة. دخل الطابور من حي الخانوق مرورًا بحارة الروم وساحة العين إلى مبنى المسكوبية الخالي... حصن القاوقجي!!!
ويتساءل موشه كرمل في مذكراته- وأنا أحتار هل أسمي هذا التساؤل صفاقة أم تغابيًا – فيقول: "لا يعرف أحد كيف ولماذا تحطمت معنويات المحاربين العرب. فخرج القاوقجي في ساعة متأخرة وتسلل معه وبعده محاربوه..."
والحقيقة أن القاوقجي لم يكن في الناصرة إلا يوم دخلها جيش الإنقاذ، ولم يمكث فيها. والحقيقة الثانية أن جيش الإنقاذ كان قد انسحب في عتم الليل في ساعات الصباح الباكرة ولم يشتبك أبدًا مع جيش الاحتلال. والحقيقة الثالثة أن المحتل لم يجد أي مقاومة شعبية لأن سكان الناصرة أدركوا أنهم خُدِعوا وغُرِّرَ بهم، ولأن أفواج اللاجئين الفارين من هول ما شاهدوا في قراهم (مثل قرية صفورية وقرية عيلوط) كانوا عبرة لسكان الناصرة فآثر هؤلاء البقاء فوق أرضهم، فلم تكن لهم حيلة إلى ذلك، وهم العزّل من السلاح، إلا بالاستسلام.
***
بعد أيام من الوجوم والشلل التام، أخذت الحياة تعود إلى طبيعتها تدريجيًا، ففتحت الحوانيت والمتاجر والأكشاك أبوابها، وعاد الباعة المتجولون إلى الشوارع وعدت معهم إلى دلو الكازوز المثلج وقد أضافت والدتي إلى البضاعة صنفًا جديدًا هو السجائر... علبة سجائر أبيعها بالمفرّق... السيجارة بنصف قرش! وبقيتُ على هذه الحال حتى فتحت المدارس في شهر أيلول حين ألحقتني والدتي بمدرسة "الجرينة" في الناصرة في الصف الأول الابتدائي... لم أدرِ لماذا... وقد كان من المفروض أن أدخل الصف الثاني، إذ كنت قد أنهيتُ الصف الأول في دار الأيتام السورية. ربما كان ذلك بسبب انقطاعي عن الدراسة سنة كاملة نتيجة الأحداث وخوفًا من أن أكون قد نسيتُ ما تعلمت... إذن أعدتُ الصف الأول وارتقيتُ إلى الصف الثاني وأذكر أني حصلتُ في نهاية السنة الدراسية الثانية على المرتبة الأولى، فكانت جائزتي قلم حبر سائل فاخر احتفظتُ به مدة طويلة بكل اعتزاز.
في هذه الأثناء اضطررنا إلى إخلاء غرفتنا في دار المساحة، ولا أعرف سبب ذلك، لكني أرجح أن السبب كان احتياج السلطات لها، فانتقلنا للسكن في بيت كانت قد أخلته عائلة كريمة من آل فاهوم، بجانب الجامع الأبيض في سوق الناصرة. (قيل لي إن في هذا البيت سكنت ذات مرة الأديبة الفلسطينية المولد المرحومة مي زيادة.
كانت هذه العائلة الكريمة قد تركت في البيت مكتبة غنية ومن بينها الكثير من كتب الأطفال للمرحوم كامل الكيلاني وغيره، فرحتُ أنهم منها نهمًا. لكن مكوثنا لم يطل هناك فبعد توقيع اتفاقية رودس عام 1949 وبعد محاولات مضنية استطاعت والدتي الحصول على تصريح بالعودة إلى بيتنا في حيفا، وسجَلتني في المدرسة الحكومية لكون التعليم فيها مجانيًا... سألني المدير: في أي صف كنت؟ قلت في الصف الثاني... فقضى أن أعيد الصف الثاني لأني ما زلتُ صغيرًا نسبة لمعدل السن في الصف الثالث. أنهيت في المدرسة الحكومية الصف الثاني وارتقيت فيها إلى الصف الثالث فالرابع الابتدائي الذي فيه بدأنا نتعلم اللغة العبرية بجانب العربية... وتسجّل أخي في الصف الخامس... لكن أخي بعد أن تخرج من الصف السابع استنتج أن المدرسة لا تدرّس الفرنسية ومستوى اللغة الإنجليزية فيها متدنٍ فقرّر أن ينقلني إلى مدرسة الفرير في حيفا، وهنا أيضًا قضى جهلي باللغة الفرنسية أن أعود إلى الصف الثاني الابتدائي لأشق طريقي من جديد...
لم يكن الأمر سهلاً أبدًا... دخلت أجواء غير مألوفة لي. نظام شديد متديّن قاسِ. وبعد أن اعتدت أن أكون أصغر طلاب الصف سنًا، إذ بي أغدو أكبرهم. كانت الفرنسية لغة المدرسة الرسمية التي لم أعرف منها سوى كلمة "Merci" وكان على الطلاب التحدث بالفرنسية في ساحة المدرسة، فإذا نطق احدهم بالعربية ناوله العريف مكعبًا خشبيًا "سينيال" ليحتفظ به مترصدًا زملاءه الآخرين، فإذا نطق أحدهم بكلمة عربية حوّل إليه المكعب. والويل ثم الويل لمن يكون معه هذا المكعب عند دخول الصف، حيث كان العقاب فلقة بالعصا على كفيه عداك عن خصم العلامات! وطبعًا كان مآل ذلك المكعب دائمًا إلي يدي....
توجب علينا حضور القداس كل يوم في السابعة والنصف صباحًا قبل بدء الدروس في الثامنة. كان الفرير جوزيف ينتظر الطالب المتأخر وبيده قضيب الخيزران لينهال على رجليه بالضرب المبرح. وقد أخذتُ نصيبي من الضرب في اليوم الأول... فلم أكن أعلم بوجوب حضور القداس صباحًا، وما إن دخلتُ المدرسة حتى تلقفني وراح يضرب ويتمتم بالفرنسية وأنا لا افقه شيئًا ولا أعرف بأي ذنبٍ أُضرَبُ.
حتى دروس الحساب كانت بالفرنسية... المسائل الحسابية بالفرنسية... فكنت احتاج إلى الاستعانة بزملائي في الصف ليفسروا لي ما هو المطلوب... فإن لمحنى الأستاذ أتحدث إلى زميلي عاقبني بالضرب وبإخراجي من الصف. ومن هنا كرهت الفرنسية والفرنسيين والحساب والمحاسبين... وغدت المدرسة في نظري بؤرة شقاء وعذاب مبين! ولا أدري كيف استطعت مُكرهًا قضاء عامين في هذه المعاناة إلى أن قام المطران جاورجيوس حكيم (البطريرك لاحقًا) بفتح المدرسة الأسقفية للروم الكاثوليك في حيفا وطلب من رعاياه نقل أولادهم إليها، فاستجابت والدتي ونقلتني إلى هناك، فوجدتُني من جديد أقدمُ على الدراسة بكل شغف ومتعة وحماس حتى في الحساب! أما الفرنسية فقد كانت هنا اللغة الرابعة بعد العربية والعبرية والإنجليزية، فتدبرتُ أمري...
في هذه المدرسة وجدتُ كياني واستعدتُ ثقتي بنفسي... وفيها عشقتُ اللغة العربية بفضل مدرّسها المرحوم الأب كيرلس حبيب وفيها كتبت أول أشعاري ولم أكن ملمًا بأصول العروض وبحور الشعر. كان لأخي صديق شاعر هو المرحوم عصام عباسي فعرض عليه أخي تلك القصيدة فأصر أن يزورنا. كان الشاعر عصام عباسي رجلاً لطيفًا طيبًا، أخذ ما كتبته على محمل الجدّ، وراح يشرح لي ويوجّهني وأنا أنهم من توجيهاته نهمًا. ثم أخذ تلك القصيدة بعد تعديلها، ونشرها في مجلة "الأخبار الكنسية" التي كانت تحررها الأديبة نجوى قعوار فرح وكان له باع في تحريرها.
تعليق