رجل من كوكب آخر
رجل من كوكب آخر
كانت ليلة عيد الفطر، حينها قرر الزملاء التجمع فى مقهى شعبى ، وكانت فرصة نادرة للقاء الأصدقاء العائدين من الخارج فى زيارة قصيرة لقضاء الأيام المباركة مع أسرهم.
كان الزحام شديداً والضوضاء لا حد لها ..و بدلا من جلوسى على مقعد أجلسنى النادل على (دكة) وهى صوفة بلا ظهر أو متكأ ..متعبة لكن الصحبة رائعة.
على باب المقهى ظهر رجل عجوز فى حلة رمادية فضفاضة ..عيناه غائرتان ..لحيته حرير أبيض ..غطى رأسه بغطاء من الفرو الروسى الصنع.. لم يعره أحدهم إهتماما ..ورغم عدم وجود مكان شاغر لم يبرح مكانه ، لاحظ أنى أنظر إليه فإستند الى عصاه وأبدى إستياءه إمتعاضا ممدا شفتاه .. بحركة تلقائية وجدتنى افسح مكانا له بجانبى.. و فى عبوس شديد تقدم ..إستدار أسندت ظهره الى ذراعى فجلس.
قال: زحام شديد..
قلت:كل سنه وأنت طيب ..عيد يا حاج..
قال:هذه الدكة متعبة
قلت: لم أجد بديلا لها ..والله
بدأ زملائى يبتسمون و يتهامسون " الليلة باظت"
قال:ما إسمك؟
قلت: جلال يا حاج
قال: أولادى فى مثل سنك ، كلهم ناجحين ..كلهم مستورين .. كلهم فى الخارج
لم يفارق العبوس وجهه ولو للحظة وبدت لغته راقية
وصوته الهادىء ينم عن ألم دفين..
إسترسل قائلا: يذكروننى دائما فيرسلون الخطابات والبرقيات والشيكات لكنهم مشغولون..مشغولون
قالها ولمعت فى عينيه دمعة مسحها بسرعة ..فى كبرياء وعبوس شديدين..
فى هذه الأثناء كلما التقت عيناى بعيون زملاء العمر
رأيت ضحكات و إبتسامات ماكرة فيها شماتة ومشاكسة
بدون سؤال أجضر النادل الشاى لجارى
و عاد العجوز يحدثنى بصوته الوقور
قال: هل لك أولاد يا جلال؟
قلت: الحمد لله لى ولد يدرس الهندسة
قال: لا تقسو عليه ربما ينفعك فى المستقبل فيزورك وتتمتع بمداعبة أولاده وتصادق زوجته وأهلها فلا تحس بالوحدة أطلاقا..إطلاقا..
رداً قلت: نصيحتك غاليه يا حاج .. إن شاء الله...
لم يكن يسمعنى فقد مد يده فى جيبه يبحث عن شىء
ثم بدأ يحتسى الشاى فى هدوء
إنشغلت بالحديث مع الزملاء ..ضحكات و مداعبات
وأحيانا شتائم و معايرة بمواقف طفولية
مضت منذ سنين طويلة ومازالت تضحك بعضنا
وتغيظ البعض الآخر
تملكنى الحرج فجأة..حين أحسست بيد العجوز فى جيبى ..
ماذا أفعل ياربى؟ أأفضحه..؟ أأصرخ..؟ ......؟؟
بيدى تلمست أصابعه داخل جيبى دون أن يلحظ ذلك الزملاء ..
نظر الى وإبتسم للمرة الأولى
أخرج أصابعه فى هدوء..
وهمس فى أذنى:ليس لى أصدقاء .. وضعت فى جيبك شيكا بخمسة عشر آلاف جنيه يصرف لحامله
قلت: لكن..!!..؟؟
قاطعنى قائلا: أعرف تماما أنك مستور ودائما إن شاء الله مستور.. هذه ذكاة مالى لا أقوى على توزيعها على الفقراء.. أرجوك.. قم بصرف الشيك و توزيعه بأسلوبك ..
قلت: و لماذا أنا..؟
قال: يا جلال.. أنا لم أولد بهذا الشعر الأبيض .. أنا أعرف الناس جيدا..
قبل أن أنطق ببنت شفاه مد يده الى المنضدة ..
التقط قطعة من السكر وضعها فى فمى كى يسكتنى..
قبلت اليد .. سحبها ووضعها على ظهرى فى راحة..
قائلا: هذه الدكة متعبة جدا..
******
رجل من كوكب آخر
كانت ليلة عيد الفطر، حينها قرر الزملاء التجمع فى مقهى شعبى ، وكانت فرصة نادرة للقاء الأصدقاء العائدين من الخارج فى زيارة قصيرة لقضاء الأيام المباركة مع أسرهم.
كان الزحام شديداً والضوضاء لا حد لها ..و بدلا من جلوسى على مقعد أجلسنى النادل على (دكة) وهى صوفة بلا ظهر أو متكأ ..متعبة لكن الصحبة رائعة.
على باب المقهى ظهر رجل عجوز فى حلة رمادية فضفاضة ..عيناه غائرتان ..لحيته حرير أبيض ..غطى رأسه بغطاء من الفرو الروسى الصنع.. لم يعره أحدهم إهتماما ..ورغم عدم وجود مكان شاغر لم يبرح مكانه ، لاحظ أنى أنظر إليه فإستند الى عصاه وأبدى إستياءه إمتعاضا ممدا شفتاه .. بحركة تلقائية وجدتنى افسح مكانا له بجانبى.. و فى عبوس شديد تقدم ..إستدار أسندت ظهره الى ذراعى فجلس.
قال: زحام شديد..
قلت:كل سنه وأنت طيب ..عيد يا حاج..
قال:هذه الدكة متعبة
قلت: لم أجد بديلا لها ..والله
بدأ زملائى يبتسمون و يتهامسون " الليلة باظت"
قال:ما إسمك؟
قلت: جلال يا حاج
قال: أولادى فى مثل سنك ، كلهم ناجحين ..كلهم مستورين .. كلهم فى الخارج
لم يفارق العبوس وجهه ولو للحظة وبدت لغته راقية
وصوته الهادىء ينم عن ألم دفين..
إسترسل قائلا: يذكروننى دائما فيرسلون الخطابات والبرقيات والشيكات لكنهم مشغولون..مشغولون
قالها ولمعت فى عينيه دمعة مسحها بسرعة ..فى كبرياء وعبوس شديدين..
فى هذه الأثناء كلما التقت عيناى بعيون زملاء العمر
رأيت ضحكات و إبتسامات ماكرة فيها شماتة ومشاكسة
بدون سؤال أجضر النادل الشاى لجارى
و عاد العجوز يحدثنى بصوته الوقور
قال: هل لك أولاد يا جلال؟
قلت: الحمد لله لى ولد يدرس الهندسة
قال: لا تقسو عليه ربما ينفعك فى المستقبل فيزورك وتتمتع بمداعبة أولاده وتصادق زوجته وأهلها فلا تحس بالوحدة أطلاقا..إطلاقا..
رداً قلت: نصيحتك غاليه يا حاج .. إن شاء الله...
لم يكن يسمعنى فقد مد يده فى جيبه يبحث عن شىء
ثم بدأ يحتسى الشاى فى هدوء
إنشغلت بالحديث مع الزملاء ..ضحكات و مداعبات
وأحيانا شتائم و معايرة بمواقف طفولية
مضت منذ سنين طويلة ومازالت تضحك بعضنا
وتغيظ البعض الآخر
تملكنى الحرج فجأة..حين أحسست بيد العجوز فى جيبى ..
ماذا أفعل ياربى؟ أأفضحه..؟ أأصرخ..؟ ......؟؟
بيدى تلمست أصابعه داخل جيبى دون أن يلحظ ذلك الزملاء ..
نظر الى وإبتسم للمرة الأولى
أخرج أصابعه فى هدوء..
وهمس فى أذنى:ليس لى أصدقاء .. وضعت فى جيبك شيكا بخمسة عشر آلاف جنيه يصرف لحامله
قلت: لكن..!!..؟؟
قاطعنى قائلا: أعرف تماما أنك مستور ودائما إن شاء الله مستور.. هذه ذكاة مالى لا أقوى على توزيعها على الفقراء.. أرجوك.. قم بصرف الشيك و توزيعه بأسلوبك ..
قلت: و لماذا أنا..؟
قال: يا جلال.. أنا لم أولد بهذا الشعر الأبيض .. أنا أعرف الناس جيدا..
قبل أن أنطق ببنت شفاه مد يده الى المنضدة ..
التقط قطعة من السكر وضعها فى فمى كى يسكتنى..
قبلت اليد .. سحبها ووضعها على ظهرى فى راحة..
قائلا: هذه الدكة متعبة جدا..
******
تعليق