حاجز طيار

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أكرم سلمان حسن
    أديب وكاتب
    • 16-10-2008
    • 56

    حاجز طيار

    حاجز طيار

    بقلم: أكرم سلمان حسن ـ أكرم منصورة

    يارا.. ابنة الثالثة.. كانت أول من استيقظ ذاك الصباح.. مشت والأصح أنها رفرفت لأنك حين تشاهدها، تكاد تلمح جناحين أبيضين يبرزان فوق كتفيها، خصلات شعرها الذهبية وعيناها الخضروان تذكرانك بصور الأطفال التي تزين مخادع الصبايا، الحالمات بيوم تعصرهن فيه الأمومة، وتستقطر كل ما يفيض بدواخلهن من حنان ورقة، ابتسامة يارا تخلب لبك وتجعلك تتساءل .. أملاك يسكن عينيها أم ماذا!!؟.

    توجهت إلى غرفة والديها، بهدوء تفتح الباب وتنسل بينهما، و تمرر سبابتها الصغيرة على شعر أبيها.. تصل أذنه وتنسل إلى رقبته، وككل صباح.. متظاهراً بالنوم، يحرك يده إلى مكان المداعبة يهش حشرة طائرة حطت هناك، تضحك يارا بشقاوة وانتصار، وتعيد الكرة ويعود هو إلى صفع مكان الحشرة المفترضة ويدوي صوت الكف على الرقبة، فتنفجر يارا بالضحك، ضحكتها مقطوعة موسيقية لعبتها أنامل عازف بارع، وتنتهي المسرحية الصباحية بعناق وقبلات متبادلة.

    الليلة السابقة حملت ليارا خبراً ساراً (غدا نسافر ونقضي العطلة في القرية) أحلامها انصبت على جدها، يقرفص كي يتسنى لها الصعود والجلوس على سرير كتفيه، تتدلى ساقاها على صدره.. يمسك قدميها الصغيرتين بيد وبالأخرى يسند ظهرها، ويدور بها في أرجاء المنزل قافزا هنا وهناك، لا تمنعه آلام العنق من تقديم هذه المتعة لحفيدته التي تزقزق فرحة، فيزقزق قلبه بالعدوى.

    ـ أيقظي أخاك، كي لا نتأخر.
    يارا لاتحتاج التشجيع كي تفعل، فكل يوم وبعد مسرحيتها الصباحية، تركض لتجذب توأمها من فراشه، مستحثة إياه على السرعة لمشاركتها باللعب، وشادي النعس، يستسلم لسلطتها بلا مقاومة، فهي رفيقته الوحيدة، أما نورما الصغيرة.. التي لا تكف عن البكاء والرضاعة، فلا يعتمد عليها أبداً في اللعب. اليوم تحثه يارا على الإسراع في النهوض مغرية إياه:
    ـ هيا سأخذك معي لرؤية جدو والتاتا، أسرع وإلا أخذت دبدوب وتركتك هنا.
    وشادي يغار من دبدوب.. دميتها المفضلة،لذا يسرع بالوثوب من الفراش.

    بنفس الوقت في لبنان, في كراج مغلق، العمل جار على قدم وساق لإفراغ محتويات صناديق السجائر الأجنبية في المرسيدس السوداء المجردة من مقاعدها الداخلية الوثيرة، كي تتسع لأكبر كمية ممكنة من المهربات، دقائق وتصبح السيارة جاهزة للانطلاق، أيمن يجلس خلف المقود يقرأ الفاتحة على نية التوفيق!! ويحدث نفسه:
    ـ لم أرتعد كأنها المرة الأولى، أبو هيثم هو الضابط المناوب اليوم، وكل سيكون شيء على ما يرام كما جرت العادة.

    شقت السيارة البيجو 504 طريقها بين أحياء دمشق وصولاً إلى الطريق الدولية، الطبيب منذر وراء المقود، والرضيعة نورما غافية في حضن والدتها، يارا وشادي في المقعد الخلفي، وصوت فيروز يصدح بالأغاني المنتقاة بعناية، يبدأ شريط الكاسيت بأغنية.. يارا الجدايلها شقر.. فيهن بيتمرجح عطر.. وينتهي بأغنية أنا وشادي تربينا سوا.. فيفرح الطفلان لسماع اسميهما في هاتين الأغنيتين، لاعتقادهما أنها تغنى لهما فقط .

    في المرسيدس التي تسابق الريح، لا مزاج للموسيقى والأغاني، التوتر سيد الموقف، عينا المهرب أيمن تراقبان الطريق كعيني صقر، فهو لم ينس ما حدث لشقيقه منذ فترة وكيف فاجأه الحاجز الطيار، (وهو حاجز تقيمه القوى الأمنية أحياناً بشكل مفاجئ بعد إخبارية ما.)

    البيجو تتهادى على الطريق خارجة من مدينة حمص بعد استراحة قصيرة أثناء ملء الخزان بالبنزين، و يارا تغني بصوت عال يطغى على صوت فيروز
    ـ ستي يا ستي .. اشتقتلك ياستي.
    غنت حتى نال منها التعب.. حضنت دبدوبها ونامت ملتصقة بتوأمها.

    ـ غريب يا أم شادي، حاجز آخر أمامنا، بعد أقل من ثلاثة كيلومترات على الحاجز الأول !! يبدو أن هناك أمراً غير عادي!.
    يهدئ منذر من سرعة البيجو تدريجياً ليقف عند الحاجز الثاني، ينزل من السيارة ويدور من أمام المقدمة باتجاه آمر الحاجز.

    المرسيدس التي لم تتوقف على الحاجز الأول، تنهب الطريق بسرعة جنونية، مقتربة من الحاجز الثاني، حيث توقفت البيجو، آمر الحاجز الذي كان أوعز لعناصره بالاستعداد لرمي الحصيرة المعدنية المحملة بالمسامير بعد أن وصلته مكالمة من الحاجز الأول تأمره بإيقاف المرسيدس الهاربة القادمة باتجاهه.. صرخ بأعلى صوته:
    ـ أرموا الحصيرة.. وفي ثوان كانت الحصيرة المعدنية تقطع الطريق كأفعى.

    أصوات فرقعة الدواليب واحتكاك حديد الإطارات بالأرض تصم الآذان. المرسيدس تكمل سيرها على الإطارات المعدنية متأرجحة يمنة ويسرة، وتصدم مؤخرة البيجو من الجانب الأيسر ، الصدمة تعكس اتجاه البيجو والنار تندلع فيها، بينما المرسيدس وبإصرار يائس تكمل سيرها بشكل أفعواني قبل أن تنزلق خارج الطريق منقلبة على ظهرها.

    منذر المذهول بما حدث أمامه، يدرك حرج الموقف.. يركض ويتناول الرضيعة نورما من زوجته التي تخرج من النافذة ويضعها جانباً، ويسرع لإخراج طفليه في المقعد الخلفي، فالنار تكاد تأكلهما، جن جنونه عندما عجز عن فتح أبواب السيارة التي تعرضت لضغط شديد نتيجة للصدمة، مما جعل من المستحيل فتحها، تحترق يداه وينسلخ الجلد عنهما عالقاً على مقابض الأبواب الحارقة .. النار تجن في جلد المقعد الخلفي.. يشم رائحة نسيس الشعر الأشقر .. مازال يسمع أصوت استغاثة الملاكين.. واوا بابا، واوا ماما.. يا جدوووو..

    منذر يسقط مغشياً عليه.

    يهرع عناصر الدورية للنجدة.. يعجزون كذلك عن فتح الأبواب فيعمدون إلى البنادق لكسر الزجاج وإخراج الطفلين، تفوح في المكان رائحة اللحم المشوي.. يختفي صوت الملاكين الصغيرين.. لكن فيروز تأبى الصمت ويأتي صوتها حزيناً مؤبناً..

    ومن يومها.. ما عدت شفتو.. ضاع شاااااااااااااادي.....!!!
    أحبك أيها المظلوم.. مهما كان عرقك لونك أو دينك
    أكرم سلمان حسن (أكرم منصورة)
    akrammansura@gmail.com
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الكاتب أكرم سلمان
    كم مرة شممت أنا رائحة اللحم المحروق..والنيران تشتعل بالجسم تعارك الزمن كي تخلصه من نيرانه إلا أنها تأبى إلا أن تأكل كل مايعترض طريقها.
    قصة تدمي الروح والنفس والقلب
    أحييك أخي
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      الكاتب اكرم سليمان

      نزفت مشاعري كمدا وألما وانا أقرأ
      سردك جذاب وسلس
      شكرا لك
      تحيتي
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • مريم محمود العلي
        أديب وكاتب
        • 16-05-2007
        • 594

        #4
        لست أدري ما أقول
        فالحوادث المؤلمة تميت الروح كل يوم ألف مرة
        مسكين هذا الأب وتلك الأم
        وكل من فوجع بما يشابه هذه الحادثة
        نص موجع إلى مالا نهاية
        كل الشكر والتقدير لك

        تعليق

        • مجدي السماك
          أديب وقاص
          • 23-10-2007
          • 600

          #5
          رد

          اخي الرائع اكرم سلمان حسن..تحياتي
          قرأتها اكثر من مرة في اكثر من مكان..ورغم ذلك ظلت في بهجتها ورونقها.
          مودتي
          عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

          تعليق

          • أكرم سلمان حسن
            أديب وكاتب
            • 16-10-2008
            • 56

            #6
            المبدعون الأساتذة
            عائدة ومها ومريم ومجدي
            كل عام وأنتم بخير
            بداية أعتذر عن التأخير في الرد
            تشرفت بردودكم وأرائكم المحمولة فيها.. وأسعدني جداً أن تنال إعجابكم .. أنت الرائعون حد الامتلاء
            مودتي وتقديري لكم جميعاً
            أكرم منصورة
            أحبك أيها المظلوم.. مهما كان عرقك لونك أو دينك
            أكرم سلمان حسن (أكرم منصورة)
            akrammansura@gmail.com

            تعليق

            • ربيع عقب الباب
              مستشار أدبي
              طائر النورس
              • 29-07-2008
              • 25792

              #7
              أكرم
              كم أحبك أيها الرجل الجميل .. و كم أحب قلمك الغنى .. الكبير مثلك .. كان لهذه القصة وقع غريب على .. أحسست بك يومها .. وكأنك مهندس تدبر الأمر .. و تجهز له من الامكانات ما من شأنه أن يقيمه بشكل مدهش و قوى و معصى على الانهيار !!
              نعم أخى .. فى لعبتك هذه كنت مدهشا .. حين كان الحدث بكل ما مكنت له من أنياب و نيران .. ليبدو و كأنه بالفعل هكذا و لن يكون إلا هكذا !!
              اللغة هى الأخرى تشكل معك طوابق البناء فى غنى و عذوبة .. ترقرقها كموج البحر .. ثم تبعث الريح فتعصف .. و أنت هادىء .. فيكون الموج فى أقصى حالاته ، مطيحا بالشاطىء مغرقا الطرق و المدينة !!
              تمتعت أكرم
              شكرا لك
              تحيتى و تقديرى
              sigpic

              تعليق

              • أكرم سلمان حسن
                أديب وكاتب
                • 16-10-2008
                • 56

                #8
                أستاذي العزيز
                صباح الخير
                أنت كما أنت.. كبير بعطائك واهتمامك.. كما أنت بإبداعك..
                ردودك تلك.. المليئة بما يفيض به داخلك النقي.. المعطاء بلا حدود.
                تأتي لتجمل العمل وتكسبه الرونق والبهاء..
                الشكر لك.. دائم..
                كل تقديري وحبي لك
                أخوك أكرم منصورة
                أحبك أيها المظلوم.. مهما كان عرقك لونك أو دينك
                أكرم سلمان حسن (أكرم منصورة)
                akrammansura@gmail.com

                تعليق

                • دريسي مولاي عبد الرحمان
                  أديب وكاتب
                  • 23-08-2008
                  • 1049

                  #9
                  رد: حاجز طيار

                  العزيز أكرم حسن...أتمنى من كل قلبي أن تكون بألف خير...
                  ساخبرك شيئا يراودني عندما أستحضر نصوصا بصمت ذاكرتي القرائية...أنني اعود اليها في لحظات صفائي امتح منها الروعة...الاستثناء...الجدة...والابداع...
                  عدت أفتش أدراج المنتدى لأرفع الحاجز الطيار...وبالفعل حققت متعة لا تضاهى...
                  أكرم حسن...ما زلت أتذكرك...فأنت صديق كبير
                  سأقف عند هذا الحاجز مرارا...
                  سأقف عند هذا الحاجز مرارا...
                  بين اللحن الفيروزي الصداح ورائحة اللحم البشري...وقفت مشدوها...
                  لذكراك أيها العزيز...بحثت عنك فيها بين السطور..
                  محبتي

                  تعليق

                  • ربيع عقب الباب
                    مستشار أدبي
                    طائر النورس
                    • 29-07-2008
                    • 25792

                    #10
                    رد: حاجز طيار

                    كان لى أخ ..
                    يمكن أكتر .. كان و كنا
                    لكن يبدو أن الانترنت مثل الجيش
                    نخدم فيه ، و نخرج إلى الحياة .
                    ولا نجدهم

                    أين أنت ؟!!

                    أعلم ما بنفسك ، و تعلم ما لا بنفسى .. فأرجوك تعال !!
                    أشتاقك !!
                    ربيع عبد الرحمن أخوك
                    sigpic

                    تعليق

                    • أكرم سلمان حسن
                      أديب وكاتب
                      • 16-10-2008
                      • 56

                      #11
                      دريسي دريسي دريسي
                      لوفائك أيها الصديق المبدع .. أقف احتراماً و........خجلاً من التواري خلف شاشة أخذت من عقلي وعواطفي .. أكثر مما أخذت من نظري ..
                      كنت قد قررت الابتعاد والاستلقاء على الشاطىء مكتفياً بمراقبة الأمواج.. لكن كلماتك حملتها موجة عاتية فجرفتني ثانية إلى المحيط..
                      للغياب أسباب.. التي زال قسم منها وبقي أخر..
                      لعينيك أيها الكبير .. ألف وردة
                      أخوك أكرم
                      التعديل الأخير تم بواسطة أكرم سلمان حسن; الساعة 10-11-2009, 16:25.
                      أحبك أيها المظلوم.. مهما كان عرقك لونك أو دينك
                      أكرم سلمان حسن (أكرم منصورة)
                      akrammansura@gmail.com

                      تعليق

                      • أكرم سلمان حسن
                        أديب وكاتب
                        • 16-10-2008
                        • 56

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
                        كان لى أخ ..
                        يمكن أكتر .. كان و كنا
                        لكن يبدو أن الانترنت مثل الجيش
                        نخدم فيه ، و نخرج إلى الحياة .
                        ولا نجدهم

                        أين أنت ؟!!

                        أعلم ما بنفسك ، و تعلم ما لا بنفسى .. فأرجوك تعال !!
                        أشتاقك !!
                        ربيع عبد الرحمن أخوك
                        أستاذي ربيع
                        كلماتك هذه .. تستحق أكثر من كلمات بسيطة.. لذا أكتفي هنا بالتحية وسوف أكتب لك رسالة خاصة على إيميلك قريباً
                        كن بخير
                        أخوك
                        أحبك أيها المظلوم.. مهما كان عرقك لونك أو دينك
                        أكرم سلمان حسن (أكرم منصورة)
                        akrammansura@gmail.com

                        تعليق

                        • ربيع عقب الباب
                          مستشار أدبي
                          طائر النورس
                          • 29-07-2008
                          • 25792

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة أكرم سلمان حسن مشاهدة المشاركة
                          أستاذي ربيع
                          كلماتك هذه .. تستحق أكثر من كلمات بسيطة.. لذا أكتفي هنا بالتحية وسوف أكتب لك رسالة خاصة على إيميلك قريباً
                          كن بخير
                          أخوك
                          أخيرا أكرم
                          أخيرا ظهرت

                          لك الله أخى ... لك الله

                          بالطبع فى انتظارها !!

                          كن بخير يا أخى الذى لم تلده أمى
                          sigpic

                          تعليق

                          • دريسي مولاي عبد الرحمان
                            أديب وكاتب
                            • 23-08-2008
                            • 1049

                            #14
                            مرحبا بأخي الكبير أكرم حسن...
                            أنا جد سعيد اليوم لانك رفعت الحواجز مرة أخرى...
                            جمبل صديقي ان تتأمل الأمواج وهي تصطخب من وراء المدى اللانهائي...فثمة سر الصيرورة كفرصة لمصالحة الذات والعودة اليها...
                            عودتك مناسبة في حد ذاتها...انتظر من خلالها جديدك بشوق محموم.
                            محبتي أيها العزيز.

                            تعليق

                            يعمل...
                            X