ابتدأ يوم اخر من العمل , هذا اليوم مختلف,
فالجميع قلق بشأن قرارات ادارة الشركة , اليوم ستعلن الترقيات , الجميع يتهافت على باب المدير العام يستنشيء الاخبار,
كل واحد من الموظفين صغارا وكبارا يعتقد بأنه واحد من اولئك الذين لهم الحق المبين في الترقية0
اما ابو محمد00
فقد ذهب الى مكتبه كعادته, ينكفيء خلفه , يحمل قرطلا مليئا بالاوراق التي يستخدمها في انجاز عمله والتي اعتاد ان يحملها معه لاكمال بعض حسابات الشركة في بيته0
فهو يعمل فيها منذ عشرين عاما من غير كلل او ملل ,
الكل يستضيء برأيه ويستنير بخبرته,
لم يبخل يوما بمساعدة قد يطلبها منه احد ,
يقدس العمل واهل لحمل المسؤولية ,
يؤمن بأحقية الشركة بكل دقيقة خلال فترة دوامه فيها ,
لا تهمه نفسه بقدر ما تهمه المصلحة يتياسر في امر نفسه وصحته ,
لا يرحم عقله من الاجابة على الاستفسارات التي يطرحها عليه الموظفون الجدد في نهاية كل عام عند اجراء الحسابات الختامية للشركة , وكثيرا ما يقوم بانجاز اعمال غيره
هكذا تعود الموظفون على رؤية ابي محمد , لقد بات معراجا يتصّعده الكثيرون للوصول الى القمة ,
والبعض يفترص الهـُنيهات من اجل مصالحه الشخصية ,
ومع كل هذا , فهو غير مرغوب فيه , لانه كنود, صادق, جريء , لا يتقن مهنة التملق ,
بل لا يستطيع تمثيله في اكثر المواقف حاجة اليه ,
كان ابو محمد ولا يزال سلسبيلا اذا ابتعدت عنه,
لكنه كالمعضد يقطع اوصال من يتعدى عليه0
لحظات حرجة تمر , الدقائق تعبر جلدات على رؤوس من يتوقعون الترقيات وشهادات التقدير والعلاوات,
الكل يحس بانه سنيّ ستنهال عليه بعد قليل بشائر الوجاهة ,
بعضهم يرفل بلخا يتخطى المكاتب والاوراق ويغتال الوقت بمطالعة صحيفة او شرب القهوة,
والبعض الاخر يفتـّت الساعة بنقاش حاد يقنع من حوله باخلاصه, والسيناريوهات التي تجري كلها كأنها دلالات المسؤولية للموظفين حديثي الترقية0
اما ابو محمد فرجل واثق بنفسه , واثق بعدالة الادارة هذه المرة , فلقد اعتاد الصمت كل سنة ازاء قرارات الترقية السابقة ,
حيث كان يلتمس للادارة العذر فيبحث في شخصيته عن ثغرات
لا تؤهله للحصول على أي منصب اعلى مما هو فيه0
اما هذه المرة فالامر يختلف, حيث مميزات الرجل الناجح التي تعلنها مثابرته واخلاصه تؤكد فوزه بلا منازع,
فهو اكبرهم سنا , وعلامات الاخلاص بادية على وجهه
وتعلن عنها انحناءة ظهره وصحته التي كانت ثمنا لهذا الاخلاص0
ومع هذا يؤثر الصمت ولا يحاول ان يظهر للاخرين بانه من المنتظرين للترقية0
شارف اليوم على الانتهاء , وفي نهاية الدوام
واذ بالمدير يدعو الى اجتماع طارىء ليعلن عن جملة القرارات التي خرجت بها الادارة ,
دلف الموظفون من مكاتبهم الى قاعة الاجتماعات
يتعثرون ببعضهم البعض يهيئون انفسهم للاستماع الى القرارات00
وسرعان ما كشف عن المخبوء الذي طال انتظاره 0
وجوه مكدودة في احدى الزوايا , ترفس الاوراق يمنة ويسرى , ووجوه اخرى مفعمة بالفرحة ,
ولم يمنح ابو محمد شيئا 0
راح ابو محمد يرمق القاتل بنظرة عتاب تذكره بواجبه المقدس
نحو المخلصين لكنه لم يتذكر ولم يع النظرة 0
اعطبت فرحة ابي محمد المكتومة والتي لم يعلن عنها انفا , واخترمت احلامه ,
رفع رأسه وصاح في وجه المدير:
يا سارق عمرى لك الله ايها الظالم 0
بعدها الفى ابو محمد نفسه معزولا ,
وقد اهترأ الجسد من كثرة الانهماك في العمل ,
اهتزت مبادؤه التي طالما افتخر بها , وارضعها لاولاده ,
واستوضح بأنها هي السبب في عدم ترقيته,
لانه لم يحسن يوما الرياء وراح ينوص عن مكتب المدير
مهرولا يقدم استقالته بهذه الكلمات
( استقيل 00 واشهد عدل القرار)
000الى هنا ( بقلمي )
مع تحياتي 000ناريمان الشريف
تعليق