ين كنا نعيش في قريتنا – في حوران – في أعوام الخمسينات من القرن الماضي.. كان لدينا حمار أبيض اللون، قوي البنية، شرس الطباع.. له نهيق مميز يعرفه القاصي والداني.. لم يتوان قط عن لبطي وغيري من الصبية، ورمي مراراً أرضاً عن ظهره...
أتى زمن ما، قرر فيها أبي، أن يتدمشق ( من دمشق)، وقد ضاق ذرعا بحياة الريف الحوراني ( البائس)، فلا نهر ولا شجر.. فعمد إلى بيع ما نملك، من عنز وغنم.. وحمارنا الفظ الطباع..
تركنا القرية، وبقيت جدتي ودجاجاتها، وقد رفضت الرحيل. ومن يحرس الدار قالت.. وأردفت تتمتم بصمت.. دون أن تعرف شاعرنا الراحل محمود درويش - إن البيوت تموت برحيل أهلها..
كنت بدوري متعلقاً بحياة القرية.. ففي أول فرصة مدرسية.. حملت ذاتي وعدت مسرعاً والغبطة تتملكني إلى مهبط راسي القرية..
بفرح عارم استقبلتني جدتي.. ضمتني بحنان.. ثم طفقت تحدثني عما لديها من أخبار وأفكار.. وفجأة تملكها الضحك. وحين سيطرت على ذاتها، أخذت تقص علي.. أفعال هذا الحمار الشيطان.. كما كانت تدعوه..
قالت.. صبيحة اليوم التالي لمغادرتكم.. فوجئت بالحمار على باب الدار.. يدفعه برأسه.. كأنه يود اقتحامه.. وأخذ ينهق.. ويرفس الأرض بحافره..
وأردفت تحكي والتأثر باد على محياها.. دمعة حرى أو اثنتين.. سالتا.. خرجت إليه فتحت له الباب.. وبسرعة البرق (وكانت قد اعتادت على هذا التشبيه البديع) إلى مربطه دخل.. وهدأ وسكن..
جاء صاحبه باحثاً عنه.. وقد قدر لجوءه إلى دارنا..
وحين أراد الرجل سحبه بقوة الجر.. أدار له الحمار قفاه ولبطه.. ونهق، ولم يكتف.. بل أطلق تلك الفعلة.. ( أطلق ريحاً.. حسب التعبير الذي قرأته في طفولتي.. في رواية كوخ العم توم )..
لم يستطع الرجل جر الحمار.. تدخلت جدتي.. وربتت على ظهر الحمار وقادته.. إلى حيث يرغب الرجل..
تكرر الأمر في اليوم التالي..
وعاد الصاحب.. وكان هذا ملاكاً كبيراً في القرية ( كولاكاً – حسب التعبير الماركسي).. لديه الخير الكثير.. وقد قدم له.. للحمار.. كل ما طابت له نفسه.. من تبن وحشائش وقشور البطيخ والعلف والشعير.. وعامله بلطف كبير.. وربت على ظهره.. وخصص له مربطاً لائقاً بجلالته.. غير أن الحمار لم يقدر ما حصل عليه من نعم.. وفضل حياة التقشف في مربطه..
وتكرر الأمر وسار على هذا الحال.. حتى يئس منه صاحبه..
وأخيراً.. عقد هذا الصاحب اتفاقاً جنتلمانياً مع جدتي، أصبح بموجبه فيها الحمار سيداً في عرينه.. يأتي مربطه في دارنا، حينما تنتهي مهامه..
وهكذا درج الصاحب على حمل العلف إلى دارنا.. وتقوم جدتي بدورها.. في إقناع الحمار على خدمة الرجل..
قلت لها.. أين هو الآن.. قالت في مربطه في التبان..(حجرة مخصصة للتبن وللحمار فيه ركن صغير= مربطه )..
قفزت مسرعاً.. ودلفت التبان.. كان منظراً رائعاً.. نهق الحمار واستدار ناظراً إلي.. وللمرة الأولى كان بيننا سلام وربت.. دون خصام.. وبكيت.. وفي ذاتي همست.. حمارنا وطني مخلص متعصب شوفيني.. نحن تركنا الدار وهو يرعاها..
عندما أذكر حكاية حمارنا في أيامنا هذه.. تأتيني قصيدة محمود درويش.. مكيفاً إياها.. قائلاً..
لماذا تركت الحمار وحيداً يا أبي.. والدار..!!
أتى زمن ما، قرر فيها أبي، أن يتدمشق ( من دمشق)، وقد ضاق ذرعا بحياة الريف الحوراني ( البائس)، فلا نهر ولا شجر.. فعمد إلى بيع ما نملك، من عنز وغنم.. وحمارنا الفظ الطباع..
تركنا القرية، وبقيت جدتي ودجاجاتها، وقد رفضت الرحيل. ومن يحرس الدار قالت.. وأردفت تتمتم بصمت.. دون أن تعرف شاعرنا الراحل محمود درويش - إن البيوت تموت برحيل أهلها..
كنت بدوري متعلقاً بحياة القرية.. ففي أول فرصة مدرسية.. حملت ذاتي وعدت مسرعاً والغبطة تتملكني إلى مهبط راسي القرية..
بفرح عارم استقبلتني جدتي.. ضمتني بحنان.. ثم طفقت تحدثني عما لديها من أخبار وأفكار.. وفجأة تملكها الضحك. وحين سيطرت على ذاتها، أخذت تقص علي.. أفعال هذا الحمار الشيطان.. كما كانت تدعوه..
قالت.. صبيحة اليوم التالي لمغادرتكم.. فوجئت بالحمار على باب الدار.. يدفعه برأسه.. كأنه يود اقتحامه.. وأخذ ينهق.. ويرفس الأرض بحافره..
وأردفت تحكي والتأثر باد على محياها.. دمعة حرى أو اثنتين.. سالتا.. خرجت إليه فتحت له الباب.. وبسرعة البرق (وكانت قد اعتادت على هذا التشبيه البديع) إلى مربطه دخل.. وهدأ وسكن..
جاء صاحبه باحثاً عنه.. وقد قدر لجوءه إلى دارنا..
وحين أراد الرجل سحبه بقوة الجر.. أدار له الحمار قفاه ولبطه.. ونهق، ولم يكتف.. بل أطلق تلك الفعلة.. ( أطلق ريحاً.. حسب التعبير الذي قرأته في طفولتي.. في رواية كوخ العم توم )..
لم يستطع الرجل جر الحمار.. تدخلت جدتي.. وربتت على ظهر الحمار وقادته.. إلى حيث يرغب الرجل..
تكرر الأمر في اليوم التالي..
وعاد الصاحب.. وكان هذا ملاكاً كبيراً في القرية ( كولاكاً – حسب التعبير الماركسي).. لديه الخير الكثير.. وقد قدم له.. للحمار.. كل ما طابت له نفسه.. من تبن وحشائش وقشور البطيخ والعلف والشعير.. وعامله بلطف كبير.. وربت على ظهره.. وخصص له مربطاً لائقاً بجلالته.. غير أن الحمار لم يقدر ما حصل عليه من نعم.. وفضل حياة التقشف في مربطه..
وتكرر الأمر وسار على هذا الحال.. حتى يئس منه صاحبه..
وأخيراً.. عقد هذا الصاحب اتفاقاً جنتلمانياً مع جدتي، أصبح بموجبه فيها الحمار سيداً في عرينه.. يأتي مربطه في دارنا، حينما تنتهي مهامه..
وهكذا درج الصاحب على حمل العلف إلى دارنا.. وتقوم جدتي بدورها.. في إقناع الحمار على خدمة الرجل..
قلت لها.. أين هو الآن.. قالت في مربطه في التبان..(حجرة مخصصة للتبن وللحمار فيه ركن صغير= مربطه )..
قفزت مسرعاً.. ودلفت التبان.. كان منظراً رائعاً.. نهق الحمار واستدار ناظراً إلي.. وللمرة الأولى كان بيننا سلام وربت.. دون خصام.. وبكيت.. وفي ذاتي همست.. حمارنا وطني مخلص متعصب شوفيني.. نحن تركنا الدار وهو يرعاها..
عندما أذكر حكاية حمارنا في أيامنا هذه.. تأتيني قصيدة محمود درويش.. مكيفاً إياها.. قائلاً..
لماذا تركت الحمار وحيداً يا أبي.. والدار..!!
تعليق