حماري وجدتي وأنا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عيسى بن ضيف الله حداد
    أديب ومفكر
    • 11-10-2008
    • 121

    حماري وجدتي وأنا

    ين كنا نعيش في قريتنا – في حوران – في أعوام الخمسينات من القرن الماضي.. كان لدينا حمار أبيض اللون، قوي البنية، شرس الطباع.. له نهيق مميز يعرفه القاصي والداني.. لم يتوان قط عن لبطي وغيري من الصبية، ورمي مراراً أرضاً عن ظهره...
    أتى زمن ما، قرر فيها أبي، أن يتدمشق ( من دمشق)، وقد ضاق ذرعا بحياة الريف الحوراني ( البائس)، فلا نهر ولا شجر.. فعمد إلى بيع ما نملك، من عنز وغنم.. وحمارنا الفظ الطباع..
    تركنا القرية، وبقيت جدتي ودجاجاتها، وقد رفضت الرحيل. ومن يحرس الدار قالت.. وأردفت تتمتم بصمت.. دون أن تعرف شاعرنا الراحل محمود درويش - إن البيوت تموت برحيل أهلها..
    كنت بدوري متعلقاً بحياة القرية.. ففي أول فرصة مدرسية.. حملت ذاتي وعدت مسرعاً والغبطة تتملكني إلى مهبط راسي القرية..
    بفرح عارم استقبلتني جدتي.. ضمتني بحنان.. ثم طفقت تحدثني عما لديها من أخبار وأفكار.. وفجأة تملكها الضحك. وحين سيطرت على ذاتها، أخذت تقص علي.. أفعال هذا الحمار الشيطان.. كما كانت تدعوه..
    قالت.. صبيحة اليوم التالي لمغادرتكم.. فوجئت بالحمار على باب الدار.. يدفعه برأسه.. كأنه يود اقتحامه.. وأخذ ينهق.. ويرفس الأرض بحافره..
    وأردفت تحكي والتأثر باد على محياها.. دمعة حرى أو اثنتين.. سالتا.. خرجت إليه فتحت له الباب.. وبسرعة البرق (وكانت قد اعتادت على هذا التشبيه البديع) إلى مربطه دخل.. وهدأ وسكن..
    جاء صاحبه باحثاً عنه.. وقد قدر لجوءه إلى دارنا..
    وحين أراد الرجل سحبه بقوة الجر.. أدار له الحمار قفاه ولبطه.. ونهق، ولم يكتف.. بل أطلق تلك الفعلة.. ( أطلق ريحاً.. حسب التعبير الذي قرأته في طفولتي.. في رواية كوخ العم توم )..
    لم يستطع الرجل جر الحمار.. تدخلت جدتي.. وربتت على ظهر الحمار وقادته.. إلى حيث يرغب الرجل..
    تكرر الأمر في اليوم التالي..
    وعاد الصاحب.. وكان هذا ملاكاً كبيراً في القرية ( كولاكاً – حسب التعبير الماركسي).. لديه الخير الكثير.. وقد قدم له.. للحمار.. كل ما طابت له نفسه.. من تبن وحشائش وقشور البطيخ والعلف والشعير.. وعامله بلطف كبير.. وربت على ظهره.. وخصص له مربطاً لائقاً بجلالته.. غير أن الحمار لم يقدر ما حصل عليه من نعم.. وفضل حياة التقشف في مربطه..
    وتكرر الأمر وسار على هذا الحال.. حتى يئس منه صاحبه..
    وأخيراً.. عقد هذا الصاحب اتفاقاً جنتلمانياً مع جدتي، أصبح بموجبه فيها الحمار سيداً في عرينه.. يأتي مربطه في دارنا، حينما تنتهي مهامه..
    وهكذا درج الصاحب على حمل العلف إلى دارنا.. وتقوم جدتي بدورها.. في إقناع الحمار على خدمة الرجل..
    قلت لها.. أين هو الآن.. قالت في مربطه في التبان..(حجرة مخصصة للتبن وللحمار فيه ركن صغير= مربطه )..
    قفزت مسرعاً.. ودلفت التبان.. كان منظراً رائعاً.. نهق الحمار واستدار ناظراً إلي.. وللمرة الأولى كان بيننا سلام وربت.. دون خصام.. وبكيت.. وفي ذاتي همست.. حمارنا وطني مخلص متعصب شوفيني.. نحن تركنا الدار وهو يرعاها..
    عندما أذكر حكاية حمارنا في أيامنا هذه.. تأتيني قصيدة محمود درويش.. مكيفاً إياها.. قائلاً..
    لماذا تركت الحمار وحيداً يا أبي.. والدار..!!
  • د. م. عبد الحميد مظهر
    ملّاح
    • 11-10-2008
    • 2318

    #2
    يبدو انه حمار جميل من أصحاب المبادىء ، ولكن كيف نصف هذا الحمار المخلص بكلمات مثل:..شرس الطباع ، فظ الطباع و الشيطان؟

    وتحياتى

    التعديل الأخير تم بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر; الساعة 01-12-2008, 15:54.

    تعليق

    • عيسى بن ضيف الله حداد
      أديب ومفكر
      • 11-10-2008
      • 121

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر مشاهدة المشاركة
      يبدو انه حمار جميل من أصحاب المبادىء ، ولكن كيف نصف هذا الحمار المخلص بكلمات مثل فظ الطباع و شيطان؟

      وتحياتى

      شكراً أيها الزميل العزيز
      لقد كان كذالك..
      وكما ترى - كما قال جدنا الجاحظ - لكل مقام مقال -.. والمرء ينتقل من
      حال إلى حال.. والحمار كذالك..
      لنتواصل

      تعليق

      • مريم محمود العلي
        أديب وكاتب
        • 16-05-2007
        • 594

        #4
        الأستاذ الكريم عيسى
        هل الحيوان أكثر اخلاصا من الانسان ؟؟؟؟؟؟؟؟

        نص يجعلنا نطرح أسئلة على أنفسنا ونتسائل عن أشياء فقدناه في عالم الماديات
        كل الشكر والتقدير لك

        تعليق

        • عيسى بن ضيف الله حداد
          أديب ومفكر
          • 11-10-2008
          • 121

          #5
          زميلتي العزيزة
          قد يكون في بعض من الحقول
          ربما للفطرة والطبيعة الأولى دورها
          ها هو الإنسان قد غاص في حال التصنع فتلاشت فيه فطرته..
          إنما هنا نتدول مع الرمز..
          تحياتي

          تعليق

          • د. م. عبد الحميد مظهر
            ملّاح
            • 11-10-2008
            • 2318

            #6
            بناء على ذكر الفطرة ، هل تلاحظوا معى ان الحمار بدأ يختفى فى كثير من المدن؟

            وإذا صدقت هذه الملاحظة ، فهل هناك علاقة بين التمدن والحمير؟

            و عيد سعيد

            تعليق

            • عيسى بن ضيف الله حداد
              أديب ومفكر
              • 11-10-2008
              • 121

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر مشاهدة المشاركة
              بناء على ذكر الفطرة ، هل تلاحظوا معى ان الحمار بدأ يختفى فى كثير من المدن؟

              وإذا صدقت هذه الملاحظة ، فهل هناك علاقة بين التمدن والحمير؟

              و عيد سعيد
              ويكاد يختفي من الأرياف
              ولكن ما قولك أن شعار الحزب الديقراطي الامريكي - هو الحمار
              في أوربا الحمار والحيوان في نعيم ورخاء وبهاء
              أما نحن فلا قياس..
              فبشرنا يساقون سوق..
              لك تقديري

              تعليق

              • د. م. عبد الحميد مظهر
                ملّاح
                • 11-10-2008
                • 2318

                #8

                فى أمريكا إختفى الحمار من الشوارع و ظهر كشعار للحزب الديمقراطى ، أى أصبح رمزا..وهنا نتأمل عندما يصبح الحمار رمزا فى حياة الناس ، وإختفى كحيوان....لماذا هذا التحول من حيوان يسير على الأرض إلى رمز وشعار لحزب مهتم بتسيير الحياة الأمريكية؟؟
                التعديل الأخير تم بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر; الساعة 04-12-2008, 16:05.

                تعليق

                • مها راجح
                  حرف عميق من فم الصمت
                  • 22-10-2008
                  • 10970

                  #9
                  الكاتب القدير الاستاذ عيسى بن ضيف الله حداد

                  هي المباديء المتوارثة والقيم المتجذرة تأبى ان تترك صاحبها
                  وهذا الحيوان ابى ان يترك من أحسن اليه
                  قصة رمزية عميقة التأثير

                  تحيتي
                  رحمك الله يا أمي الغالية

                  تعليق

                  • عائده محمد نادر
                    عضو الملتقى
                    • 18-10-2008
                    • 12843

                    #10
                    لماذا تركت الحمار وحيداً يا أبي.. والدار..!!

                    الأستاذ الرائع
                    عيسى بن ضيف الله حداد
                    جملة سؤالية تركت بنفسي الأثر الكبير!!
                    لو أمعنا بمعناها لوجدنا إنها مغرا للغز يحير.. ربما!!
                    ذاك التمسك القوي بالمكان.. جذورنا ربما تأبى أن نفارق!!؟
                    حكيم هذا السؤال كثيرا!!؟
                    أكثر شيء شدني هو
                    تحياتي لك سيدي الكريم
                    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                    تعليق

                    • عيسى بن ضيف الله حداد
                      أديب ومفكر
                      • 11-10-2008
                      • 121

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة د. م. عبد الحميد مظهر مشاهدة المشاركة

                      فى أمريكا إختفى الحمار من الشوارع و ظهر كشعار للحزب الديمقراطى ، أى أصبح رمزا..وهنا نتأمل عندما يصبح الحمار رمزا فى حياة الناس ، وإختفى كحيوان....لماذا هذا التحول من حيوان يسير على الأرض إلى رمز وشعار لحزب مهتم بتسيير الحياة الأمريكية؟؟
                      أقل ما يقال هنا، أن الحمار لا يحمل ذات السمات والتصور النمطي كما هو عليه الحال لدينا..
                      لم ألمس أن الحمار يدخل في القاموس الشتائمي في فرنسا مثلاً.. بينما يدخل البقر في هذا القاموس - في حين ان البقر يكاد يكون عماد الإقتصاد في زمن ولى - ومازال له دوره..
                      السؤال هنا: هل درج الإنسان على تلقيم الحيوان الأكثر فائدة وإطاعة لديه ( في زمن ما ) سمات سلبية ( لأنه المطواع - الصابر )...؟
                      لك تقديري

                      تعليق

                      • وائل عبد السلام محمد
                        عضو أساسي
                        • 25-02-2008
                        • 688

                        #12
                        على غرار السرد التيمورى أقمتَ حواراً بين المخزون الحسى لدى المبدع وإطلالة النص على المتلقى ،،
                        أحسنت / أ عيسى
                        تحياتى
                        وائل عبد السلام محمد

                        تعليق

                        • زهار محمد
                          أديب وكاتب
                          • 21-09-2008
                          • 1539

                          #13
                          الأخ عيسى
                          الحمار مشهور بالغباء
                          لكنه وفي ولا ينسى العشرة
                          الجدة رمز الحب والعطاء
                          والحنان والتعلق بالأرض
                          وحب الأصول والفروع
                          والحفيد معلق بين الماضي
                          التليد وعمق الأنفة والأصالة
                          وبين الحاضر ومتقلباته في
                          كل مظاهر الحياة العصرية
                          دمت مبدعا ومجددا
                          [ღ♥ღ ابتسم فالله ربك ღ♥ღ
                          حين تبتسم سترى على وجهك بسمة لم ترى أحلى منها ولا أنقى
                          عندها سترى عيناك قد ملئتا دموعاً
                          فتشعر بشوق عظيم لله... فتهب إلى السجود للرحمن الرحيم وتبكي بحرقة رغبةً ورهبة
                          تبكي وتنساب على خديك غديرين من حبات اللؤلؤ الناعمة الدافئة

                          تعليق

                          • د. م. عبد الحميد مظهر
                            ملّاح
                            • 11-10-2008
                            • 2318

                            #14
                            عزيزى الأستاذ عيسى

                            ألا ترى ان عدد المعجبين بالحمار فى إزدياد

                            وأحبك يا حمار ..تكرارا للدكتور أحمد الليثى

                            تعليق

                            يعمل...
                            X